text stringlengths 3 743k | meta dict |
|---|---|
السادسة والنصف، وباريس وبوليفار سان ميشيل. ماذا أيقظتني في الخامسة بعد نوم ساعتين فقط .. أهي الحُمى الباريسية التي تجتاحني كلما هبطت هذه المدينة؟ كان حظِّي معها سيئًا دائمًا .. أول مرة كانت ثورة الجزائر وعلاقتنا المتوترة بفرنسا. ما إن رأوا في المطار — مطار لا بورجیه — جوازَ سفري المصري حتى وُوجِهتُ بالوجه الصارم لباريس — بوليسها الفرنسي — وبأتوبيس يحملني قسرًا من المطار الجنوبي إلى المطار الشمالي لأُوضَع في الطائرة المتجهة لبيروت. المرة الثانية لم يصرحوا لي إلا بأربع وعشرين ساعة، قضيتها كلها بلا لحظة نوم. هذه المرة أحببت أن أراها بلا مكياج .. لترى أي مدينة على حقيقتها العارية استيقظ في الخامسة وطُف بشوارعها .. لم أكن أتصور أن شوارع باريس تحمل كل هذه الكمية من الزبالة والقذارة وبقايا الليل. هذه ثالث عاصمة عالمية أزورها في رحلتي تلك، وكلها بلا استثناء قد بدأت القذارة تزحف إلى شوارعها، تكاد في بعض أجزائها أن تقترب اقترابًا مخيفًا من قذارة شوارع القاهرة. كأن عالَم مطلع القرن النظيف المثالي قد اختفى .. الصراع الرهيب الدائر بين الإنسان والنظام في كل مكان جعل اليأس يدبُّ في القلوب على هيئة إهمال؛ سواء في النظافة الشخصية أو النظافة العامة. الإنسان المهموم قذارة. عمال النظافة یكنسون باريس. عمال معظمهم من عرب الشمال الأفريقي .. كثيرون هم هنا كثيرون. يُنظفون باريس، ويحاولون تجميلها، ومع هذا فهم مكروهون من الفرنسيين. كلمة عربي هنا لها وقعٌ آخر غير وقعها في لندن أو نيويورك. فالعرب هنا هم البروليتاريا اليدوية التي يُعهد إليها بأشق الأعمال. حين تُوفي جمال عبد الناصر صنع له العمال العرب جنازة في نفس الوقت الذي خرجت فيه جنازته من القاهرة روَّعت الحكومة الفرنسية في ذلك؛ إذ شُلَّت الحياة تمامًا في باريس، حتى إنها أنشأت بعد هذا قسمًا خاصًّا في وزارة الداخلية للعمال العرب. مشيت في بوليفار سان ميشيل، قلب الحي اللاتيني، حي الجامعات والطلبة، والبوهيميين والكوشار، ومقصد السياح. ربما كراهية الفرنسيين للأغراب سببها كثرة السياح. «واسألنا نحن!» وأكثر الأحياء ازدحامًا بالسياح هو الحي اللاتيني .. فرجة باريس، ربما لهذا فضَّلت أن أرى باريس بلا سياح، في الصباح الباكر .. أرى الباريسيين يخرجون إلى العمل. لا ألمح ابتسامة على وجه أحد .. جادون وجادات، مسرعون ومسرعات، والساعة تقترب من السابعة .. غريب هذا. المدينة التي تصدِّر إلى العالم كله أدوات المكياج والتجميل نادرًا ما تضع نساؤها المساحيق. بلا مساحيق، أرى باريس تستيقظ لتوِّها من النوم، لم تغسل وجهها بعد، ولكن الوجوه نظيفة، والقوامات رشيقة. حتى الكبار ومتوسطو العمر ليس فيهم سمين أو مجَعْلَص أو تخينة أو تخين. فجأة وجدتني وجهًا لوجه أمام باريس أخرى، مختلفة تمامًا عن تلك التي لخَّصها رفاعة رافع الطهطاوي، أو انفعل بفنها وبفكرها توفيق الحكيم، وبرقصها على البارود أحمد الصاوي محمد. باريس بلا هالة من جمال ونور. باريس التي تكدح وتعيش. باريس التي تخلصت من كل علامات البرجوازية في المأكل والمشرب والملبس. أكاد لا أعرف الفقير من الغني، والعاملة من صاحبة المتجر. كلهن تقريبًا بالبنطلونات البلوجينز، وكأنما كلما كان البنطلون قديمًا كان أشْيَك، تخلصوا من عقدة الأثواب والوجاهة مثلما فعل الصينيون في الشرق البعيد، ليس بناء على توجيهات حزبٍ وإنما — فيما أعتقد — بناء على اندثار التقاليد البرجوازية القديمة؛ من تنابز بالأزياء، وتصنُّع في تسريحات الشعر ومكياج الوجوه. كأنما أصبح الهدف أن الأجمل هو الأكثر أصالة. والأصالة أن تكون شكلك أنت لا شكلك المصنوع. وأن ترتدي ما يُريحك، أو ما يدفئك، أو ما يُبرد جسدك لا ما تتيه به على الآخرين، والطعام أصبح هو المغذي فقط وليس الشهي، لم تعد الموائد العامرة هي المقياس، ولا اللذة في الطعام هي الهدف. الهدف — لا بد — متعة أرقى من الزي وأرقى من حشو المعدة. الهدف — لا بد — إمتاع العقل والقلب. كانت الشوارع لا تزال شبه خالية ولهذا كانت تبدو لي مزدحمةً بالإعلانات والملصقات، لم أر عاصمة في العالم فيها كل هذا الكم من الملصقات، والغريب أنها كلها إما عن مسرحيات، أو معارض فنية، أو حفلات موسيقية. حتى رمسيسنا الكبير تحتل الإعلانات عنه — في المقاهي والمطاعم — مكانًا بارزًا. المتعة هنا هي الاستمتاع بالجمال الأرقى .. وليس أجمل ولا أرقى من الفن في كافة أشكاله وصوره. هذه هي مدينة فنانة، أو مدينة فنانين. خُيِّل لي وأنا موزع البصر على الأفيشات، أن نصف سكان هذه المدينة على الأقل فنانون وفنانات. هذه مدينة التعبير عن النفس. المتعة الحقة أن يُعبِّر الإنسان عن غايته، حبًّا أو فنًّا أو شذوذًا إذا أراد. لا بد أن هذا هو السبب في الصوت العالي الذي يتكلم به الباريسيون والباريسيات. هذه مدينة لا همس فيها .. رأيك تقوله واضحًا وصريحًا ودون خجل وبصوت عالٍ. فرأيك هو أنت. وما دمت لا تخجل من نفسك لأنك أنت .. وسعيد بأنك أنت فلتفخر بذاتك وبرأيك وبذوقك وبشخصيتك وبتفردك. الناس هنا لا يتقولون على بعضهم البعض؛ لأنهم يقولون لبعضهم البعض، وفي مواجهة بعضهم البعض. أتكون هي الثورة الفرنسية؟ قال فيها الشعب الفرنسي ومنذ مائتي عام رأيه الجماعي في الملكية والاستبداد والتفرقة. وكانت النتيجة أنه بعد أن تحرر جماعيًّا، بدأ يتحرر فرديًّا، ووصل التحرر الفردي إلى حدِّ الاعتداد الكامل بالذات والرأي ووجهة النظر، حتى عاملة التليفون في الفندق، لا تقول لك: نعم يا سيدي. إنها تقول، وبلا همس: إني أسمع. عجيب هذا؛ بينما الإنجليزية مليئة بكلمة «يا سیدي»؛ فأنت لا تسمع في الفرنسية إلا كلمة: يا سيد. وكل الناس سيد. مصيبة. إني أسمع. لم أستطع هضمها في أول الأمر، ولكنِّي حين لم أجد علامة واحدة من علامات النفاق في هذا المجتمع بدأت أدرك. يا لها من كلمة نقولها منافقين: سيدي .. مع أننا جميعًا ندرك ونعلم أنه لا أحد سيد أحد. ولأن الفرنسيين كانوا السابقين، فقد حذفوها من اللغة. ولا أعرف في الفرنسية ما يقابل في الإنجليزية كلمات: سیدي .. وماي لورد، وماي لیدي … إلخ. كل هذه الكلمات الكبيرة المنافقة التي تُقال تأدبًا. ولماذا لا يكون التأدب هو المصارحة والإحساس بالمساواة الكاملة. هنا حقيقة تلمح شعارات الثورة الفرنسية وقد أصبحت واقعًا ملموسًا ومقدَّسًا. هنا تفهم لماذا أصبح الشارع الفرنسي الآن يكاد يكون كله يسارًا محضًا .. فكلمة اليسار نفسها اخترعتها فرنسا، ومنها عمَّت العالم. وفي بوليفار سان ميشيل نفسه والساعة قد بدأت تُشرف على الثامنة أرى المعركة بعيني قائمةً على قدمٍ وساق بين قلاع اليمين الأخيرة وزحف اليسار. ولكنها في رأيي تكاد تكون معركة ممتعة. فها هي صورة ماركس بلحيته الشهيرة؛ ولكنه بوجه ضاحكٍ كالجد السعيد؛ بل إن يده مرسومةٌ في الصورة على شكل إشارة «الهيتش هايك» تدعو الشباب إلى مهرجان سیاسي موسیقي راقص يُقيمه الحزب الشيوعي. وأحسن مجلة أطفال تصدر في فرنسا تصدر عن الحزب الشيوعي. وهي مجلة ممتعة حقًّا، فليس فيها أي دعايةٍ رخيصة، ومادتها رائعة إلى الحدِّ الذي يُرغم أطفال «اليمين» أهلهم على شرائها لهم. معركة راقية متحضرة حقًّا، حتى إن اليمين لا يقول عن نفسه أبدًا: إنه يمين، ولا يقاوم الشيوعية بتلفيقه تُهم الإلحاد والعمالة للاتحاد السوفييتي، وكل هذه الوسائل الفجَّة التي تُستعمل في عالمنا الغريب الثالث. إنما هي معركةٌ أساسها الحرية. فاليمين يحاول أن يجتذب الناس عن طريق إفهامهم أنه الحريص أكثر على الحرية، بينما اليسار وصل في حرصه على الحرية إلى حدِّ تنازل الحزب الشيوعي الفرنسي عن واحد من أهم أركان الحركة الشيوعية وهي فكرة دِكتاتورية البروليتاريا. إن كلمة الدكتاتورية هذه تُعادل الموت هنا أو الطاعون، فالحرية للباريسي والباريسية أهم من أي مبدأ أو دين، بل هي تكاد تصبح هنا دینًا، دین العصر، إنهم هنا يحاولون حتى الانعتاق من عبودية العمل. يومان إجازة في الأسبوع وعلى الريف فورًا؛ فالمدينة حتى لو كانت باريس عبودية أيضًا، والريف هو الحرية. هو الهواء والخضرة والانطلاق. والحرية هنا ليست معادلًا للفوضى، فأنت حرٌّ بقدر ما الآخرون أحرار .. والأطفال جمال. وأجمل ما فيهم أن كثيرين يذهبون منهم إلى المدرسة في سن الخامسة أو السادسة بمفردهم، ولم أر عساكر — أو بالأصح عسكريات — المرور في باريس إلا بين السابعة والثامنة والنصف، فقط عند التقاطعات لعبور التلاميذ الصغار. بعدها تركب العسكرية موتوسيكلها الصغير الأنيق وتذهب لتعود في المساء حين يعود الأطفال. كدت أروع وأنا أُشاهدهم صغارًا جدًّا، سائرين بمفردهم، ولكنهم مسئولون. من فرط ما أُرضعوا مسئولية المحافظة على أنفسهم .. لم أُشاهد أحدهم يجنُّ ويندفع إلى الشارع، فقط عند الإشارة، وفقط حين تقف العربات بيد العسكرية المرفوعة. ••• في الضحى تمتلئ الشوارع بربَّات البيوت والعواجيز .. وأستغرب لهذا العدد من العواجيز الأصحاء تمامًا في هذه المدينة، لكأنهم وحدهم ملايين. كل ربة بيت وكل عجوزٍ، يتسوق خبزه وطعامه، وفي يد كل منهم رغيف فرنسي في طول نبوت الغفير، أقف عند الجزار .. أقرأ أسعار اللحوم .. يُذهلني أن سعر الكيلو مائة وخمسون قرشًا. أرخص من القاهرة، في حين أن متوسط الأجور يكاد يُعادل عشرة أمثال الأجور في القاهرة. ولا أحد يشتري كیلوًا، إن اللحم هنا يُباع بالحتة والقطعة، ويكفي لكل شخص في اليوم الواحد قطعة .. بخلًا؟! سمِّه ما شئت، لماذا لا تُسمِّیه تدبيرًا؟ لماذا لا تقول: إنه شبع؟ فليس مثل الجوعان حبًّا في الطعام ونهمًا لالتهامه. غريبة هي هذه المدينة .. مدينة الفرد الأعظم .. أنا قادمٌ من نيويورك حيث العمارات هائلة الضخامة، والمؤسسات الحوتية الرهيبة، والسوبر ماركت في حجم الحي الكامل، هذه مدينة البوتيكات والدكاكين الصغيرة .. الصغيرة .. جزار، بقَّال، دكانة ملابس، مطعم، قهوة … وهكذا .. عشرات ومئات وآلاف، مثلما يحفل بهم شارع فيكتور هوجو يحفل بهم شارع بلزاك. جميل جدًّا هذا. لا يوجد اسم ملك أو حاكم على شارع .. حتی بونابرت بجلالة قدره مطلق اسمه على شارع غير مهمٍ أبدًا؛ بينما اسم فولتير يأخذ شارع نهر السين كله. مدينة ملوكها الشعراء والكُتاب والفنانون. أخيب الملوك سطوةً ولكن أعظمهم خلودًا. هل يوجد عندنا شارع باسم لطفي المنفلوطي أو ميخائيل رومان؟ ••• باريس الواحدة صباحًا .. لم أنم .. قضيت اليوم كله سائرًا على أقدامي. وها هو الليل يُوغل في تقدمه ولا أشعر بذرة تعبٍ واحدة. الأصدقاء المصريون معي نضرب في ليل باريس. بقدر ما أحببت باريس النهار ها أنا ذا أقف في شبه انزعاجٍ أمام باريس الليل .. الازدحام رهيبٌ وكأنه مولد الحسين في قلب باريس .. الصعاليك أشد صعلكة من مجاذيب الحسين .. غانيات باريس علنًا هكذا، وبالبنطلون القصير، الساخن وكثيرات ومنتشرات، ولهن مناطق نفوذ ويكدن يكن بلا زبائن .. يُخيل لي أن وزارة السياحة الفرنسية تدفع لهن أجرًا؛ فمشهدهن سياحي أكثر منه مشهد «عمل». المضحك أنهن واضحات جدًّا وصريحات جدًّا وبلا نفاق. مهنة يقمن بها في وضح الليل. بل أعجب إضراب هو ما قمن به منذ شهور واحتللن الكنائس لتخلصهن الحكومة من سطوة الفتوات، وظهرت بعضهن على شاشة التليفزيون يشرحن قضيتهن العادلة. إنه فعلا مجتمع يكره التخفي والنفاق. مجتمع الشجاعة حتى في بيع الجسد. إن أي عاصمة في العالم فيها أكثر من هذا العدد بكثير من نساء المهنة، ولكن الفرق أن باريس لا تتخفى ولا تتنكر، الفرق أن باريس تلميذاتها لا يوردن للشقق، ولكنهن يحببن علنًا ويجلسن على المقاهي ويدخنَّ علنًا .. الفرق أن نساء المهنة في باريس معروفات وعددهن معروف .. أما الأدهى فهو أن يكون كل شيء محظورًا في العلن ويباح في السر وبجبنٍ شديدٍ. الفرق أن لا أحد هنا يُقيم من نفسه وصيًّا على الآخرين، ويخاف منه الآخرون. والنتيجة ظلام النفاق، وما أبشع ما يدور في ظلام النفاق! ••• باريس الخامسة صباحًا .. بعدُ لم أنم .. فمنذ الثانية وعقلي يُفكر في القاهرة. | {
"chapter": "باريس ٧٦",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "الإرادة",
"url": "https://www.hindawi.org/books/80626160/8/"
} |
أن تُفهم شعب مسألةً سهلة .. أما أن تُفهم قارة فتلك مشكلةٌ، وأن ترى أمريكا من الخارج شيء، وأن تراها من الداخل فشيء مختلف تمامًا .. وإذا ذهبت هناك فمن الصعب تمامًا أن تُصدر أحكامًا عامة مطلقة تخرج منها بنتائج حاسمة. من الصعب جدًّا — مثلًا — أن تقول: إن الأمريكان شعبٌ طيب، ودود جدًّا. تلقائي، يشبهنا تمامًا في هذه النقطة نحن المصريين. ولكنه مختلف قطعًا عن أي شعبٍ أوروبيٍّ. فصحيح أنه طبقات من المهاجرين الأنجلو ساكسون والأيرلنديين والإيطاليين واليونانيين والبولنديين واليهود والروس والزنوج، وأخيرًا العرب، ولكن يبدو أن كل عائلة هاجرت، أو كل جالية، كانت تخلع زيَّها القومي في ميناء نيويورك وترتدي زي العالم الجديد .. ذلك أن أمريكا فعلًا كانت بالنسبة لهؤلاء الناس عالمًا جديدًا حقًّا. كانت أوروبا الإقطاعية وبدايتها الرأسمالية مثل خلية النحل التي تشبَّعت دينيًّا وعقائديًّا وحضاريًّا وفلسفيًّا، وبدأت «تطرد» ممالك النحل الجديدة .. ولكن السمة البارزة للمهاجرين الأمريكيين الأُوَل — بل ربما إلى الآن — أنهم إما كانوا من المضطهدين دينيًّا أو اجتماعيًّا في بلادهم، وإما كانوا من المغامرين والأفَّاقين. وهؤلاء كانوا كذلك بالطبع متمردين ومضطهدين أيضًا، ولذلك تعانق التيَّاران على أن يخلقا مجتمعًا غريبًا جديدًا لا اضطهاد فيه، ولا حق لأحدٍ على الآخر، والقانون الوحيد الساري هو: البقاء للأصلح، أي البقاء للأقوى. فليكن شعار العالم الجديد أن يصل الإنسان فيه إلى أعلى مراتب القوة. وطبعًا لا يمكن أن تصل بهذا إلا على حساب آخرين. ولكن ذلك الوضع كان في البداية، كان القادم الجديد جشعًا جائعًا إلى مكان تحت الشمس، ولهذا فمن حق كل إنسانٍ أن يحمل السلاح ويقتل إذا اقتضى الأمر. فقط عليه أن يُثبت أنه كان في حالة دفاع عن النفس. وهذه وحدها لا بد أن تؤدي لمجتمعٍ عنيفٍ، ومنذ البداية والمجتمع الأمريكي عنيفٌ، حتى حين تضاءل دور الفرد وقدرته على الوصول إلى ما يصبو إليه من قوةٍ، وتكونت الشركات والمؤسسات، أخذ العنف في المجتمع طابع المنافسة المحمومة، وما دمت تحيا في حالة تنافس، فالزمن مهم جدًّا، والقرارات لا بد أن تكون سريعةً وحاسمةً، ولا بد أن تظل في حالة حركة؛ بل في حالة جري وسباق، مع الزمن، ومع الآخرين. ••• كنت وأنا أسير في شوارع واشنطن ونيويورك ودیترویت ولوس أنجيلوس وسان فرانسيسكو وكليفلاند. وأنا أركب الأتوبيس الصاعد شمالًا إلى برنستون ولا أجد أثرًا «للأرياف» أبدًا بعد مغادرتي نيويورك. المصنع تلو المصنع والطريق فوق الطريق فوق الطريق، والمطارات تلو المطارات. وأعرف مثلًا أن أكبر شركة طيران في العالم ليست الخطوط العالمية أو البان أمريكان؛ وإنما هي شركة طيران محلية أمريكية لا تطير لها طائرة واحدة خارج الولايات المتحدة. كنت وأنا مبهورٌ بغابة ناطحات السحاب التي تلمحها في قلب كل مدينةٍ أمريكية، حتى العمارات القديمة المبنية قبل سبعين عامًا، ناطحة سحاب، اختراع أمريكي للتغلب على المساحة الأفقية وإنشاء مساحة رأسية، مصاعد، عمارات من صلب وزجاج، مسافات رهيبة شاسعة (فارق التوقيت ثلاث ساعات بين نيويورك وسان فرانسيسكو)، وأوتوسترادات مبعثر فوقها ما لا يُعد ولا يُحصى من الكافيتريات والاستراحات والموتيلات واللوكاندات. هذه مؤسسات وأبنية وطرقات أقامتها فعلًا أيادي شعب جبار على نفسه أولًا .. العمل عنده مقدسٌ، من لا يعمل يموت، والوقت عنده قاتل الأهمية؛ كنت وأنا أرى هذا كله، وأنا في قلب الرأسمالية الحقيقي، فالبلاد الأوروبية لا ترى فيها الرأسمالية على حقيقتها، أنت تراها وقد هُذبت بتدخل الدولة، وبحقوق العمال والفلاحين، والقوانين المُحددة والمُلزمة لكبح جماح المؤسسات والشركات .. تراها في ثوب من «اشتراكية» الرأسمالية. أما هنا فأنت في قلب عالم رأسمالي قُح، غير مخفف لا بالماء ولا بالصودا، تتجرعه وقد يلسع حلقك، فأنت قادمٌ من مجتمع لا قيمة فيه للزمن ولا للوقت ولا للمسافة، حتى المنافسة فيه صغيرة وغير قاتلةٍ، مجتمع ممتد، عمره سبعة آلاف عام، وسيبقى ربما للسبعين ألف سنة المقبلة. مجتمع تتمطى فيه وتتمتع لتصحو من نومك وعلى مهلك جدًّا تشرب شايك أو قهوتك، الخطأ فيه يُغتفر مهما كان، والجرائم قليلة وغلبانة، والبشر هم الظاهرة البارزة في بلادك، فأنت في القاهرة لا ترى عمائر ولا مؤسسات ولا مصانع ولا شوارع أو أرصفة أو طرقات، ناس، ناس، ناس، كثيرون جدًّا حتى ليسدُّون عين الشمس. في أمريكا، رغم ضخامتها لا تجد أناسًا أبدًا، الشوارع شبه خالية، ولا يتحرك سائرٌ على قدميه فيها إلا أفرادٌ مبعثرون .. فأمريكا فيها مائتا مليون، هذا صحيح .. ولكنهم مبعثرون على قارة بأكملها، نحن أربعون مليونًا، أي خُمس الشعب الأمريكي ومع هذا فنحن محشورون في ما لا يزيد على واحد على ألف من مساحة أمريكا. أرضٌ واسعة غنية فيها كل معادن الأرض، فيها البترول والذهب، فيها غابات الخشب، فيها قمح وقطن وفواكه، وثلوج في الصيف في الشمال، وبلاجات في عزِّ الشتاء دافئة. هذه البلاد الغنية الشاسعة، في أقل من مائتي عام ينشأ عليها ذلك المجتمع الرأسمالي بعلومه واختراعاته، بقدرات الإنسان الرهيبة على الخلق والتنفيذ الفوري لكل جديدٍ، يحمي المنافسة وهي تَستخرج من كل مواطن أعمق وأهم قدراته، بالفردية في قمتها وهي تعطي، ليستحيل العطاء الفردي في النهاية إلى بناء جماعيٍّ مخيف. ••• كنت وأنا في قلب هذا كله أتساءل: أهو النظام الرأسمالي التنافسي هو الذي أنتج هذا كله، أم هي الأرض السخية الغنية غير المستنهكة أعطت كل ما لديها، أم هي الخطورة والجدية التي أخذ بها هؤلاء المغامرون والمتمردون الأُوَل أنفسهم وصبغوا بها مجتمعهم. أم هو هذا كله الذي تفاعل وتكاتف ليصنع أمريكا الحديثة العملاقة؟ كنت أتساءل لأن الإجابة عندي كانت مهمة جدًّا. إني إنسان اشتراكيٌّ يؤمن أن الاشتراكية أو على وجه الدقة التطبيق الإنساني الديمقراطي للاشتراكية هو أعدل نظام عَمَل ووجود للإنسان، وليس أسهل من أن يدمغ أي اشتراكي متعصب الرأسمالية كلها بالاستغلال واللاأخلاقية ويدير ظهره لها تمامًا ويبدأ من الألف باء يبني صناعته وتجارته وزراعته. وربما هذا هو ما حدث في الاتحاد السوفييتي كأول دولةٍ اشتراكيةٍ. ولكني أعتقد أنهم هناك في الاتحاد السوفييتي بدءوا يتلافون هذا الخطأ، فالنظام جميعه قد يكون مرفوضًا، ولكن التجربة الرأسمالية الأمريكية خلقت على طول تاريخها آلافًا وآلافًا من الاختراعات الاجتماعية الصغيرة والكبيرة، اختراعات لم يصنعها النظام بطبيعة الحال، ولكنْ صنعها أولًا وأخيرًا الإنسان. والمركزية مرضٌ بغيض من أمراض الاشتراكية، فلو كنت عاملًا أو مهندسًا في مصنع واخترعت اختراعًا — صغُر أم كبُر — لتسهيل العمل أو تغييره فالمصنع لا يستطيع أن يُطبق اختراعي فورًا، لا بد أن يمرَّ الاختراع على لجان أعلى وأعلى حتى يوافق المركز في النهاية عليه، ثم يعود نفس المرحلة ليُطبق، بمعنى أن المركز في الاشتراكية هو الذي «يُفكر» للنظام، وهو المفكر الأوحد، بينما في هذه الرأسمالية اللامركزية الكاملة كل إنسان باستطاعته أن يفكر ويبتكر ويجد ألفًا ممن يستجيب له وينفذ، وهكذا باستطاعة المائتي مليون أن يفكروا معًا للنظام كله، وهذه حسنةٌ كبرى من حسنات الرأسمالية، علمت أنهم أخيرًا في روسيا بدءوا التفكير في تطبيقها. فعلًا هذه بلاد يُفكر من أجلها ملايين، صحيح أن كلًّا منهم يُفكر ليستفيد هو شخصيًّا وأولًا؛ ولكن النتيجة النهائية، أن حصيلة تفكير الأفراد تُصبح ملكًا للشعب، للحاضر ثم للمستقبل، بل إن الولايات المتحدة في إدراكها لأهمية التفكير في المجتمع بدأت تلغي كثيرًا من الحواجز التي كانت توضع على تفكير المواطن الأمريكي، بدأت تؤمن فعلًا بأهمية حرية الرأي والعقيدة، ولم يعد أحد يُضطهد لأنه ماركسيٌّ أو حتى شيوعيٌّ. وهذا بالنسبة للولايات المتحدة شيء كثير. فأذكر أني قرأت أن مدرسًا في مدرسة ثانوية أمريكية في العشرينيات فُصل من المدرسة لأنه كان يُدرس نظرية داروين في النشوء والارتقاء لطلبة فصلِه. «أليس من المضحك هنا أن نذكر أن مصر كانت في العشرينيات فيها مجلات تصدر لا تُبشِّر فقط بداروين؛ ولكنها تنشر حتی مقالات عن الإلحاد؟» بل بدأت أمريكا تستثمر غنى مؤسساتها الفاحش في شراء الذكاء من العالم كله، لن تجد أعلى طبقات العلماء والأطباء والمهندسين وحتى الفلاسفة إلا هناك. كنت في زيارة لجامعة لوس أنجيلوس واصطحبني المرحوم الدكتور فون جرونابوم المستشرق المعروف وأستاذ التاريخ الإسلامي العالمي في زيارة لبعض أقسام الجامعة. وذُهلت من عدد العلماء الحاصلين على جائزة نوبل — ومعظمهم غير أمريكيين — الذين تحفل بهم أقسام الجامعة. وعرَّفني على عالمة طبيعة إنجليزية حاصلة على جائزة نوبل. وكانت فعلًا تُشبه قديسة العلم كما يحلم الإنسان بقديسة علم. وذكر لي الدكتور جرونابوم ونحن نُغادر معملها كيف أغرتها جامعة لوس أنجيلوس على المجيء. قال: كانت عنيدة تمامًا؛ فقد رفضت كل عروض المجيء وتمسكت بعملها المتواضع في جامعتها بإنجلترا، فما كان من جامعة لوس أنجيلوس إلا أن أنشأت لها في قسم الطبيعة معملًا يحتوي على أحدث ما وصلت إليه التكنولوجيا والعقل البشري .. ذلك المعمل الذي لا بد يحلم به أي عالمٍ. ودعوها لتلقي محاضرتها لمدة أسبوع في قسم الطبيعة، وقبلت، وحين حضرت وألقت محاضرتها الأولى بدءوا يفرجونها على الأقسام والمعامل. ودخلت المعمل المذكور، ولم تخرج! إن الغنى يؤدِّي إلى مزيد من الغنى، والذكاء إلى مزيد من الذكاء، والعمل إلى مزيد من العمل، وأمريكا الآن، أغنى دولة، تستعمل غناها في حشد الذكاء البشري، ليُضيف لغنى الأرض، غنى الإنسان. هذا النظام الرأسمالي المرن الذي يتأقلم ويتشكل ويُغير نفسه، ويقتبس من الاشتراكية ومن الوطنية وحتى من النظام الهتلري الألماني، يقتبس ويهيئ أحسن ظروف عمل ليأخذ من الفرد أقصى ما عنده، غير مهم أن يكون أمريكيًّا أو غير أمريكي، فمصيره أن يصبح أمريكيًّا، وما دام إنتاجه سيبقى لأمريكا فما معنى ضيق الأفق؟ ••• ولكن السؤال يبقى: هل المواطن الأمريكي أو حتى المتجنس سعيد؟ لا بد أن نستدرك هنا ونقول: يجب أن لا نخلط بين سعادتنا نحن وسعادتهم هناك، ولا بين تعاساتنا هنا وتعاساتهم هناك. فالمسائل مختلفة تمامًا. إن ما يُتعس مواطننا هنا وربما ما يدفعه للهجرة هي المتاعب اليومية الكثيرة الصغيرة التي تُرهق النفس والبدن، وتطلع الروح؛ أزمة مواصلات، أزمة اتصالات، أزمة مكاتب ونوع عمل، أزمة ازدحام واختناقات، أزمة أخلاق، أزمة الحصول على مسكن أو مأكل أو مشرب. هذه كلها مشاكل لا وجود لها، ليس فقط في أمريكا، ولكن في كل تلك البلاد الغنية التي تكون شمال العالم، هذه بلاد الوفرة، الوفرة في كل شيءٍ، المساكن بكثرة، الأرض بكثرة، الطعام بكثرة، المواصلات بكثرة، الاتصالات بكثرة، حتى إن أغرب إعلان شاهدته في حياتي في التليفزيون الأمريكي كان إعلانًا يدعو الناس إلى تركيب تليفونات، ويُغريهم بالتسهيلات؛ بل ويُغريهم بإجراء المحادثات التليفونية البعيدة المدى. من هذا المثل الواحد تستطيع أن تُدرك مقدار عمق الهوَّة التي تفصل بيننا في جنوب العالم وبينهم في شماله. ولكن للمواطن الأمريكي مع نظامه مشاكله هو الآخر، ومشاكله العظمى .. مشاكله العظمى ومشاكله الصغرى أيضًا. ذلك أن هذا النظام النشيط المحموم المتطور، الساعي إلى الغنى الفردي، المؤدِّي في النهاية إلى الغنى الجماعي قد كان لا بد له في النهاية أن يتجه إلى الخارج، ويتوسع، ويرث كل ما تخلف من بقايا الإمبراطورية البريطانية والفرنسية والهولندية. ويدفعه خوفه على نفسه من الفقر والاشتراكية إلى إعلانها حربًا مقدسة ضد المعسكر الشيوعي، وجعل من نفسه — كما يقولون — رجل البوليس العالمي لإلقاء القبض على أي دولةٍ في أي ركنٍ من أركان العالم، أو أي نظام تحدثه نفسه أو يخطر له خاطر الشيوعية أو الاشتراكية. وقد كان من المحتم لدورٍ كهذا أن تنغرز ساق رجل البوليس في فيتنام ذات مرة، وفي محاولته لاستخراجها تنغرز الساق الأخرى، ثم يبدأ الجسد نفسه يغرق. ولقد ظل الجسد يغرق حتى أفرزت الجامعات الأمريكية «عقل النظام» كیسنجر، والكيسنجرية وسيلة لإنقاذ النظام الرأسمالي، ليس فقط في أمريكا ولكن في العالم كله، والكيسنجرية ببساطة حوَّلت «الثور» الأمريكي الذي كان ينطح أي لون أحمر يلمحه إلى إنسان ذكي .. يُميز أولًا بين الألوان، فليس كل أحمر هدفًا، وليس كل هدف ممكن نطحُه، ثم أليس من المستحسن بدلًا من أن تنطح أن تحتوي، وبدلًا من أن تهدم الحائط أن تصنع لك فيه فجوة، وبدلًا من أن تُعادي نصف العالم — روسيا والصين معًا — تأخذ الصين في حضنك، وتسلم — باليد — على روسيا .. وبدل أن تكون أبيض تمامًا مع إسرائيل وأسود تمامًا مع المصريين والفلسطينيين والسوريين والعراقيين، تُجرِّب الرمادي، قليل من البياض على كثير من السواد، وقليل من السواد على كثير من البياض، هل تمشي المسائل؟ ذلك سؤال في الواقع متروك للتاريخ. ولكن الذي لا شك فيه أن الكيسنجرية أكثر دهاءً — وبالتالي ديمقراطيةً — من الدالاسية. ومن الخارج إلى الداخل بدأت الديمقراطية تسعى، ولا شك أن نیكسون كان آخر رئيس أمريكي يملك سلطة الرئيس، وإزاحته، لم تكن فقط تخلصًا من رئيس أخطأ؛ ولكن كانت في الحقيقة تخلصًا من أعباء الرئاسة كلها. أمريكا الآن تحيا في عهد السناتورز، وحتى هؤلاء موضوعون تحت رقابة رأي قويٍّ وخطيرٍ، عثر على نفسه وقوته بفضيحة ووترجيت، وبدأ يمسك بزمام الأمور، ویلوي عنق النظام بحيث لا يعود يخدم المليونيرات فقط، ولكن يخدم المواطن الفرد العادي بالدرجة الأولى. ثورة؟! سمِّها ثورة، ولكنها ثورة على الطريقة الأمريكية. فهي ثورة أفراد، يثورون بشكل تمرديٍّ فردي، يهاجمون المارة وليس لديهم مانع من مهاجمة السيدات بالذات، يسرقون بتهديد المسدسات، يُنشئون العصابات الثورية التي تسطو على البنوك والمؤسسات، يَقتلون — بفتح الياء — ويُقتلون — بضم الياء—، وجزء من المجتمع العنيف يتحول ليواجه الجزء الآخر، وعنفًا بعنفٍ، وفردية، وما دام البقاء للأقوى فلماذا العمل وأنا أستطيع أن أكون الأقوى بالمسدس والطلقة؟ ولهذا فمشكلة المواطن الأمريكي هي بالدرجة الأولى مشكلة أمن .. تزلزل الأمن في أغنى قارات العالم. ومنذ أن تُغلق عليك باب حجرة الفندق تجد التعليمات واضحة وصريحة ومشددة. لا تحمل نقودًا .. لا تمش بمفردك ليلًا .. لا تفتح الباب إلا بعد الاتصال بالاستقبال والتأكد أن أحدًا بعينه قد جاء لزيارتك. وهكذا يتحول الإنسان في مدن أمريكا إلى كائن نهاري يختفي تمامًا في الليل لتظهر العفاريت في الشوارع، وصوت سيارة البوليس الأمريكي الجديدة صوت مزعج حقًّا، فقد استبدلوا السرينة المتصلة بصوت كنعيق البوم عاليًا ومزعجًا، كنت لا أكاد في قلب واشنطن العاصمة تغمض أجفاني لدقائق حتى يُوقظني نعيق آخر، وكان في كل خمس دقائق تحدث حادثة. أهي ثورةٌ اجتماعية تأخذ ذلك الطابع الإجرامي؟ أم هو إجرام يأخذ شكل الثورة الاجتماعية؟ ذلك سؤالٌ هامٌّ جدًّا. والإجابة عليه ليست مهمة فقط للأمريكيين، إنها مهمة جدًّا لنا أيضًا، فالولايات المتحدة تلعب — وستظل تلعب — دورًا خطيرًا، ليس في العالم أجمع فقط، ولكن بالتحديد في منطقتنا وبلادنا، وفهم العوامل الداخلية التي تعتمل في قلب ذلك الشعب العملاق مسألة من الواجب أن نعرفها، ونعرفها الآن بالتحديد .. والحيز الآن يضيق. | {
"chapter": "أمريكا لغز العصر الحديث",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "الإرادة",
"url": "https://www.hindawi.org/books/80626160/10/"
} |
لم أحزن لوفاة ماوتسي تونج، ذلك أن الإنسان لا يحزن لغروب الشمس بعد أداء وظيفتها. كنت ألحظه في اللقاءات القليلة التي كان يلتقي فيها برؤساء الدول وكبار الشخصيات، وسمعت تعليقًا أو تعليقين من بعض من قابلوه؛ وكنت أقول لنفسي: لقد كبر الرجل الظاهرة وشاخ، وآن له أن يستريح. ولقد استمعت إلى نعي جمهوريتنا وتقريبًا كل دول العالم له، وقرأت بعض ما كتبه كبار المعلقين والكتَّاب. ولكني ظللت لا أحس أن ذلك الجزء من نفسي الذي يمتُّ إلى ماوتسي تونج قد لمسه أحد. ذلك أن ماوتسي تونج كان أستاذي، أعظم أساتذتي على الإطلاق، في شيء محدد بعينه رغم أني لم أقرأ له إلا كتابًا واحدًا لم يعجبني كثيرًا، ليس لأنه غير جيدٍ، ولكن لأنه صینيٌّ تمامًا بحيث من الصعب على عقلية مثل عقليتنا أن تتفهم وبعمق كافٍ معنى الفهم الصيني للاشتراكية وللثورة الصينية .. وكيف يمكن أو يجب أن تكون. بل حتى ما قرأته عنه كان كله بأقلام غربية ومعظمها معادية .. أما المرجع الحقيقي الذي تعلمت منه فهو للغرابة: حياته ودوره. في قارة كبيرة صفراء — أو هكذا وصفوها، فاصفرارها الأكبر كان في روحها التي توزَّعت على سبعمائة مليون مطحون في ذلك الوقت، سحقته أقدام أباطرة وحكام غلاظ، وتسلل الإنجليز واليابانيون والمبشرون يقضون على ذبالة الروح الباقية، في مجتمع تُستباح فيه المرأة وتُباع بيع السلعة، فقير إلى درجة الموت بالملايين جوعًا ومجاعات، تائه في بلاده الدائرية التي رغم اتساعها كانت تحتويه كالحُق الذي تتكدس فيه ملايين الجرذان، تائه في حياته، تائه في مصيره، تائه في ثقافته، تائه حتى بثوراته حين يثور، وبانتفاضاته حين ينتفض، وبحكمه الوطني حين يصبح له حكم وطني، في بلاد كلما قام شعبها سقط وتعثَّر حتی لقد أصبحت قولة زعيمه الوطني الكبير صن يات صن «سعد زغلول الصين»: هذا مجرد فشلنا الثالث عشر. في بلاد اليأس الذي طغى بعد فشل الثورة والحكم العسكري بقيادة تشانج كاي تشيك الذي قام في جزء منها، والجزء الآخر تحتله اليابان والإنجليز يمرحون فيه تجارة ومكسبًا وأفيونًا ومؤامرات .. بلاد حتى لا يجمعها شمل دین واحد، بل هي ربما لم تصل إلى مرحلة الإيمان بالأديان، كونفوشيوس وبوذا: وملة «الزن» وحِكم قديمة قدم حكماء قدماء من المصريين، لكأنها مصر في أواخر عصر البطالسة الذي انتهى بتفسخ مصر القديمة نهائيًّا وبداية عصور الاحتلال الروماني وما تلاه إلى ألفي عام منذ ذلك التاريخ، لكأنها الجزيرة العربية في أشد عصور الجاهلية جهالة وتفسُّخًا وتخلفًا. في بلاد مثل تلك، وفي مدينة كشانغهاي، میناؤها الرئيسي، المليء بالمراكب التي تخطف الخير وتجلب وتخلق كل ما هو شرير وفاسق وخارج على القانون، العاهرات والمهربون والقوَّادون واللصوص وتجار الإنسان والراسبون تمامًا في القاع، المتعاركون في الحانات، المخدرون بتدخين الأفيون وطقوسه، القليلون النائمون في الحرير، والملايين التي تعيش تزحف، ولكي تأكل تلحس وتموت كالدود دون أن تخلف وراءها إلا العفن. في مدينة كتلك يظهر في إحدى صحفها المحلية — التي تصدر أساسًا لإرشاد «السياح» والبحارة الى أماكن الفساد — يظهر إعلان صغير يقول ما معناه: هل فيكم من يودُّ العمل من أجل الصين القادمة العظيمة؟ هل فيكم من يكترث؟ إذا كان ثمة أحد فليلقني في حانة كذا بشارع كذا في الساعة كذا من يوم كذا .. والإمضاء ماوتسي تونج .. مواطن. ولا أعتقد أن «المواطن» ماوتسي تونج فوجئ كثيرًا حين لم يجد أن من لبوا نداءه لم يتعدوا الأربعة منهم تشوتیه وليوتشاويتشي، وآخرهم توفي قبل ماوتسي تونج بشهور، أولئك الذين أصبحوا فيما بعد «من عمد الحزب الشيوعي الصيني»، من هؤلاء الأربعة أو الخمسة الذين التقوا في ذلك المساء في حانةٍ صغيرةٍ من حانات شانغهاي على ما أذكر، لم يبدأ فقط تكوين الحزب في الصين، ولم ينم فقط إلى أن أصبح تعداد قواته ١٣٠ ألفًا، ولم يحدث الزحف الطويل من أقصى الجنوب المعاصر المضروب في الصين إلى أقصى الشمال بحيث هلك منهم مائة ألف في الطريق، إنما بدأت الصين العظيمة الحديثة. تصور، إنسان فرد واحد بادر بنشر إعلان فقيرٍ غريب واجتمع على أثره أربعة يصبحون بعد ربع قرن فقط — وما قيمة الربع قرن في حياة أمة، بل في حياة فرد — دولةً واحدة من أعظم وأضخم وأهم دول العالم، المخيف بعمالقته، المعاصر. ••• الفرد له دورٌ عظيم في التاريخ .. فهناك أفراد كثيرون لهم أدوار كبری في التاريخ. ولكن، أية أدوار؟ ذلك هو المهم .. هناك أفراد عظام، هذا صحيح .. هناك شخصيات بحكم عوامل كثيرة تمتلك في النهاية صفة القيادة والزعامة، ولكن ربما غرورهم الفردي، ربما الظرف التاريخي الذي نشئوا فيه، ربما عوامل التسوس الكامن في النفس البشرية تجعلهم «يلوون» عنق التاريخ، ليُخضعوا التاريخ — أقصد تاريخ الشعوب — لمزاجهم هم، وليفصلوه حسب أهوائهم وشخصياتهم، هناك الإسكندر الأكبر، هناك مارك أنطوني، هناك نابليون وهتلر وموسولیني، هناك دلاس وستالين وجونسون، هناك كثيرون .. أرادوا، وفعلًا، «لووا» عنق التاريخ، ولكن التاريخ كالجواد القوي الأرعن لا يذعن إلا لمن يكون معه وليس ضده، ولهذا كان سرعان ما ينفضهم، ويعود إلى مجراه. ولكن كان هناك، دائمًا وأبدًا، هؤلاء الأفراد العظام، وأنا لا أحب استعمال كلمة عظيم، ولكني أحيانًا لا أجد غيرها وصفًا، هناك دائمًا هؤلاء الأفراد الذين بحكم إخلاصهم وحماسهم وقدراتهم وتكوينهم لا بد وأن يصبحوا زعماء، ولكنهم أبدًا لا يلوون عنق التاريخ، وإنما يسيرون به ومعه وكأنهم مُسيرون، من إرادة الناس في التغيير يستمدون قدرتهم وإرادتهم على التغيير، من حيث يتشممون بأنوفهم وحواسهم الربانية الخفية اتجاه رياح الإنسان يتوجهون إلى حيث تُريد الريح، هناك الرسل والأنبياء .. وقادة الفن والفكر، تاريخ البشرية حافلٌ بمجموعة قد تكون قليلة جدًّا بالنسبة لتعداد البشر في كافة العصور، ولكنها هامة جدًّا؛ لأن الواحد منهم أحيانًا ينهي عصرًا ويبدأ عصرًا، وعلى يديه تنتهي حقبة لتبدأ حقبة، وبإرادته يتحول شعب، أو تتحول قارة، أو حتى تتحول البشرية جمعاء، من أناس مظلومين ظالمين، مجني عليهم وجانين، متفسخين .. واللااختلاف واللاتدجيل واللاخداع واللاكذب واللانفاق .. هذا الكائن البشري العظيم — واعذروني مرة أخرى — لا يفسد إلا رغم أنفه ولا يفسد إلا لأن ما حوله وما فوقه وما تحته فاسد، لا يفسد حتى لو أراد، إلا رغم أنفه، وإلا تحت ضغط ظروف أو مغريات هي أقوى من ضعفه البشري وقدرته الفردية على الاحتمال، نفس ساقطات الصين وعاهراتها تحولن إلى أمهر العاملات والمنتجات، والمخدرون بالأفيون تحولوا إلى أوعى البشر، والظالمون تحولوا بحكم سيادة العدل إلى أعدل العادلين، واللصوص إلى شرفاء، والمقهورون إلى أسوياء .. والقاهرون إلى دعاة للحق والخير والمساواة، ولصوص المواني إلى حماة لثروة الشعب، والقوادون إلى مدرسين يُعلِّمون البنات فضيلة أن تكون المرأة حرة، والمرأة لا تكون حرة إلا إذا امتلكت حق تقرير مصيرها، ومن الرقيق والحريم تحولت إلى إنسانة، لها إرادة، وبإرادتها تختار الرجل وتحبه أو تتزوجه، والرجل من أب يختلس ليضمن المستقبل لأولاده إلى رجل حلت به سكينة الأمن إلى المستقبل، وإلى أن المجتمع كله، وليس هو، كفيل بأولاده ومستقبلهم، هذا الأمن البشري حين يحل، هذا العدل الأرضي حين يوجد. هذا الاحساس الغامر الجميل أنك لست عبئًا على أحد، وأن أحدًا ليس عبئًا عليك، وإنما معًا وكلنا نحمل ونتحمل وندفع، والإنجيل والتوراة. أليست هي ما تقوله الموسيقى الحقة والصوت الشجي وأذان المؤذن وقرع أجراس الكنيسة؟ نحن ضعاف هذا صحيح، فنحن لسنا آلهة، ولكنا أقوياء تمامًا حين نجتث عوامل الضعف، وأي ممن يجتث عوامل الضعف مصيره الجنة. الجنة أولًا في قلوب الناس، والجنة ثانيًا على الأرض، والجنة ثالثًا حين يُقاضيه قاضي قضاة الكون، ذلك لأن الكائن في سمائه والكائن في كل منا، نُخفيه حين نشاء ونُظهره إذا ظهر الآخرون. | {
"chapter": "من واحد إلى ٨٠٠ مليون",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "الإرادة",
"url": "https://www.hindawi.org/books/80626160/22/"
} |
ملحوظة: حين عُدت خجلان إلى زوجتي في الفندق، ذكرت لها أن بطل القصة كان رجلًا غليظ الصوت، ولعلها الآن تعرف أن البطل كان فتاة، امرأة أو آنسة، لا أعرف، ولكني أعتقد أنها كانت فتاة، وبالتحديد فوق العشرين. ثم إني ذكرت لها أنني أحسست بفوهة المسدس في ظهري، ولكن الحقيقة أني «تصورت» أنه — لا بد — مسدس، فما أحسسته كان شيئًا صلبًا حديديًّا دون شك، إما أن يكون مسدسًا أو غير مسدس. فتلك مسألة أخرى. والآن بعد أن أرحت ضمیري، لنبدأ القصة من أولها. وأولها كان في واشنطن حيث وجدنا التعليمات في الفنادق، وحيث تولَّت سیدات الجالية المصرية في أمريكا بشكل عام عملية تحذيرنا بشدةٍ أن نسهر أو نمشي في الشوارع بمفردنا، أو أن نحمل نقودًا أكثر من عشرة أو عشرين دولارًا. ويجب إذا مشى الإنسان ألا يُسرع حتى لا يلحظ أحد أنه خائفٌ، وأيضًا ألا يُبطئ حتى لا ينتهز أحد الفرصة ويهاجم .. عليك أن «تضبط» مشيتك بحيث توحي لأي مارٍّ أو أي ممن تُحدثه نفسه أنك واثقٌ وقادر، وأنك غير مهزوزٍ. في الحقيقة كانت أحاديث، وتحذيرات كهذه، تطن في أذني وكأنها صوت بعوض لا تجده إلا في مستنقعات الأرز، يطن حولك في قلب مدينة ومدن مزودة بأحدث ما وصلت إليه تكنولوجيا مقاومة الحريمة، وبلاد غنية، الأجور فيها وافرةٌ، والحياة تبدو مسالمة إلى حدٍّ كبير، حياة النهار على الأقل. قلت ربما هو الخوف التقليدي من الغربة، وربما هو كثرة مشاهدة قصص العنف في التليفزيون الأمريكي، وهو أغرب تليفزيون في العالم، فعشرات المسلسلات كل يومٍ حافلةٍ بأنواع من العنف يقشعرُّ لها البدن، وكأنه لا همَّ لهؤلاء الناس إلا أن يقتلوا بعضهم بعضًا، ويضرب بعضهم بعضًا، الآباء دائمًا أعداء .. الأبناء، والبنات متمردات — إلى درجة الجريمة — على تعاليم الأسرة .. أفهم أنه مجتمعٌ عنيفٌ آه، ولكن أن يتحول التليفزيون إلى وسيلة لزيادة النار اشتعالًا، وتعليم الجريمة، والتحريض عليها رغم النهايات التي تقول دائمًا: إن الجريمة لا تُفيد؛ مسألةٌ تدعو إلى الدهشة الشديدة، ولا بد أن سبب انعدام أي إشرافٍ شعبيٍّ، أو حكوميٍّ، على محطات التليفزيون الكثيرة، بل لا يوجد حتى أي ميثاقٍ أو اتفاقٍ على حد أدنى من مراعاة أي قيمة، المسألة — كما ذكرت — متروكة للتنافس «الحر»، وفي محاولة لجذب الانتباه وتجميع أكبر عدد من المشاهدين لتعرض عليهم الإعلانات، فلا بد أن تعرض الأعنف، وكلما كان عنفك نادرًا ومثيرًا «نجحت»! المهم؛ لم أكن حريصًا على تتبع هذه القصص المرعوبة والمرعبة، حتى وأنا أسمع نعيق عربات البوليس والإسعاف ليلًا نهارًا، حتى وأنا أقرأ هجومًا تعرض له السفير السويسري في حي السفارات بواشنطن، وهو أكثر الأحياء أمنًا. رجل عمره ستون عامًا هاجموه، وطعنوه، وأخذوا نقوده. حتى حين علمت أن نائب وزیر مصري دخلوا عليه في حجرته بفندق هيلتون وأخذوا كل ما معه من نقود بعد نصف ساعة فقط من وصوله إلى الفندق. معظم القاتلين ينسبون الحوادث للزنوج، ولكني ألمح هنا تغيرًا كبيرًا في المجتمع، الزنوج أصبحوا موجودين — وبكثرة شديدة — في كافة مرافق الحياة، حتى إن الإعلانات عن البضائع لا بد أن تحتوي على أكبر عدد من الوجوه الزنجية، لإغراء المشتري الزنجي، وقد أصبح قوة اقتصادية، ومذيعو التليفزيون، لا بد على الأقل من مذيع أو أكثر زنجي، وعمدة واشنطن نفسها زنجي، الثورة الزنجية العنيفة، والثورة الزنجية غير العنيفة بقيادة مارتن لوثر كنج أدت إلى نتائج حاسمة فعلًا. فأنا لا أصدق الإحصاءات الرسمية التي تقول: إن الزنوج تعدادهم ٢٠ مليونًا فقط، إن الزنوج يشكلون على الأقل ربع هذا المجتمع الكبير؛ بل إنهم في المدن يبدو عددهم أكثر من البيض كثيرًا. لم تعد إذن القضية العنصرية حادة إلى الدرجة التي تدفع إلى كل هذا العدد من الجرائم. وأنا لا أتحدث هنا عن الجرائم المنظمة التي تقوم بها عصابات كالمافيا وغيرها، تلك التي تُرتب لسرقة بنك أو قطار أو محل مجوهرات. هذه هي الجريمة التقليدية في الغرب الرأسمالي كله. إني إنما أتحدث عن الجرائم شبه التلقائية، الفردية، أو العصابات الكثيرة الصغيرة التي انتشرت بطريقةٍ محمومةٍ على مساحة أمريكا كلها، والمكونة غالبًا من فردين أو ثلاثة على الأكثر. أو ربما فرد واحد قد يُهاجم — أو حتى يقتل ضحيته — لمجرد لذة القتل، إن كان للقتل لذة. كمٌّ ضخم من المسدسات والخناجر والسكاكين، والأيدي التي يمكن أن تمسك بها كثيرة. أيدٍ مسئولةٍ وأيد غير مسئولة، لكأنما كانت الموضة في الستينيات هي موضة البيتلز والهيبز وثبت أنها وسيلةٌ غير مجديةٍ لقهر المجتمع الرأسمالي الكبير الراسخ، فلجئوا في السبعينيات إلى الجريمة، وإجرام بإجرامٍ فليكن الطوفان وليغرق الجميع. ••• ولكن هذا كان آخر ما يدور في ذهني وقد وصلت إلى مدينة هيوستن الجميلة بولاية تكساس في الجنوب في انتظار موعد مع الدكتور دیبكي أشهر جراح قلب في العالم الآن .. الفندق الذي نزلت أنا وزوجتي فيه شاهقٌ وجميل ورخيص أيضًا، ففوق أن أسعار الفنادق في أمريكا أرخص من مثيلاتها في أوربا فإن الفندق ملحق بالمستشفى الذي يعمل فيه الدكتور دیبكي لينزل فيه أقرباء المرضى. وصلنا بعد الظهر وكان اليوم يوم الكريسماس الماضي، كل شيءٍ في المدينة مغلق، ولن يغلق يومها فقط، ولكن سيظل كل شيء مغلقًا للأيام الثلاثة القادمة. وبحثت في سجائري فوجدت أنها كادت تنفد .. سألت في الفندق فقالوا لي: إن المكان الوحيد الذي تستطيع أن تحصل على سجائر فيه هو فندق هيلتون. وهو يقع على بعد لا يزيد على نصف كيلومتر من الفندق الذي كنا ننزل فيه. وفعلًا، حين خرجت من الباب الرئيسي وجدت علامة هيلتون أمامي يفصلني عنها متنزه يغطي المساحة كلها بين فندقنا وفندق هيلتون. سعدت أني سأتمشى عبر المتنزه. كانت السماء صحوًا والجو جميلًا، ورائحة الكريسماس تعبِّق وتُضفي الكثير من السلام على المدينة وعلى المتنزه. وصلت هيلتون بعد أقل من ربع ساعة من السير عبر المتنزه حين غادرته عائدًا وجدت الجو قد انقلب فجأة، وبدأ مطرٌ خفيف أول الأمر، ثم غزير جدًّا يتساقط. كانت السابعة مساء ولكن الظلام لم يكن سببه غروب الشمس. كان بسبب اختفائها خلف طبقات كثيفة من السحاب ظهرت فجأة في الأفق وكأنما دفعتها يد «میكائیل ملاك المطر» على عجلٍ، فقدت الأمل في ثيابي وأسرعت عبر ممرات المتنزه التي بدأت تمتلئ بالمياه وتصنع من حذائي مركبًا غارقًا يجاهد ليوصلني إلى الفندق. فجأة أيضًا، سمعت الصوت .. يداك إلى أعلى. حسبته رجع الصدى في ذاكرتي لكثير من حلقات التليفزيون التي أراها ليل نهار … يداك إلى أعلى. كأنما الذاكرة ترددها. ولكنها حين جاءت صارمة حادة في المرة التالية ومعها جاء ذلك الإحساس بجسم معدني مسدد إلى عمود ظهري الفقري. انسحب الدم من رأسي في الحال حتى خفت أن أسقط. أنا إنسان غير عنيفٍ ولم أشترك — حتى وأنا طفل — في أي خناقةٍ أو قتال، ولا أحب العنف. مع اندفاقة الدم مرة أخرى إلى رأسي تدفق بركان مختلط من الأحاسيس والمشاعر والخواطر. ولكن يديَّ كانتا قد ارتفعتا تمامًا إلى أعلى. إنه صوت فتاة هذا واضح. كیف ومن أین جاءت والمتنزه واسع ولم يكن به أثر لمخلوق؟ .. تعليمات البوليس أن تُسلِّم كل ما معك دون بادرة مقاومة أو نقاش. وحتى إذا لم تكن هذه تعليمات البوليس فكيف تعصي ذلك المسدد إلى ظهرك. أحس أنه ليس مسدسًا، ولكن ما أدراني أنه ليس كذلك. المغامرة هنا على أي حالٍ احتمال آخر، انتحار .. هل تقتلني؟ .. في نفس اللحظة كانت اليد الأخرى تمتد لتفحص جيوب سترتي بسرعة وخفقان واضطراب. هنا فقط لمحت اليد .. أصابع طويلة نحيلة شاحبة جدًّا. هي بيضاء إذن .. ألف خاطر وخاطر .. ماذا لو — أيتها الحلوة — تلقي هذه اللعبة من يدك وتدعوني لقضاء كريسماس سعيد، وتأخذين كل ما معي بإرادتي أنا؟ .. ارفع يدك. يبدو أن اليدين كانتا انخفضتا تعبًا؛ فقد أحسست حقًّا بتعبٍ مفاجئ وشديد، وكأني عدوت مائة ميل .. تسمَّرت يداي مرتفعتين .. فجأة بدأت أخاف. هذا أرعب صوت، ولو أنه أنثوي إلا أن فيه نبرة قتل. الجو يُغري فعلًا بالقتل، المكان خاو تمامًا ولا أرى على امتداد البصر إنسًا أو جنًّا أو عربةً أو أي شيء متحرك أو حي. لكأنما فرغ العالم تمامًا من بشره. والدنيا — هكذا أدركت وكأنما كنت قد غبت عن الوعي صاحيًا — لا تزال تمطر، وبغزارة. جو تراجیدي مظلم مضبب يُغري بالاكتئاب، والاكتئاب يدفع حتمًا للجريمة. في لهفةٍ عصبية شديدة كانت كل محتويات جيوبي تستخرج بمهارة فائقة. حتى السجائر تستخرج، ولا ريب أنها تودع حقيبة يد معلقة في الكتف، تلك التي كانت تُخفي السلاح أو المسدس. هي ترتجف سارقة وأنا أرتجف مسروقًا، وبيننا ذلك الشيء المسدد إلى ظهري. وبيننا ما هو أكثر من هذا بكثير. نظام كامل أحالها سارقة مرعوبة وأحالني مسروقًا أشد رعبًا. فجأة أيضًا ذلك الفلاح المصري الشرقاوي الكامن فيَّ، بدأ من سُباته الطويل يستيقظ ويتمرد: كيف تسرقني امرأة ولو حتى بمسدس. ارتعش جسدي بالانفعال المفاجئ، هكذا لا بد أحست، أحسست أنا في الحال أن الجسم المعدني يغور أكثر في ظهري وأن الطلقة هي الخطوة القادمة بلا أدنى شكٍّ. امتلأ رأسي بدم أحمر. فكرت في حركة سريعة أنخلع بها من مجال التسديد، وأقلد الكاوبويز وما أكثر ما رأيتهم يفعلون هذا. ولكن هكذا يفعلون في الأفلام وفي البلاتوه. أنا هنا في بلاتوه آخر. مرعب لأنه حقیقيٌّ. لا مُخرج يقول: ستوب، لا ممثلة تُصافحني بعد انتهاء المشهد. هنا الموت فعلًا، ليس فقط ممكنًا، ولكنه الاحتمال الأغلب. يا رب .. أهذه ميتة .. أأُقبِل من آخر الدنيا لأموت في متنزهٍ عام في هيوستون تكساس، وبيد نحيلةٍ رشيقة لبيضاء مجهولة؟ .. فلينخمد الفلاح الشرقاوي! فما دام العنف بالعنف فالأذکی أن تستسلم إذا كنت في الكفة الأضعف. فلْينتهِ المشهد بسرعة. وفعلًا بسرعة انتهى المشهد ولكني أنا لم أتحرك. فالصوت جاءني واضحًا وصريحًا: قف في مكانك لا تتحرك لمدة ربع ساعة ويداك إلى أعلى. إذا تحركت ستقضي ليلة الكريسماس في جهنم .. وكأن الخطوات لجنيَّة تنسل فوق سطح الماء الذي غمر الممرات .. لم أشعر بها تذهب مثلما لم أشعر بها تقدم. واقفًا ظللت .. ماء المطر يتدفق بغزارةٍ رهيبة، يملأ عينيَّ ويلسعهما، ويتحول شعري إلى مزاريب تنسال على سترتي التي تهدلت وقلبت جيوبها. كل ما معي كان قد راح، ولكن المهم أني لا زلت حيًّا. المهم أني لا زلت حيًّا، فقد قالوا لي: إنهم يقتلون الضحايا لمجرد إغلاق الفم، أو حتى لمجرد التسلية. وقفت مذنَّبًا وما في الموت بُد لواقف. تلميذ صغير أذنب، ويذنَّب على جريمة لم يرتكبها هو. أتلقَّی مزاريب المطر وتغسل عن عيوني كل آثار ناطحات السحاب والأوتوسترادات، والنجاح والغنى والثراء .. إنني في قلب الغابة الحديثة .. أشجارها عمارات .. وقرودها سماسرة .. وأفيالها جمهوريون (الفيل شعار الحزب الجمهوري) .. ونمورها سود وبيض، والأنثى حيَّة، تسدد نابها إلى الظهر. ما فائدة الغنى إذا كنا سنعود القهقري ونستحيل من بشرٍ إلى وحوش. أطلق التنافس على أشده .. يستحيل البشر إلى وحوش. البقاء للأصلح إذن البقاء للمسدس والدبابة والفانتوم. اصعد إلى القمر بجسدك، ولكن روحك تهبط إلى الجحيم. أي نظامٍ هذا الذي يدفع شابًّا أو فتاة إلى حمل آلة القتل والسرقة بالإكراه؟ ربما تحت تأثير عقاقير الهلوسة أو المخدرات، أو في النهاية سعيًا إلى إنفاق النقود على عقاقير الهلوسة والجنس والمخدرات. صناعة رهيبة عملاقة هذا صحيح، حريات خذ ما شئت من حريات، انتخابات مجالس محلية وسناتورات، ديمقراطية على أشدها ولكن النتيجة غابة، وإنسان رغم كل مظاهر التحضر، ينقلب إلى حيوان مفترسٍ يسرق وينهش. بودِّي لو لم أكن واقفًا وحدي هنا، ولكن معي، مسددة إلى ظهره المسدسات والخناجر كل أولئك الذين يحلمون بهذه الجنة على الأرض. وقفت ربما لساعة، ربما لساعتين. وقفت وظللت واقفًا حتی حرکني الخوف. الخوف من أن يراني أحد واقفًا هكذا فيغريه أني هدفٌ جدید ويقتلني، إذ هكذا ذهب الأمن البشري عنِّي وانتهت تمامًا أسطورة أني في قلب مدينةٍ متحضرةٍ. أنت لا يمكن أن تری نظامًا على حقيقته إلا إذا اختلفت معه، إلا إذا عاداك أو عاديته، أو على الأقل كشف لك عن أنيابه. وأنياب أي نظامٍ خفية في العادة للعين الزائرة أو العابرة. تحركت وذهبت إلى الفندق، وأنا على بابه فقط بدأت أفكر، أو بدأت القدرة على التدبير تعود إلى حسِّي، إذن لقد ذهب عني كل ما أحمله من نقود مخصصة لعلاجي ولإنفاقي لحوالي الأسبوع الذي سأمكث فيه في هیوستون. فماذا أفعل والبنوك مغلقة للأيام الثلاثة التالية، ومطعم الفندق مغلق، وليس معي أنا وزوجتي حتی باكو بسكویت. أبلغ البوليس؟! وماذا سيفعل البوليس وأنا لم أر الفاعلة، وحتى لو رأيتها فهي قطعًا هاوية، لا سجلات لها ولا صور. كل ما سيحدث أني سأقضي الكريسماس — بإذن الله — مع ضابط بوليس متبرم بالعمل في يوم الإجازة المقدس. ولن يصنع لي في النهاية شيئًا. كارثة .. ولكن الكارثة الأفدح أني كنت حزينًا تمامًا من أجل الإنسان. ذلك الذي يخترع التجارة والصناعة والزراعة لتنقذه، فإذا به يذهب في النهاية ضحيتها. يخترع الثورة فإذا بها أحيانًا تُطبق على عنقه. أما من خلاص؟ أما من نظام يكفي حاجاتي دون أن يسرقني، وأحكم به نفسي دون أن يتحكم حزب فيَّ، وأكون حرًّا ولا أدفع ثمن حريتي عقابًا ينزل عليَّ من «أحرار» آخرين؟! حزينًا ومبتلًّا إلى النخاع أرتجف .. دخلت الفندق .. ولكني في وسط ذلك الكابوس الخانق تذكرت شيئًا، ودسست يدي بصعوبة في جيب بنطلوني المبتل، ولو كنت قد وجدت كنوز سليمان كلها في جيبي لما سعدت قدر سعادتي ببقية العشرين دولارًا التي أخذتها بعد خصم ثمن السجائر في الهيلتون. أربعة عشر دولارًا بأكملها، صحيح لا تكفي لشراء بضع علب محفوظة؛ ولكن المشكلة: كيف نشتري هذه العلب، من يشتريها، ومن أين وقد أصبحت المدينة عليَّ محرمة؟ ولكنها قصة أخرى … | {
"chapter": "ذات الأصابع الطويلة الشاحبة",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "الإرادة",
"url": "https://www.hindawi.org/books/80626160/11/"
} |
أجل في نهاية الأمر، الرجل ليس شوارب كثَّة أو صوتًا عاليًا غليظًا، والمرأة ليست مجرد أنثى غندورة تعبث بها الحياة كما شاءت. لا. لا. لا الرجل ولا المرأة خلق من أجل أن يكون جثةً طافيةً فوق سطح الحياة، يتولى التيار العام أو الموج أو الرياح أو الصدفة اتخاذ القرار لها بالوقوف أو النكوص أو الانحراف، الإنسان إرادة. الإنسان إنسان فقط حين يرید، أي في تلك اللحظات التي تتكون له الإرادة فيها. ليس مهمًّا ماذا أراد أو يريد، ماذا أحب أو لم يحب، وإنما المهم أولًا وقبل أي شيءٍ آخر أنه إنسان؛ لأنه — دونًا عن كافة الجماد والمخلوقات — كائن ذو إرادةٍ. أي له القدرة أن يريد الشيء أو الهدف، حتى إذا اختلف ذلك الشيء أو الهدف عمَّا جرى به العرف أو توافقت حوله الآراء، يريد ويحقق ما يريد. وإذا كان الإنسان إرادة، فالإرادة أولًا قرار. والقرار هذه المرة ليس عاديًّا أبدًا: أن تكون أو لا تكون. ليس في مسرحية، من شعر شيكسبير .. أو موقفًا في رواية أكتبها. ولكنه واقعٌ صلب بارد لا مبال، مثله مثل كافة الحقائق في الحياة. قرار عليَّ أن أتخذه، أنا المملوءة خزانتي بأنصاف القرارات وأرباعها، وكادت حياتي تئول في النهاية إلى «صندرة» قرارات مُوقَفة التنفيذ، مجمدة، كُهنة، مهملة. أنا، وممن؟ من شعب حياته «وكالة بلح» لقرارات وقرارات، على المستوى العام وعلى أخص المستويات، كلها مكسرة أو مكهنة أو مهملة، أو صدئت تمامًا حتى فقدت فاعليتها وأصبح لا ثمن لها حتى في سوق خردة القرارات. أجل، لحظة، أو موقف، تكشَّفت لي فيه أشياء كثيرة جدًّا. عن نفسي، وعن شعبي، وعن حياتنا، وعن المأساة الحقيقية في حياتنا: إننا شعب بلا قرار، نكاد نكون بلا قدرةٍ أصيلة على اتخاذ القرار. نترك الأمواج والأهواء والحيوات تعبث بنا كيف تشاء. تشیلنا الحياة وتحطنا. يتحدد مصيرنا. يتطربق أمام أعيننا المستقبل. أو يحفل بالورود والزهور. يتغير الواقع — واقعنا — أمام أعيننا تغيرًا جذريًّا أحيانًا. ونحن ننظر في شِبه بَلَه إلى الأشياء وهي تقع، وهي تحدث، وهي تتفاقم، وكأن مردةً أو جنًّا أو عفاريت أو أشياء مجهولة هي التي تحرك الواقع وتحركنا. ولسنا في هذه المهزلة كلها المسمَّاة بالحياة سوى متفرجين. ننتظر آه. نصبر آه. نأمل آه. نعذب آه. نشكو آه. نلطم آه. نصرخ آه. نفرح آه. ولكن أبدًا أبدًا لا نصنع نحن الفرح، ولا نصنع نحن الحزن، ولا نصنع نحن الحدث، وبالتالي لا نصنع أبدًا ذلك الشيء المهم، أهم شيء في حياتنا. لا نصنع حياتنا نفسها؛ وإنما هي دائمًا تُصنع «بضم التاء» لنا. تأتينا من أهلنا جائز، من طبقتنا جائز، من الظروف جائز، ولكنها تأتينا جاهزةً، فنقبلها وكأنها أمر القدر. عمرنا أبدًا لا نرفضها أو حتى نفكر في غيرها. كل ما نطمع فيه أن نحسِّنها بعض الشيء، أو نتعذب ونشكو بعض الشيء .. طلعت ضيقة شوية .. لأ .. واسعة حبتين .. لأ .. الخصر مرهرط شوية .. وهكذا أصبحنا أعظم أخصائيين عن كافة الشعوب في تقبل الحياة كما هي، و«تأييفها» — على رأي التعبير العسكري — والتواؤم معها. ذلك أننا — مثلنا مثل ماء النيل في بعض أجزاء النهر — نتوخى دائمًا أسهل الخطوط وأسلسها لنشق المجرى أو نحيا .. ذلك لأن معنى غير التقبل، معنى الرفض أحيانًا، معنى أن نقول: لا للظروف أو لتلك الحياة الجاهزة، معناه رهيب وخطير ومروع، معناه أننا سنرفض الجاهز لنقرر نحن واقعًا من صُنعِنا. وتلك هي الكارثة. فمعناها أننا نكون مسئولين مسئولية كاملة عن إقامة حياة أخرى كما يحلو لنا. حياة قد تنفع وقد تفشل، وسنلقي فيها كل صعوبات خلق الأشياء والتفكير لها والتدبير، وأرذل الأشياء جميعًا، اتخاذ قرارات عميقة حاسمة ننفذها ونتعب تمامًا في أخذها وتنفيذها .. أليس الأريح والأفضل أن نقبلها، ويا شيخ، بلاش وجع دماغ .. أنت لسه ح تعمل وتسوي، خدها كده وريح نفسك. وعلى إيه دوشة الدماغ دي. وهذه بالضبط هي المشكلة «دوشة الدماغ». إذ نحن نسمي التفكير — ذلك الذي يتفرَّد به الإنسان، والذي اختصَّه به الله دونًا عن سائر الكائنات والأحياء — نسمِّيه «دوشة دماغ»، وكأن الدماغ خُلق لشيء آخر غير هذه «الدوشة» أو هذا «التفكير». ألا نقول لبعضنا البعض إذا رأينا إنسانًا منحرف المزاج قليلًا: أصل عنده شوية «فكر» .. التفكير إذن دوشة ومرض ووجع رأس. والحل .. اللاتفكير، الحل أن تكون سلطان زمانك. ذلك السلطان الصعلوك الذي يلملم فتافيت الأسياد ويزدردها، ويدلق في فمه قُلة ماء ويتكرع ويقول: أنا سلطان زماني. سلطان زمانه هذا الذي في حياته ما تبوأ عرشًا، وإنما فوق رأس هذا السلطان زمانه أُقيمت العروش والأعراس، وركب الرومان واليونان والفرس والعرب والإنجليز، وكان ممكنًا أن يركب الروس والأمريكان وكلشنكان، فما أكثر ما ركب الطغاة سلطان زمانه، ذلك المركوب دائمًا معنًى ومجازًا «الملجم دائمًا» معنًی ومجازًا، الذي يعتبر أن البردعة الموضوعة على ظهره هي العرش، لا يهم أنه العرش بالمقلوب، ولا يهم أنه ليس عرشًا وإنما ربما «عریش» عربة كارو. ماذا يهمُّ؟ ومالي أنا ومال «وجع الرأس»، و«الدوشة» حيث تركبني الهموم والأفكار .. مالي أنا وما لهذا كله؟ هكذا راحت مشكلتي الشخصية كلما اجتررتها أو جذبتها أحسُّ بها كخيط الحاوي، تخرج بأشياء وأشياء، لأجد أنها ليست مشكلة الساعة أو العصر؛ وإنما هي طويلة طويلة، طولها ألف، ألفان، خمسة، ستة، سبعة، عشرة، آلاف ربما من الأعوام. أنا فردٌ، هذا صحيح؛ ولكن داخلي شعب بأكمله. داخلي تاریخ قديم قديم يمتد من الأزل إلى الآن. داخلي مفهومات وترسُّبات وقضايا مُسلَّم تمامًا بها، داخلي عصور جيولوجية صخور من الرواسب فوقها صخور، داخلي إنسان مشكلته أنه أقدم إنسان ظهر على سطح الأرض، عجوز، عجوز جدًّا، بلغ من الشيخوخة حد أن لم يعُد مهمًّا أبدًا أي شيء يحدث في الحياة أو للحياة. تلك هي بالضبط المشكلة التي من أجلها بدأت ثورات الإنسان المصري في عصرنا الحديث، ولا تزال مشكلة أن تعيش كما يريدون أم كما نريد نحن، ولأن الشعب هو أولًا وأخيرًا فرد، ولأن الفرد هو أولًا وأخيرًا قرار، فثوراتنا كلها — وإن كانت ثورات جماعية شعبية — لها مليون ظرف تاریخي، ومليون وجه ونتیجة وتفسير؛ إلا أنها في أهم جوانبها راجعةٌ إلى تململ ذلك «الأنا» المستسلم للقدر وللحياة في قلب المصري، تململه من أجل أن يعود يحيا، ومن أجل أن يعود يرید، ومن أجل أن تصبح إرادته في النهاية واقعًا، واقع لأول مرة من صنعه هو، ومن كدِّه ومن عرقه، وبإرادته الحرة المطلقة، وفي النهاية بقراره. ••• علمنا آباؤنا وأجدادنا، علمونا في المدارس والكتاتيب والجامعات، حفظنا جدول الضرب وجدول مندليف، وعلَّمونا جدولة الديون. كم علمونا وكم تعلمنا، ولكن أحدًا لم يأخذ باله أبدًا ومطلقًا من أهم الأشياء جميعها. أن يعلمونا أو نتعلم كيف نصبح رجالًا .. أو بمعنى أدق كيف يصبح لكل منا شخصية، وكيف يكون للإنسان منا رأيٌ، ثم في النهاية — وبناء على تلك الشخصية وهذا الرأي — يأخذ قرارًا. أجل السؤال هو: كيف يتخذ الإنسان المصري منا قراره؟ بادئ ذي بدء وكما قلنا فإن معظمنا لا يكلف نفسه عناء اتخاذ أي قرارٍ. فحياته كلها ليست قرارات من صنعه وإرادته؛ وإنما هي سلسلة من الأفعال وردود الأفعال، أو هي بالأصح ردود أفعال لما يقوم به أو يأتي من الغير. والفرق كبير جدًّا بين القرار ورد الفعل. فالقرار هو الأصل، هو في الحقيقة الفعل، هو تحقيق الوجود بتحقیق الإرادة. عملية إيجابية يتخذها «الأنا» الأعلى في الإنسان ليحقق بها رغبته أو إرادةً أو خطةً من صُنعه هو وخلقه وابتكاره؛ بينما رد الفعل عملية سلبية تمامًا، في الغالب هدفها مجرد الدفاع الغريزي التلقائي عن النفس أو الموقف، القرار هو القدرة؛ بينما رد الفعل هو العجز عن القدرة، عجز عن المبادرة، عجز عن إيقاف الآخر أو الآخرين، موقف المدافعين بحيث تُرغمهم هم، ولست أنت، على القيام بردود الأفعال. ••• وبصراحة نتكلم: من منا — نحن المصريين — يستطيع أن يزعم لنفسه أنه صنع أو يصنع حياته كما يُريدها هو وليس كما أُريدت له أو شاءتها الظروف والملابسات؟ كم في المائة، كم في الألف، بل كم في المليون من يستطيع، وبصراحة مطلقة بينه وبين نفسه، أن يزعم هذا؟ أنا لا أريد بسؤالي أن أُقلِّب المواجع أو أتحسَّر أو ألوم، بل حتى لا أُريد بهذا الحديث كله عن نفسي وعن عمليتي وعن قراري، لا أريد أن «أكتب» انطباعات، أو ذكريات، أو أسجل واقعًا من النادر أن يمرَّ به الإنسان العادي، فما بالك وأنا أول كاتب في العالم «يُجرِّب» المرور بعملية في القلب! كان هدفي الأكبر — ولا يزال — أن أُحيل هذه التجربة الشخصية المحددة إلى القضية العامة التي تهمُّ كل الناس، قضيتنا نحن كشعب احترنا في أنفسنا وحيَّرنا العالم كله معنا. بالضبط من نحن؟ وكيف نفكر؟ وكيف نعيش؟ وكيف نقرر؟ ما هو داؤنا الأكبر؟ وأين المكمن العظيم لقوتنا؟ تلك هي المشكلة التي كانت ولا تزال وستظل تلحُّ عليَّ: أن أكشف لأنفسنا سرَّنا أو بعضًا من هذا السر. أن أجعل ذلك الشاب أو الشيخ، وتلك الفتاة في البنطلون المحزَّق، أو في زي الأخوات المسلمات، أن أحاول مع هذا العالِم الديني الجليل الذي يُفتي للناس في أمر دينهم ودنياهم دون أن تختلج له ذرة تردد، مع هذا المثقف الجالس على القهوة أو على المكتب الذي «وضعوه» خلفه ينقُد، ويلذع، ويثور، ويُندِّد. مع منبر اليمين والوسط واليسار. مع المصفقين للإنتاج، الهاتفين بحياة الغرب، مع الثائرين يهتفون للشرق، مع المرأة المصرية الحائرة بين أن تُغامر مثل جارتها أو تتأدب، وسائق التاكسي الذي ينبت في رأسه فجأة أن يحيط العداد بالفوطة ويُضرب عن العمل، مع أهلنا وأحبابنا فلاحينا الذين يزرعون ويزرعون ولا زالوا يزرعون وسيظلون يزرعون إلى ما شاء الله. ••• مع هؤلاء جميعًا، أحاول، صادقًا ومخلصًا وبكل ذرةٍ من كیاني ووجودي، بمشكلتي الخاصة، بقضيتي العامة، بالكتابة نفسها، بكل ما يمكن للقلم أن يحفره، بكل طاقتي وقدرتي وقدرات كل الناس على أقصى مستوًى للتفكير أن نصل. أحاول ولو مرة في حياتي، أن أقف، ونقف جميعًا، وقفة، لا مع الصديق هذه المرة، ولا مع العدو، لا مع روسيا ولا مع أمريكا، لا مع هذا أو ذاك، وإنما وقفة، يا عالم، مرة، مع أنفسنا، وقفة مع النفس مرة لأجل خاطر نبينا محمد رسولنا العظيم، لأجل خالقنا الأعظم، نقف مرة ونتدبر: ما هي المشكلة؟ ولماذا يحدث ما حدث إذا حدث؟ وهل المسألة حظٌّ أم فتاكة أم قلة حيلة، أم أن للمسألة وجهًا آخر، لم نره أبدًا؟ لا أحد أراه لنا، وربما نحن لا نُريد أن نراه، وجهًا آخر هو وجهنا نحن. لننظر في المرآة: لن نخاف أو نتوجس، فنحن بعد لم نعد أطفالًا، الحرب حاربنا، التاريخ صنعناه، آمون خلقناه وعبدناه، وكم من آمون خلقناه وعبدناه ثم أمتناه وبكينا عليه، كل شيءٍ فعلناه، وكل شيء نفعله ومستعدين أن نفعله. انفتاح مستعدين، اشتراكية مستعدين، نظام مستعدين. فوضى مستعدين، تمام، كله تمام يا افندم. وكم ضيعتنا كلمة «تمام یا افندم»! يسار دُر: ندور، يمين در: ندور، وسط در: ندور، فوق در: ندور، تحت در: ندور. شقلبة تشقلبنا، جدعنة تجدعنَّا، مرمطة تمرمطنا، ثورة ثُرنا، تصحيح صححنا، شدُّ أحزمةٍ شدَّينا، غنا غنينا، رقص رقصنا، تضحية بلا ذرة تردد ضحَّينا، نكسة انتكسنا، سمُّوها هزيمة انهزمنا، جاء ٦ أكتوبر يُنقذنا فأنقذنا. كل شيءٍ فعلناه وكل شيء مستعدون أن نفعله. إلَّا شيئًا واحدًا أخاف خوف الموت أننا لن نقدر على فعله. ذلك أن نواجه أنفسا بقى. نغسل أصباغ البهلوانات والمهرجين .. نخلع ثياب الأبطال أو الشحَّاذين .. نرمي العكاكيز .. نتخلص من العاهات المصنوعة والحقيقية .. من أغطية زجاجات الكاكولة ونياشين البطولة الحقيقية اللامعة المزركشة .. نُزين اللحى المصنوعة .. نتوقف لحظة عن الزعيق الأجوف الذي نحاول أن نخوِّف به الآخرين فلا يخاف منه سوانا. نصمت، يتوقف الصخب المروع المالئ حياتنا، في ثبات الرجال نقف «أقول نقف» وفرقٌ كبير بينها وبين أن نتوقَّف. فالحادث فعلًا أننا متوقفون، والمطلوب أن نكفَّ عن التوقف، ونقف في ثياب الرجال وشجاعتهم، نقف .. ونصنع ألف باء الفعل الجدير بأي بني بشر: نواجه أنفسنا. ••• لا أقول إذن: نقف جميعًا، بل أقول: ليقف كل منا، عاريًا تمامًا من كل شيء إلا من نفسه، من صدق نفسه، أمام مرآة، وهي ليست مرآة غريبة عليه؛ لأنها مرآة نفسه هو، وعلى مدى وقدر صدقه مع نفسه يكون لمعانها أو ضبابها، وضميره وحده هو الحكم. ولكن هذا الطلب، وبهذه الصيغة، أن يقف كلٌّ منا أمام مرآة نفسه الحقيقية وقفة مع نفسه، هذا الطلب، وبهذه الصورة فيه أيضًا، ذلك التعميم الذي دائمًا نهواه ونحبه؛ لأنه التعميم الذي به نهرب من الواقع ومن أنفسنا كما تعودنا أن نهرب. ولقد ظللنا نهرب إلى أن انتهى الأمر بنا حيث لا مهرب. لكي يصبح الأمر تخصيصًا إذن محددًا وواضحًا لا لبس فيه. أقول: فلأقف أنا، قبل أن تقف أنت. فلأقف أمامك. وأمام نفسي وأمام الملأ. فلأقف في تلك الغرفة الخاصة، أمام تلك المرآة الخاصة، عاريًا تمامًا في ذلك الحمام الروحي، لأعرف من أنا. بالضبط: ماذا أفعل الآن؟ ومن أنا؟ وإذا لم أكن أنا، فمن أنا؟ إذا لم أكن ذلك المهرج ولا هذا البطل، إذا لم أكن ذلك القرار صاحب الكلمات الضخمة، ولا ذلك الفعل الذي غيَّر وجه الدنيا، فمن أنا؟ وماذا أفعل الآن؟ وماذا أنوي أن أفعل؟ ••• قد يبدو للبعض أنها مسألةٌ سهلة جدًّا. ما أسهل أن يتعرى الإنسان أو الإنسانة (خاصة هذه الأيام)! وما أسهل أن يقف أمام المرآة! وما أسهل أن يُجيب وكأنما إجابته مسجلة على كاسيت لا ينقصه إلا إدارتها! أمَّا الصعب تمامًا، أما الخطير تمامًا فهو أن يحدث هذا كله بصدق؛ لأنه يحدث — وربما لأول مرة — بينك وبين نفسك، دون تدخل مطلقًا من أحد، وباختيارك أنت وبإرادتك. إما أن أعيش الحياة كاملة ومطلقة وبكل ما أريده من حرية. أمام الحائط الأخرس المرآة واجهت نفسي. وكان عليَّ أن أتَّخذ قرارًا. وإما أن أعيشها عاجزًا ومرعوبًا ومكتفيًا بفتات أسيادها. ولكي أتخذ القرار كان على أن أعرف من أنا، ومن أنتم، وبالضبط من نحن. ولكي أعرف كان عليَّ أن أكون شجاعًا تمامًا. والشجاعة ليست صفة. وليست قصرًا على أحد. وكلنا نستطيع — لو أردنا — أن نكون، أو على الأقل نواجه ما نريد، حين نريد، بشجاعة. وأقصى درجات الشجاعة في رأيي ليست أن تقف مع الصديق أو مع العدو أو تواجههما .. الشجاعة الأكبر أن تقول: أنا جبان .. أو أنا خائفٌ، أو أنا لا أستطيع، أو أنا قادر. هو في رأيي الإكسير السحري للشجاعة. بل هو الإكسير السحري للحياة. فلقد اكتشفت أن الحياة كلها هي في ملخصها لحظة قرارٍ شجاع .. ومن يهرب منها ومن يؤجِّلها ومن يؤْثر السلامة أي إشاحة النظر عنها هو الذي يموت. أو هو الميت وإن ظل يُحتسب في عداد الأحياء .. حيًّا .. واسمحوا لي أن أُطلعكم على داخلي الذي لا يختلف كثيرًا عن داخلكم؛ لأريكم كيف أخذت قرارًا، أعتبر الآن، وبعد أن مضى كل شيء — والحمد لله — بسلام، أنه كان أشجع قرار اتخذته في حياتي. فقد كان قرارًا أن أعيش. ليس تلقائيًّا هذه المرة، وإنما أُولد على يد نفسي، وبإرادة الله خالقي وبحياة — بعد خلقه الأكبر — من صنعي أنا. ولكن تلك قصة أخرى. | {
"chapter": "وقفة مع النفس هذه المرة",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "الإرادة",
"url": "https://www.hindawi.org/books/80626160/5/"
} |
في نهاية النهاية الرجل مجرد قرار. وحين أتحدث عن الرجل لا أقصد الذَّكَر؛ ولكني أقصد الإنسان العام، أعلى مراحل تطور الحياة، الخالق، المدبر، الواعي. خليفة الله. ذلك أننا. إذا حاول كلٌّ منا أن يُراجع حياته، وقيمة هذه الحياة فسيجد أنها تكاد تتلخص في عدة قرارات اتخذها، أو لم يتخذها، وبنی بها مجرًی خالدًا لوجوده، أو أحال ذلك الوجود إلى مستنقع سطحيٍّ راكد. وكان عليَّ أن أتخذ قرارًا. وأن تَتخذَ قرارًا في مشكلة خارجة عنك. مشكلة تخصُّ عائلتك أو حتى أقرب الناس إليك مسألة، إما أن تتخذ قرارًا في حالتك أنت، فتلك مسألة أخرى مختلفة تمامًا. فإذا كان هذا القرار لا يخصك فقط ولكنه سيحدد حياتك أو موتك، بلا أي حل وسط، فالمصيبة — كما يقولون — تكون أعظم. ولقد ذهبت إلى أمريكا ولم يكن يخطر ببالي مطلقًا أني سأواجه هناك ذلك القرار، كنت أتصور على أقصى تقدير أن المشكلة لن تتعدی بعض تقصيرات نتيجة للأزمة القلبية التي حدثت لي وأنا في مستشفى المعادي، وأن علاجها سيكون سهلًا وبسيطًا جدًّا لا يتعدى بعض الأدوية الحديثة .. ولكن التجربة المروعة التي حدثت في مستشفى المعادي وكانت السبب في هذه الأزمة القلبية مسألة لا بد أن ترد هنا، فهي تجربة قل أن تعرَّض لها بشر، فلقد ظللت أشكو بألمٍ في رقبتي ما لبث أن امتدَّ إلى أكتافي حتى عجزتُ عن الحركة تمامًا، وأصبحت الآلام لا تُطاق. وشخَّص الأطباء حالتي بأنها «انزلاق غضروفي» في فقرات الرقبة، وصاروا يعالجوني بالحقن المسكنة. ورغم أن الجرعات التي كنت آخذها من هذه الحقن المسكنة ظلت تتزايد يومًا بعد يومٍ؛ رغم هذا فالألم مروع وغير بشريٍّ، والكميات تتضاعف، حتى ظن بعض أصدقائنا الصيادلة الذين كنت أشتري منهم هذه المسكنات أن المسألة انقلبت إلى إدمان، ولم تكن لعلاج مرضٍ. حتى جاء اليوم الذي لم تعُد أي كميات مسكنة تُجدي، وكان على أن أُنقَل وأنا في شبه غيبوبةٍ من الألم والمسكن إلى مستشفى المعادي، حيث وُضعت في عنبر «النفوس المعذبة» أو ما يُسمونه في المعادي «إنعاش الرابع». وهناك عملوا لي أشعة على الرقبة بعدما عالجوني من الغيبوبة، وكانت نتيجة الأشعة يكاد ينخلع لها القلب. وجاءني ذلك الصديق الطبيب بعينيه الصريحتين الجريئتين وجلس بجوار فراشي وقال: اسمع .. إن هذه الأشعة التي عملناها لك لا يمكن أن تكون إلا لسرطان في فقرات العنق. وهناك أملٌ ضئيلٌ جدًّا أن يكون التهابًا درنیًّا ولا شيء غير هذا. استمعت إلى الكلمات وكأنه يتحدث لي عن شخص آخر. وصمت صمتًا غريبًا، وكان كل ما بداخلي من انفعالات قد مات فجأة. اكتشفت أمرًا حادًّا مُلحًّا: ألا يخبر الطبيب زوجتي بهذا الذي اكتشفوه، فقد لا تحتمل الصدمة. ولكني كنت متأخرًا؛ ذلك أن الطبيب كان قد غادر العنبر، والمؤسف أنه قابل زوجتي في الطرقة ومعها قريبة لنا وأخذها إلى مكتبه وأخبرها بنتيجة الأشعة، وكانت كارثة انتهت بعمليات إغماء وإفاقة ومشهد مروع، وجاءت هي بعد ساعات وعلى وجهها ابتسامة وقابلتها أنا بابتسامة أوسع، وأخذنا نضحك على أشياء تافهة، غير أني أدركت — وفيما بعد علمت أنها هي الأخرى أدركت — أن كلانا كان يعرف رغم براعة التمثيل، إن حكمًا قدريًّا مهولًا قد صدر، فمعنی سرطان في العمود الفقري أن حياتي لن تتعدى الشهور القليلة جدًّا، بل ربما الأسابيع أو حتى الأيام، وأن هذه العائلة الجميلة التي نكوِّنها قد أُصيب عمودها الفقري هو الآخر بضربة ستقصم تمامًا ظهر العائلة، ولن تستمتع نسمة (عامان في ذلك الوقت) بأن تقول مرة أخرى، يا بابا. في اليوم التالي جاءني الطبيب الصديق. إنه طبيبٌ جراح في الجيش، مقاتل بطبعه، شجاع بطبعه، صريح لا يهاب شيئًا، حتى ذلك الحكم الذي تصدره على المريض بحياته أو بإعدامه. جاءني وقال: اسمع، غدًا سأجري لك اختبارًا أخيرًا لآخذ عينة من عظام الفقرة بواسطة إبرة سندخلها في رقبتك من الأمام بدل أن نقوم بإجراء عملية جراحية نفتح فيها الرقبة وننحي القصبة الهوائية والبلعوم والأوعية الدموية الكبرى لنصل إلى العظم. وسنصل بهذه الإبرة إلى المنطقة المظلمة في الأشعة لنعرف إن كانت خلايا سرطانية أو مجرد التهاب، فاستعد يا بطل! بطل؟! ألم يكن باستطاعتك أيها الصديق الطبيب أن تؤجل محادثة الأمس إلى أن تقوم بتجربة الإبرة وتتأكد ثم تصدر هذا الحكم الذي عصف بحياتي عصفًا؟ وطفرت الدموع من عيني! ليس حزنًا على نفسي، إنما إحساس أنِّي أخيرًا هُزِمت، وأن نهاية ذلك الذي آلى على نفسه ألا يترك الحياة إلا وقد غيرها جاءت أسرع مما يتصور أو كان يُقدِّر. في اليوم التالي غاب الطبيب قليلًا عن موعده، فتناولت إفطاري، فقد كنت أحس بجوع لا حدَّ له، وكأن حب الحياة قد تحول داخلي إلى جشع للارتواء من كل ما فيها. في الحادية عشرة ظهر الطبيب ومعه لفافة فيها الإبرة المشهورة، وأخذني إلى غرفة الأشعة، من أحدث ما رأيت من غرف الأشعات في العالم، مزودة بجهاز تليفزيون بحيث ترى على شاشته كل ما يدور داخل الجسم وتظهره أشعة إكس. غير أن عقبة كئودًا ظهرت فجأة؛ فقد رفض طبيب التخدير أن يعطيني البنج ما دمت قد تناولت إفطاري، وكان عليَّ وعلى الطبيب إما أن نؤجل العملية كلها إلى الغد، وإما أن يقوم بغرس الإبرة في عنقي بلا تخدير، وأنا صاحٍ وواعٍ، ومشاهدٌ لكل ما يحدث. ولم أتردد؛ فلنقم بالعملية دون تخدير .. بل بالعكس .. سرني أنِّي سأكون صاحيًا وواعيًا، فأخوف ما كنت أخافه أن يُخفي عني الطبيب والآخرون النتيجة، وأنا أريد أن أرى النتيجة بعيني، وألمسها بنفسي، وأعرف وأتحقق إن كنت سأموت أو سأحيا دون مداراةٍ أو إخفاء. وهكذا استلقيت على المنضدة، وبدأ الطبيب بمخدر موضعي، يدخل الإبرة الغليظة التي تنتهي بكلابتين لينتزع بها جزءًا من العظم حين يصله، وأنا أرقب دخول الإبرة، مروعٌ أن تخترق شريان العنق مرة، خائفٌ أن تخترق زوري مرة؛ ولكن خوفي الأعظم كان أن تقترب من المنطقة المظلمة في الأشعة، ذلك أن أجزاء الثواني التي ستأخذها لتدخل أو لا تدخل في تلك المنطقة كانت ستحدد مصيري بشكلٍ قاطع وإلى الأبد. أجزاء من الثواني، رهيبة، عام بأكمله مرَّ، حیاتي تلف كالكرة الملتهبة تحمل كل ذكرياتي، طفولتي وصباي، أحلامي وأشجاني وطموحاتي، أولادي وأحفادي، من يأتي من بعدي، آبائي وأجدادي. وببطءٍ مخيف مُذهل تقترب الإبرة من المنطقة المظلمة، والنتيجة لن تحتمل الشك، فهي إذا دخلت في المنطقة المظلمة التي تُشكل جزءًا من جسم الفقرة العظمية فمعنى هذا أنها — تلك المنطقة — لم تعد عظمًا، وإنما تحولت إلى ذلك النسيج الطري السرطاني الرهيب، التهم السرطان عظمها وتركها رخوة تمهيدًا للموت الكامل الرخو الذي حالًا ما سيحدث. وإن لم يستطع الطبيب إدخالها وقاومت المنطقة المظلمة فمعنى هذا أن النسيج لا يزال عظمًا سليمًا، وأن الظلام له سبب آخر غير السرطان. أجزاء من الثواني انتفض لها جسدي، وقفزت له كل خلية من خلاياه، وارتكزت على أطراف أصابعها ترتقب النتيجة، فهي لن تحدد عمري ككل؛ ولكنها ستحدد عمر كل خلية فيَّ، وكل جزء وكل عضوٍ، بل ستحدد مصير أناس آخرين كثيرين غيري. ••• وكان أروع نقر سمعته في حياتي قاطبة هو صوت الكلابتين وهما تدقان فوق المنطقة المظلمة من الفقرة، نقر أسمعه بأذني ويصلني مباشرة من عظام الفقرة إلى الأذن الداخلية، ويصلني حتى من أُذني الخارجية. الحمد لك أيها الإله العظيم! مالكي ومالك الكون .. ولم تطفر من عيني دموع، فجأة أحسست بتعبٍ وكأني ظللت أجري عمرًا بأكمله، كانت التجربة أكبر بكثير من احتمال البشر، وبمثل ما دأبت على مصارعة الحياة وتحديها ظننت أني أحتملها، ثقتي بهذا الجسد لا تقهر. ولكن أيها السادة، للجسد أحيانًا حدود. وأبدًا لم يُخلَق الجسد لنحمل فوقه الجبل. وثبت أن المسألة كلها لم تكن سوى التهاب بسيط في الفقرات شُفيت منه تمامًا بعد ثلاثة أسابيع. ولكني قبل أن أُشفى منه، كان القلب الذي حمل على عاتقه هذا كله قد أُصيب بأزمة. ونقلت من عنبر النفوس المعذبة في الرابع إلى عنبر العناية القلبية المركزة في الثالث. ••• وها أنا ذا في أمريكا، سليم تمامًا، معافى، وها هو التشخيص الدقيق يثبت أن هناك انبعاجًا في جزء من القلب نتيجة للأزمة المروعة. والأطباء ينقسمون على أنفسهم تمامًا، الأغلبية تقول: إن هذا الانبعاج ما دام لا يسبب أعراضًا فلا خوف منه إطلاقًا، وتستطيع أن تعيش به إلى السبعين والثمانين، والأقلية تقول: بل من المستحسن استئصاله من الآن؛ فربما سبب أعراضًا في المستقبل. فماذا أفعل أنا؟ وحين أقول: «أنا» في الواقع لا أتحدث عن نفسي؛ وإنما أتحدث عن نوعي من الناس، ذلك النوع الذي لا يقبل إلا الكمال المطلق، الذي لا يستطيع أن يُساوم، الذي يمكن ولا يقدر أن يعيش خائفًا من شيءٍ، متوقعًا أن يُهاجمه عرض ما أو مرض ما، خائفًا من الهواء إذا هبَّ الهواء، ومن أي ألمٍ يعتريه إذا اعتراه ألم. كانت أيامًا كئيبةً تمامًا، فالمسألة في حاجةٍ لقرار، وعمليات القلب ليس فيها هزار، فأي فشل معناه الموت، إنها ليست عملية في ساق أو مُصران أعور، إنها في صميم مكنون الحياة، تلك الحياة المركزة على هيئة كتلةٍ عضلية حمراء، تُخلَق وهي تنبض، وتظل تنبض حتى نهاية النهاية، العملية فيها، وتستدعي أن يتحول الدم عنها، ويوقف القلب تمامًا، كي تتلقفه يد الجراح. وبعد ساعاتٍ يعيدونه إلى النبض، ويعيدون إليه دورة الدم، فماذا لو لم ينبض؟ ماذا لو قال: لا؟ وفي أحيان يقولها، ولا تفلح أي جهودٍ في إعادته ينبض؟ قلت: فلْأذهب لأعلى مستوى علمي في أمريكا، مستشفى البحرية الأمريكية في «بتسدا» بجوار واشنطن. والحق أن السفير أشرف غربال قد بذل كل جهده، ولكن إجابة وزارة الخارجية الأمريكية كانت واضحةً وصريحةً: إن هذا المستشفى لا يُعالج إلا الوزراء ومن هم من مستوى أعلى في الدول الصديقة، ومن يعتبر علاجهم هناك لمصلحة الولايات المتحدة. ويبدو أن علاجي هناك لم يكن كذلك. وشكرًا لله أن حكومتنا كانت قد اعتمدت مبلغًا مناسبًا تمامًا كي أستطيع أن أرى أكبر جراحي القلب هناك، وهكذا عُرِضتُ على الدكتور دیبكي جراح القلب الشهير، الذي أكَّد لي أن المسألة ليست بحاجة الآن لعملية: اذهب إلى مصر، وعش أربع خمس سنوات وإذا تعبت تعال هنا ونعمل لك العملية. وكان سهلًا أن أعود هكذا إذا أردت أو كلما أردت. كان إحساس ما يؤكد لي أن المسألة في حاجةٍ لقرار شجاع، وما أسهل أن تأخذ القرار الشجاع إذا كان الأمر يتعلق بغيرك أو بعملك أو حتى بأي أمر من أمور حياتك، وما أصعب وما أبشع أن يكون القرار خاصًّا بجسدك! بل بأهم ما في هذا الجسد، نبض الحياة فيه أو سریان الدم. غريب في القارة الواسعة: أمريكا. غريب رغم الأصدقاء الكثيرين حولي، والمصريين هناك، وعلى رأسهم رجلٌ من أخلص وأنبل من قابلت في حياتي: الدكتور عبد الهادي مخلوف قنصلنا العام في أمريكا، من طبيب لطبيب، ومن مستشفى لمستشفى، ومن اختبار لاختبار. والقرار لا يزال رابضًا هناك في أعماقي، ينظر لي بعينين لامعتين ماكرتين تتلمظان، إما لالتهامي والإجهاز عليَّ، وإما لكي ألتهمه أنا وأمضغه وأصنع من مادته حياة، حياة حرة طليقة بغير قيدٍ، بغير تحديد، بغير عجز، بغير ذلك الإحساس الممض: أني ضعيفٌ. ••• ولكن، يبدو أنه كان للمشكلة وجه آخر لم ألحظه. ذلك أن الطب في أمريكا مثله مثل أي شيء آخر هناك، له طبيعة مختلفة إلى حدٍّ كبير عن الطب هنا، اختلاف الإنسان الأمريكي عن إنساننا هنا. المجتمع الأمريكي قام على انتزاع الوجود بالقوة، والقوة لا تزال هي القانون السائد، قوة المال أو قوة النفوذ أو قوة المسدس، أو حتى القوة العضلية المحضة؛ ولذلك فالصراع من أجل البقاء هناك صراعٌ رهيب لا يمكن أن يُقارن بالحياة الوادعة المنبسطة الممتدة هنا. هنا تحسُّ أنك حيٌّ .. لا يمكن أن تموت إذا متَّ من الجوع، لا بد لك قبيلة، أو قرية ما، أو مجتمع ما ممدود الأيدي دائمًا لانتشالك، مُحال أن تغرق. هناك إذا غرقت لن تمتد لك يد أبدًا بالمساعدة، إذا هویت هویت وحدك، وإذا عشت عشت وحدك، وإذا اغتنيت أو افتقرت أو مرضت فأنت وحدك الذي عليك أن تقبض أو تدفع، ولهذا فالإنسان في هذا المجتمع عليه أن يشحذ جميع أسلحة بقائه ليظل حيًّا؛ ولهذا ليس غريبًا أن يكون الأطباء على قمة أصحاب الدخول الكبيرة في أمريكا، ذلك أن الإنسان هناك مضطرٌّ أن يحافظ على صحته — رأسماله الحي — لكي يحيا ولكي يؤمِّن هذه الحياة. كيف لإنسان جاء من الوادي الوادع، ومن الطب حيث الطب لا يزال مهنة فردية وادعة، يقبل أن يضع نفسه في «خط» إنتاج وإصلاح الإنسان. ولكن المحير أيضًا أن أمريكا هي الرائدة في جراحة القلب. سبقت أوروبا فيه بمراحل، ويكاد يكون من المستحيل أن يموت الإنسان هنا نتيجة خطأ إلا إذا كان عمره هو نفسه قد انتهى. ذلك قرار آخر كان من المحير تمامًا أن تأخذه، أو لا تأخذه. أليست إنجلترا أقرب إلينا وإلى طبيعتنا من هذه المصانع البشرية الهائلة التي يُعالج فيها الإنسان؟ | {
"chapter": "القرار",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "الإرادة",
"url": "https://www.hindawi.org/books/80626160/4/"
} |
أحسست أني أمتُّ إلى الرجل بصلةٍ ما .. أتكون نداء الدم؟ هذا الهادئ، المريح تمامًا، المُذهب عنك — حتى قبل أن يفحصك — كل ما يقلقك في هذا العالم، مصري، وإن بدت مصريته في إطار أوسع بكثير حتى من خريطة منطقتنا .. إذن هذا هو مجدي يعقوب، الذي سمعت عن نبوغه وأنا في مصر، وأنا في أمريكا، وأنا هنا في لندن. كنت قد شبعت طبًّا وأطباء، واستقرَّ رأيي تمامًا أن آخذ الأمر ببساطةٍ، فما دام ليس هناك خطر آجل أو عاجل على قلبي أو صحتي، وما دامت شرايين القلب كلها في حالةٍ حسدني عليها طبيب الأشعة العظيم میسون سونز نفسه، وما دمت كما أنا، عائشًا، حيًّا، صاخبَ الحياة والضحكات كعادتي، فما الداعي إذن لإسلام رقبتي لعملية خطيرةٍ كعملية القلب، لا مسوغ لها الآن بالمرة .. وربما لن يكون لها — كما أكَّد لي جميع من قابلت من أطباء عالمين — داعٍ في المستقبل .. كان موعد عودتي إلى القاهرة قد تحدَّد، وحجزت، ولم يبق إلا شيء أخير أفعله، ذلك أني كنت وأنا في أمريكا قد أخذت موعدًا مع الدكتور مجدي يعقوب عن طريق سفيرنا الطبي في لندن صديقنا القديم الدكتور عبد الغفار خلَّاف، إن هو إلا رأي آخر أو أخير أُضيفه إلى حصيلتي من الآراء والتقارير، وسلامٌ عليكم سلام ورحمة الله. ولكن — تقدرون فتضحك الأقدار — هذا صحيح. فحصني مجدي يعقوب. فخور أنا به .. ذلك المصري النابغة الذي عرف ما يريد وعمل له، فأثناء دراسته، وهو في ثالثة طب، قدم لامتحان المرحلة الأولى في شهادة الزمالة في كلية الجراحين الملكية، ونجح فيها، وتلك، في الوسط الطبي والجامعي حادثة لا تقع كل يوم .. لم يقل لي كلمةً واحدة أو اشتكى من أحد، مع أني أعرف أنهم أفهموه منذ اليوم الأول لمزاولته الجراحة في إحدى كلياتنا الكبرى أن لا أمل له في مستقبل جراحي في مصر، ورفضوا تعيينه مدرسًا. وجاء إلى لندن كما يجيء عشرات ومئات — والآن أصبحوا آلافَ — الأطباء المصريين للدراسة أو العمل. هجرة إرادية أو إرغامية، المهم أنه كان — دونًا عن هذه المئات من الأطباء — يُسرُّ في نفسه على أمرٍ .. أن يصبح جراح القلب الأول في هذا البلد الذي ليس بلده، بل أن يصبح جراح القلب الأول في عالم ليس من السهل، حتى على النابغة فيه أن يحصل على وظيفةٍ، أي وظيفة محترمة تدرُّ دخلًا طيبًا. وبدأ العمل في لندن، في عروقه تجري جرثومة الكدح الدءوب الأعظم، الذي ينحدر إلينا من سلالات بعرقها ونضالها أقامت للعالم القديم والجديد وإلى الآن أكبر وأضخم رمز للحياة والموت معًا .. الأهرامات، والمعابد، والتماثيل، التي لا تعبر عن القوة والفن فقط؛ ولكنها وبفصاحة تخرس الألسن وتعبر عن روح شعب إن استهبل أو استعبط أو تمسكن يومًا فإنه يملك داخله طاقةً لا نهاية لها، ورغبة في إثبات الوجود لا حدود لوصفها .. بهذا الدأب مضت أصابعه غير الرفيعة — كما تعودنا دائمًا أن نعرف بها الجراح — تعمل، الأربع والعشرين ساعة، تعمل الأسبوع بأكمله، والعام بأكمله، بلا كللٍ. بجهد، جهد معجز جبَّار استطاع أن ينتزع من دهاة الطب والعلم في العالم (الإنجليز) اعترافهم بنبوغه، حتى إنهم منحوه الجنسية الإنجليزية .. وأطلقوا عليه «مستر یاكوب»، وأصبح مستر یاكوب بإنجازاته في جراحة القلب، بعدد حالاته التي يعرضها في المؤتمرات، بالبناء الهائل المخيف الذي راح يبنيه صخرة فوقها صخرة وإصرار فوق إصرار، يتحدى، ويَقبل الحالات الميئوس منها، وبالساعات يُجاهد فيها وبجوارها حتى يُنقذها. تتحول الحالات التي يُجمع فيها على اللاأمل من خلال أصابعه إلى أمل وحياة جديدة يستنقذ بها إنسانًا آخر من موتٍ محقق. أصبح بهذا كله مفخرة للإنجليز، وصرنا نحن، نحن الذين رفضنا تعيينه مدرس جراحة بسيط نستقدمه كما نستقدم كبار الخبراء العالميين وتستضيفه جامعاتنا، نفس جامعاتنا التي أنكرته ناشئًا، تستقبله عظيمًا وكبيرًا وخبرة عالمية لا تُقدر. فحصني وشاهد الفيلم السينمائي، وقال لي في النهاية مثلما قال كبار الأطباء الذين سبقوه: ليس هناك حاجة لعملية، وكما قالوا لك، فعلًا تستطيع الحياة كما تشاء، وربما لا يحدث لك بالمرة أي تعقيدات إلى نهاية العمر. دون تحصيل حاصل آخر وأخير. وارتديت ملابسي وغادرت المستشفى الأنيق الذي بناه الإنجليز خصيصًا لعلاج الأثرياء. وبالذات الأجانب، وبذات الذات العرب، حتى إن لافتاته مكتوبة بالإنجليزية والعربية. ورحت في ليل لندن المبلل دائمًا إما بمطر سبق أو ذرات مطرٍ قادم. اللامع بالنور والضجات الصغيرة المبعثرة، رُحت أتمشَّى، وقد قررت أن أعود لفندقي سائرًا على القدمين .. أفكر. في ماذا؟ تلك هي المشكلة. شيء ما كان يؤكد لي — رغم كل التقارير والآراء التي لا ذرة شك في صحتها وجديتها — أن في الموضوع ناحية غامضة لا تزال، ولكنها، هناك، رابضة وباستمرار تدق. ••• فُوجئت — بل ماذا أقول؟ أأقول: إني أبدًا لم أُفاجأ؟ بمكالمة تليفونية في اليوم التالي من الدكتور مجدي يعقوب، لم تكن هناك تقارير أو معلومات مؤجلة، وأقول: إنه طلبني ليقول لي رأيه فيها، ما الموضوع إذن؟ إنه يريد أن يراني في الغد — الأحد — العطلة المقدسة عند الغرب قاطبة. – اسمع .. سأكون صريحًا معك … لو كنت نوعًا آخر من البشر لاكتفيت مما قلته لك بالأمس، ولكني أكاد أعرفك وأجزم أنك لن تقبل الأمر أبدًا، لن تقبل أن يظل داخلك خلل ما، مهما بلغت تفاهته أو أهميته، سيظل القلق من هذا الشيء ألمًا يتأجج داخلك حتى يقضي هو، وليس المرض، عليك. أية حكمةٍ أعطاها الله لهذا الإنسان حتى ينطق هكذا؟ ما كان داخلي ينوء بي وأحسه بعنفٍ وعمق؛ ولكن معناه وألفاظه لم تكن تطفو أبدًا إلى سطح عقلي لتتخذ شيئًا مبلورًا قابلًا للفهم هكذا. وهنا، لا بد، وفوق آراء مجدي يعقوب في شخصي وشخصيتي، أن أقول كلمة عن نفسي، وأنا أكره تمامًا أن أتحدث عن نفسي، ولكن لأن أحدًا لم يفهم ما حدث إذا لم أتكلم فلا بد أن أقول: إني شخصيةٌ ليس من السهل فهمها .. ولكن هناك جانب منها أعلمه علم اليقين؛ ذلك أني أبدًا أبدًا لا أقبل المساومة أو النُّص نُّص، وبالذات حين يتعلق الأمر بصحتي أو بإنتاجي، إما الكل وإما لا شيء. إما أن أكون أو لا أكون بالمرة .. حتى إن أمراضي كانت كلها سببها رغبتي الشديدة أن أظل سويًّا، وقد وضع مجدي يعقوب أصبعه بمهارة فائقة على «قلب» مشكلتي تمامًا، وفهمني تمامًا. ويا رب، ألهذا السبب طُفت العالم، لأني في نهاية المرحلة وعودتي مقررة في الغد، ويكون عليَّ أن أتخذ من جديد قرار العملية؟! لكم كان يوم أحد قاسٍ حقًّا. أنا الذي أعرف في الطب وأصبحت ضليعًا في القلب بحكم ما حدث، قرأت كل ما كُتب، حتى ما لم يُنشر قرأته. أعرف تفاصيل التفاصيل، أُدرك موطن الخطر في كل خطوةٍ من خطوات العملية، يتولى ذلك الحالم الفنان الغزير الخيال تضخيم الحقائق، حتى ليبدو الفأر مخيفًا في حجم الفيل، أنا .. ألهذا، أنا المحب إلى حد الوله للحياة، المقدر أضعافًا مضاعفة لقيمتها. القادر في نفس الوقت على أن يُقامر بها كلها من أجل ألَّا يخسر جزءًا ولو يسيرًا منها، بل ليس منها، ربما من أجل ألا يخسر أحدٌ آخر بعض حياته، أو على أمل أن أُضيف لها وللدنيا شيئًا ولو طفيفًا يجعلها أكثر عدلًا وأكثر احتمالًا .. أنا الوحيد في كل هذه المعمعة، فكل المعارك ممكن أن تأخذ رأي الآخرين فيها، وتغير رأيك من أجل رأي آخر أحسن .. ولكني هنا وحيد تمامًا، إذا عشت فأنا الذي سأعيش، وإذا متُّ فأنا وحدي ولا شيء آخر غيري سيموت. صحيح، قد يحدث حزن كبُر أو صغُر، أسفٌ، خسارة، ألف خسارة، عزاء، أشياء أخرى كثيرة قد تحدث؛ ولكني أنا أكون قد انتهيت .. أنا ولا أحد غيري. ما دامت المعركة معركة راكبٍ واحد، وسائق واحد، وقرار واحد، كله أنا، فلأكن وحدي تمامًا إذن، ولأرسل زوجتي — وقد اطمأنت تمامًا في رأيها على حالتي — ولأتخلف أنا بحجة قضاء يومين لمعرفة آخر التطورات المسرحية والأدبية في لندن، وأذهب معها إلى المطار، وأُقبِّلها قبلة الوداع إلى القاهرة، ولكنها أبدًا لم تلحظ أني، في جزء من الثانية كانت قبلة من أجل الوداع إلى الأبد. ••• مصيبتنا في مصر أننا نحب الحياة، ونحب لها أن تطول، ونحن أول من ابتكر للعالم وعَدَاه بفكرة الخلود والحياة الأخرى. تشبثًا بها بنينا المقابر، وغورنا بها في قلب الجبل، وزودناها حتى بالطعام والشراب، حتى نكون جاهزين للحياة الأخرى المؤكدة، التي لا بد سنعود — وكما كنا تمامًا — إليها. كان المصريون القدماء مؤمنين إلى حدِّ اليقين المطلق أننا عائدون، وأن الموت لا يمكن أن يكون نهايتنا، ولو كانوا قد وضعوا احتمالًا ولو واحدًا في المليون أن الموت هو النهاية تمامًا ربما غيَّروا وجه تاريخهم، وبالتالي وجه تاريخ العالم. نحن هكذا ومن قديم الأزل تسبح في دمائنا عقيدة أن الموت — لأنه مروعٌ، ومخيفٌ، وغير محتمل فكرة تصديقه بالمرة — لا يجب أبدًا أن يكون النهاية. ربما الجنس البشري كله هكذا؛ ولكنها فينا مضاعفة آلاف المرَّات. ولكن هذه العقيدة نفسها بقدر ما أراحتنا سيكولوجيًّا بقدر — في رأيي — ما قتلتنا عمليًّا، طول العمر والرغبة في تطويله إلى آخر المدى، التمسك بالحياة، أي حياةٍ، ولو حياة العبيد حتى، خيرٌ ألف مرة من فكرة النهاية النهائية بالموت. موضوع أترك للأنثروبولوجيين خوضه وتفنيده، فلم أكن في ذلك اليوم «أتفرج» على مصر وشعب مصر وعادات المصريين وتركیباتهم النفسية. كنت مصريًّا يواجه فكرة أن يموت أو لا يموت. مرعوبًا رعب الأول من الموت. خائفًا من فقدان الحياة خوفًا لا مثيل له؛ لأنه خوفٌ أوحد ليس مثله أي خوفٍ آخر. عائدًا من المطار في الأتوبيس ذي الدورين الأحمر، جالسًا في الدور الأعلى أُدخِّن، وأحس براحة عميقةٍ تجعلني شديد الضعف من نفسي. ذلك أني كنت قد اتخذت القرار. أن أعمل العملية وأخلص. ولكن المهم ليس العملية. المهم في كلمة «أخلص» هذه. فهو لم يكن قرارًا بإجراء عملية جراحية هدفها الشفاء النهائي إلى آخره، كان القرار في حقيقته، وكما كنت أراه، قرارًا بالموت. تصوروا .. رجل بكامل قواه العقلية وبمطلق إرادته يأخذ قرارَ أن يموت، هو ليس قرارَ مَروُوش ضاقت الحياة في عينيه فقرر أن ينتحر. لا، لم يكن قرار انتحار، ولكن كان قرارَ أنه لكي أعيش كما أريد، وإذا كان عليَّ أن أفعل لأحصل على هذا أن أمرَّ في نفق الموت، فسأمُر، قد أخرج من النفق سليمًا؛ ولكن ليس هذا هو المهم، المهم أنك قررت أن تدخل النفق، قرار أساسه الأول أنك لن تخرج منه، مثل قرارك وقد حاصرك الأعداء فوق سطح العمارة أن تقفز من العمارة عبر الشارع لعمارة أخرى، وهو أمرٌ يبدو للمشاهد من الخارج أنه شبه مستحيل، وأن تلك القفزة شيء لا يمكن أن يُقدم عليه عاقل .. فما بالك ولم يكن هناك أي أعداء يُحاصرونني، ولم أكن مضطرًّا أبدًا للقفزة؟ لو عرف الواقف في الشارع هذا لخبط كفًّا بكفٍّ وأقسم أنه إنما يُشاهد شخصًا خارجًا لتوه من سراية المجانين. ولكن. هذا هو بالضبط، ما يُميتنا أحياء أيها الأعزاء المصريون، هذا العقل الشديد الذي نأخذ به الأشياء وننظر به إلى الأشياء هو الذي يُخيفنا من الأشياء فيجعلنا لا نفعل شيئًا بالمرة، لأن كل فعل، أي فعل، يحمل في طيَّاته بالضرورة نسبة من المغامرة، والتعقل الشديد ضد أي مغامرةٍ؛ ولهذا، ولكوننا متعقِّلين أشدَّاء لا نُقدم على أي فعلٍ — أو بالأصح هذه هي القاعدة — لا نقدم على الفعل إلا مضطرين ومكروبين ومهمومين، وبانسحاق شديد، ولا بد أن يكون هربًا من احتمالٍ آخر أكثر مغامرة وأكثر بالتالي خطورة. إن الخوف الشديد من الموت يستتبعه بالضرورة خوفٌ شديد من الحياة، وحرص شديد على ألا نموت، هذا الحرص الشديد يستتبعه بالضرورة تجنب أي نسبةٍ من المغامرة، أو بمعنى أكثر وضوحًا أي نسبة من الفعل، ولهذا نحن نُفضل الفرجة على من «يفعلون» وكأننا نستعيض بهذه الفرجة عن الفعل نفسه. والنتيجة أننا نحرم أنفسنا من أعظم اللذائذ جميعًا: لذة الفعل؛ لأنها لذة الحياة الحقيقية، ونُوهم أنفسنا أن لذة الفرجة أسلم وأضمن. نحن بهذا نفعل تمامًا كما لو كانت الحياة حكومة، وكما لو كنا نحن الأحياء موظفين لديها ونخاف أن نُفصل منها، والنتيجة أن نركع تمامًا لها، ونكف تمامًا — كأي موظفين مثاليين — عن أي حركةٍ؛ مخافة أن نخرج على قوانين التوظف ونرقد. نحن موظفون لدى الحياة، وبالتالي لدى الأحياء في الدنيا قاطبة؛ ولكننا — وصدقوني — لسنا أحياء بالمرة، وليست هذه حياة. فالحي لم يخلق ليتفرج على الحياة .. لقد خلقه الله وسوَّاه ليحياها، أتعرفون، معنى أن يحياها؟ أبسط المعنى ألا يخاف منها، وهذا معناه — واسمعوا من فضلكم — ألا نخاف الموت؛ لأننا من فرط خوفنا من الموت نحيا في موت أو نموت حياة .. لا أعني بهذا أن نستهتر بأعمارنا ونروح نبعزقها هنا وهناك؛ ولكن ما أعنيه بالضبط هو أننا — لكي نكون بني آدميين بحق وحقیق — يجب أن نحيا، وأن نحيا معناه أن نفعل، وأن نفعل معناه أن نُريد، وأن نُريد معناه أن نختار، وأن نختار معناه أن نقرر، لا بد وحتمًا سيكون في القرار — أي قرار — قدرٌ من المخاطرة، ولكن تجنب القرارات خوفًا من المخاطرة سيؤدي بنا حتمًا إلى تجنب الحياة كلها. تجنب روح الحياة وقلبها ونبضها والإحساس الحقيقي بها. نحن جميعًا — وبالذات الآن — نُعاني من اكتئاب موجع يأخذه كل منا مأخذًا شخصيًّا محضًا ويعتقد أن سببه الفلوس والأولاد والمواصلات … إلخ .. ولكن اكتئابنا الجماعي سببه الحقيقي أننا توقفنا أن نحيا؛ لأننا توقفنا أن نفعل؛ لأننا توقفنا أن نُقرر، والغريب أن هذا الاكتئاب والتوقف يؤدي بنا في النهاية إلى عمليات «انتحارية»، أو انبثاقات بركانية، غضبة عصبية، لا علاقة لها بالغضب الحي الجميل، أو الرضاء الحقيقي، أو الإحساس بالاكتفاء نتيجة تحقيق الذات عن طريق تحقيق الإرادة. أرِد ما تريد، وعلى مهلٍ شديد قرر، ولكن لا بد في النهاية أن تُقرر، وحتمًا لا بد أن يستحيل قرارك إلى فعل، وحينذاك فقط تذوق لذة الحياة. حتى لو كان ذلك القرار قرارًا بالموت، أو يحمل في طيَّاته خطر الموت الأكبر، فالموت هنا سيعني دون أن تدري الحياة بأرحب وأعمق وأحب صورها؛ لأنه سيكون قرارًا عظيمًا، أخذه إنسان حيٌّ عظيم وتحمَّل مخاطرته العظيمة، وما أحلى طعم الحياة بعده. ••• جمعت ملابس قليلة جدًّا في حقيبتي بينما تركت معظم أشيائي باسم زوجتي — في حالة حدوث شيء — بأمانات البالاس كورت، وودَّعت «رضا»، ذلك الشاب المصري النبيل الذي يعمل مديرًا للفندق، وقلت لشوارع لندن وتاكسيَّاتها التي تُشبه عربات موتی سوداء مقطومة، وقلت للدنيا: وأيه يعني؟ باي باي. موتًا فلنمت .. الموت قادمٌ قادم .. أردت أم لم أرد، فإذا كنت قد أخذته أنا وبإرادتي، وكنفق رهيبٍ محتم أن أنفذ منه إلى الحياة الحقة إن نفذت. فبإرادتي أنا آخذ القرار فإذا متُّ فعلی الأقل سيكون لي شرف أنِّي أنا الذي واجهت الموت ولم أظل خائفًا منه حتى يطعنني غيلة. الحياة للشجاع وللشجاعة، والجبن هو الموت وإن تنكر في كافة الأشكال. لقد أخذتَ الدنيا بيدك، واغتصبتَ وجودك من براثن المستحيلات. والدنيا هكذا، كالحب، كالحرب، حتى كالنكتة، لا تُؤخذ إلا اقتحامًا. ولأول مرة أحسُّ في حياتي أني أصبحت حرًّا، وأني أستحق الحرية فعلًا، وأنني أصبحت نبيلًا، وأني أستحق هذا النبل، وأني — لأول مرة في حياتي — أحسُّ أني إنسان فعلًا، وأني فخورٌ بأني إنسان .. فخور بأني أمتُّ إلى الخالق الأعلى. فخور أني أبو أولادي وزوج زوجتي. فخور أني مصريٌّ وشرقاوي وابن بلدي. فخور أني أنا، ذلك الشعور الذي لم يراودني في حياتي مطلقًا. – وإلى مستشفى هارلي كلینیك یا مستر. – ستذهب وتعود یا سیدي؟ – لا يا سيدي، ذهاب فقط! ••• والمفاجأة المذهلة أن أصابع مجدي يعقوب الذهبية كانت ساحرةً كما يقول الإنجليز فعلًا، وأني بعد يومين بالضبط كنت أصعد سلالم المستشفى وأهبط بأوامر من ممرضتي الحسناء، أتحسس الشاش المعقم وأسأل زوجتي: أحقيقة أجروا العملية؟ .. وتؤكد ودموع الفرح تلمع في عينيها، وتروي لي ساعات انتظارها، وفرحتها بوجه مجدي يعقوب وهو خارج من غرفة العمليات وبنعومة بالغة وبلا فرحة أو انفعال شديد يقول لها: الحمد لله. كله تمام. ••• الله .. أعبدك! مجدي يعقوب .. أشكرك! يوسف إدريس .. أحييك! | {
"chapter": "اقتحام الحياة",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "الإرادة",
"url": "https://www.hindawi.org/books/80626160/7/"
} |
نضج مفهوم الوراثة خلال عصر التنوير. فقد ظهر من علماء النبات وعلماء الطبيعة روَّادٌ في الدراسة المنهجية للجنس والتوارث، ونقَّح الفلاسفة الطبيعيون أفكارَهم بشأن كيفية إنتاج البذور لأجسامٍ حية، وصار مربو الحيوانات المحترفون أبرعَ في اختيار السِّمات المرغوبة والحفاظ عليها، وأدَّى ميلادُ نظرية للتطور في نهاية القرن الثامن عشر إلى وضع الوراثة في صميم الجدل العلمي. في الوقت نفسِه، كان للأفكار المتنافسة فيما يتعلق بالوراثة دورٌ مركزي في الفلسفات السياسية في عصر الثورة هذا، وفيما يتعلق أيضًا بقضايا النوع الاجتماعي والعبودية والاستعمار من ردود فعلٍ ومواقفَ متعارضة ونتيجةً لهذا كله، اكتسبَت الفكرةُ القائلة بوجود اختلافات فطرية بين الناس أهميةً علمية وسياسية غيرَ مسبوقة. في القرن الثامنَ عشر، قدم الفلاسفة الطبيعيون والعاملون بتربية النباتات والحيوانات أدلةً جديدة على الوراثة من الوالدين كلَيهما والاستقرار النسبي للسِّمات الموروثة عبر الأجيال. وتركَّز السؤال عمَّا إذا كان كِلا الوالدين يُسهِمان بموادَّ وراثية، في سياق المناقشات بشأن مدى وجاهة نظرية الوجود المسبق. فعرَف المدافعون عن نظرية البويضة أو النظرية المنوية أنَّ أضعف نقاطِ نظريتهم تتجلَّى عند محاولة تفسير التشابُهِ بين الطفل ووالدَيه. وحاجَج معظمُهم أن الأجنَّة المسبقة التشكيل أشبهُ بشِباك تمتلئ بطريقةٍ ما في الرحم بالصفات الأبوية. أدى إدراكهم هذا إلى توقفهم عن تقديم نظريات عن التوالُد تخلو من تأثير بعض القُوى وعوامل الجذب مثلما كانوا يفعلون في البداية. بالرغم من ذلك، ظلَّت نظريةُ الوجود المسبق رائجةً بين النخبة من الفلاسفة الطبيعيِّين حتى آخرِ لحظات القرن الثامنَ عشر. غير أنَّها لم تبدُ منطقيةً لمعظم مَن كانوا يُشاركون في تجارِب التوالُد الفعلية. جمَع علماء النبات في القرن الثامنَ عشر أدلةً قوية على وراثة الصفات من كِلا الوالدين. وكان عمل السويديِّ الرائد في تصنيف النبات والحيوان، كارولوس لينيوس، على درجةٍ خاصة من الأهمية. فعَبْر سلسلةٍ من تجارِب التوالُد الخلطي، قدَّم الدليل الأقوى حتى ذلك الوقتِ على أن النباتات تتكاثر جنسيًّا وليس لاجنسيًّا. وفي عام ١٧٦٠، حصل على جائزةٍ من أكاديمية سانت بطرسبرج الإمبراطورية؛ لوصفه انتقالَ خصائصِ كلٍّ من الأبِ والأم في نبات القُنب. لم يتوقَّف لينيوس عند هذا الحد واقترح تشكُّلَ أنواعٍ جديدة باستمرار من خلال تهجين الذكور والإناث من مختلِف أنواع النباتات والحيوانات. تخيَّل لينيوس أن التوالد الخلطيَّ يستكمل الخلقَ الإلهيَّ بتشكيلِ أنواع جديدة دائمًا ما كانت جزءًا من الخطة الإلهية الأصلية. إضافةً إلى ذلك، أجرى عددٌ قليل من العلماء دراساتٍ منهجيةً بشأن التوارث في البشر. ففي عام ١٧٥٣، نشر عالمُ الفلَكِ والرياضيات الفرنسي بيير لوي مورو دو موبرتيس، نتائجَ دراسةٍ لعائلة روه في برلين، التي وُلِدَ فيها الأبُ ياكوب روه بإصبَعٍ زائد في كلٍّ من يدَيه وقدَميه، وقد ورث هذا الأمرَ عن جَدَّته عبر والدته. وأنجب ياكوب بدوره عدةَ أطفال، اثنان منهم بأصابعَ زائدة. لم يكن مثلُ هذا النمط من التوارث، كما أوضح موبرتيس، ليتماشى مع الأشكال الأبسطِ من نظرية البويضة أو النظرية المنوية؛ لأن احتمالية تَكْرار ظاهرةِ تعدد الأصابع في عائلة روه على مدار ثلاثة أجيال متتالية عن طريق الصدفة لم تكن سوى واحدٍ في كل ٨ تريليونات. جسَّد موبرتيس رغبةَ فلاسفة القرن الثامن عشر في شرح العمليات الجسدية من خلال قُوًى شبيهةٍ بالقوانين. فقد لاحظ أن العظيم إسحاق نيوتن قد كشف عن قوةٍ تُسمى الجاذبية لا يمكن استيعابها إلا من خلال آثارها. وبناءً على ذلك، اقترح موبرتيس أن الإله قد حَبا جُسيمات المادة في البدء بأنواعٍ معيَّنة من النشاط. وواصل طرْحَه قائلًا إنَّ «العناصر» التي تتكوَّن منها بذورُ الوالدين تنطوي على «مبدأٍ للذكاء» جوهري، وهو يُمكِّنها عند الانتقال من أجسام الوالدين إلى الغُدد التناسلية والرحم، من الاحتفاظ ﺑ «ذاكرة» ﻟ «مواضعها السابقة». وبهذه الطريقة يرثُ الأطفال من والديهم سِماتِهم وميولَهم. اختلَف كُتَّاب عصر التنوير بشأن مدى سهولة تغيير التأثيرات العابرة من الصفات الوراثية للأجنَّة. غير أنَّ معظم الأطباء وعلماء الطبيعة قد اتفَقوا على أن ما يطرأ على جسد الوالدين من تغيراتٍ بارزة ومستمرَّة يكون له تداعياتُه الوراثية. فمثلما هو الحال في القرون السابقة، توقَّعوا أنَّ الحالات الطبية المزمنةَ تنتقل بالوراثة، وأنها تقضي على بضعة أجيال مِمَّن يعيشون حياةً صحية. طبَّق عالمُ الطبيعة الفرنسي البارز جورج لوي لوكلير، كونت بوفون، المنطقَ نفسَه في محاولته لشرح التشابُه بين الكائنات الحية المصنَّفة في الجنس نفسِه. فعندما عُيِّن بوفون رئيسًا للحدائق الملَكية بباريس عام ١٧٣٩ وضَع فرضيةً مفادها أن جميع نباتات الجنس الواحد تأتي في الواقع من خُطة توارثٍ واحدة، أو «قالب داخلي» تحمله البذور، وهو يوجِّه التنظيم السليم للمادة. وحاجج بوفون، على سبيل المثال، أن النَّمِر، والكَوْجر، والنمر المرقَّط هي حيوانٌ واحد في الأساس، ولا تبدو مختلفةً إلا لأنها سكَنَت بيئاتٍ مُتباينة. وقد اعتبر أنَّ هذه التغيراتِ كلَّها انعكاسية، لكنه خمَّن أن الأمر سيستغرق بضعةَ أجيالٍ بعد نقل الكَوْجر إلى أفريقيا حتى تنموَ لديه بُقَعُ النمرِ السوداءُ وفِراؤه الأصفر. تجادَل العلماء والمحامون أيضًا فيما إن كان التشابهُ دليلًا يُعتمَد عليه في إثبات الأبوَّة، أم أنه يشير فحسبُ إلى الشخص الذي كانت تُفكر فيه المرأةُ في أثناء ممارسة الجنس والحمل. الحقُّ أنَّ هذه الفكرة الأخيرة قد لاقَت استحسانًا لدى جمهورٍ أوسع، مثلما يتَّضح ذلك من استخدام القوة التوليدية لخيالِ الأنثى أداةً مهمة في حبْكة العديد من الروايات الرائجة في القرن الثامنَ عشر. وعلى العكس من ذلك، فعندما كان يتعيَّن على المحاكم في المجتمعات المالكة للعبيد اتخاذُ قرار بشأن قضايا الأبوَّة بعد إنجاب النساء البِيض أطفالًا ذَوي بشَرة داكنة، كانوا عادةً ما يُقرِّرون أنَّ صبغة الجلد هي نتيجةُ التوارث وليس الخيال. ففي نهاية المطاف، كيف كان لهم أن يضبطوا الحدودَ العِرقية إذا كانت عمليةُ التوالد تخضع للأهواء بمثلِ هذه الدرجة المقلقة؟ ثمة طرقُ منافَسةٍ في التفكير بشأن الوراثة قد تصدَّرَت المشهدَ في نهاية القرن الثامن عشر عندما قدَّم رجلان ادِّعاءً بارزًا؛ مفاده أن الأنواع تتطوَّر باستمرارٍ من أشكالٍ بسيطةٍ إلى أشكال مُعقَّدة. انطوَت النظريةُ التطورية على استبعادِ فكرة أنَّ عُمر الأرض لا يتعدَّى بضعةَ آلافٍ من السنوات مثلما أشار الكتابُ المقدَّس، وتبنَّى بدلًا من ذلك الاعتقادَ القائل بأنَّ الكوكب قد خضَع لمرحلةٍ طويلة جدًّا من التغيير المضطرِب. إضافةً إلى ذلك، شكَّك بعضُ علماء الطبيعة في روايةِ تاريخ الأرض الواردة في سِفر التكوين، مدفوعين في ذلك بالبيانات الجيولوجية، كالأدلة على تراجُع المحيطات وتراكُم طبقات الصخور التي يبدو أنها شُكِّلَت في أوقاتٍ مختلفة تمامًا. غير أن نظرية التطور الكاملة لم تظهر إلا تدريجيًّا. فقد كان على علماء الطبيعة أن يُنكروا أولًا فكرةَ أن الأنواع جميعها كانت موجودةً في جنة عَدْن. اتخَذ كونت بوفون عدة خطوات في هذا الاتجاه عندما حاجَج في عام ١٧٧٨ أنَّ الكوكب ظهر إلى الوجود قبل عشَرات الآلاف من السنين على شكلِ كرةٍ صخرية منصهرة. ولمَّا أدرك أنَّ الطبقات الصخرية غالبًا ما تحتوي على مجموعاتٍ مميزة للغاية من الحفريات، أثار المزيدَ من الغضب باقتراحه أنَّ العديد من الأنواع النباتية والحيوانية لم تظهر إلا في وقتٍ متأخر للغاية من تاريخ الأرض. زعم بوفون أنَّ الخالق قد صنَع في بداية الزمان مجموعةً محدودة من «القوالب الداخلية». واقترح أنَّ الأمر قد تطلَّب انتظارَ بعضِ هذه القوالب دهورًا حتى تبرد الأرضُ بما يكفي لتشكيلِها إلى كائناتٍ حية قادرة على البقاء. بالرغم من ذلك، لم يتخيَّل بوفون وجودَ عمليةٍ تطوُّرية تتطور الميكروبات من خلالها تدريجيًّا إلى أشجار بلُّوط، أو بشَر، أو تماسيح. كان لا بد لهذه القفزة الجريئة في المفاهيم أن تنتظر. لأُسرةٍ من الطبقة الأرستقراطية الفرنسية الأدنى، وُلِد جان باتيست شوفالييه دو لامارك عام ١٧٤٤، وأُحيلَ إلى التقاعد من الجيش في عام ١٧٦٦، فأصبح عالِمَ نباتٍ بارعًا، وفي عام ١٧٩٣ عمل في مُتحف الأعشاب الملَكي في باريس لدراسةِ الحشرات والديدان. وعلى مدار السنوات القليلة التالية لذلك، أدرك لامارك أنَّ الأنواع اللافقارية لا يختلفُ بعضُها عن بعضٍ في الغالب إلا بفروق طفيفة للغاية. بدأت الحواجزُ التي تفصل بين الأنواع تبدو أقلَّ صرامةً. تساءل أيضًا عن السبب في أنَّ العديد من الحفريات الموجودة على منضدته تنتمي إلى أنواعٍ من الكائنات لا يبدو أنَّ لها نظائرَ حية. اقترح بعضُ علماء الطبيعة أنَّ هذه المخلوقات ستُكتشَف كامنةً فيما هو ناءٍ من البحار أو الغابات أو الصحاري. لكن لامارك شكَّك في ذلك. فقد كان العديد من المستكشفين مشَّطوا أرجاءَ الكوكب بحلول ذلك الوقت. بدا إذن أنَّ حفرياته كانت تنتمي ولا شكَّ إلى أنواع قد انقرضَت قبل وقتٍ طويل. يبدو أنَّ لامارك اختبر في هذه المرحلة تنافرًا مَعرِفيًّا بين الاعتراف بالاختفاء الجماعيِّ للأنواع والإيمان بحِكمة الربِّ القدير وإحسانه. وقد حلَّ التناقض بتخيل أنَّ الكائنات الحية تتطوَّر بمرور الزمن. فاعتقد أنها لا تنقرض وإنما تُغيِّر من صورتها من أجل البقاء. وصف لامارك في كتابه «فلسفة علم الحيوان» الصادرِ عام ١٨٠٩ نظريةً تطورية تستند إلى وجود قوتين مُتكامِلتَين تدفعان جميعَ الكائنات الحية لتُصبح أكثرَ تقدمًا. استنتج أنَّ أُولى هاتين القوتَين هي امتلاك الكائنات الحية ﻟ «نزعةٍ للتقدُّم» متأصِّلةٍ فيها، تدفعها للتطور إلى كائناتٍ معقَّدة. وأوضح أنَّ ثانيَتَهما هي أنَّ النباتات والحيوانات تزداد براعةً في التكيف على نحوٍ أفضل؛ لأنها عندما تسعى للحصول على المزيد من الطعام أو الهواء أو الضوء، فإنَّ البِنَى العضوية التي تستخدمها تصبح أكثرَ تطورًا، ثم تُنقل هذه التعديلات وراثيًّا إلى نسلها. يُعَد لامارك أولَ مَن قدَّم صياغةً مفصَّلة لنظرية للتطور، لكنه لم يكن أولَ من استند إلى توارث الخصائص المكتسَبة في شرح كيفية تطور الكائنات الحية. فقد دُهِش إرازموس داروين، الطبيبُ والشاعر وعالم الطبيعة، من ظهور الحفريات التي استُخرِجَت في أثناء إنشاء شبَكات القنوات التي امتدَّت آنذاك عبر المناظر الطبيعية في منطقة ميدلاندز الإنجليزية التي كانت تتحول إلى التصنيع سريعًا. وقد لاحظ أيضًا عن قربٍ ما كان يمكن إنتاجُه من تغييراتٍ عبر التهجين الانتقائي للحيوانات. دفعه ذلك كلُّه إلى التساؤل عما إذا كان العالم العضوي ثابتًا كما ادَّعى الناس، وصرَّح في كتابه «قوانين الحياة العضوية» الصادر عام ١٧٨٩ تصريحًا صادمًا بأننا جميعًا قد تطورنا من أبسط أشكال الحياة. ما من شكٍّ في وجود ارتباطٍ وثيق بين الأفكار المتعلقة بالوراثة وبين المشهد السياسي لعصر التنوير. فقد شهدت هذه الآوِنة اهتمامًا كبيرًا غيرَ مسبوقٍ بالادِّعاءات المؤيدة لشرعية النظُم الأرستقراطية وأيديولوجيات اختيارها، والادِّعاءات المعارِضة لذلك. لم يُبالِغ الراديكالي الفرنسي آبيه سياس في كُتيِّبه الشهير الصادر عام ١٧٨٩ عندما قال إنَّ «أفراد الطبقة ذاتِ الامتياز ينظرون إلى أنفسهم باعتبارهم نوعًا آخَر من الكائنات». ففي جميع أنحاء أوروبا، كانت النخبُ من مواليد الطبقات الرفيعة لا تزال هي المهيمنة على أرقى المناصب في إدارة البلاد، وتولِّي المراتب العسكرية العُليا، والمناصب الكنسية الرفيعةِ المستوى. وحتى في المستعمرات البريطانية بأمريكا الشمالية، حيث كانت أوجُه التفرِقة الاجتماعية محدودةً في العادة إلى حدٍّ كبير، تحدث النيويوركي إفرايم باين عن «مُترَفي الجنوب» الذين يعدُّون أنفسهم «رتبة متفوقة من الحيوانات». تبعًا لذلك، استغلَّ أنصار الإصلاح السياسي الحُجَّة الداعية للمساواة التي تقول بأنَّ السمات العقلية مكتسَبةٌ وليست وراثية. فأعلن الفيلسوف كلود أدريان إلفسيوس في عام ١٧٥٨ أنَّ جميع الناس «لديهم استعدادٌ متساوٍ للفَهم» (أحرق جلاد باريس كتبَه). وشجب الثوريُّون الأمريكيون في عام ١٧٧٦ مخطوطةَ «التباهي بالمولد واللقب» باعتبارها عَرَضًا من أعراض الاستبداد البريطاني. إضافةً إلى ذلك، أدرك أعضاءُ نادي «اليعاقبة» الثوري الفرنسي أنهم، من خلال إجبار النبلاء على تدميرِ قوائم أنسابهم وطِلاء شعارات النبالة على عرَباتهم بدلًا من ذلك، يُهاجمون الأساس الرمزي للأرستقراطية. على الرغم من كلِّ التقتيل الذي دار في فرنسا، فقد استمرَّت الطبقات الأرستقراطية في أوروبا ولم يَمْسسها شيءٌ في العموم على مدار القرن التالي. يرجع هذا من ناحيةٍ إلى أنهم ظلُّوا كِبار مُلَّاك الأراضي، وأنهم وجَدوا أدوارًا مهمَّةً يؤدُّونها في الدولة الحديثة، ويعود من ناحيةٍ أخرى إلى حرصِ حديثي الترقِّي في المكانة الاجتماعية على الانضمام إلى صفوفهم. يعكس الأدبُ الشعبي لذلك العصرِ خروجًا عن كثيرٍ من أوجُه التقدير اللاإرادي التقليدي للنَّسَب النبيل. فراح الرِّوائيون يُعيدون إنتاج الحبْكة الشهيرة الخالدة ﻟ «حكاية اللقيط» التي يُكتشَف فيها أن رجلًا فاضلًا وفقيرًا على نحوٍ مُتناقِض يحمل دماءً نبيلة. فعلى سبيل المثال، اتضح في نهاية رواية «توم جونز» لهنري فيلدنج أن توم طيِّب الجوهر رغم نزَقِه، كان ابنَ أخت الإسكواير. ولم تتمكَّن الثورة الأمريكية أيضًا من القضاء على رغبة العائلات الاستعمارية البارزة في التعظيم من شأن ثروتهم ومكانتهم، بالحكايات المختلَقة عن النسَب النبيل. فقد استخدم جورج واشنطن ختْمَ الأسلاف العائلي في مُراسَلاته. كان كُتَّاب عصر التنوير مُهتمِّين بتنظيم كلِّ ما يتعلَّق بأرحام النساء أكثرَ من اهتمامهم بتعزيزِ مُشاركتهن السياسية. وثَمة تطوُّران رئيسيان جعَلا من تخيُّلِ إصدار قوانينَ لتحسين النسل أمرًا يبدو أقلَّ غرابةً بالنسبة إلى الحكومات. أوَّلهما أنَّ قادة الدول التي تتَّجه بشكلٍ متزايد إلى المركزية أدرَكوا أن قدرتهم على التفوُّق على القُوى المنافسة تستلزم عمالًا وجنودًا وبحَّارة أصحَّاء؛ وكانت قدرتهم على التدخُّل لتعزيز صحةِ السكان ورغبتهم في ذلك تزداد تدريجيًّا. وثانيهما أنَّ مُفكِّري عصر التنوير كانوا مُقتنِعين بأنَّ تطبيق العلم سيؤدِّي إلى تأسيس مجتمعاتٍ أكثر عدلًا، وصحةً، وعقلانيةً، ونظامًا. عبَّر الدكتور الألماني يوهان بيتر فرانك عن وجهةِ النظر القائلة بأنَّه ينبغي للعلم أن يوجِّه سياسةَ الدولة. وكان ذلك ينطوي على اتخاذ القرار بشأن مَن يجب أن يتكاثر ومَن لا يجبُ أن يتكاثر. فقد كتب في عام ١٧٧٩: «لا يمكن تركُ الأشخاص العاديِّين يتحكَّمون في قضيةٍ يعتمد عليها في الواقع مصيرُ المجتمع والبشرية جمعاءَ اعتمادًا وثيقًا بلا شك.» لم تُسفر طموحات فرانك عن شيء، لكنه لم يكن إلا شخصًا غريبَ الأطوار. اعتقد بعضُ المفكرين أنه يمكن تحقيقُ أهداف تحسين النسل دون التدخُّل في الزواج. فقد كتب عالم الرياضيات ورجلُ الدولة الفرنسي الماركيز دو كوندورسيه — الذي لم يَخفُت تفاؤله لأنه اضطُرَّ إلى الاختباء خلال عهدِ الإرهاب من بلطجية روبسبيار — أن الأجيال القادمة ستكون في ذكاء سقراط، وستبلغ من العمر الطويل ما بلَغه موسى، وذلك بفضل التحسينات الوراثية التي ستتراكم عندما تتولَّى الدولة الرعاية المناسبة بصحةِ الناس وتعليمهم. وقد بشَّر بأنَّ «قابلية الإنسان للكمال غيرُ محدودة حقًّا». غير أنَّ الاقتصادي الإنجليزي المبجَّل توماس مالتوس انتقد الأمرَ خشيةَ أن تُشجع مثلُ هذه الأفكار الفلاحين على تحدِّي النظام الاجتماعي القائم، وحاجج في ذلك بأن احتمالية تجنُّب نوعنا للأسى والموت المبكِّر محدودةٌ للغاية. ذكر مالتوس أن «الإطار البشري» لم يتغيَّر تقريبًا «منذ أن بدأ العالم»، مُعلنًا بذلك أنَّ نطاق التقدُّم الوراثي محدود. لقد وضع السياسيُّون المحافظون مثل مالتوس نسخةً «جامدة» للوراثة تقول بأنَّ طبائعَنا الجوهرية نادرًا ما تتغيَّر، وذلك على عكس التقدُّمية الواعدة التي تطرحها نسخةُ كوندورسيه «اللينة» القائلة بمرونة البذور والأجنَّة. لم يخلُ عصر التنوير من أفكارٍ مُغايرة بشأن الوراثة، وقد شكَّلَت هذه الأفكار أيضًا جزءًا لا يتجزَّأ مما كتبه علماءُ هذا العصر عن التنوُّع الإثني. يمكن بالفعل تصنيفُ كُتَّاب علم الأعراق (الإثنولوجيا) إلى فريقَين تُوجَد درجاتٌ كثيرة من الاختلاف بين آرائهم، بدايةً من القول بأنَّ النَّسَب لا يُمثل أهميةً كبيرة على الإطلاق في تفسير التبايُن الثقافي، وحتى نقيض ذلك المتمثِّل في القول بوجود اختلافاتٍ وراثية بين الأعراق البشرية لا يمكن رأبُها. يُجسِّد الطبيب الألماني يوهان فريدريش بلومنباخ مثالًا على الفريق القائل بأنَّ مفهوم الوراثة لا يتَّخذ إلا أهميةً محدودة في المناقشات المتعلقة بالتبايُن العِرقي. وعلى الرغم من أنه حاوَل توصيفَ خمسة أعراقٍ مختلفة — القوقاز، والإثيوبيون، والأمريكيون، والمنغوليون، والملايو — على أساس قياس جَماجمها، فقد رأى بلومنباخ أنَّ صبغة الجلد من آثار البيئة المحلية وقد يتغيَّر في غضون بضعة أجيال. إضافةً إلى ذلك، أنكر بلومنباخ بشكلٍ قاطع أنَّ القدرات الفكرية لا تتساوى لدى الأعراق. وافَقه في ذلك آدم فيرجسون وآدم سميث، وهما شخصيَّتان بارزتان في عصر التنوير الاسكتلندي. وقد نقَّحا فكرة قديمة بالفعل مفادها أنَّ المجتمعات البشرية جميعها ستمرُّ ولا بد بمراحل تطورية بدايةً من الصيد وجمعِ الثمار، وصولًا إلى التجارة المتقدِّمة. وبمرور الوقت وبالمحاكاة، توقَّع فيرجسون وسميث أنَّ جميع المجموعات العِرقية ستصل إلى مستوى الأوروبيِّين البِيض في وقتٍ ما بالمستقبل غيرِ البعيد. ثَمة نظريةٌ أخرى تنطوي على درجةٍ أكبر من العنصرية قد صوَّرَت الأعراق البشرية على أنها متمايزةٌ وراثيًّا لكنها قادرةٌ على «التحسُّن» البيولوجي. فقد أوضَح كونت بوفون على سبيل المثال، أنَّ أسلاف الأعراق من غير البيض قد «تدهوَروا» جسَديًّا ونفسيًّا بعد الابتعاد عن «المناخ الأكثر اعتدالًا» الواقع بين درجَتَي العرض أربعين وخمسين (حيث يقع وطنه الأصليُّ فرنسا). وتوقَّع بوفون أن الأمر سيستغرق عدةَ أجيال حتى يعودوا إلى النوع «المثالي» إنْ هم رجَعوا للعيش، على سبيل المثال، بالقرب من باريس أو تولوز. ليس من المستغرَب إذن أنَّ سكان الأمريكتَين من البيض كانوا شديدي الحساسية تجاه هذا الزعم القائل بأنهم في طَوْر الانحطاط. فعندما تهوَّر آبيه راينال الذي كان قصيرًا، في طرحِ هذا الادعاء خلال تناوُله الطعامَ في باريس مع بنجامين فرانكلين وتوماس جيفرسون، طلب الأخيرُ من روَّاد المطعم الفرنسيين والأمريكيين أن يقفوا ظهرًا لظهر؛ كي يُمكِنَ الحكمُ على الفرق بين أطوالهم. وفاز الأمريكيون في هذه المقارنة. لم يكن جيفرسون ليبراليًّا مُستنيرًا في مسألة العِرْق. وإنما كان على العكس من ذلك، يُمثل الطرَف العنصري؛ إذ كان هو نفسُه من مالكي العبيد. ففي كتابه «ملاحظات عن ولاية فرجينيا»، أصرَّ جيفرسون على وجود «فارق فعلي» في الطبيعة يفصل بين البِيض والسود. وفي هولندا، حاول عالم التشريح بيتروس كامبر تقديمَ دليلٍ تجريبي يؤيِّد هذا الافتراض. فبِحساب زوايا الوجه في مجموعة الجماجم الموجودةِ لدَيه، ادَّعى أنَّ الأوروبيِّين من اليونان والرومان يتَّسمون بالدرجة الأدنى من بُروز الفك؛ ومِن ثَم يمكن القولُ إنهم العِرْق الأكثرُ مثاليةً بالفطرة. أما الأفارقة، فقد قال كامبر إنهم ينحرفون كثيرًا عن هذه المثالية. لاقت مثلُ هذه المزاعم استحسانَ العلماء الذين لم تكن العبوديةُ تثير لديهم إلا النَّزْر القليل من تأنيب الضمير، إن كانت تُثيره لديهم من الأساس. زاد حجمُ الاتصال الأوروبي بالشعوب غيرِ البيضاء زيادةً كبيرة خلال القرن الثامن عشر. وتؤكِّد السجلَّات الراصدةُ للتفاعلات بين الأوروبيين وشعوب جميع أجزاء الكرة الأرضية؛ على وجود الأنماط نفسِها التي وصَفْناها بالفعل في بلاد العصور القديمة، والوُسطى، وأوائل العصر الحديث؛ إذ تعكس تصوراتُ الأوروبيين عن المجموعات العرقية الأخرى وطريقةُ معاملتهم؛ مدى الأمان والربح الذي رأى الأوروبيُّون أنه سيعود عليهم باستمالة هذه المجموعات العرقية، أو التعاون معها، أو استيعابها. متى ما صارت الظروف مواتيةً للهيمنة الوحشية، سلَّم رجالٌ ونساء لم يقرَءوا قطُّ لبوفون أو كامبر ولا سمعوا عنهما بأنه يحقُّ لهم معاملةُ المنتمين إلى مجموعاتٍ أخرى على أنهم أقلُّ من بشرٍ كاملين، وذلك بفضل تفوُّقِهم الوراثي على نحوٍ ما. وكانت التصوراتُ عن السكان الأصليين في الأمريكتَين أكثرَ حدةً في كثير من الأحيان. فنجد على سبيل المثال أنَّ أحد البيض من سكَّان أمريكا الشمالية قد قال: «ليس من الممكن أبدًا طمسُ الأخلاق الشرسة للهنديِّ الأصلي.» واستنتج أحدُ المفكرين الإسبان من تأمُّلاته أنَّ «صفات» الأمريكيين الأصليين «شبيهةٌ بصفات ذَوات الأربع». وقد شكَّل هذا التصورُ للهنود، على أنهم دون البشر، إغراءً متوقَّعًا لفئاتٍ مُعيَّنة من سكان العالم الجديد، وهم: المزارعون في المناطق النائية من البرازيل الذين لم يقدروا على تحمُّل نفقات الأفارقة أو إحضارِهم، فأسَروا الهنود بدلًا منهم، والمستعمرون الإنجليز في أمريكا الشمالية الذين باعوا أسرى الحرب من الأمريكيين الأصليين عبيدًا في مقاطعة كارولينا، أو أرسَلوهم إلى جزر الهند الغربية، والمستوطنون البيض ومُضاربو الأراضي في أمريكا الشمالية الذين انزعَجوا من محاولات السلطات البريطانية لمنع زحفِهم غربًا واستغلوا فكرة «الهندي السيئ» المبتذَلة للدفاع عن استعمارهم العنيد للأراضي الواقعة وراء جبال الآبالاش. عادةً ما كانت عنصريةُ الجماعات المستعمِرة تتعمَّق بمرور الوقت؛ بسببِ ما تفرضه وحشيةُ النظام من عواقب. وكثيرًا ما كان البيض الذين استَعبَدوا أعدادًا كبيرة من الشبَّان والشابات يُعانون من حالةِ قلق مُزمنة؛ خشية أن يسعى ضحاياهم للانتقام. أدى هذا الشعورُ بالذُّعر إلى تشويهِ سُمعة الأفارقة بوصفهم «ميَّالين بطبيعتهم» «للاضطرابات، والاغتصاب، والوحشية». إضافةً إلى ذلك، شجَّع الخوفُ من تمرُّدِ العبيد في أمريكا الشمالية استحسانَ النخب الاستعمارية لشيءٍ من الإصلاح الديمقراطي. فنظرًا إلى خوفِهم الشديد من تكاتُفِ الفقراء البيض مع العبيد الساخطين؛ سعَوا إلى خلقِ الشقاق بين المجموعتَين من خلال الاعتراف بالمجموعة الأولى بصفتهم أعضاء في النخبة العِرقية، ومنحِهم مزيدًا من الحقوق السياسية المحدودة. فراح الأكثرُ تواضعًا من البيض يعتقدون على نحوٍ متزايد أنهم يختلفون في طبيعتهم عن العبيد الأفارقة اختلافًا جوهريًّا. علاوةً على ذلك، زاد الدافعُ لنزع صفة الإنسانية عن غير البيض عندما تمكَّنوا من تحدي الهيمنة الاجتماعية والاقتصادية للبيض. كان هذا يحدث في المعتاد عند تحرير الأسياد للأطفال الذين أنجَبوهم من نساءٍ مستعبَدات، أو عندما كان العبيد يَجْنون من زراعة محاصيلهم الخاصة وبيعِها أو أداء العمالة الماهرة، ما يكفي من المال لشراء حرِّيتهم. وقد أثار ذلك بالطبع رِدَّةَ فعلٍ عنصريةً عنيفة. فسارع أبناءُ السلالات الأوروبية الذين لم يكن ثمة ما يَجْنونه من السماح لغير البيض ﺑ «العبور العرقي» في الدفاع عن «هيمنة أصحاب البشرة البيضاء» بادِّعائهم أن أي شخص ينتمي بنسَبِه إلى الأفارقة أو الأمريكيِّين الأصليين، لدَيه «دمٌ ملوَّث» إلى الأبد. ووضَعَت السلطات في إسبانيا الجديدة والبرازيل مصطلحاتٍ متكلَّفةً للحديث عن تقسيمات الدماء، وعملت أيضًا على تشكيلِ وعيٍ كبير بالأنساب؛ للحدِّ من عدد «الكاستاس» الذين يرتقون في المكانة. وبالمثل أيضًا، سنَّت الولايات الأمريكية الشمالية قوانينَ عقابية لمكافحة الزواج المختلط في محاولةٍ لإبطاء الزيادة في عدد السكان مختلِطي الأعراق. وبالرغم من ازدهار الحركات المناهِضة للعبودية في أمريكا الشمالية وأوروبا الغربية، التي أجَّجَتها حركاتٌ على غرار جمعية الأصدقاء الدينية، والحركة الإنجيلية وحركة المساواة التنويرية؛ فقد ظلَّ نزعُ صفة الإنسانية عن غير البيض هو القاعدةَ في الأمريكتين. استمرَّت العنصرية بين الأوروبيين في الشرق، لكن قبضتها كانت أقلَّ إحكامًا؛ إذ كانوا يفتقرون في المعتاد إلى القوة الساحقة اللازمة لإخضاع السكان الأصليين. ففي الهند، حيث أقامت شركة الهند الشرقية البريطانية إمبراطوريةً عملاقة، كانت الحاجة إلى تأمين الدعم العسكري المحليِّ ورضا الأمراء والتجَّار والفلاحين لا تزال تفرض درجةً كبيرة من التواضع العرقي. وسواءٌ أنظرنا إلى العلاقات السياسية بين البريطانيِّين والهنود، أو نظرنا إلى العلاقات التِّجارية أو الجنسية، فإننا نجد شواهدَ على مواءمات ثقافية كانت غائبةً في العديد من السياقات الاستعمارية الأخرى. غير أنه بحلول نهاية القرن كان موقفُ الشركة قد تعزَّز. حينها فقط بدأ البريطانيون في استخدام هذا النوع من اللغة العنصرية التي أصبحَت شائعةً في السرديَّات الفيكتورية عن شعوب الهند. لقد تغيَّرَت مفاهيمُ الوراثة خلال القرن الثامن عشر، وبقيَت على حالها في الآن نفسِه. وعلى الرغم من استمرار الخلافات بشأن مدى سهولةِ اكتساب التباينات الوراثية أو محوِها، فقد حقَّق الأكاديميُّون والمهنيُّون من مُربِّي الماشية تقدُّمًا ملحوظًا في الدراسة التقنية في مجال التوارث. إضافةً إلى ذلك، بدأ علماءُ الطبيعة في إدراكِ احتمالية أن تكون التغييراتُ الوراثية هي التي تؤدِّي إلى تغيُّر الأنواع بمرورِ الوقت. غير أن روح البحث العلميِّ الدقيق نادرًا ما كانت تمتدُّ إلى أولئك الذين حاوَلوا تطبيق مَفاهيم الوراثة على قضايا مثل النوع الاجتماعي، أو الطبقات الاجتماعية، أو العِرْق. فقد كانت أساليبُ عصر التنوير في تناول قضية الاختلاف بين البشر خاضعةً تمامًا للتيَّارات الاجتماعية للعصر والسياسية، مثلما كان عليه الحالُ في القرون السابقة أيضًا. | {
"chapter": "الوراثة في عصر التنوير",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "الوراثة: مقدمة قصيرة جدًّا",
"url": "https://www.hindawi.org/books/70827948/4/"
} |
أستطيع أن أقول: إني كنت — زمان — أُعاني من مرض الاكتئاب .. ذلك لأن الخاصية المضحكة المأساوية للاكتئاب أن الشخص الذي يبدأ يُعاني منه، لا يحس ذلك، وإنما يغوص في حالته دون أن يدري. والاكتئاب ليس هو «الزعل» كما هو شائعٌ ومعروفٌ عنه، ليس هو الميل للحزن والوحدة … إلخ. وإن كانت هذه بعض «أعراضه». الاكتئاب علميًّا هو نوع من أمراض «القلق» النفسي، ويحدث كرد فعلٍ لا واعٍ لمشاكل عقلية ونفسية، عقلانية وغير عقلانية .. وأنا حين كنت مصابًا بالاكتئاب كان الأطباء حين يذكرون هذا لي لا أجد لكلامهم معنًی أو صدًى في نفسي، فقد كنت «داخل» الحالة، ومن يكون داخلها لا يستطيع أن يعرف لحالته سببًا، بل هو لا يدرك أصلًا أنه غير طبیعيٍّ، كل ما في الأمر أنه بعد أن يُشفى يحس أنه فعلًا كان دائمًا متوتر الأعصاب، يزدرد — وكأنما رغمًا عنه — الطعام والشراب، ويتجرع الحياة اليومية بمرارةٍ، يقوم ولا رغبة لديه أن يقوم من نومه، فاتر الهمة تجاه كل شيء. الهدف، هدفه اليومي، وهدف حياته أصلًا غير واضح مطلقًا أمام عينيه، يتخبط، تارة تعتريه حالة من المرح الكئيب المبالغ فيه، وأحيانًا يبكي وكأنه حالًا فقد أبويه وأصبح طفلًا يتيمًا محاطًا بالظلام الكامل. أحيانًا أخرى تعتريه نوبة تمردٍ هائلة، وفعلًا، كالسجين المحاصر حين يُحاول الفرار، يتمرد، ويرتكب حماقات، ويشبع نفسه بكمية حقدٍ مفاجئة على شخص ما أو وضع ما، وكأنه هو السبب في كل متاعبه. حالات تمرد ومحاولات لإخراج الطاقة العدوانية الكامنة في كل البشر، والتي تتحول عند الأصحاء الأسوياء إلى طاقة إبداع مثلًا، أو قهرٍ عاقل للظروف المعوقة أو الأشخاص المعوقين، أو طموح زائد للوصول إلى مراتب أعلى، تخرج عنده على هيئة طاقةٍ طفوليةٍ محطمة، تخربش وتجرح وتبقر بطون الكراسي، وأحيانًا بطون الناس. أعراض كثيرة كثيرة لا حصر لها، وتأخذ عند كل إنسان طابعًا خاصًّا به نتيجة ظروفه وتكوينه وشخصيته. ولكن دائمًا هناك علامات مشتركة لدى المصابين بالاكتئاب. خاصة ذلك الإحساس الباطني الممِضُّ الذي وصفه علماء النفس بقولهم: إن الشخص المكتئب يصبح هدفه اللاواعي وكأنه يريد أن ينكمش على نفسه ويتحول إلى جنين يعود من حيث أتى إلى رحم أمه. أو باختصار أدق، يريد العودة إلى العدم الذي خرج منه، الموت. جرَّبت كل الأطباء، هنا وفي الخارج، وكل عقاقير الدنيا أخذتها، ولم أُشفَ .. ذلك لأن الحالة كانت أكبر منِّي، وكان الجزء الأكبر منها راجعًا إلى القلق العام على مصيرنا، فكأنه، القلق بلا حلٍّ سريع، يحدث في حياتي وأراه القلق بلا مخرج. ولم أكن أعرف أن عقلي العميق جدًّا يعمل في اتجاه آخر، يريد الموت ويطلبه، حتى إني كثيرًا ما حلمت به، يأتي رقيقًا جميلًا كالحلم الهفهاف، أحس بروحي تنسحب من الجسد وكأنها قوس كمان تعزف بانسحابها ذیل لحن موسیقیٍّ ودیع جدًّا، محبب تمامًا، يرغب لك أن تنتظر النهاية، نهايته ونهايتك ونهاية الحالة كلها والحصار، بشغفٍ غير متعجل، ولكنه أيضًا يستعجل. وهكذا كان لا بد أن تؤدي بي هذه الرغبة الدفينة إلى أن أواجه الموت الحقيقي ذات مرة، ليس مرة واحدة فقط، إنما عدة مرات، قد أكتبها وتكون قصة، وقد لا أفعل أبدًا، ففارق كبير بين أن تراه حلمًا يُهيئه لك عقل عميق أحمق، وبين أن تواجهه واقعًا مخيفًا، أبشع ما فيه أنه صامت، لا صخب فيه ولا ضجة، كالمؤامرات، الحياة تخمد، تحس بها تنطفئ، ذبالة عقلك تدرك هذا، ومرعوب أنت إلى النخاع ولا تملك شيئًا، من شدة رعبك تنسى حتى من أنت، وما النهاية، وتصبح النهاية والموت والرغبات الدفينة أشياء تكرهها إلى درجة تخاف معها أن تموت من شدة ما يضج به جسدك من کره. وكأنما كانت تلك المواجهة محكمة لا يعلمها إلا هو، فقد قربه منِّي تمامًا ليرعبني إلى درجة أن أرتدَّ مُحبًّا إلى الحياة بأقوى وأعظم ما أستطيع. كانت حرارة اللقاء كفيلةً بإذابة أي صلبٍ وأي ماس وأي اكتئاب، كفيلة بإشفاء أي قلقٍ واختلاعه من جذوره. وهكذا ولدت من جديد، بلا قلق أو اكتئاب. ولكنه علاجٌ رهيب، لا أراه الله لأحد، فأي مرضٍ في العالم أفضل منه، بالطبع أفضل من الموت، ولكم الحق أن تهزُّوا أكتافكم فأنتم لم تروه، واحذروا، فأبشع ما فيه هو الغدر، غدر يأتي، وغدر يروح، وحتى لا يعطينا الوقت لتبين ملامحه. ولكن .. ما هذا الحديث الكئيب عن الموت والقلق والاكتئاب؟ سببه في الواقع أني بدأت أفزع من ظاهرة الاكتئاب الجماعي المصابة بها قطاعات كبيرة من طبقاتنا المتوسطة والعاملة. وأيضًا لا يزال السؤال الذي طرحته ذات مرةٍ عن إمكانية وجود هذا النوع من المرض الجماعي مُعلقًا في انتظار إجابات الدكاترة علماء النفس وعلماء الاجتماع. ولكن ما أعرفه بدقة أن تسعة من عشرة من العلماء الذين ألقاهم في قاهرتنا الحبيبة، السائرين على أقدامهم أو فوق دراجات أو شاحنات أو عربات، البائعين والبائعات الشارين والشاریات، معظمهم يعانون من حالة قلقٍ داخليٍّ، إذا كان البعض يدركونه بوعي فالأغلبية العظمى لا تعيه، تُعاني من أعراض فقط دون أن تدرك لها سببًا، تُعاني سواء أرادت أو لم ترد، بل حتى تُعاني رغم محاولاتها المستميتة ألَّا تعاني. وللقلق في حياتنا قصة. كنا نحيا في ظل أوضاع قد بدأت إلى حد ما تستقر منذ أوائل الستينيات إلى هزيمة ٦٧. على المستوى الشخصي كانت معظم الفئات قد اطمأنت إلى أنها غير مهددةٍ — في القريب العاجل على الأقل — بكوارث من أمثال الفصل أو فقدان الدخل الاقتصادي. صحيح أن الدخول قليلة، ولكن هناك الارتكان الدائم إلى الدولة، وقد تحدد النشاط الخاص إلى حدٍّ كبير، وأصبحنا كلنا عمالًا وفلاحين ومثقفين وموظفين بطريقة أو بأخرى، نقبض آخر الشهر أو آخر الموسم أو أواخر العام، بينما الدولة تمر بكل مراحل تطور تجربة الملكية العامة، من بيروقراطية إلى حكومية إلى تواكلية، إلى آخر هذه الأمراض. وفجأة هُزمنا هزيمةً منكرة مدبرة عام ١٩٦٧م. وفي يوم وليلة تبدَّى لنا ما كنا نرتكن إليه ليس دولة كبيرة سترعانا وتحمينا، ولكن، وكأنما كنا نرتكن إلى حائط مائل سقط جيشه تمامًا في ساعات، وحياته كلها أصبحت مهددة بالسقوط. من هنا فجزء كبير من فجيعتنا فالهزيمة وأصابتنا وكأننا جميعًا بحالة الإحباط والاكتئاب بعدها، ليس سببه فقط الخدش الكبير الذي حدث لنا کأمة، وإنما سببه الأعمق في الحقيقة راجع إلى أننا كلنا بدأت عقولنا الواعية والباطنة والأبطن «تقلق»، أي تنظر إلى المستقبل بعين متوجسةٍ غير مطمئنةٍ، بحيث لم يعد أحد منا متأكدًا، ليس فقط من وضعه في المستقبل، وإنما حتى إلى وضعه آنذاك، وهكذا بدأت لدينا — كمجتمع — حالة الاكتئاب الجماعي بحيث في داخلنا مضى يتراكم العلقم، سنة وحقبة إثر حقبة. وقد حاول جمال عبد الناصر نفسه الخروج من هذه الحالة ليبدأ مرحلة مقاومة انتهت إلى ما سُمِّي آنذاك بحرب الاستنزاف، ورغم البطولات الفردية العظيمة التي بُذلت في تلك الحرب، إلا أن نتيجتها كانت عكسية تمامًا؛ فالتخريب المتعمد لمدن القناة، وتهجير مئات الآلاف، وضرب المصانع والمدارس والكباري والمنشآت كان وكأنما يُفعل على الدولة ليؤكد لنا أن قلقنا الرهيب في محله، بل لا بد بمرور الأيام أن یزداد. وفعلًا كان قلقنا بمرور الأيام يزداد. خاصة بعد ما حدث للمقاومة، رمز الأمل، في الأردن. ومات عبد الناصر الخالد من شدة اكتئابه. وكان حزننا التاريخي عليه الذي لم يحدث له مثيل، ليس حزنَ شعب فقد زعيمًا، ولكنه حزن مكتئبين يودِّعون آخر أملهم في الخروج والحياة، والانتصار على الهزيمة، والقضاء على القلق، وأن نعود أصحاء. وهكذا حين جاء اليوم الموعود، أفرغنا علقمنا الممعن المتراكم سُمًّا زعافًا في جسد العدو وتحصيناته وقواته. ذلك أن أحد طرق الخروج من القلق ومن الاكتئاب أن تحدد عدوك وسبب قلقك وتسحقه. وقد فعلنا لأيام. شفينا فيها جميعًا وعُدنا أطفالَ الحياة، نضحك، ونتكاتف، ونتخادم، عادت الشهامة، والبطولة والتضحية، عُدنا أصحاء. ولكن كان من المحتم ألا يدوم هذا. وكان من المحتم أن تُكَتِّفنا القوتان الأعظم من جديد، تكتف حركتنا تجاه العدو. ولكنا لم نيأس، قلنا نعالج أساسًا سبب نكسة عام ٦٧، نعالج الدولة، والعلاقة بين الثورة والمواطن، باعتبار أن سبب النكسة أن هذه العلاقة كانت علاقةً قهرية أكثر منها علاقة ثورية، وكانت علاقة كبتٍ أكثر منها علاقة انطلاق وتحرر. ثم إن الأزمة الاقتصادية، خاصة بعد الحرب، ازدادت تفاقمًا. وعاد القلق على المستقبل من جديد. ولكن هذه المرة لم يأخذ شكل القلق الجماعي السوي الذي كان السبب في نصر أكتوبر، إنما أخذ شكل الخلاص الفردي. والحقيقة أن الطبقات المتوسطة والكادحة هي التي تُعاني أكثر من عبء أي أزمة اقتصادية. ذلك أن السباق الطبقي الرهيب يتحول إلى عملية دفاعٍ رهيبة هي الأخرى عن النفس، فالكادحون يفكرون دائمًا ويحلمون أنهم يومًا ما سيصلون إلى مستوى الدخل المتوسط المكفول، أو من يدري، ربما الأغنى، والمتوسطون يلهبهم دائمًا سوطان: سوط الطموح إلى أن يكونوا أغنى ويطمئنوا على مستقبلهم تمامًا، وسوط الخوف المرعب أن ينحدروا مرة أخرى إلى طبقات الكادحين، ويصبح الموظف عاملًا، والعامل متعطلًا، والبقال صبيًّا في محل بقالة. هنا يعود القلق زاحفًا ورهيبًا، فهو لم يعد قلقًا فقط على المستقبل، أصبح معظمه قلقًا على الحاضر. وكيف لا وأنا لا أركب تاكسيًّا إلا ونادرًا ما أجد سائقًا، سائقًا فعلًا، وإنما أجده مدرِّسًا، أو معيدًا في جامعة، أو أحيانًا حتى ضابط شرطة. كيف لا وها هو ذا لكي يظل محتفظًا بالمستوى المتوسط الذي هو فيه يعمل، وفعلًا عاملًا، والأزمة تزداد، وينشق الناس، وكأنه يوم القيامة، والخلاص بأي ثمنٍ؛ بشقة مفروشة، بما هو أفدح، ولتسقط أي قيمة، فماذا بعد أن أسقط أنا من الطابق الثاني حيث أقطن إلى بدروم الحياة وقاعها. ولينجُ بجلده من سرق أو اختلس أو حلب أو نهب أو باع أو سمسر، لينجُ بمستواه الاقتصادي فقط إذ يكون قد فقد كل قيمة وكل ما يجعله محترمًا، حتى في نظر نفسه، أثناء عملية «الخلاص» تلك. إنِّي أبتسم وأنا أقرأ كثيرًا من أسماء المرشحين في الانتخابات وشعاراتهم، وكأن كثيرًا منهم لا يخوضها انتخابات سياسية يريد أن يمثل بها مواطنين أو اتجاهات؛ وإنما وكأنه يخوضها انتخابات اقتصادية يريد أن يجمع بها أصوات الناخبين؛ ليتاجر بها بعد هذا تحسينًا لمركزه الاقتصادي هو أولًا، أو مركزه السياسي تمهيدًا لتحسين مركزه الاقتصادي وهلم جرًّا. نعم هناك أزمة اقتصادية. ولكن هذه المواجهة الفردية المطلقة، هذا السباق الرهيب أن تصعد فوق أكتاف الغير، أن تركل، أن تسبَّ حتى وتتشاجر وتدوس، هذا الرعب الجنوني أن يُرفع الكرسي الخيزران من تحتك وتسقط کادحًا من جديد وراء كل ما نلمحه في شارعنا من مظاهر التمرد والفوضى والقذارة، وراء كل ما هو سائد على أفواهنا من كلمات متداولة، ومسرحيات وأفلام منحطة تهدم كل قيمةٍ وتخدر المواجع الشرفية والكرامية، ففي سباق كهذا أنت محتاجٌ أن تتبلد تمامًا ولا يذكرك أحد بمبدأ أو بقيمة، بالتعاطف أو الحنان أو إنكار الذات، بالتضحية أو العيب، في حاجة أن تنسى تمامًا أنك إنسان، فأنت تريد أن تكون مجرد متسابق لاهث لا يعطله عن الصعود طيفٌ أو مبدأ من كرامة. أعتقد أن ذلك الحل الفردي لن يصلح أبدًا. في بلد نامٍ کبلدنا وفي ظروف كظروفنا، وفي نظام للتعليم يُحيل كل عام مئات الآلاف إلى أصحاب مؤهلات متوسطين، أي يأخذ من الكادحين ويصب في طبقة متوسطة مختنقة بالازدحام والتباغض، في ظل موارد محدودة، وقدرة على الاستدانة ستظل دائمًا محدودة، في ظل أحلام لن يتحقق ٩٩٪ منها، إذ من سيغتني سيكون واحدًا من الألف ربما، والباقون إما كما هم وإما إلى «انحدار». في ظل كل هذا وما هو أكثر، القلق الفردي أو الحل الفردي لا يمكن أن يؤدي إلا إلى حياة کالهلاك. نعم هناك أزمة … ليست فقط أزمة اقتصادية، ولكن ما هو أهم .. إنها أزمة قلق اقتصاديٍّ رهيب يجتاح معظم أفراد مجتمعنا. حتى الأطفال، بدأت العدوى تتسرب إليهم وتسأل الولد أو البنت من هؤلاء .. ماذا تُريد أن تفعل — وهو يدوبك خمس سنوات — يقول: أريد أن أكون مهندسًا أو طبيبًا. مع أن الأطفال دائمًا يفكرون أن يروا بلاد العجائب أو يعزفوا الموسيقى أو يرقصوا أو يغنوا. ولكن حتى غناء أطفالنا، أتى عليه القلق الاقتصادي. أناس حولنا في بلادنا العربية يُعانون من قلق ازدياد الثروة المفاجئ فيلجئون كالضائعين إلى الغرائز. ونحن نلجأ إلى الغرائز أيضًا، ليست غرائز الجنس أو الملذات، ولكنها الغرائز الأقل، غرائز الدفاع عن الوجود ذاته، إن ذلك الوجود يهدده القلق الاقتصادي الرهيب. ألا تريدون أن نفتش معًا عن مخرج أو حلٍّ؟ ذلك أن الاستسلام إلى حالة ذلك النوع من القلق أولًا لن يحل أزمتنا الاقتصادية ولا النفسية، بالعكس، سيؤدي إلى المزيد منها والمزيد، وإذا كان السباق ضروريًّا فالنتيجة سقوطٌ جماعي. فأهم رأس مال عندنا هو الإنسان. ولا بد أولًا من إنقاذه. | {
"chapter": "وما أدراك ما القلق!",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "الإرادة",
"url": "https://www.hindawi.org/books/80626160/15/"
} |
وليكن الرأي هذه المرة من الطرف الآخر للمشكلة؛ رجل الشارع واحد من المئات الواقفين في قيظ الظهيرة ينتظرون الأتوبيس، واحد من العشرات الواقفين في طابور الجمعية، واحد ممن تزدحم بهم المكاتب والغرف وعنابر المصانع. ولكن أيهم أختار؟ قد تجد المشكلة في الرجل ولكنك لن تجد لديه القدرة على التعبير عنها، أو قد تجد المقدرة على التعبير وحتى المبالغة فيه ولكنك ستجدها مشكلةً محدودة بشخصه أو بعمله. في محاولتي البحث عن رجل الشارع وما يُعانيه من مشاكل بدأتُ أُلاحظ الناس بدقةٍ أكثر، وبدأت أُدرك ليس فقط صعوبة الاختيار، وإنما حتی صعوبة الرؤية. فنحن نحيا وكأنما نحيا نلهث. الأزمة .. الإنسان المصري تحوَّل إلى كائنٍ غريبٍ حتى على نفسه. لم تعد أقواله أو تصرفاته مبنية على أساس عقليٍّ أو محسوب، إنما هو بقوة الدفع الغريزية يتصرف في حالة تحفزٍ مستمر، وردود فعله بالغة التوتر. والإنسان المصري هذا موجودٌ فينا كلنا، فيَّ أنا الذي أحاول أن أُعبِّر، وحالتنا حالة من الصعب معها حتی أن «نفكر»، مجرد أن «نفكر». أن تتأمل وتعي وتحلل وتأخذ موقفًا ورأيًا، هذا كله ترف لا يملكه المواطن العادي ولا الكاتب. الكتابة نفسها في اللحظات الفاصلة — لحظات الحياة والموت — تصبح لا معنى لها بالمرة، ولا أثر لها بالمرة، والمشاكل كثيرةٌ كثيرة، وكل شيءٍ وكل شخصٍ وكل تصرف في حاجة إلى نقدٍ وتقييم وتقويم، ولكن المرعب هو: كيف وأنت في هذه الحالة تستطيع أن تتمالك نفسك و«تنفصل» عن المشاكل، وتحكم عليها حكمًا «موضوعيًّا»؟ أنت في قلب المشكلة. أنت وأنا وكلنا مرضی الأزمة؛ أزمة مادية جماعية خانقة، من المحتم أن يصحبها أزمةٌ روحيةٌ خطيرة. حتى الذاكرة أصبحت وقتية، والتصرف أصبح ابن لحظته .. فعل ورد فعل .. فعل ورد فعل .. مئات الملايين من ردود الأفعال التلقائية المتصادمة نتيجتها تأزم أكثر. لكأن الواحد منا يحيا اللحظة وهو في كل ثانيةٍ يريد أن يستغيث بأعلى صوته ويجأر ويقول للعالم: لا .. لم أعد أحتمل. هذا فوق طاقة البشر. حتى الموت أصبح مطلبًا صعبًا، من الترف التفكير فيه؛ بل الانتحار نفسه اختفى ولم نعد نقرأ عن أناس يُلقون أنفسهم من فوق البرج أو المجمع؛ ذلك أنه حتى الانتحار في حاجةٍ إلى قرارٍ وخطة. ولا وقت ولا «نفس» لرؤية قرار أو عمل خطة .. النكت نفسها اختفت، ولم نعد ننكِّت .. فالنكتة — ذلك التأمل الساخر — تحتاج أولًا إلى متأملٍ .. فإذا كان الكل — حتى المتأمل بطبعه — في أزمةٍ، فالنكتة تموت قبل أن تولد؛ بل المتعة نفسها غير موجودةٍ، وكأنْ لم يعد ثَمة شيء ممتع، كل الأشياء لها نفس الطعم ونفس المذاق، مذاق اللامذاق، فالتذوق والتمتع في حاجةٍ إلى جهاز عصبيٍّ سليم، وكائن سليم، ونفس مفتوحة .. ونحن لحظة بلحظة يحيا الإنسان يؤرقه الألم الطاغي والقلق الأعظم، ليس فقط من اللحظة التالية؛ ولكن: ماذا يحدث غدًا وبعد غدٍ، وأولادي … إلى آخره. لقد تزايدت المشاكل، كثرت، قلت حركة الإنسان، حُوصر من كل النواحي. لا مخرج. كلما حاول الخروج يغوص أكثر. ذلك انطباعي الأول وأنا أحاول معرفة رأي ما كان يُسمَّى في الماضي «رجل الشارع»، عرفت رأي رئيس الوزراء. والآن أُريد أن أعرف الرأي الآخر. المشكلة كيف؟ من تختاره ليتحدث ويفضفض ليعبر عن الكون العام الذي نحيا فيه كلنا، وعن رأيه في قوانينه ولوائحه وأخطائه، لكل كونه الخاص الغارق فيه حتى أذنيه، مهما رفع البصر لا يرى أبعد من مشاغله الوقتية الحادة. وتعتقد أن الزمن لا بد هو الآخر متوترٌ، وأن لا وقت لأي شيءٍ، ولكن الكارثة أن الزمن ممتدٌّ وطويل طويل. ••• كيف اخترق الحاجز الصوتي والبصري الكائن بينك وبين أي إنسان حولك. معًا نحيا، هذا صحيح، ومعًا نعاني، في الأتوبيسات نتكدَّس، في المجمعات نختنق، لكي ننتزع لقمة عيش أخيرة لا بد أن «نقاتل». قتالًا حقيقيًّا رهيبًا، عذره أنه قتال ضد اللاشيء. فلا عدو واضح تضربه كما حدث في العبور وتنتهي. ليت مشاكلنا كانت كلها خط بارليف وعبور القناة! فلو كانت مبلورةً هكذا ومحددة لانتهينا منها من زمن بعيد. إن حل المشكلة يكمن فقط في إدراكك لها. بمجرد وضع يدك على المشكلة فهذا يعني حلها. ولكن ما نعاني منه الآن أشياء لا نستطيع بالضبط أن نضع أيدينا عليها. هل المشكلة أن المياه ملوثةٌ، أو أن بعض المسئولين اختلسوا أموال التبرعات واعتمروا بها؟ طيب .. فرضًا أن الماء لم يكن ملوثًا، وأن أحدًا لم يحج اختلاسًا، فهل كنا سنستريح وتنتهي الأزمة؟ .. أبدًا؛ إن هي إلا أعراض كلها. وتستطيع أن تعد ليس فقط اختلاسًا هنا أو هناك، أو سرقة أو رشوة أو «قرع» و«كوسة». لا تؤاخذني في استعمال الكلمات فقد أصبحت عادية ودارجة ومن قواميس المرحلة. تستطيع أن تعد آلاف الآلاف من «الأعراض». أما المرض نفسه فما هو؟ ماذا يُشقينا؟ فلنقل — أو بالتأكيد هذا هو الشيء الأول الملموس: إن المشكلة ماديةٌ محضة. وجود الشخص منا على قيد الحياة أصبح يتطلب منه نقودًا لا يكفي دخله لإيجادها. المضحك أن هناك دولًا أخرى تُعاني من «التضخم»، أي أن هناك فيها نقودًا كثيرة وبضائع قليلة. نحن نُعاني من عكس أزمة التضخم تمامًا؛ بل حتى من أزمة الأزمة. فلا توجد نقود، وحتى لا توجد بضائع. والمشكلة أننا نحيا، ولا بد أن نظل نحيا؛ ولهذا دائمًا نحن نسأل أنفسنا في كل دقيقة: ما العمل؟ ومن أين نحصل على النقود؟ مجالات الإنتاج وبيع العمل تختنق؛ ذلك لأن الأزمة أربكت تمامًا جهاز الإنتاج .. عمالةٌ زائدة كثيرة جدًّا، أكثر بكثير مما تتطلبه عملية الإنتاج، ونتيجة كثرتها أن ينخفض الإنتاج أكثر وأكثر. أي مكتب حكومي تجده مكتظًّا إلى حافته بالموظفين. ماذا يفعلون؟ لا شيء. أفندي محترم معه بكالوريوس أو لیسانس معيَّن ويقبض ماهية وعمله أن لا يعمل. ومعنى هذا، ونظرًا لتدخله في عملية الإنتاج لجسمه وشخصه ووجوده، يتعطَّل الإنتاج أكثر. بمعنى أن المكاتب مكتظةٌ ولا إنتاج. لكي يتحرك إنتاجنا إذن ويعطينا نقودًا تكفينا يستلزم الأمر عقولًا وأعصابًا وإنسانًا سليمًا على الأقل «يفكر» فيما يجب عمله. ولكننا في هذا الازدحام الأجوف لا نستطيع أن نفكر أو ندبر. نحلم. أجل نحلم أن تهبط علينا الفلوس من السماء. أو من دول النفط. كيف ستهبط؟ وهل الحل أن توجد ليلة قدرٍ لكل واحد، أو صرف ثلاثين جنيهًا؟ صُرفت وصرفناها. وبقي كل شيءٍ على ما كان عليه، والموقف ينحدر إلى أسوأ. لا يعيش الناس بالإحسان أو بالقروض. الناس تعيش بعرقها وكدِّها. ولكن العرق والكد وحده لا يعود بالنقود. لا بد من وجود نظام إنتاجٍ وعمل تستثمر فيه عرقك ليعود عليك بالنفع وبالنقود. المأساة أن أسس الإنتاج؛ من مصانع أو جامعات أو دكاكين أقل بكثير من أن تستوعب طاقة ملاييننا الكثيرة على العمل والإنتاج. الخبرة موجودةٌ، والقدرة موجودة. موجودة بكثرةٍ زائدة عن الحدِّ. تتكدس وتتكدس ويتزاحم الناس داخل الأتوبيس وداخل البيوت وفوقها وداخل الفصول وداخل الورش. زحام. زحام كثير، وعجلة. عجلة عصبية زائدة فارغة الصبر. الكل متعجلٌ. ليصنع ماذا؟ لا أحد يعرف. نشبه موتور عربة كبيرة يعوي بالصوت والضجيج والصراخ والكلاكسات، ولكن العربة نفسها لا تتحرك، إننا جميعًا — وأقولها صادقًا — مسئولين وغير مسئولين، حاكمين ومحكومين لا نقدِّر ولا نُدرك بالضبط الواقع الغريب الذي نحياه. إن المطلوب أكثر بكثير من قدرة أجهزة تخطيطنا الحكومية وحتی الأهلية. أكبر بكثير من طاقة رجلٍ أو عشرة أو مائة أو عدة آلاف على التفكير. أكبر من ذكاء أيٍّ منَّا بمفرده، ومقدرة أي منَّا بمفرده .. وهذه هي الحقيقة .. إن المشاكل التي تُعاني منها هي نفسها المشاكل التي أُعاني أنا منها، قد تختلف بعض الشيء في التفاصيل؛ ولكنها جذريًّا نفس المشاكل. حلولها إذن ليست فرديةً بأن تهبط على أيٍّ منا ثروةٌ من السماء تُنقذه وتنقذ أولاده، أو أن يهاجر إلى بلادٍ أخرى فيها العمل وفيها الكسب والنقود، فهذه كلها قد تحلُّ مشكلة واحدة أو عائلة أو حتى بعض العوائل والقرى والمدن على أقصى تقدير، ولكنها — أبدًا — لا تحل مشكلة «أمة». أمة بأكملها تخوض مشكلةً رهيبة تتبدى أمامها ربما لأول مرة في تاريخها الطويل: تكون أو لا تكون. لا نسأل السؤال واقفين أو متأملين، ولكنا نسأله ونحن نلهث، وسياط غير مرئيةٍ تُلهب ظهورنا ونحن نندفع بسرعةٍ مخيفة، وكتلة جماهيرية رهيبة. نندفع، وحتى لا نعرف إلى أين. في أوضاع كهذه يصبح الحديث عن المضايقات الشخصية أو الخاصة تافهًا إلى أبعد حدود التفاهة؛ بل يصبح الحديث عن مشكلةٍ واحدة بذاتها لا معنى له بالمرَّة. فهل المشكلة غلاء الأحذية؟ إن أسعارها صحيح قد أصبحت تدعو للتذمر والدهشة. ولكن المنظر العام أغرب ألف مرةٍ. ••• ماذا أهدفُ بكتابة هذا؟ أليس يُربك أكثر أن تقول للمرتبك أصلًا: إنك مرتبكٌ. وماذا يُفيد قولك المخنوق بالأزمة: إن لديك أزمةً. هو يعرف وأنا أعرف وكلنا نعرف. هو يئنُّ وأنا أئن وكلنا نئنُّ. الأحمال ثقيلةٌ ولكنها بلغت من الثقل حد استحالة الشعور بثقلها. أكتب لماذا، ولِمَن، وهل؛ لأكشف عن فسادٍ هنا أو هناك، وأنا أعرف وأنت تعرف وكلنا يعرف عن الفساد أكثر بكثير مما كُتب أو يُكتب أو يمكن كتابته. الروح في الحلقوم وكأننا في يوم يفرُّ المرء من أخيه وأمه وأبيه. فعلًا. في قسم الدقي رأيت رجلًا يحمل طفلًا رضيعًا على يديه وحوله ثلاثة أطفال آخرون ويبكي أمام المأمور ويقول: امرأتي هربت. تركت الأطفال وهربت. أي قوةٍ دافعةٍ رهيبة تجعل الأم تترك وليدها وتهرب؟ لا بد أن ما يعاني منه البعض ويعتقد أنه أبشع الأشياء، يوجد أبشع منه بكثير. حتى أحكامنا لم أعد أثق بها كثيرًا، فهي ليست صادرةً عن روية أو تفكير؛ إنما هي على الدوام أحكام «انفعالية»، بنت اللحظة، أي ردود فعل وليست أبدًا نتيجة موازنة ثم اتخاذ موقف. الحوادث المؤسفة ليست إلا التصرف الجماعي لما يتصرفه أيٌّ منا بمفرده أو يقوله بمفرده. هي نفسها الولد أو الرجل الممسك بمسمارٍ يحكُّ به بياض المنزل أو دوكو العربة ويخربشه. هي نفسها ألفاظ البذاءة تسمعها على الهواء من جماهير الكرة، فقط على السطح تطفو التصرفات وتتصور أنها «ظاهرة». لا أعرف ماذا أصبح يعجبنا وماذا أصبح لا يعجبنا. أحكام محمومةٌ كتخاريف الجوعان أو الصائم أو الضائق ذرعًا بكل شيءٍ وأي شيء. ••• أكتب إذن؛ لأحاول أن أرى، ولأحاول أن نرى جميعًا ماذا يحدث لنا. فقط نراه. فنحن نحيا لا نرى، ولا نريد أن نرى؛ لأننا نعرف أن ما سوف نراه سيقبض أنفسنا، وأنفسنا ليست في حاجةٍ لاكتئاب أكثر. هي مشبعةٌ به ولا داعي لأي مزيدٍ. ذلك لأننا في العادة نرى وحدنا، وننظر بعيوننا الخاصة إلى وضع كل منا الخاص ووضع الآخرين منه. ربما لو رأينا كلنا معًا، ربما وضحت الرؤية لنا كلنا، فالرؤية هي النور، والظلام هو أن نغلق أعيننا. والرؤية الجماعية هي الوسيلة الأولى والوحيدة، ليس فقط لحل المشاكل وإنما حتى لمواصلة الحياة. لا أعرف ما الحل، ولكن الواضح والمحتم أننا في حاجةٍ إلى شجاعةٍ كبرى وإلى مصارحة أنفسنا مصارحة تامة. لم تعد المسألة مسألة شعبٍ وحكومة، والحكومة من هي؟ إنها نحن أيضًا؛ موظفون ومتعاملون، لم تعد المشكلة مشكلة وزارة أو وزير، المشكلة هي نحن جميعًا .. نحن المشكلة .. هل تبلغ بالشجاعة حد أن نعترف — نحن الشعب المصري — أننا نواجه أزمة وجود حقیقيٍّ، وفي كل مجال. وأن لا حل لهذه الأزمة إلا باشتراكنا جميعًا في رؤيتها وإدراكها وبالتالي حلِّها. لم نكن في حاجة إلى مؤتمرٍ شعبي حقیقي. مؤتمر لا يحفل بالخطباء والمتحذلقين، وإنما اجتماع يضمنا معًا، أو يضم ممثلينا وكل قدراتنا العقلية، وكل خبرائنا وعلمائنا، نتدارس فيه بلا ضغائن ضد بعضنا البعض ولا لَكزات أو ضربات فنحن ننهش ونخربش أنفسنا وكأنما قد أصبحنا نكره بعضنا البعض إلى درجةٍ مخيفة، وكأن كلًّا منَّا هو السبب في أزمة الآخر، في حين لو عرفنا أن كلًّا منا مأزوم هو الآخر ويُعاني من نفس الأوضاع، وأننا بدلًا من إلقاء التُّهم والضربات بالأقدام والقبضات وإضاعة وقت كثير في مهاتراتٍ جانبية. نركز همنا كله في مشكلة وجودنا نفسه، وجودنا ككل، ونحدد بالضبط ماذا نُعاني منه وكيف نعالجه، أيضًا ككل، فكما قلت: المشكلة ليست خاصة بأي منا على حدة، فالذي دخله عشرون جنيهًا مثلًا يتصور أن كل مشاكله ستُحل لو صار دخله مائة جنيه، ولكن المضحك أن الأعباء تزيد بزيادة الدخل؛ بحيث لو صار دخله مائة جنيه فستظل أعباؤه أكثر بكثير. صحيح أن مواجهة العدو عسكریًّا تكلفنا الكثير؛ ولكن جهاز الحكومة نفسه وأجهزة القطاع العام نفسها، بل وحتی القطاع الخاص؛ غير قادرٍ على إعطاء إنتاج يكفينا ويكفي احتياجاتنا. المضحك أن ما نعانيه كأفراد تُعاني منه الدولة نفسها. فالدولة المصرية كالفرد المصري في حالة تأزمٍ وتعطل إنتاج. لو سأل كل منا نفسه هذا السؤال: هل أنا فعلًا أعمل بطاقتي كلها، أو أعطي للعمل طاقتي كلها؟ فمن المحتم أن يكون الجواب: لا؛ لأن في داخل كل منا طاقات كثيرة معطلةٌ وغير مستفاد بها، ولا يوجد الجهاز الذي يستخرجها ويضمها إلى الطاقات الأخرى ويحيلها إلى نقود وبضائع. ••• إن لدينا قدرةً على الرؤية المحدودة، هذا صحيح، فهناك تفكيرٌ فيما يُسمى بالثورة الإدارية، و«تطوير» القطاع العام، و«تطوير» الاتحاد الاشتراكي، و«تطوير» الذوق والثقافة. ولكن هذه كلها نظراتٌ جزئية إلى مشكلتنا، تصلح إذا كان المجتمع فعلًا سائرًا ويتحرك إلى الأمام ويلزمه بعض «الإصلاح»، ولكن ماذا يكون الوضع إذا كان المجتمع لا يتحرك، أو يتحرك ببطءٍ شديد جدًّا يشبه السكون، أو ربما يتحرك إلى الخلف ونحن لا ندري، ولكن الواضح أن كل يوم يمرُّ ندرك أنه كان أحسن .. لم يعد يصلح إذن في علاج مشاكلنا أن نعتبرها مجرد مشكلة في الإنتاج، أو في الإدارة، أو في نهب بعض المال العام. ما فائدة أن ينصلح حال «الكهرباء» على حدة، أو البنزين على حدة، إذا كان الموتور ككل لا يعمل أصلًا، أو أنه يعمل ولكن العربة لا تتحرك. إن المشكلة كما قلت مشكلة وجود، مشكلة أن نوجد ونتحرك فعلًا وتعود علينا حركتنا بالعمل والإنتاج والدخول. ••• نتصور أن «الحكومة» قادرةٌ على الإصلاح. وتكثر الشكوى. ويحدث انفصالٌ غريب بين الكلمة والفعل. فنحن نجأر بالشكوى من شيء، والجرائد تنشر، والناس تتكلم، ولكن لا يحدث شيء يُصلح ما نشكو منه؛ ذلك لأننا نتصور أن أحدًا آخر هو المسئول عن الإصلاح، إن الحكومة نفسها لا تستطيع أن تحلَّ المشاكل؛ ولكنها هي نفسها أصبحت — نظرًا لتدخلها في حياة كل منا — مشكلة من مشاكلنا. والحكومة ليست شيئًا معنويًّا أو جهازًا غريبًا قابعًا على أرضنا، إن الحكومة هي موظفون، أي مواطنون أيضًا غير قادرين على حل مشاكلهم الخاصة. ونتصور أن المشكلة هي أن بعض الناس يسرقون أو يختلسون أو ينهبون أو يمالئون، وصحيح أن هذه كلها جرائم خطيرة لا بد من عقاب مُرتكبيها؛ ولكنها أيضًا ليست «الأصل»، إنها عرَض من أعراض الأزمة، فالأزمة يستتبعها دائمًا أزمة ضمائر ونفوس، وصغارات نفوس، وتصرفات وقحة ومخجلة، وحتى ألفاظ بذيئة وسلوك أكثر بذاءة، هذه كلها توابع وليست أصلًا للأزمة، هذه كلها عروض من جملة الأعراض، ولكنها ليست الداء الدفين. لنتصور أن كائنًا من المريخ مثلًا، حافل بالموهبة والقدرة على الإنتاج هبط القاهرة ليعمل وينتج. كائنًا نظيفًا لا يُعاني من أزمةٍ سابقة وليس محملًا بأثقال مسئولية والتزامات. لنتصور أنه بدأ يزاول وجوده ذلك، ويحاول أن يعمل ويتحرك. أن يتكلم في التليفون مشكلة. أن يركب الأتوبيس مشكلة. أن يأكل مشكلة. أن يغسل يديه مشكلة. أن يذهب إلى سينما مشكلة. أن يدخل المصلحة أو المؤسسة مشكلة. أن يحاول منع الغير من التدخل في عمله مشكلة. أن يحارب كي يظل فقط محتفظًا «بحقه» في أن يعمل مشكلة. لا بد ستجده ولما يكد يمضي يوم على وجوده معنا إلا وقد استحال إلى كائنٍ عصبيٍّ جدًّا، مكتئب جدًّا، مغيظ جدًّا، حاقد جدًّا، «كفران» بكل القيم والتقاليد والمُثُل، ناقم على كل شيء. فهل ممكن لإنسان في حالة كهذه أن «يفرغ» عقله للعمل العقلي أو اليدوي أو حتى لفلاحة الأرض؟ أجل. لقد بدأت مشكلتي حين حاولت أن أُجري حوارًا مع ما يُسمى برجل الشارع؛ لأعرف بالضبط ماذا يُعاني، وكيف وبأي طريقة يحيا؛ ولكننا رأينا أننا كلنا غرقى، وفي هذا ليس هناك فرق بين من يستغيث من الشارع أو من الشرفة، فالطوفان واحد لا يرحم، والآلام واحدة والشعور واحد ومشترك. ••• إنها الدائرة المفرغة المروعة، الأزمة توجد، تُصيب الناس بأزمة، الناس المتأزمون تقل قدرتهم على العمل والإنتاج، وهذا بدوره يؤدي إلى أزمة أكثر، تؤزم الناس أكثر وهكذا … هكذا تستحيل الدائرة الرهيبة المفرغة إلى أزمة «وجود»، والكارثة أن لا أحد يستطيع إخراجنا من هذه الدائرة المفرغة إلا نحن .. نحن المريض ولا بد والمريض في عزِّ مرضه أن يكون الطبيب ويعالج نفسه، كمن تطلب من مكسور الساق أن يجري، وهذا هو العمل البطولي العملاق الذي يتحدانا ويواجهنا، والمسألة لا هزل فيها؛ إما أن نقوم به أو نموت، سنموت إذا لم نخرج من الأزمة، سنموت حتى لو ظللنا أحياء، وأبشع أنواع الموتى هم الموتى حياةً. ••• فهل نترك أنفسنا نغرق، أو نستغيث ونحن في عالمٍ لا ينقذ فيه أحدٌ أحدًا. لا الاستغاثة؛ مجرد الصرخات على صفحات الجرائد والاحتجاجات تُجدي، ولا الأنين والتأوُّه يُجدي، ولا التعبير بالكتابة أو بالمسرحية يُجدي، ففي كل هذه الأعمال نحن نفترض أن هناك آخرين في أيديهم الحل والربط والقدرة على إنقاذنا. ربما لو أدركنا عن يقين، وأعود وأكرر عن يقين، أن ليس هناك غيرنا ينقذنا، وأن لا مُعين لنا ولا أي معونةٍ أو قروض أو حتى استقدام خبراء أجانب ولو حتى خبراء في حل الأزمات والسرقات، لا شيء من هذا يُجدي، فكما نحن المشكلة، فنحن أيضًا الحل؛ بل لا حل إلا بأيدينا ومنا، ولأجل هذا فأوضاعنا أصبحت تُحتم — وأكرر مرة أخرى تُحتم — أن نقف لأجلها وقفة، وقفة مع النفس هذه المرة .. وأن ندير — حالًا وفورًا — مؤتمرًا «نفكر» فيه، مؤتمرًا لا «نعبر» عن المشاكل فيه ونصرخ، وإنما «نفكر» فيه بصوتٍ عالٍ يسمعه الناس أجمعون. نفكر فيه وندرك إلى أين وصلنا، وما هي المشكلة، والحل سيكون هذا، سيكون أن «نفكر»، وأن نعرف، وندرك «المشكلة» .. المشكلة التي تعوق سيرنا وتوقفنا وتقتلنا ببطءٍ شديدٍ، ولكنها تقتلنا. أجل .. مؤتمر لنعرف رأي رجل الشارع، رأينا، فرأينا هو المشكلة وهو الحل. | {
"chapter": "و.. وجهًا لوجه مع رجل الشارع",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "الإرادة",
"url": "https://www.hindawi.org/books/80626160/2/"
} |
آخر عهدي بقرَّائنا الأعزاء أنهم كانوا دائمًا يفهمونها وهي «طايرة» بحيث لا تصبح المقالة أو القصة حصة على الكاتب فيها أن يشرح لقارئه موضوع الدرس وملخَّصه، وفي النهاية يختمه بالحكمة المستفادة من الموضوع. وهكذا أجد نفسي مضطرًّا لأن أعود فأقول — وبمنتهى البساطة: إنه لم يكن بذهني أبدًا أن أقصَّ رواية عجيبة عن «مرضي» أو عن «عملیتي» الجراحية النادرة، مع أن هذا في العادة مادة محببة جدًّا إلى النفس لكل مريض. خاصة إذا مرَّت الأزمة. تصبح قصة مرضه وأقوال أطبائه ومفاجآت مستشفياته مادة خصبة حية يحلو له أن يتربَّع نفسيًّا بعد العشاء مع الأصدقاء أو أثناء الشاي ويحكي السيرة وكأنها واقعةٌ من وقائع الزِّير سالم. بل لم أقصد حتى أن أستعرض حالة فردية «ولو كانت حالتي هذه المرة» لأقتنص منها ذلك الجزء الذي يمسُّ الحالة الجماعية لنا، ويصبح للموضوع حينئذ فائدة عامة. لا أيها السادة، لا مرض ولا يحزنون، ولا تستعيذوا بالله من السيرة وتقلبوا الصفحة إلى موضوع آخر أكثر أملًا وإنعاشًا للنفس. إنِّي في حقيقة وقرارة نفسي كنت أُريد — وعلى وجه التحديد — أن أتحدث عن ذلك الجانب المشرق في النفس. الجانب الأحيى وليس الجانب الأمرض، الجانب الأكفأ وليس الجانب الأعجز. كنت أريد — ولا أزال أريد — الحديث في صميم لحظتنا الحاضرة، في صميم المشكلة، في صميم ما تعانيه أنت الآن في هذه اللحظة وما أعانيه أنا. ليس لأننا كلنا — والعياذ بالله — مرضى .. وإنما لأننا كلنا — وبطريقة أو بأخرى — نمرُّ بأزمة. الأزمة هي الكلمة، اجعلها اقتصادية تكن، محبة تكن، فكرية أو زواجية، أو جنسية حتى تكن. وما المرض بكل هیلمانه وخطورته، بل ما الموت، بل الحياة نفسها سوى أزمة. لم نخترها نحن والعادة أن الإنسان ليس «غاوي» أزمات، أو هو الذي يختارها، إنما الحادث أننا إلى رقابنا فيها. ولقد لامني كثيرون أني لم «أشرع قلمي» وأخوض في النقاش الهائل الدائر حول عبد الناصر، وثورة عبد الناصر، و۲۳ يوليو، والسد العالي، والاشتراكية أو اللااشتراكية، التعذيب في السجون، المعتقلات. لاموني وكأن المسألة قد انقلبت من معركة إلى معزًى أو مناسبة اجتماعية عليك أن تؤدي «الواجب» فيها وتجبر بخاطر أهل المتوفى، أو تنهال باللائمة على المرحوم وتعتبره السبب في كل ما جرى. وكنت إذا قيل هذا أو فوتِحتُ فيه أكاد أنفجر ضاحكًا؛ ذلك أنني كنت أتصور الوضع وكأنْ قد قامت فعلًا حريقة في مسرح البالون أو دار الأوبرا، وأن رجال المطافئ قد تركوا الاستعدادات العاجلة المطلوبة فورًا لإنهاء الحريق وراحوا فيما بينهم وبين أنفسهم وعلى صفحات الجرائد وبالساعات والأيام والسنين .. راحوا يتباحثون حول ما يمكن أن يكون السبب في الحريق، وهل هو بفعل فاعلٍ، أم أن الاستعمار العالمي كان منغاظًا تمامًا من مسرح البالون فقلب نظام الحكم في دار الأوبرا وأحالها إلى موقع عربات كارو. نقاش ونقاش وصفحات وصفحات وأطنان من الحبر الأسود والأحمر والأزرق تُدلق فوق جرائد وكتب ومجلات يتخاطفها رجال المطافئ ويجلسون على المقاهي يطالعونها بحماسٍ شديد لمعرفة الأسس الفكرية والعقائدية والنفسية التي تسببت في الحريق، والحريق والع ومتأجج — والحمد لله — أمامهم، يلتهم الأوبرا والبالون والمصانع، ويلتهم النفوس البشرية، ويلتهم التليفونات، ويلتهم المواد والمجاري وكل ما يمكن أن يلتهم على سطح أرضنا الطيبة. كنت أكاد أنفجر ضاحكًا من الغيظ ومن غرابة الموقف، نناقش الموقف وكأننا — والحمد لله — وصلنا إلى برِّ السلامة وجلسنا مسترخين فوق رمال الشاطئ نتشمس ونتسامر بالحديث عن البحر المهول العميق، والمركب التي غرقت بنا أو كادت تغرق، والمغامرة العجيبة الغريبة التي لا تضارعها مغامرات أجعَص سندباد. وكأن السندباد قد عاد من الرحلة، وكأنه نازع الأهوال والأمواج وأكلة لحوم البشر وعاد معافًى سليمًا لا يشكو من مرض. والعجيب أنه ليس أول موقف مضحك من مواقف التاريخ المصري، أو الطريقة التي يُعالج بها الإنسان المصري حاضره وتاريخه، فلقد ظللنا بعد ثورة عرابي نُناقش أخطاء ثورة عرابي، وخيانة خنفس بك، بينما نفس الذين أفشلوا ثورة عرابي، وعشرات الخنافس الذين خانوا الشعب في خضم هذا النقاش الهائج الهائل يسرقون ما تبقى من ثورة الشعب المصري بعد عرابي، ويهدُّون الجدران والأساسات التي تقف بعد انهيار الأدوار العليا كي يجعلوها سَدَاح مَدَاح. كذلك الأمر حين قيل: إن ثورة ١٩ قد انتكست .. فقد ظل النقاش الساخن الفائر دائرًا حول سعد وعدلي، وأيهما كان على حقٍّ؛ بينما كان الإنجليز والسراي في نفس الوقت المشغولة فيه العقول والقلوب بالتحزب لعدلي أو لسعد .. كانوا يغتالون البقية الباقية من ثورة ۱۹، ويبلعون دستور ٢٣ الذي جاءت به الثورة، حتى ليصل الأمر في أوائل الثلاثينيات بمحمد محمود وإسماعيل صدقي أن يحكما مصر، مصر التي ثارت ثورةً رجَّت الإمبراطورية البريطانية في عنفوان قوتها، يحكمون ذلك الشعب الأسد الذي ثار بالحديد والنار ويحيلون العداء الذي كان من الواجب أن يستحكم بين المصريين والمحتلِّين إلى عداء بين الوفد وبقية أحزاب الأقلية. ولنصل إلى الآن، وإلى ألذِّ المواقف إضحاكًا. تصوروا، نحن بالكاد قد انتهينا من بناء السد العالي، بل ولم تعمل فيه إلا أربعة تُربينات فقط أي ثلث قوته العادية، وأنفقنا عليه من الجهد والعرق والمال ما — لا بد — ينوء حملُه بشعب صغير محدود الموارد مثلنا. نحن بالضبط مثل التاجر أو الموظف الصغير الذي قضى عمره يُحوِّش ويدبِّر لیبني عمارة من ثلاثة طوابق مثلًا، وها هو قد بناها وأصبحت أكبر رأسمال يمتلكه، وأسكن منها الطابق الأول وبدل أن يعتبر أنه أصبح أمام أمرٍ واقع فعلًا، ألا وهو ذلك البناء، وأن لا سبيل مطلقًا إلى استرجاع ما أنفق عليه وما بذله من جهد إلا إذا هدَّمه وباعه خُردة، بدل أن يدرك هذه الحقائق الواضحة التي لا تقبل الشك أو الجدل؛ بدلًا من هذا يجلس على الرصيف المقابل، لا ليناقش أنسب وأكسب الطرق للاستفادة بهذا البيت الرأسمالي، بدلًا من أن يفكر في إقامة كازينو علوي، أو إنشاء صناعة تعليب أسماك على ضفاف البحيرة، أو استعمال الثمانية تُربينات الكهربائية التي بعدُ لم تستعمل، بدلًا من هذا يجلس وحوله عائلته الكريمة، تاركًا البيت ينعي الوقت والجهد والمال الذي بُذل فيه ليناقش هل كان يصحُّ أو لا يصح إقامة البيت. طيب لنفرض أن إقامته كانت خطأ في خطأ .. ماذا نفعل؟ .. نهدمه؟ .. نطرحه في المزاد العالمي لتشتريه دولة أخرى تقيمه فوق نهر آخر؟ بل لنفرض أننا قاضينا المقاول الذي بناه أمام محكمة خاصة قاسية تمامًا، وحكمت عليه بأقصى الاحكام، ألا وهو الموت مثلًا، ألم ندرك بعد أن المقاول مات فعلًا، وأن هذه التركة لنا، وأن المحاسبة لا بد أن تكون أولًا محاسبة لأنفسنا؛ لأننا لا نستغل التركة — حتى بفرض وجود عيوبٍ فيها ومنها كما يجب؟ لا. نحن لا نفعل هذا أبدًا، وإلا تخلينا عن صفتنا القومية البارزة، سنظل نناقش: أكان يجب بناء السد، أو كان لا يجب؟ حتى ونحن، بلا نقاش، وقبل أن نستفيد الفائدة الكاملة من كهرباء السد نشرع فعلًا في إقامة سدٍّ آخر في منخفض القطارة لتوريد وتوليد كهرباء لنا، وكأننا استنفدنا القدرة على توليدها من السد العالي دون إنفاق مليمٍ واحد؛ بل أكثر من هذا — وبلا نقاش أيضًا، أو حتى محاولة للاستنارة — نُقيم محطات لتوليد الكهرباء بالطاقة النووية تتكلف ملايين الجنيهات، ودائمًا سنستورد وقودها النووي من بلاد أجنبية، وستكلفنا إدارتها وسيكلفنا الكيلووات الواحد منها أضعاف أضعاف ما يمكن أن يكلفه تولید الكيلووات الواحد من الطاقة المائية المتوفرة عندنا — والحمد لله — بكثرة، ومن الطاقة الشمسية التي تغمر الأفق. نفكر في إزالة الملوحة عن مياه البحر الأبيض، وبالطاقة النووية المكلفة وكأننا استنفدنا تمامًا المياه العذبة الطبيعية التي منَّ الله بها علينا من نيلنا الكبير، الذي تذهب مياهُه هدرًا وبمنتهى الإسراف إلى البحر المتوسط إياه؛ لكي تستحيل بتقصيرنا إلى مياه مِلحة، نُقيم لها المحطات لإزالة ملوحتها. ونفعل هذا كله بلا نقاش؛ بينما النقاش في هذه المرحلة هو المحتم والواجب؛ إذ ربما يتفق الأمر عن عمل مواسير أو ترَع بالأسْمَنت المسلح تفور في قلب الصحراء إلى سِيوة لو أردنا، وبتكاليف لا تكاد تعادل واحدًا على ألف من مشروع القطارة الذي قيل — والله أعلم: إننا سنستخدم في إنشائه القنابل الذرية. النقاش على حسب تقاليدنا القومية المعتادة سيكون — بإذن الله — بعد إقامة هذه المشروعات، وبعد أن نكون صرفنا عليها — نحن الفقراء — الجِلد والسَّقط، وبدلًا من أن نُناقش الآن وبمنتهى الهدوء أولئك المهندسين والمخططين الذين يتصدُّون لمشروعات القطارة وإزالة ملوحة البحر ونتجنب خسارة محققة جسيمة، أو يتكشف لنا الأمر عن مكسبٍ حقيقيٍّ، بدلًا من هذا ننتظر حتى يخططوا بسرعةٍ وعلى عجلٍ للمشروع، ويصبح أمرًا واقعًا ومالًا وجهدًا وعرقًا تحتويه الرمال وتبتلعه أمواج البحر، وهنا نجأر بالصراخ ونطالب برءوس هؤلاء المخططين والمهندسين بعد أن يكون معظمهم قد تاواهُ القبر أو انتهى أجله، أو أصبح في حالة لا تسمح بأي عقابٍ. أليس الأفضل أن نُناقش الشيء «قبل» أن يُصبح خطأً أو صوابًا من أن نُعاقب مرتكب الخطأ «بعد» أن يكون العمل قد تمَّ؟ ••• ما علاقة كل هذا بالمرض والعملية؟ العلاقة أن المرض والعملية والظروف القاسية التي نكره الحديث عنها الآن وعن قولنا: إننا نمرُّ بها؛ ليست في شكلها المجرد سوى «أزمة». والإنسان إذا مرَّ بأزمة، مفروضٌ أن لا يتوقف ليندب حظَّه العاثر ویبكي وينوح ويتساءل: لماذا هو — دونًا عن بقية الدنيا — قد أُصيب بتلك الأزمة؟ إنه قد يتوقف لبرهةٍ، هذا صحيح، ليعرف من أين أو كيف جاءته، ولكنه لا يعرف هذا ليحاكم جسده الذي تخاذل، أو يصبَّ جام غضبه على الميكروب أو الجلطة؛ وإنما ليستمد من معرفته هذه نورًا يهدیه السبيل للمقاومة الفورية الواجبة. مرة أخرى أقول: يعرف ليقاوم. وخلايا الجسد نفسها ببساطتها وتلقائيتها تعلمه تمامًا هذه الحقيقة. تتولى معاملها ومراكز المقاومة تحليل سم الميكروب، وتحديد فصيلته، ثم تتولى مصانعها المدفونة في أكبادنا ونخاع عظامنا؛ تتولى على الفور صناعة الأسلحة المضادة، تصنع الأسلحة وهي قد دخلت المعركة من أول لحظة، تحارب وهي تصنع، تحارب وهي تفكر وتحدد، تنظم مقاومة شاملة غير محدودةٍ في أول الأمر، ثم حين تتولى معاملها المحللة تَبيُّن العدو أكثر فأكثر تنتج له — وهي أيضًا تحارب وتقاوم — أسلحة أكثر دقة وأكثر تخصصًا وأكثر قدرة على التهام أسباب العلة ومقاومتها. ولكن المسائل تتعقد كثيرًا، حين نُدرك رحلة مقاومة الجسد، وحرب الخلايا الطبيعية الفورية، ونصعد فوقًا إلى المرحلة الأعلى، حيث لا بد على الإنسان ككل وكإرادة أن يدخل المعركة. فهذا هو دخول الأسلحة الثقيلة، إذ إن أثقل سلاح يمتلكه الإنسان ليصدَّ به العدو أو يرحب بالصديق هو إرادةٌ، وأثقل قذيفة تطلقها الإرادة هي قذيفة القرار .. وهنا تأتي علتنا القومية .. فأسخف شيء لدينا هو إنتاج هذا النوع من الأسلحة المحلية، مع أنها السلاح الوحيد الفعَّال. لا أدري لماذا؟ .. أبسبب أننا تعودنا دائمًا استيرادها، أبسبب أننا رغم حديثنا الكثير عن أن الإرادة لا بد أن تكون إرادتنا، وأن القرار لا بد أن يكون مصريًّا أولًا وأخيرًا نغفل عن حقيقةٍ خطيرةٍ هي أننا يمكن بهذه الوسيلة أن نجعل اتخاذ القرار حقيقةً في أيدي غيرنا، بل ربما في أيدي أعدائنا؟ فحين يعرف أعداؤنا — حتى بفرض وجود عيوبٍ فيها ومنها — قراراتنا، هي في الواقع ردود أفعال لأفعالهم هم، ردود مصرية حقيقية .. نابعة منَّا .. هذا صحيح .. ولكن سببها وعلتها أنها موجهةٌ ضد «قرار» آخر اتخذه العدو أو اتخذه الصديق. وأن هذا العدو باستطاعته التحكم في قرارنا .. أي التحكم في ردود أفعالنا بالتحكم في قراره هو. وبهذا تكون النتيجة في النهاية أن العدو هو الذي يُقرر لنا .. ومثل هذا واضح تمامًا في حرب ٦٧ فقد بدأت المسألة بصرخة استغاثة مشبوهة من الحكم السوري في ذلك الوقت أن إسرائيل تحشد قواها لاجتياح سوريا، ولأن رد الفعل كان مدروسًا فقد كان معروفًا للإسرائيليين أن رد الفعل الطبيعي لمصر أنها ستقول: لو حدث عدوان على سوريا فسوف تتصدى مصر للدفاع عنها. وهنا تصرخ صحف مشبوهة أخرى في بيروت وتقول: كيف يا عبد الناصر، يا من تزعم أنك زعيم القومية العربية تستطيع الدفاع عن سوريا وأنت نفسك تستعمل القوات الدولية لتحميك من الإسرائيليين؟ فيكون رد الفعل الطبيعي — بعزة النفس المعروفة — أن يقول جمال عبد الناصر: لست في حاجة لهذه القوات للدفاع عنِّي، فلتنسحب هذه القوات. وبسرعة وبلا أي نقاشٍ، وكأن الأمر مؤامرة دولية، يصدر لقوات الأمم المتحدة الأمر الفوري بالانسحاب من سيناء، وبالذات من شرم الشيخ .. ورد الفعل معروف مقدمًا — كلعبة الشطرنج — ومدروس؛ فمعنى خلوِّ شرم الشيخ من القوات الدولية أن تتقدم القوات المصرية للحلول مكانها. خطوة مدروسة تمامًا، وحين يحدث هذا تنفجر میكروفونات الدعاية الإسرائيلية والغربية في كل مكان: الحقوا .. عبد الناصر سیخنق إسرائيل. لقد أطبق على زمَّارة رقبتها من شرم الشيخ .. إسرائيل تختنق. ثلاثة ملايين إسرائيلي مهددون بالإبادة .. إلخ .. أليس في هذا أروع إعداد مسرحي على مستوى الرأي العام كله للوقوف بجانب دفاع إسرائيل عن نفسها؟ أي الحرب، أي ما حدث فعلًا، وهو قيام إسرائيل جهارًا نهارًا بحرب غادرةٍ حطمت فيها الجيش المصري تحت الشعار الذي يبدو عادلًا تمامًا ومنطقيًّا تمامًا، ومحل عطف العالم كله، ألا وهو: الدفاع عن شعب نقبض نحن على زمَّارة رقبته. كل هذه القرارات كانت مصرية فعلًا، ولكن لأنها ردود أفعال لقرارات من صنعهم هم، ومن صميم إرادتهم كانت في الحقيقة قرارات عدُوَّة ونحن لا ندري .. قرارات ليست مصرية ولا عربية، في الحقيقة تكاد تكون قرارات إسرائيلية مضمونًا ووظيفةً وعلةً. وليس من أجل المقارنة؛ وإنما نحن لا زلنا في منطقة القرار .. كان أحد الجوانب العظمى في حرب ٦ أكتوبر أنها، وإن كانت في عمومها رد فعل للاحتلال الإسرائيلي لسيناء، وإنهاء لحالة اللاسلم واللاحرب؛ إلا أن القرار هنا كان فعلًا قرارًا ولم يكن رد فعل .. ولهذا أربك ليس فقط إسرائيل، أربك إسرائيل ومن هم أكبر منها: أمريكا وروسيا وأوروبا وكل العالم، بحيث أصبحت قراراتهم هم مجرد ردود فعل. والحكمة في هذا أن الذي ينتصر هو الذي يصنع القرار المنتصر. لا ينتظر أن يَرِد له القرار جاهزًا. لا ينتظر الآخرين ليقرروا، يضع هو القرار، وإذا كنا اليوم في أزمةٍ، فالخروج منها ليس بانفتاح سحريٍّ دائمًا نتصوره كخزائن سليمان ستفتح لنا، وليست فقط بمعونةٍ عربيةٍ. وليس فقط بالقروض. إنما هذه أدوية مصنوعة خارجية تُساعد الجسم على مقاومة المرض. ولكن حتى المضادات الحيوية في أقصى أدوارها لا تشفي في حدِّ ذاتها، لا تشفي إلا جسدًا يُقاوم بنفسه أولًا. وبأدواته وأسلحتها التي أنتجتها معامله ونخاعه مهما بلغت من ضآلتها. وأولًا وأخيرًا بقراره. قرار ذلك الجسد أن يقاوم الأزمة. وهذه تدخل حالتي وحالتك في الموضوع، فهو صحيح لا يمكن إلا أن يكون قرارًا جماعيًّا من صنع أمة ودولة وحكومة ورئيس وشعب، ولكن حتى هذا كله لا يصلح ما لم يُتخذ القرار أولًا على مستوى الفرد، على مستواك وعلى مستواي. وليس في أمور كُبرى؛ كالانفتاح، أو مشروع القطارة، أو مجتمع الكفاية والعدل الذي نُريد صنعه، وإنما هو يبدأ، إذا بدأ، على أول وأسرع وأبسط مستوى في هذه اللحظة بالذات. لحظة انتهائك من قراءة الجريدة. ماذا سوف تفعل؟ ثق أنك مهما تكُن قد قررت أن تفعل فالفعل لا بد أن يكون له في النهاية هدف، والهدف لا بد أن يكون مرتبطًا بخطة، خطة يوم جمعتك هذا، وخطة هذا اليوم — لا بد، أردت أم لم تُرد — أن تكون مرتبطةً بخطة الأسبوع القادم كله، والشهر القادم، ولا بد في النهاية أن تكون مرتبطة أو متشابكة بخطة أخيك أو جارك أو رئيسك أو مرءوسك أو زبونك .. وكل الخطط — لا بد شئت أم أبيت — أن تكون مرتبطةً بقرار، ليس رد فعل فلم تفعل إلى الآن سوى ردود أفعال؛ إنما قرار، أي فعلٍ، تبدأ أنت أو أنا وتُحدد به بشكل قاطع ماذا تريد، وعلى الدنيا كلها بعد هذا أن تخضع أو لا تخضع لما تريد. وفي المرة القادمة سأُحدثك عن مواطن مصري مثلي ومثلك أخذ قرارًا صحيحًا، لم يكن قرارًا عاديًّا، ولكنه قرار كأي قرارٍ، قرر أن يصبح أعظم جراح قلب في عالمنا المعاصر. فكيف فعل؟ وهل وصل؟ وكيف وصل؟ وهل المسألة بهذه الاستحالة، أم أن الاستحالة الحقيقية التي اكتشفتها هي أولًا وأساسًا: أن تأخذ القرار؟ | {
"chapter": "ألف باء تاء ثاء",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "الإرادة",
"url": "https://www.hindawi.org/books/80626160/6/"
} |
بعد ربع قرنٍ من العطاء لم يعد يوسف إدريس في حاجةٍ إلى من يُقدمه للناس، لكن احتياجهم للاحتفاء به لم يتوقف يومًا! ومنذ نشر قصصه الأولى .. على مشارف الخمسينيات — أدرك الذين يقرءون أن مغامرًا شجاعًا في عالم الجمال قد تخلَّق. وهكذا نبضت قصصه الأولى — التي كتبها في عشرينيات عمره — برائحة عالم فنيٍّ جديد، وتشكَّلت القصة العربية القصيرة — من خلال عطائه — لتصبح بساطة آسرة، ولتشعَّ عمقًا إنسانيًّا دافئًا، هو الحصاد الطبيعي للحنو الدافق للإنسان، والحب المشبوب له، ذلك الذي جعل مغامرة يوسف إدريس الجمالية مرحلة يبتدئ بها عصرًا جديدًا في الأدب العربي. في مصر (١٩٢٧م)، ولد يوسف إدريس في واحدةٍ من قرى محافظة الشرقية، إحدى محافظات الوجه البحري، وشهدت طفولته فصولًا من تراجيديا الأزمة الاقتصادية العالمية، ومشاهد من النضال المصري العنيد والمستبسل ضد الاستعمار، ومن أجل الديمقراطية .. وسرعان ما أصبح واحدًا من العناصر التي صبَّت في مجرى هذا النضال في الأربعينيات وفي سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية، عندما كانت أمتنا العربية تُعاني مخاض الميلاد الجديد؛ بحثًا عن استقلالها ووحدتها، وصدًى للقوى التي كانت تريد أن تكرِّس أوضاع عالم ما قبل الحرب. وأعطته دراسته للطب وعمله به لسنوات ليست بالقليلة، الفرصة لاكتشاف «قارته» الفنية الخاصة، واستطاع — بقدرته الفائقة على التقاط أصغر الجزئيات، وأكثرها دلالة — تخلیق عالم متكامل من الفرح الفني الآسر، يعتمد الإنسان البسيط — مطحونًا ومسحوقًا وضاحكًا وحزينًا — بطلًا. ولولا أنه منذ البداية صاحب موهبةٍ يندر تكرارها، وصاحب مقدرة على الملاحة في البحار الصعبة؛ لكان قد صمت بعد مجموعاته الأولى، لكن يوسف إدريس عاش في وجدان نقَّاد الأدب كما عاش في وجدان القرَّاء؛ لأنه لم يتوقف يومًا عن الإبداع الجديد، ولم يكف عن المغامرة الفنية بكل أبعادها .. كما أنه لم يكف عن تجربة كل الأنواع الأدبية، فكتب المسرحية، والرواية، والرواية القصيرة، كما كتب المقال والخاطرة. فصاحب «أرخص الليالي» (١٩٥٤م) هو الذي كتب بعدها ثماني مجموعات أخرى هي: «جمهورية فرحات» (١٩٥٥م)، «أليس كذلك؟» (١٩٥٨م)، «البطل» (١٩٥٦م)، «حادثة شرف» (١٩٥٦م)، «آخر الدنيا» (١٩٥٨م)، «لغة الآي آي» (١٩٦٧م)، «الندَّاهة» (١٩٦٩م)، «بيت من لحم» (١٩٧٣م)، فضلًا عن مجموعة أخرى تحت الطبع. وكتب يوسف إدريس ثماني مسرحيات، مُثِّل بعضها على المسرح؛ بينما حُجِب الآخر لأسباب رقابيةٍ: «جمهورية فرحات» (١٩٥٨م)، «ملك القطن» (١٩٥٨م)، «اللحظة الحرجة» (١٩٦٠م)، «الفرافير» (١٩٦٥م)، «المهزلة الأرضية» (١٩٦٨م)، «المخططين» (١٩٦٩م)، «الجنس الثالث» (١٩٧١م)، فضلًا عن «شلة الغد» تحت الطبع. وكتب يوسف إدريس خمس روايات هي: «الحرام» (١٩٥٨م)، «العيب» (١٩٦٢م)، «رجال وثيران» (١٩٦٢م)، «العسكري الأسود» (١٩٦٠م)، «البيضاء» (١٩٦٨م)، كما صدر له كتابان ضمنهما خواطره وانطباعاته هما: «بصراحة غير مطلقة» (١٩٦٩م)، و«اكتشاف قارة» (١٩٧١م). وفي بداية العام ١٩٧٥م أُصيب يوسف إدريس بانزلاق غضروفيٍّ، ثم بتليفٍ من العلاج الخاطئ، أثَّر على قلبه، فسافر إلى أمريكا حيث أجرى عملية جراحيةً خطيرة، ومكث هناك ستة أشهر يُعالج من آثارها، وبدأت تجربته في مواجهة الموت تطرح نفسها في كتاباته، فبالإضافة إلى روايته الجديدة «افتح القلب» التي قال عنها في حديثٍ صحفيٍّ: إنها لو صدرت على النحو الذي يتخيله لكفَّ تمامًا عن الكتابة، إضافة إلى ذلك استأنف يوسف إدريس بعد عودته كتابة يومياته الأسبوعية، في جريدة الأهرام، فاستمر على امتداد عدة أسابيع يكتب عن تجربته في اكتشاف أمريكا وفي مواجهة الموت. ثم ها هو يوسف إدريس في هذه السلسلة يواجه حياتنا المصرية والعربية بجرأةٍ واقتحام، داعيًا للتحرر والمواجهة، وكي نأخذ قرارنا بأن يعيش العالم المصري والعربي حياة غير تلك الحياة المؤلمة التي نحياها! | {
"chapter": "عطاء لا ينفد",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "الإرادة",
"url": "https://www.hindawi.org/books/80626160/1/"
} |
الرَّاوية. رئيس الجوقة. رجال ونساء من أفراد الجوقة. حسن سيف. السلطان. ابنته. زوجة حسن سيف. أبوها العجوز. الفارس. رعوي. أرملتان. حرَّاس ورجال ونساء وأطفال. (مجموعةٌ من النساء والرجال والأطفال يسرعون إلى المسرح من جهة اليمين، كأن عاصفة تدفعهم للبحث عن ملجأ، أو كأن صاعقة توشك أن تدهمهم، رافعين الأيدي بالشكوى والدعاء، يبدو الذعر على وجوههم وفي حركاتهم وإشاراتهم، سبقهم الراوية إلى الظهور وراح يتجول في المكان ويتطلع حوله كأنما وجد نفسه فيه بمحض المصادفة، لا يكادون يلمحونه حتى يتقدموا نحوه فيتراجع خطوات ليستوضحهم الأمر.) (يتقدم رجلٌ عجوز تسحبه ابنته من يده .. متهالِك ضعيف البصر لم تُبقِ الأيام من مجده السالف إلا نبرة الصوت الرنان، ومرارة الذكرى والحرمان.) (دكانٌ في سوق قرية يمنية كبيرة، صاحب الدكان رجل عجوز ضعيف البصر، يجلس أمام آلة حياكة وفي يده سروال يتم تسريجه، ينادي بين الحين والحين على صبيه ومساعده «حسن»، الذي جلس على الأرض يراقب الذباب المتهالك على قطراتٍ من اللبن يصبها من كوب في يده.) (حسن لا يرد، مشغول بمتابعة الذباب المتساقط على اللبن.) (يسمع صوت المنادي وهو يدق على طبلته التقليدية والأطفال يردُّون عليه) (يتردد الصوت من بعيد ثم يزداد وضوحًا بينما يخرج العجوز لمتابعته.) (يدخل فارس من حراس قصر السلطان مسرعًا .. يفاجَأ بوجود الزوجة وحدها .. يتراجع للخلف قليلًا ثم يتقدم في حذرٍ ويقول): (يندفع خارجًا وسط ضحكات الفارس.) (نفس المنظر السابق. بعد فترةٍ من الزمن تبلغ شهرين، العجوز يجلس على سجادةٍ متواضعة على الأرض وتحته وخلف ظَهره حشايا ومساند تُفتح الستار عليه وهو يستمع إلى رعَوي ثرثار يقف أمامه ويذرع المكان جيئةً وذهابًا وهو يلوح بعصاه) (يندفع الفارس داخلًا على عجل، تظهر اللهفة على وجهه وحركاته.) (يندفع خارجًا بينما تدخل زوجة حسن مسرعة …) (تُسمع زغاريد وغناء وصوت طبول ودفوف وغناء …) (يخرج وهو يُشيِّع الزوجة بنظراته اليائسة). (ينظر إلى الباب وتتابع صوت الطبول والدفوف الذي يوشك الآن أن يصُمَّ الآذان، يدخل بعض الأطفال والصبية وهم يصيحون ويهللون .. ثم يتتابع دخول نساء ورجال وعجائز من مختلف الأعمار والأشكال …) (في هذه الأثناء يدخل حسن سيف يحيط به التهليل والتكبير والتعظيم .. يحيي الجميع بخيلاء). (حسن ينصرف في خيلاء وهو يجرُّ سيفه الطويل وراءه .. بينما يُحييه الجمهور ويردد الأطفال الأغنية السابقة: حسن سيف .. حسن سيف). (في الخلاء .. حسن يجر بغلته وراءه ويستحثها على السير .. الجبال الشامخة من حوله، والصمت ينشر الرعب والرهبة، يقف بجوار شجرة ضخمة، تختزن روح الأرض والشمس والرياح والذكريات في جذورها وساقها وأغصانها، وتبدو من بعيدٍ كساحرة شمطاء هائشة الشعر، حسن يحاور البغلة باستمرار ويربت على ظهرها ورقبتها ورأسها ويقدم لها العلف .. الوقت عند الغروب). حيا الله! حيا الله! انتهى السفر وآن أن تستريحي .. آن أيضًا أن أستريح .. كانت رحلة متعِبة .. أليس كذلك؟ الصخور وعرة ناتئة، دروب تنحدر إلى الهاوية، أغوار وكهوف ومزالق تتربص فيها أشباح الموت وتلمع عين الخطر المجهول، لكننا وصلنا .. نعم وصلنا .. ألا تصدقين؟ يمكنك الآن أن تفرحي وتأكلي .. الماء أيضًا موجود .. لن تجوعي ولن تعطشي وأنتِ مع حسن .. هيا .. هيا (يربت على ظهرها وعنقها ورأسها ويلثمها في جبهتها) آه … تعبت يا حسن! الباحث عن المجد يتعب دائمًا .. لكنه سيستريح .. انتظر وسوف تستريح .. لا ليس في القبر .. بل على العرش .. تعبت من الطريق .. من الصعود والهبوط .. تحت وهج الشمس التي لا ترحم .. لكنك أفلت من الخطر .. ضحكت على الحراس وظنوا أنهم يضحكون عليك .. عندما اقتربت من السور ورأوك على بغلتك اقتربوا منك وضحكوا .. سألوك إلى أين فقلت إلى الطاهش .. أغرقوا في الضحك وقالوا: سئمت الحياة؟ قلت: بل حبًّا فيها. سأل كبير الحرس: ولهذا تمضي للموت برجلك؟ قلت: طريقي يذهب للمجد. صعَّد نظرته فيَّ وضحك وقال: يذهب ولا يعود .. رفعت السيف فقهقه هو والحراس كأني أطلقت دعابة: ما هذا؟ كشَّرت عن الأنياب وصحت: هذا سيف حسن سيف. أقبلوا يفحصون ويقرءون النقش المرسوم عليه: سيف من خشب؟ صحت: وأعطاني الله القوة؛ من خشبٍ أو من طين، هو سيفي. قالوا: قتل الألف. قلت: وأسر الألف، وهرب الجبناء وكانوا أكثر من ألف، ربت الفارس على ظهري: حياك الله .. حياك الله .. قبلك ذهب الفرسان وعادوا .. أشلاء ودماء .. أو رجعوا مذعورين، قلت: بعون الله سأرجع ومعي رأسه .. تحسس رأسي وهو يضحك: أو معه رأسك. قلت بغضبٍ وعناد: ومعي المجد. قال كبير الحراس: حذرناك وأنذرناك. ارجع لا تذهب للموت .. كررت بصوتٍ مشروخ ورفعت السيف: بل أذهب للمجد .. وأرجع فوق جواد المجد. ضحكوا وقالوا: هيا .. هيا .. اذهب للمجد أو اللحد .. حذرناك وأنذرناك .. الحق أنني خِفت بعد أن ابتعدت عن السور .. نظرت حولي فارتعشت ساقي وزحفت أسراب النمل إلى رأسي .. تلفَّتُّ أبحث عن الأشلاء .. لا شيء .. أعاين الصخور لأكتشف آثار الدماء .. لا شيء .. أين إذن ذهبوا؟ في بطن الطاهش! ها ها ها! (يضحك) الطاهش .. يا لك من كذبة! كلي كلي، أتريدين الماء؟ معك الحق .. أنا أيضًا أهلكني العطش المُهلِك (يفتح الجراب ويخرج زمزمية يرفعها إلى فمه، ثم يصب في كفه بعض الماء ويمدها للبغلة التي تشرب منه) يا ليتهم يرونني الآن .. سيقولون أبله مجنون .. أحقًّا أنني أبله ومجنون؟ زوجتي تقول هذا .. تقوله وتفعله وتؤكده كل يوم .. عمي يقوله بصمته وسكوته ونظراته إليَّ .. هل غاب عنكم أنني أعرف هذا؟ هل غاب عنك يا عمي أنني ألمح الحسرة على وجهك وفي عينيك؟ تندم على تزويجي من ابنتك .. تعتذر لها بأنني ابن أخيك الذي وصَّاك على فراش الموت .. وتلوم نفسك مع ذلك كل يوم .. هل غاب عنك يا زوجتي أنني أعرف .. نعم أعرف وأحس وأفهم .. آه .. يا ليتك تعرفين أن المجانين هم ورثة الأولياء والصالحين .. إنهم أطفال كبار ملهمون .. نظراتك في وجهي تنطق باحتقارك لي .. وليتك اكتفيت بالاحتقار .. إنها تنطق بالكره المسموم … إن كان قد غاب عنك أنني لاحظت وفهمت وسكت فأنت بلهاء، نعم أنت البلهاء لا أنا .. نظراتك للفارس، رعشات يديك وساقيك إذا ظهر أمامك .. ولقاؤكما في السر وتحت ستار الكتمان .. وأحاديث الجيران .. لا لست الأبله .. ما أنا بجبان .. لو كنت اكتفيت بالرثاء ما حزنت .. لو وقفت عند الاحتقار لقلت لنفسي: غدًا تقدرك يا حسن .. غدًا تعرف معدنك وتعترف بأنك شهم وشجاع .. خانك ذكاؤك يا زوجتي الحبيبة الصغيرة .. يا بغلتي الحلوة السمينة .. لم تفهمي أنني أمثِّل .. أنني تعلمت من أبيك كيف أنسج الخيوط وأغزل .. وقد نسجت عنكبوت المهزلة وسقطتِ فيها كما تسقط الذبابة الغبية .. وعندما كنت أقتل الذباب وأدوسه كالأعداء كنت أقتلك وأدوسك .. أقتل الجبن والبلاهة والحمق الذي رميتني به .. أقتل الكراهية التي طوقتني بقيودها وأغلالها طول العمر .. هل عرَفتِ الآن أنني أذكى منك ومنه ومنهم؟ غدًا تعرفين .. غدًا تعرفين .. (يواصل إطعام البغلة .. يسمع صوت عواء فينتبه ويُصيخ السمع) عواء .. لعلها الذئاب .. لا شك في هذا .. أو ربما كانت الريح .. أو ربما … ولكن لا يمكن أن يكون هذا صوته … لا يمكن أن يعوي أو ينبح أو يصرخ أو يتأوه .. لماذا يا حسن؟ لأنه غير موجود .. غير موجود إلا في عقولهم .. أنا الذي نشرت الخبر وروَّجته .. أنا الذي صوَّرته ووصفته ورسمته .. منذ أن كنتُ صبيًّا يسمع الخرافات والحواديت ويحكيها لأصحابه .. يرحمك الله يا أمي .. منك سمعت عن الطاهش وتعلَّمت .. خوفتني به لأنام وها أنا أُخيف المدينة لتنام .. وعندما تغمض عينيها سأقف على جثتها وأصيح .. خرج العفريت من القمقم يا أولاد .. انطلق المارد كالعملاق وفكَّ يديه من الأصفاد .. يرحمك الله يا أمي … صدَّقت الكِذبة ورويتها عليَّ .. هل كنت كذلك بلهاء؟ ليتك ترينني اليوم وأنا أواجهه .. دخانٌ أخترقه وغبار أنفذ فيه .. ليتك ترينني غدًا وأنا أدخل المدينة دخول البطل الظافر .. البطل؟ بل بطل الأبطال وفارس كل الفرسان .. ألم تسمعي غناء الأطفال وهتاف العجائز ودقات الطبول والدفوف؟ كم قلت وقلت لكي يفِد الضيف الممتنع إلى عيني وجسدي المشدود: الطاهش وحش يا ولدي .. وحش كالأسد الفتَّاك .. مسخٌ من ذئبٍ وأتان .. عيناه تئِزان الشرر .. وقرناه موت وهلاك .. فإذا صادفت الطاهش في الجبل أو البرية، فارفع سيفك يا ولدي واحذر غدره .. بإذن الله ستنتصر عليه وتأمن شرَّه .. حقًّا سأنتصر عليه .. لقد انتصرت عليه بالفعل يا أمي قبل أن ألقاه .. فأنا الذي اخترعته وصنعته .. أنا الأبله المجنون الجبان .. ألم تحلُمي الحُلم وتحكيه لي .. آه من هذا الحُلم الذي ما زلت أحلمه .. أيقظتني من النوم ورويته لي .. رأيت يا ولدي في المنام أنك قتلت الوحش بسيفك .. ودعاك السلطان إليه وخلع عليك الحُلل وزوَّجك ابنته في الحال .. لا لن أتزوج ابنته .. تكفيني زوجتي الوفية الحنون .. ولن أكتفي بالحُلل والمال .. سأجلس فوق العرش مكان السلطان .. أنا السلطان .. أنا السلطان (يسمع الصوت قريبًا منه فيرتعد ويبتعد عن البغلة التي تفزع وترتجف وتنطح الشجرة) لا لا لا … هل صدَّقتِ أنتِ أيضًا؟ إنه الحُلم .. ألم تحلمي أنت أيضًا أنك تزوجت أسدًا أو ذئبًا؟ أو أنك ارتفعت إلى السماء على ظَهر بغل ملائكي واستقبلتك هناك بغال السماء؟ أتذكرين هذا الحُلم أم نسيته؟ أما أنا فأحلم وأحلم، هذه هي قوتي .. أن أصنع من الأحلام حقائق .. ومن الهواجس أمجادًا تنتشر على كل لسان .. هيا هيا .. إنه صوت الريح .. أو صوت ذئاب جائعة مسكينة .. بل هو بالتأكيد عواء الذئب الجائع .. لا تخافي .. سيعاف لحمك وشحمك .. اطمئني فلن يعجبه علفك .. هل شبعت يا بغلتي الطيبة؟ أتشتهين قليلًا من المسكرة؟ مالت الشمس للغروب ومدت رأسها على مخدة الجبل .. أتريدين أنت أيضًا أن تنامي؟ خذي خذي .. قليلٌ من المسكرة يساعد على النوم (يتثاءب) أنا أيضًا تعبت .. بعد اليوم المُرهِق يستحق الجسد أن يتمدد ويحلم .. ما هذا؟ (يسمع خربشة خلفه، يسحب سيفه ويرتعش، يزعق ليؤنس وحدته ويبدد مخاوفه) أيكون هو الوحش؟ لا .. لا .. لا .. إنه في عقلي أنا وحدي .. كيف أمكنه أن يخرج منه على غفلةٍ ويكتسي عظمًا ولحمًا وأظافر وأنيابًا؟ لا .. لا .. لا .. هي أوهام أوهام .. لكن ما هذا أيضًا؟ حتى الأوهام تُخيف .. تنبت فيها عين تلمع كالنار وبالموت تطوف .. لا .. لا .. لا .. لا بد أنها عين ذئب أو ابن آوى .. هم أيضًا جوعى مساكين .. ألا يجوعون مثلك يا حسن؟ ألا يتمددون في النهاية على التراب؟ إلهي .. ولكن العين تلاحقني .. عينٌ أخرى تتربص بي .. أيشتهي الذئب لحمي؟ هل جرَّب لحم الفرسان فأعجبه طعمه؟ فلأصعد فوق الشجرة وأنَم .. ولأغمض عيني حتى تطلع شمس الصبح على الأحلام .. أيمكن أن يكون الأمر حقيقة؟ أيمكن أن يكون هو الطاهش؟ هل أصدق الأكذوبة؟ أنا الذي نسجتها وروَّجتها في المدن والقرى والسهول والجبال فكيف أصدقها؟ كيف أصدقها؟ العين تطاردني .. لا بل عينان .. أين أنت أيها القمر لتكشف عنها؟ لماذا احتجبت الليلة؟ تقترب العين وتدنو العينان .. هل أنتظر حتى تحرقني؟ هل أقف هكذا حتى ينغرز الناب بلحمي؟ فلأصعد فوق الشجرة وأنَم، الذئاب لا تتسلق الأشجار العالية .. هذا شيء لا يغيب عن أبله مثلي .. أبله؟ نعم سأكون الأبله لو وقفتُ هكذا وسلَّمتُ جسدي فريسة للذئاب؟ وداعًا يا بغلتي .. أمامك الشعير فاشبعي .. وأمامك المسكرة أيضًا إن شئت أن تنامي .. واحلمي أنت أيضًا ولا تندمي .. يفنى العالم ولا يبقى إلا الحُلم .. لكنك يا مسكينة لن تستطيعي أن تجعلي منه حقيقة. (يتسلق الشجرة مسرعًا .. يتمدد على فروعها ويستسلم للنوم). (يتغير المنظر بعد قليلٍ ويسقط الضوء على المكان .. يهبط حسن سيف من فوق الشجرة وهو يتثاءب ويتمطى). آه .. نفس الحُلم دائمًا .. السلطان يتقدم مني وينزل من على جواده .. ينحني وتنحني معه الحاشية والحراس والعبيد ويقول: تفضل يا ملك الزمان .. قتلت الطاهش فاقبل عرش السلطان. (يتقدم نحو البغلة ويربت على ظهرها وهو لا يزال يتثاءب). حياك الله .. حياك الله .. أكلت وشبعت ونمت .. وحلمت أيضًا؟ بماذا حلمت يا ترى؟ لا تزورنا الأحلام إلا والبطن شبعان .. هيا يا بغلتي العزيزة .. يا بطتي السمينة البطيئة. (يتثاءب ويربت على ظهرها ورأسها .. يضع السرج على ظهرها). يبدو أنكِ لا زلتِ نائمة .. هل أفسدك النوم الطويل؟ ما هذا؟ وتغيَّر لونك أيضًا؟ سبحان الله .. اسودَّ جلدك قليلًا (يهزُّ رأسه) هل نبت برأسك قرنان؟ لا .. لا .. لا .. لا بد أنني لا زلت نائمًا (يفرك عينيه) هذا جسدي .. هذا سيفي المشهور .. وهذه بغلتي وسرجي وجرابي .. لا بد أنك أكثرت من المسكرة حتى سكرت .. لا بأس عليك .. لا بأس عليك .. السفر طويل وستصحو عيناك من النوم (يمتطي ظهر البغلة) وأنا أيضًا سأفيق من النوم .. النوم؟ لا بل سأسير إلى المجد .. لن أتخلَّى عن حُلمي .. لن يتخلَّى عني الحُلم .. وسأصبغ سيفي المشهور بدم كلب أجرب أو عصفور أبكم .. (يهزُّ رأسه) عصفور أبكم؟ هذا من أثر النوم .. هل شاهد أحدٌ يومًا عصفورًا أبكم؟! (يضحك) أما الحُلم فقد فات أوان الحُلم وجاء أوان العزم .. فتحقق يا حُلمي اليوم وواجه شعبك وتولَّ زمام الحكم .. قتلت الوحش .. قطعت الرأس .. سفكت الدم … ونزعت من الناب السم … أنا روجت الأكذوبة ونسجت خيوط الحُلم .. أتقنت الصنعة فافرح يا عم .. واشمَت يا فارس فيَّ ولا تغتم .. فأنا الفارس لا أنتقم ولا أهتم .. أما أنت فهذا عرشك هذا تاجك .. هيا يا زوجتي الحلوة نصعد نحو النجم (يمتطي ظهر البغلة ويحثها على السير) سيري يا بغلتي الحلوة سيري نحو المجد .. فعلى ظهرك لو تدرين أمير وغد (يضحك) أمير؟ لا لا بل سلطان الزمن الأوحد .. سِيري سِيري .. نحو اليمن .. ونحو السعد .. سِيري .. سِيري .. نحو المجد. (في بيت حسن سيف طَرق على الباب، يزداد الطَّرق شدة، أمام الباب يقف الفارس وامرأتان متَّشحتان بالسواد). (تستأذنان في الانصراف، ترافقهما إلى الباب، تنظر إلى الفارس الذي يتجه أيضًا إلى الباب محنقًا شامتًا .. يُسمع طَرق شديد، تفتح فيدخل حسن مسرعًا). (حسن يذرع المكان كأنه يصول في معركة ويجول .. تقترب زوجته منه بإعجاب، تحاول أن تلمس ذراعه بيدها فيطرحها في غضب). (حسن يقف في الوسط متقمصًا دور البطل ومنتفخًا كالبهلوان، يُجرِّد سيفه ويمثل دور الفارس بطل الأبطال الشجعان). (في هذه الأثناء يتبختر حسن في كبرياء وهو يرفع سيفه المضحك الطويل ويُحيي الوافدين والمهنئين ). (يدخل السلطان تتبعه حاشية من الحراس والفرسان، تظهر ابنته الجميلة التي تبحث عيناها عن البطل، يتقدم من حسن ويعانقه). (نفس المنظر في مشهد البداية، إلى اليمين مجموعة الرجال والنساء والعجائز يتقدمهم رئيس الجوقة، وإلى اليسار مجموعة القائمين بأدوار اللعبة: حسن سيف وزوجته، والسلطان وابنته، والفارس الذي يقف جانبًا، والعمُّ الذي يظهر الآن شيخًا يمنيًّا يتوكأ على عصاه .. الراوية يدخل في حوارٍ مع الجميع ويسأل): (تنزل الدرَج في بطءٍ وتُقدم نفسها له.) (يجرد سيفه المشهور من غمده ويرفعه في الهواء، يهُم بمهاجمة الفارس فيعترضه الراوية ورئيس الجوقة). (ينصرف وهو يدب بعصاه ويدمدم بالكلمات الأخيرة) | {
"chapter": "البطل",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "الليل والجبل",
"url": "https://www.hindawi.org/books/82815090/2/"
} |
لأسبابٍ كثيرة — ربما تبدو عاطفية، وعلى العموم سأحتفظ بها لنفسي — أردت أن تكون عودتي للقاء الأعزاء القرَّاء على هيئة هذه المفكرة بعينها، وبالذات هذه المرة، ربما يتغير كل شيءٍ بعد هذا، ولكن، في هذه المرة بالذات أنا أشدُّ حاجة من القارئ أن أفكر أو أتفكر وأتذكر وأحيا اللحظة. ستة أشهر لم أكتب فيها أو بالأصح لم أنشر. ليست شيئًا في عمر الكتابة أو القراءة، ولكنها بالنسبة إليَّ كانت كأشعة الحياة حين تركزها العدسة المتأزمة الرهيبة والمحدبة أيضًا في بؤرةٍ يصبح الضوء فيها احتراقًا، وتصبح الحياة عصيرًا مركَّزًا مهلكًا تمامًا، كأنه الموت. كما يستحيل النور إلى نارٍ يستحيل البقاء إلى هلاك. وكذلك تستحيل نقطة الحبر إلى نقطة انفجار. أنا لا أشكو، ولا أشكر، ولا أتعذب، ولا حتى أحس أن شيئًا غريبًا ومهولًا قد حدث، حتى ولا أتفرج؛ فالفرجة تستدعي قدرًا أدنى من الاندماج، وأنا لست بذلك الذي خرج من الناموس، ولست — بالقطع — داخلَه. أين أنا؟ سؤال موضوع رواية شرعتها، موضوع مذكرات تحتل مئات الصفحات، موضوع إنسان قريب قد تواتيه القدرة على كتابته، ولكنه الآن ليس — بأي حال — موضوعنا، ليس مهمًّا أن أعرف بالتحديد أين أنا، بل حتى ذلك التحديد الدقيق تأباه النفس الآن. أنا فقط على هذه الورقة، صاخب بتوتراتٍ داخليةٍ كفيلة بتشغيل تُربينات السد العالي، متفجرات وصناديق مغلقة مكتوب فوقها: «مواد قابلة للاشتعال، وللإشعاع الذري، ولإفناء الكون أو بِنائه»، أنا فقط هنا عليَّ أن أُحيل هذا «الأنا» الخطر إلى نقطة حبرٍ مستأنسة، هادئة، وديعة وداعة ذلك الشعب الذي كان — أو هكذا قيل — فأنا أعلم تمامًا مقدار العبوات الناسفة الراقدة في أعماق كلٍّ منا ومنكم، وعلى الحبر أن يكون بردًا وسلامًا عليَّ وعلیكم. ويكفيني هذا. نقطة حبر. انسيابة قلم. كلمة مكتوبة. الآن أكتبها. أنا. حتى لو شئت، فلتجف الأقلام، لتُطوَ الصحف، ولْيعُد الكونُ — كوني — إلى صمته المطبق الأول الأزلي. ••• كانت الرحلة شاقةً يا رفاقَ الطريق، وعرة، رحلة حول نفسي في ستين يومًا، لا أجد لها البداية، ولا أجد لها المنتهى. من أين أبدأ أو تبدأ وفي أي النقاط أضع النهاية؟ وهذه المرة كانت النهاية بيدي. وويل للكائن الضعيف الذي هو أنت وأنا حين توضع نهايته، أو بدايته في يده، شكرًا لله أن خلقنا لنكون خط الحياة فقط، أما البداية والمنتهى فإشفاقًا علينا، احتفظ بها. صحيح لو خُيِّر أيٌّ منا أين يبدأ، ومتى يولد لمات همًّا من هول الاحتمالات، هل يولد الآن أم في عصر الرومان، أم في سنة ٢٠٠٠م، ولو خُيِّر أيٌّ منَّا متى يموت، لمات غمًّا قبل أن يرسو على خيارٍ. وهكذا، وبتكنولوجيا العصر، وبسبب الصبح والظهر والعصر والمغرب، والليل وشياطين الليل؛ أُصِبتُ بأزمة القلب. وبعد شهر أعطاني الأطباء الكبار في مصر شهادة أني شُفيت. وكتبت بيدي هنا أن هذا قد حدث، وشكرت الناس. ولكن ذاك الوسواس من غير الخناس، ذلك الجهاز المرهف الذي لا نعلم أبدًا عنه شيئًا، ذلك الذي نغطي جهلنا به فنقول الحدس، راح يؤكد لي أن شيئًا ما داخلي غير مضبوطٍ، بالذات في ذلك القلب الذي قلنا جميعًا عنه: إنه شُفي وعُوفي، كسنِّ الدبوس بدأ، كالإبرة الطويلة راح ينكش، كالمسمار أصبحت خرابیشه تجرح كیاني كله. الهاتف، ذلك المجهول الآخر راح يلحُّ: يلزمك تصوير دقيق لقلبك وشرايينك. يغضب طبيبي المعالج ويقول: يا بني ما لك؟ قلبك سليم. تصعد ستة أدوارٍ ولا تلهث، صحتك بُمب، ماذا تريد أكثر؟ – أريد الحقيقة. – والحقيقة أمامك واضحةٌ كالشمس. أنت وحالتك أحقُّ من الحقيقة. ولكن الدبابيس والمسامير تقرص، وبشدة أكثر، وتصر، وكان لا بد أن أسافر … واسمحوا لي أيها السادة — أليس هكذا يقولون؟ — أن أقف هنا وقفةً مع دولتنا، ومع حكومتنا. الحق أني كنت طوال حياتي أحسُّ، ليس فقط بالغربة في بلدي وبين أهلي وعشيرتي، ولكني أحسُّ بالغربة التامة تجاه دولتي وحكومتي. ربما منذ اليوم الذي بدأ صدامي الأول معها، وعلى ورقةٍ صغيرة ممضاة باسم وزير الداخلية في ذلك الحين تمَّ اعتقالي، وفي المعتقل عرفت وجهًا آخر للدولة، ذلك الوجه القبيح تمامًا. الأقبح من وجوه كل من رأيتهم من سجَّانين ومسجونين في معتقل القلعة، وأبو زعبل، والسجن الحربي، وسجن مصر، الأقبح حتى من وقع ضربات النبابيت على قدميَّ العاريتين، وكنت لسذاجتي أظن النبُّوت أقل إيلامًا من الخيزرانة الرفيعة إذا لسع القدم، ولكن اتضح أن الخيزرانة إذا كانت سكينًا رفيعًا فالنبوت ساطور مسنون على حجر جرانيت. ولكن ذلك زمن مضى تمامًا، وعفا الله عمَّا سلف، واتفقت واختلفت وأیَّدت وعارضت فكريًّا وفنيًّا وبشخصي الضعيف أكثر المرات. ذلك ملف — على حد القائل — لا وقت لفتحه، فلسنا بسبيل السياسة، ولسنا بسبيل إظهار اليد المكسورة، أو الذراع المقطوعة نشحذ بها أو عليها الشفقة أو المجد، فقد كان لا بد من الصدام، وكنت أعتقد أن الحق معي، وكانت تعتقد أن الحق معها، سلاحها الأقوى، هذا صحيح، ولكن من يختار الصدام يختار في نفس الوقت ما يتبعه من جروح ولكمات وكدمات، وإلا فليذهب ويبحث لنفسه عن لعبة أسلم. لسنا بسبيل السياسية. نحن بسبيل ذلك الموقف «الوجداني» من الدولة والحكومة. وهنا بالتحديد أتحدث عن موقفي أنا. وجدانيًّا كما قلت أحسُّ بالغربة. وأنا أحس أني لم أمت. أني مطاردٌ أو مطرود، أو بالأصح غير مرغوبٍ فيه. كنت أجد في معسكر القراء والناس عزائي وشفائي. حتى وأنا شبه معزول عن الناس، ولكن الاتصال الروحي موجودٌ. بل ربما زاده البعد وجدًا وحياةً ودفئًا. والحقيقة أني حين طلبت أن أُسافر للعلاج على نفقة الدولة تصورت لأمر ما أنني أطلب ما لا حق لي فيه. إلى أن أقنعني جرَّاح قلبنا الكبير حمدي السيد، والعبقري الجديد جلال الزيادي أن من حقِّي أن أسافر، فهناك قانون يعطي الحق لأي مواطنٍ لا علاج له هنا أن يُعالج بالخارج وعلى نفقة الدولة، ومع ذلك كان خجلي واضحًا وأنا أطلب من الصديقين الكبيرين يوسف السباعي كوزير للثقافة، وإحسان عبد القدوس كرئیس مجلس إدارة الأهرام في ذلك الوقت. والحق إني فوجئت! فلم أكن أتصور أن الموافقة ستتم بهذه السرعة، ليس هذا فقط، بل لم أكن أتصور أن الدولة ممثلةٌ في السيد ممدوح سالم، بل رأس الدولة ورب العائلة الأكبر الرئيس أنور السادات سیُبارك هذا الطلب بنفسه. ذلك أنِّي علمت أن السيد الرئيس لا تزال في نفسه بقية من آثار أيام ما قبل ٦ أكتوبر العظيم، آثار حين يذكرها في خُطَبه أحسُّ بملامحه قد علتها غلالة من مرارةٍ وكأنه ما كان ينتظر منا — نحن الكتَّاب — أن نضج بالحال على هذا النحو الذي كتبنا له فيه ما سُمِّي بعد هذا بالعَريضة. والحق أني للآن لم أزل لا أدري ماذا بالضبط ضايق الرئيس السادات في هذا الذي فعلناه. إننا أيامها لم نكن نقرأ الغيب، ولم نكن نعرف ما يدور بخَلَده لندرك أنه قد انتوی المعركة ويُعد لها. وكلماتنا لم تكن سوى رسالة يكتبها مخلصون تمامًا لبلدهم ولرئيسهم، يطلعونه فيها على مكنون الشعور العام تجاه حالة اللاسلم واللاحرب التي كنا نخوضها. وماذا ينتظر الصديق من أصدق الأصدقاء أكثر من أن يواجهه بالحقيقة؟ وإلا كان منافقًا ومختالًا. كنت أتصور أن السيد الرئيس يغضب لو نحن عرفنا ما يجيش في صدور الناس وسكتنا عن إبلاغه به، إنها حينئذ كانت تعتبر أمام ضمائرنا وأمامه مؤامرة صَمْت منا عن إيصال الحقيقة والشعور. وأنا لا أعرف كيف تحوَّل عملٌ صادق كهذا إلى مؤامرة كتابة في نظر السيد الرئيس، إلا إذا كان بعضهم قد تطوع وقلب الآية. وليست هذه أول مرة تحدث، وربما لن تكون الأخيرة، فما أكثر الذين تطوعوا؛ أو بالأصح تطوع ليكون حاجزًا بين الكُتَّاب والمثقفين ورئيسنا الراحل جمال عبد الناصر، وربما لو كانت قنوات الاتصال ظلت مفتوحةً لعرف عبد الناصر كثيرًا من الحقائق من هؤلاء الذين «قلوبهم على ألسنتهم»، ولما ارتُكِبت كثير من الأخطاء نتيجةَ مسايرة الأهم الذي كان يكونه المحيطون به حوله ويعزلونه عزلًا عن التيارات والنبضات والآهات؛ بل وأحيانًا الحقائق والأحداث. كانت نيتنا سليمةً إذن ونحن نوقِّع هذه الرسالة التي رأينا أن نعهد بكتابتها إلى أكثرنا تعقُّلًا وحكمة، وهو أستاذنا توفيق الحكيم. كنت كلما لمحت هذه الغلالة من المرارة تكسو وجه الرئيس أحسُّ أن شيئًا ما قد قام بيننا وبينه، وأنْ هكذا شاءت الظروف والحظوظ، ولم يعد باليد حيلة. والحق أن مرارة أكثر كانت تشيع في حلقي كلما حدث هذا، فالفن والفكر والثقافة كائنات مرهفةٌ تقتل روحها ربما بلمسة أصبع أو بإشاحة وجه، وهذا العهد الجديد: ثورة التصحيح والانفتاح وترسيخ الديمقراطية؛ مطالب كانت من أعز أمانينا، وقد جاء هذا الرجل الكبير يحققها ويدعو لها. والفن والفكر والثقافة لا بد أن تكون موجات صوته ودعوته ونبضات رسالته التي تجعلها تستقر في أعماق النفوس والقلوب، وتصبح داخل شعبنا واقعًا حيًّا يعتزون به ويدافعون عنه ضد أي غاصبٍ أو دكتاتور. ولكن الغلالة ظلت موجودةً. ورغم الغلالة فها هو الرجل الكبير، بذلك الجزء الأكبر والأعظم من نفسه، المصري الشهم الجدع. يقرر — وفورًا — أن أُمنَح كافة التسهيلات لعلاجي. ••• واتضح أن الهاجس كان على حقٍّ، وأنه عبثًا لم يتحول إلى إبر ومسامير وغيوم وظلام. ففي الغرفة شبه المظلمة، وعلى جهاز تليفزيون يُضخِّم الصورة رأيت السلك الرفيع يدخل من شريان يدي ويأخذ طریقه بدرايةٍ مذهلةٍ ليصعد إلى الشريان الإبطي، ثم الأورطي، ثم ينثني وكأنما يقوده كائن بشري بدركسیون مركب في نهايته، مع أن شيئًا لا يقوده أو يتلاعب به سوى أصابع أمهر طبيب قلب في العالم بعمل «قسطرة» للقلب. اسمه میسون سونز، ولو رأيته لحسبته شخصية من شخصيات الكاوبويز، حتى لغته تحفل بكثير جدًّا من التعبيرات غير الطبية وحتى غير اللائقة، ولكنه عبقريٌّ؛ ذلك لأنه أول من فكر في عمل أشعة لشرايين القلب عن طريق ذلك السلك المجوف الرفيع المصنوع من مادة قابلة للثني بناء على تحكم خارجي، وبهذا السلك العجيب حدث الانقلاب التام في طب القلب. وباتت كل المعلومات التي درسناها عن طب القلب في صدر شبابنا وأفنينا فيها أعيننا وذاكرتنا تبدو كمعلومات الأطباء عن أسباب المرض قبل أن يكتشف «باستير» عالَم الميكروبات ويثبت أنها هي — وليست الجن أو العفاريت — التي تسبب المرض. درسنا — ولا زال طلبة الطب عندنا يدرسون — أن «الذبحة الصدرية» أو «الأزمة القلبية» أو «الجلطة التاجية» مصيبةٌ كبرى، إن حلَّت بإنسان فلا قيامة له بعدها. وامتد هذا العجز العلمي من الأطباء وأساتذته إلى الناس، فأصبحت الكلمة: يا عيني عنده القلب. أو: ده مسكين «عنده» القلب. ومعناها بأكثر التفسيرات تفاؤلًا أنه سينتهي بالكاد في عام أو عامين (كتاب الطب الذي عندي يحددها — يا للعبقرية — بثلاثة أعوام)، وأنه سيعيش خلال هذه المدة على ريجيم دقیقٍ وحياة بالقطَّارة، شبه عاجز، محكوم عليه بالإعدام، ينتظر — ويا للهول بالريجيم — يوم التنفيذ. وذلك كله بالطبع لم يكن جهلًا من الأطباء أو قصور نظر، في الحق كان هو نتيجة للمتوفر أمامهم من سبل التشخيص والعلاج، فالقلب ذلك العضو الرهيب الغامض المثير لم يكن أحد قد أوغر داخله حيًّا، ولم يكن أحد يعرف الكثير جدًّا من أسراره، إذا انسد الشريان عليه العوض، إذا فسد الصمام فالنهاية الموت بالهبوط. الطب بعقاقيره وسماعته وحتی برسام قلبه كان عاجزًا عن أن يدرك، وإذا أدرك عاجز عن أن يُعالج إلا ببضعة عقاقير لا تفعل أكثر من أنها تؤجل النهاية. وكان على تِكْساسيٍّ مغامر شديد الاعتداد بنفسه كثير السباب أن يقتحم — على طريقة المافيا — وكر القلب الدفين، و«يخترع» جهازًا لتصوير القلب من الخارج والداخل، وبالشريان والوريد، وأدق الدقيق من الأوعية. وهذا هو میسون سونز الذي قارب الستين والذي كان قد احتفل من أيام «بالقسطرة» رقم ١٦ ألفًا التي قام بإجرائها بنفسه (لكي ندرك ضخامة الرقم لا بد أن نعرف أن عدد القسطرات التي أُجريت على يدي كل أطبائنا ربما يتجاوز المائة بقليل)، هذا هو میسون سونز يدخل — بدراية معجزة، وفي ثوان — السلك في الأورطي، ثم يوجهه ليدخل من البُطين الأيسر، ويثنيه ليواجه مدخل الأوعية التاجية ويحقن مادة مشعَّة ترسم بعد ثانية شجرة الشريان الأيمن كاملة ثم يعيد توجيهه — يا للبراعة — ويحقن فتحة الشريان الأيسر فترتسم شجرته أمام عیني كاملة، ثم يقيس الضغط داخل الأُذين، ثم يخترق الصمام ويصبح طرف السلك في البطين العظيم، ويحقن، وينقبض البطين وينبسط ويصبح السر القلبي فيلمًا سينمائيًّا علنيًّا كاملًا أراه أمامي، ويسجله شريط تليفزيوني وسينمائي، ويحادثني، وينسى دائمًا أني طبيبٌ، ويشرح لي ما أراه، والحق، مع أني طبيبٌ أعرف القلب وتشريحه، إلا أني كنت في حاجةٍ ماسة لهذا الشرح؛ فقد كنت مبهورًا بقلبي المتلفز أمامي، بكل دقيقةٍ فيه، بكل مليمتر من شرايينه، بكل شيء. ••• في كليفلاند — حيث يوجد أكبر مستشفى لجراحة القلب في العالم — جالية مصرية، بل أكاد أقول: شعبٌ مصريٌّ بأكمله. شعبٌ قوامه سبعون عائلة، معظمها من إخواننا المسيحيين، والأقلية مسلمون، ومعظم هذا الشعب من الأطباء، وللصدف الغريبة معظمهم يعملون أطباء تخدير، بل توجد بالذات أجمل طبيبة مصرية رأيتها في حياتي، متزوجة وتعمل طبيبة أمراض نفسية في نفس المستشفى. شعب مصري صغير استأجر لنفسه كنيسة، ويستعد لإقامة جامع، بل إن الكِرازة المُرقُسية هنا أرسلت لهم قسيسًا شابًّا كنت قد قابلته مرة أثناء محاضرة لي في مدرسة الجيزويت، وكان ثوريًّا جدًّا في آرائه، وعجبت حين ذكر لي صديقي العزيز الدكتور فتحي بهیج مستشارنا الثقافي في واشنطن أن الذي سيقابلني في كليفلاند ليأخذني إلى المستشفى هو الأب ميخائيل، وكم أسعدتني المفاجأة أن أرى ثائر الإكليريك وقد نَمَت له لحيةٌ سوداء كبيرة، وبقلنسوته وردائه الأسود الذي نتعرف منه دائمًا على قُسُسِنا الأقباط المميزين وجدته أمامي يستقبلني هو ووفد من الجالية في مطار كليفلاند الكبير. بل إن الأب میخائیل — زيادة في الترحيب بي — دعاني للذهاب إلى الكنيسة المصرية يوم الأحد — اليوم التالي لوصولي — لأحضر الصلاة، ولكي يدعو لي الرب أن يأخذ بيدي. وكانت تلك أول مرة أحضر فيها صلاة مسيحية، وارتبكت، ماذا أفعل؟ وقلت لنفسي: أُصلي أنا الآخر صلاتي، فرُحت أتلو الفاتحة والتحيات وسورة: قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ المحببة إلى قلبي. وقضيت في كليفلاند شهرًا أو أقل قليلًا، وتصوروا، لم أتغدَّ أو أتعشَّ أنا وزوجتي على حسابي مرة أبدًا! حدث ذلك التنافس الطعامي الخلَّاق بين الصعايدة والبحاروة، وبين المسيحيين والمسلمين، وبين الأطباء وغير الأطباء. ذلك التنافس الشريف حقًّا الذي زوَّد وزني خمسة كيلوجرامات بأكملها. دخل عليَّ الدكتور فوزي أسطفانوس، الذي يشغل في مستشفى كليفلاند الهائل مركزًا دقيقًا جدًّا، ربما أدق من ذلك الذي يشغله الدكتور الباز في أبحاث الفضاء، إذ هو رئيس قسم التخدير بجراحة القلب. وإذا عرفنا أن الثورة في جراحة القلب حدثت نتيجة لاكتشافات متلاحقةٍ جديدة في عمليات التخدير لأمكننا أن ندرك أن دور طبيب التخدير في عملية القلب لا يقل — بل ربما هو أدق — من دور الجراح، فالخطأ في التخدير يُميت فورًا. ولكن الدكتور أسطفانوس لا يكتفي بهذا، فهو دينامو الجالية المصرية المسيحية في كليفلاند، جمعيات، لقاءات، ندوات، غير أبحاث تُنشر، ومتابعة غريبة لأحدث ما وصل إليه البحث في التخدير بالنسبة لعمليات القلب بالذات. طبيب آخر كان يعمل نائبًا علينا في قسم الدكتور محمد إبراهيم في قصر العيني اسمه الدكتور الطرزي أصبح رئيس قسم أبحاث أمراض القلب في هذا المركز الطبي المهول. هذا غير سبعة أو ثمانية أطباء مصريين آخرين يعملون في وظائف مختلفة بنفس المركز. شعب كامل من أمهر وأخلص أطبائنا ومهندسينا ومحاسبينا، وحتی قضاتنا ومحامينا وجدتهم في أمريكا وإنجلترا وأطراف الأرض. كم نزفنا من ذكائنا، ولا زلنا ننزف. دخل فوزي، متجهم الوجه، معقود السحنة. كنت لم أفرغ بعد من هواجسي بعد انتهاء عملية القسطرة. والحق أنِّي كنت خائفًا جدًّا منها، فنتائجها التي سمعت بها في مصر كانت مروعة؛ الموت، الشلل، جلطة الشريان، غير ما خفي أو لم يكن في الحسبان. مذهول — لا أزال — بالسهولة المعجزة التي صنع بها سونز القسطرة، سبع دقائق فقط استغرقتها، لم أشعر بشيء مطلقًا سوی بعض الغثيان. أأكون قد قضيت أحقابًا أخاف من شبح لا وجود له. أم أن الأشباح موجودةٌ فعلًا، فقط قضت عليها خبرة ستة عشر ألف مرة قام فيها سونز بالعملية، حتى أنه عملها لنفسه ذات مرة. قال فوزي بصوتٍ خفيض: إنيورزم. لفت فنتریكیوالا إنيورزم. | {
"chapter": "قبل فتح القلب",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "الإرادة",
"url": "https://www.hindawi.org/books/80626160/3/"
} |
(أوريستيس نائمٌ على فِراشه وإلكترا ساهرةٌ إلى جانبه.) (تدخل هيلين.) (تخرج هيلين وهيرميوني.) (يدخل مينيلاوس مع الخدم.) (يدخل تونداريوس.) (يخرج.) (يخرج.) (يدخل بولاديس.) (يخرج أوريستيس وبولاديس.) (تدخل إلكترا.) (يدخل رسول.) (يخرج.) (يدخل أوريستيس وبولاديس.) (يهم بالانصراف.) (أوريستيس وبولاديس يدخلان القصر.) (ينقسم الكوروس إلى فرقتَين.) (تدخل القصر.) (تخرج.) (يدخل رجل فروجي.) (يدخل أوريستيس.) (يخرج.) (يخرج.) (يدخل مينيلاوس، وأوريستيس واقف تحت، وبولاديس فوق مع هيرميوني.) (يظهر أبولو فوق، وسط السحب مع هيلين.) (يخرج الجميع.) | {
"chapter": "المنظر: في القصر بأرجوسي",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "هيكوبا وأوريستيس",
"url": "https://www.hindawi.org/books/46158086/3/"
} |
بيد أن عدد هذه الانتصارات الرسميةِ لا يُعتبر قائمة بشهرته الحقيقية وباستيلائه على القلوب، ليس قلوبَ مواطنيه فقط، بل وقلوب كلِّ من كان يتكلم لغةَ بلده وقد رُوي كيف خضع ألدُّ أعداء أثينا لسِحره في مناسبتَين، حتى إنهم، إكرامًا لخاطره، أبقَوا على مُواطنيه المهزومين وعلى أثينا التي استولَوا عليها، وجنَّبوهم ويلاتِ الحرب وآخر إذلالٍ للمغلوبين. ظل يوريبيديس بعد موته، طالما بقيت الإغريقيةُ لغةً حية، ظل أشهرُ عظماء أساتذةِ التراجيديا الثلاثة، كما ظل أكثرَهم نفوذًا. وقد تلا أفولَ نجمه في القرن التاسع عشر، ردُّ فعلٍ اعترف له فيه بأنه يُمثل إحدى الدراسات الممتعة في الأدب كلِّه. غادر يوريبيديس أثينا وهو في الثالثة والسبعين من عمره، كما غادر أعداءه الصاخبين، فنزل ضيفًا مُكرَمًا في بلاط ملك مقدونيا. وإذ لم تُقلقه الدسائس الخبيثة ولا الاضطرابات السياسية، ولا الأخطاء الجِسام التي تعرَّضَت لها أثينا في ذلك الوقت، شرَع يكتب بحرِّية وبسرعةٍ وبجدٍّ وبتفكيرٍ عميقٍ وعظمةِ تعبير قلَّما أُتيحت له من قبل. أما خصائص يوريبيديس بالمقارنة مع أخَوَيه في الدراما فيمكن تلخيصها فيما يلى: تناول أيسخولوس المبادئَ العُظمى، ولا سيما ما يختصُّ منها بالعقاب الذي تُنزله الآلهة بالبشر، وبالتمادي في الخطيئة على أنهما وصمةٌ وبائية لا يمكن القضاء عليها. يؤمن أيسخولوس بذلك ويرتجف ذعرًا. أما سوفوكليس فيُصور الأخلاقَ العُظمى؛ يتجاهل متابعة القدَر للبشر في عنادٍ كما يتجاهل قوة الشر الدائمة، ويعتقد أن «الإنسان هو الإنسان وهو المسيطرُ على مصيره». وأما يوريبيديس فيستعرض المسائلَ الأخلاقية الكبرى؛ فيُحلل الطبيعة البشرية وغرائزَها وعواطفها وبواعثها، وينطق بصيحة الروح البشرية ضدَّ طغيان القُوى الخارقة للطبيعة وأنانية الإنسان وقسوته، والعبء الساحق للبيئة. فيتساءل، لأنه: «لا يُصدر حكمه بعمًى». وتُرتَّب هذه المسرحيات في ثلاثِ مجموعات أساسية تبعًا لعلاقتها: ••• كان يوريبيديس كاتبًا واقعيًّا له خيالُ الشعراء. لقد جعل الناسَ يُفكرون وجعَلهم يُواجهون المشاكل التي يَسرُّهم التفكيرُ فيها. قصَّ عليهم الحكايات القديمة، وكتب عن قُدامى الآلهة، فصَحَا سامعوه، على الأقل، من نشوةِ إيمانهم بالآلهة. كان يوريبيديس ثائرًا فكريًّا، مُحبًّا للتجديد في أكثرَ من ناحية؛ إذ تعبر فلسفته حقبةَ ألفَي عام وتربط بين عصره وعصرنا. ومع ذلك فبينما كان النقاش على أشُدِّه حول يوريبيديس، اضطُرَّ جمهوره إلى التأمل في إنتاج ذهنه الحادِّ والإصغاء إلى شعره المتدفق. وكان ذلك المجدد إبَّان عصره أشهرَ شاعر في بلاد الإغريق طُرًّا، وكان قبل موته على يقينٍ من أن شهرته لن تموت. ••• كذلك زوجته لم تَسْلَم من أمثال تلك القصص والمفترَيات؛ فقيل إن زوجته الأولى كانت تُدعى «الخنزيرة» وإنها كانت اسمًا على مسمًّى؛ ولذلك طلَّقها ليتزوَّج بأخرى تَفضُلُها. غير أن هذه الأخيرةَ لم تكن خيرًا من سابقتها، فطلَّقها أيضًا. ومع ذلك، فيُمكننا إهمال هذه القصص وغيرِها؛ لأن منشأها الوهمُ والحقد. درَس يوريبيديس الرسم في حَداثة سنِّه، وكان ينوي الاستمرارَ في ذلك الفن. إلا أنه تركه قبل أن يبلغ الخامسة والعشرين، وتعلَّق بالشعر وكتابةِ التراجيديات. أنتج يوريبيديس أولى تمثيلياته، «بنات بيلياس» في سنة ٤٥٥ق.م. فأيقن الشعب الإغريقي منذ تلك اللحظة أنَّ نجمًا جديدًا قد احتلَّ مكانًا مرموقًا في سماء الأدب. أدرَكوا أن ذلك الشاعر الجديد قد جاء بأفكارٍ جديدة وأسلوب مباشر أخَّاذ، دون الاستعانة بالأساليب البلاغية أو الطرق المسرحية العنيفة. لقد هبَّ تيار قويٌّ من الواقعية على المسرح الأتيكي للتقاليد والقصص التقليدية. كانت هناك متعاتٌ في هذا الشاعر؛ كان يستخدم حِيَلًا فنية جديدة لعرض رواياته المثيرة، وأبدى أقصى ما في مُكْنتِه في معالجة مواقفه الدرامية، كما استخدم أرقى وأروعَ الشعر والبراعة الفنية الفائقة في أجملِ رواياته التي سيطرَت على إعجابنا في كل منظرٍ ابتدَعه. اشتهرَت تمثيلية تيليفوس بغضِّ النظر عمَّا فيها من وقائعَ مثيرة؛ إذ كان بها بدعةٌ أدهشَت أساتذةَ المسرح الأتيكي؛ لأن الشحاذ ظهر على المسرح في أسمالٍ حقيقية. ومن الصعب في عصرنا هذا أن نُدرك الأثرَ الذي أحدَثَته هذه الواقعيةُ في مسرحٍ محافظ، كان تمثيلُ الروايات فيه جزءًا من المهرجان الديني. كانت عاطفةُ يوريبيديس نحو السيدات جزءًا من شعوره وفَهمه للطبقة الدُّنيا. كان يعطف على العبيد والفلاحين والفقراء، أكثرَ من عطفه على رؤسائهم الذين كانت حروبُهم وإمعانهم في الانتقام مادةً للتراجيديا الراقية. وفي الأساطير التي كانت مادةً عامة لتصميم التراجيديات، قامت معالجة يوريبيديس لأحداث مسرحياته بعجائبَ جديدة وأحدَثَت رِيبةً جديدةً في أذهان الناس. ألم تكن تلك الانتقاماتُ الدموية القديمة التي تغنَّى بها هوميروس وأيسخولوس في ملاحم البطولات، مجردَ قصص دنيئةٍ للمكر والخيانة؟ وأولئك الآلهة الخرافيُّون، الذين ارتفعت مَعابدهم فوق المدينة، أيمكن تبجيلُهم حقيقةً بالرغم من منازعاتهم وخِداعهم غير اللائقة بالآلهة؟ هكذا كانت المسائلُ التي يُثيرها يوريبيديس في تراجيدياته. كذلك شمل تفكيرُه التاريخَ المضطرب لتلك العصور. كان يوريبيديس ديموقراطيًّا، وكان يمقتُ زعماءَ الحكوماتِ الطغاةَ ورؤساءَ المصالح الحكومية المستبدِّين، ومَن تحجَّرَت قلوبهم، والقادةَ الأنانيِّين الذين جلَبوا معهم الحربَ والويلات. وإنا لنرى آثارَ الظلَمة والفظائع التي نتجَت عن نشوب الحرب مع إسبرطة في روايتَيه «اللاجئون» و«النساء الطرواديات». ليس بوُسعنا أن نقول إلا القليلَ غيرَ الكافي عن حياة يوريبيديس وهو يؤلِّف التراجيديات التي خلَّدَت اسمه. كان يعيش من ضيعته في سالاميس، وكان يكتب شعره في كهفٍ مُواجهٍ للبحر. كان رجلًا رزينًا صارمًا، لم يختلط بمُواطنيه إلا بأقلِّ ما يمكن. وإنها لَصورة تنطبق على جَمال مؤلفاته العنيف: أن يَحبس الشاعر نفسَه وحيدًا في مغارة، بعيدًا عن ضجيج المدن وصَخبِها، لا يصل إلى سمعَيه غيرُ خَرير البحر يتمشَّى مع الموسيقى الدائرة في رأسه. بيد أن تلك العُزلة زادت في تُهمة عداوته للبشرية والآلهة، وشذوذِه الفظِّ في تحاشيه الاتصالَ بزملائه. ولما كان يوريبيديس مُواطنًا أثينيًّا، فلم يستطع أن يفصل نفسَه عن الحياة العامة. فأدَّى الخدمةَ في الجيش، وذات مرةٍ قام بخدمةٍ للدولة على حسابه الخاص، كما شَغَل «قنصل» لمغنيسيا. تمثَّلتْ حياته في رواياته التي أسَرَت العالم وروَّعَته. إذ كان تجديفُه على الآلهة يجلب عليه شتائمَ الشعب الأثيني باستمرار، بينما نال المعجبين في جميع أنحاء العالم المتمديِن؛ لجمال شِعره وقوته. بيد أن حالة التوتر في أثينا طغَت على كل ذلك التقريظ. فقد كانت الحربُ الطويلة الأمَدِ تستنزف دمَ الحياة من المدينة، ويبدو أن يوريبيديس كان يُظهر شخصيته خلال كلِّ تلك الظلال الدَّكْناء، إنه مُنطوٍ على نفسه، وحيدٌ في مَغارته، يمقتُ تجَّار الحرب ورؤساءَ الحكومات؛ ولا يزال يكتب مسرحياته التي توخز سامعيه، وتجبرهم في نفس الوقت على الاستماع. ولكن بلغ السيلُ الزُّبَى، وغدَا تهكُّمُ الكوميديين والرَّعاع عليه أكثرَ مما يُطيق، فاضطُرَّ أخيرًا إلى الرحيل عن مسقط رأسه إلى بلاط أحدِ ملوك البرابرة. بعد أن أنتج ذلك الرجلُ العجوز روايته «أوريستيس» في عام ٤٠٨ق.م. غادر أثينا إلى ما شاء الله، كان في الثانية والسبعين من عمره، ولا بد أنه كان يُدرك عندما هجَرَها، أنه لن يرى بعد ذلك مدينتَه التي حارب من أجلها وأحبَّها. ترك يوريبيديس ثلاثةَ أبناء، نسج أحدُهم على مِنوال أبيه، وأخرج المسرحياتِ التي كانت باقيةً بعد وفاته. ورغم اتِّساع شُهرته لم تحظَ تمثيلياته بأكاليلِ الغار على المسرح في بدء إنتاجها؛ لأنه لم يَفُز بغير أربعِ جوائز أُولى في مسابقات التراجيديا طَوال حياته، وجائزة واحدة بعد وفاته. ومع ذلك فمن اللحظة التي بدأ يكتب فيها وشُهرته راسخةٌ لا تتزعزع، وإنها لعظيمة اليوم بقدرِ عظَمتها في أيِّ وقت خلال الأربعة والعشرين قرنًا المنصرمةِ بعد وفاته. | {
"chapter": "مقدمة",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "هيكوبا وأوريستيس",
"url": "https://www.hindawi.org/books/46158086/0.2/"
} |
إلى عشاق المسرح القديم والحديث. يقول زكي طُلَيمات: «كنتُ أزرع المسرح في الصحراء.» وأقول: | {
"chapter": "الإهداء",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "هيكوبا وأوريستيس",
"url": "https://www.hindawi.org/books/46158086/0.1/"
} |
إلى شهداء الربيع العربي. | {
"chapter": "الإهداء",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "الهوية",
"url": "https://www.hindawi.org/books/41373792/0/"
} |
استفاد هذا الكتاب كثيرًا من الخبرة التقنية ومساعدة وإرشاد مطوِّر البيتكوين ديفيد هاردينغ، الذي يمتلك موهبةً رائعة لإيضاح مواضيع تقنية معقَّدة بشكل فعَّال. في دار النشر وايلي، كنت محظوظًا جدًّا للعمل مع محرِّر آمَنَ بكتابي ودفعني لأحسِّنه دون كلل؛ ولهذا أنا ممتن للغاية لبيل فالون، بالإضافة إلى كل فريق وايلي على احترافيتهم وكفاءتهم. كما أشكر ريتشل تشرشيل على تدقيقها الشامل والسريع. قُرئت مُسَودات سابقة لهذا الكتاب من قِبَل عدة أصدقاء قدَّموا لي تعليقات ممتازةً لأحسِّنه، وأنا ممتن جدًّا لهذا. أشكر بشكل خاص أحمد عموص، ستيفانو برتولو، أفشين بيدجلي، أندريا بوتولامياتزي، مايكل بايرن، نابوليون كول، أدولفو ونتريراس، راني جيها، بنجامين جيفا، مايكل هارتل، آلان كراسوسكي، راسل لامبرتي، باركر لويس، أليكس ميلر، جوشوا ماتيتور، دانييل أوليفر، توماس شيلين، فالنتين شميت، عمر شمس، جيمي سونغ، لويس توراس، وهاشم ياسين. هذا الكتاب نتيجة لعملية تعلُّم استغرقت سنوات عديدة، كنت محظوظًا بأن تعلَّمت خلالها من بعض أذكى العقول. أشكر بشكل خاص تور دميستر، رايان ديكهربر، بيت دوشنسكي، ميشيل فهد، أكين فرنانديز، فيكتور غيلير، مايكل غولدستين، كونارد غراف، بونتس ليندبولم، ميرسيا بوبيسكو، بيير روتشارد، نِك زابو، كايل توربي، وكرتيس يارفين، على كتاباتهم ومناقشاتهم التي كانت فعالةً في تحسين فهمي للبيتكوين. حَظِي البحث والتحرير في هذا الكتاب من عمل بعض أصحاب العقول النيِّرة أمثال ريبيكا ضاهر، جيدا حاج دياب، ماغي فرح، سادم سبيتي، ورشا خياط، الذين أقدِّم لهم شكرًا جزيلًا. وقام أحمد حمدان ببذل مجهود رائع في ترجمة وتدقيق هذا الكتاب للعربية، وأنا ممتن جدًّا لهذا الجهد الفريد الذي لولاه لَمَا صدر الكتاب بهذه الطلاقة. وقد ساعد بالترجمة كل من رزان حربا، كارلوس شموط، فارس خدوج، مصطفى خالد، هلا كنعان، محمد أحمد مصطفى، وأحمد المعيقل. وقد قام عنان أبو رميلة وهشام أبو الفتوح بالتدقيق. وساهم كلٌّ من جورج أتاناس، وصديق بيطار بإعطاء الاستشارات لهم. كما أمَّن لي البروفسور جورج هال بيانات من ورقة البحث الخاصة به، وأنا ممتنٌّ على هذا. أخيرًا، لم يكن هذا الكتاب أو البيتكوين ممكنَين لولا عمل المطوِّرين المتطوِّعين الجاد، الذين كرَّسوا وقتهم لتطوير وصيانة البروتوكول. أنا ممتن لغيريتهم وتفانيهم في هذا المشروع. | {
"chapter": "شكر وتقدير",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "معيار البيتكوين : البديل اللامركزي للنظام المصرفي المركزي",
"url": "https://www.hindawi.org/books/79060903/0.4/"
} |
تعتقد الحكومات أنه عندما يكون لها خيار بين فرض ضريبة بشكل إكراهي وإلزامي وبين إنفاق مرغوب بشكل كبير، فهذا يعني أنه لديها طريق نجاة ومخرج، ويكون هذا الطريق مُمثَّلًا بالطريق نحو التضخم المالي، وهذا الأمر يُجسِّد معضلة الابتعاد عن المعيار الذهبي. في ظل نظام نقدي سليم، تؤدي الحكومة مهامها بطريقة لا تستطيع الأجيال التي نشأت على وقْع دورة أخبار القرن العشرين تصوُّرها؛ فوجب على هذه الأجيال أن تكون مسئولةً ماليًّا. فدون وجود بنك مركزي قادر على زيادة العرض النقدي لدفع ديون الحكومة، وجب على الميزانيات الحكومية الانصياع لقواعد المسئولية المالية المعمول بها والتي تنطبق على كل كيان طبيعي سليم، والتي حاولت القومية النقدية إلغاءها، وحاول التعليم الحكومي تشويهها. وبالنسبة لشعوب الحاضر التي نشأت على الحملات الدعائية لحكومات القرن العشرين ذات السلطة غير المحدودة، فإنه من الصعب في كثير من الأحيان تصوُّر عالم تحل فيه الحرية الشخصية والمسئولية الفردية محل سلطة الحكومة، ولكن كانت هذه هي حالة العالم خلال أهم فترات التقدُّم والحرية الإنسانية، حيث اقتصرت مهام الحكومة على حماية الحدود الوطنية والمِلكيات الخاصة والحريات الفردية، فأُتيح للأفراد كمٌّ هائل من الحرية لاتخاذ قراراتهم الخاصة لجني الفوائد أو تحمُّل التكاليف. أولًا، سنبدأ بالتفكير بعين ناقدة للسؤال التالي: هل يجب أن تتولَّى الحكومة مهمة تنظيم العرض النقدي في المقام الأول؟ ثم ننتقل بعد ذلك للنظر في عواقب الأمور إذا تمَّ تطبيق ذلك. إن الحيلة الأساسية للحداثة تتمثَّل بالفكرة القائلة إن إدارة العرض النقدي هي من مهام الحكومة؛ فهذا افتراض مبدئي لا جدال فيه لدى كل المدارس الاقتصادية الفكرية والأحزاب السياسية الأكثر شيوعًا رغم عدم وجود أي دليل واقعي يدعم هذا الادِّعاء، بل وانتهت كل محاولات إدارة هذا العرض النقدي بكارثة اقتصادية؛ فإدارة العرض النقدي هي المشكلة التي تتقنَّع وتتنكَّر بكونها هي الحل؛ فهي انتصار الأمل العاطفي على المنطق الصارم، وهي أساس جميع وجبات الغداء السياسية المجانية التي يتم بيعها للناخبين الساذجين؛ فهي تعمل كدواء إدماني ومُدمر للغاية مثل المخدرات أو السكر، فتمنح نشوةً جميلة في البداية، وتخدع ضحاياها الذين يتملَّكهم شعور بالحصانة، لكن بمجرد أن يتلاشى تأثيرها، فإن نوبة الانسحاب تكون مُدمِّرةً وتُرغِم ضحاياها على طلب المزيد، وعندها يحين الوقت الذي يتحتَّم فيه اتخاذ القرارات الصعبة؛ فإما تحمُّل العذاب والمعاناة جرَّاء الإقلاع عن الإدمان، أو تلقي ضربة أخرى وتأجيل الحساب إلى يوم آخر والتعرُّض لأضرار أشد على المدى الطويل. في الوقت الحالي، يوجد مدرستان رئيسيتان للفكر الاقتصادي مُعتمَدتان من قِبل الحكومة، وهما: المدرسة الكينزية والمدرسة النقدية. وفي حين تمتلك هاتان المدرستان منهجيات وأُطرًا تحليلية متباينة على نطاق واسع، وبالرغم من وقوعهما في معارك أكاديمية مريرة يتهم كلٌّ منهما الآخر بعدم الاهتمام لأمر الفقراء، أو الأطفال أو البيئة أو عدم المساواة أو الصفات الطنَّانة «المنتشرة في الوقت الحاضر»، إلا أن كلتَيهما يتفقان على حقيقتَين لا جدال فيهما؛ أولًا: يتعيَّن على الحكومة زيادة العرض النقدي. ثانيًا: تستحق كلتا المدرستَين المزيد من التمويل الحكومي لمواصلة البحث عن إجابات لأسئلة هامة للغاية ستؤدِّي بهم إلى إيجاد طرق أكثر إبداعًا للوصول إلى الحقيقة الأولى. ومن المهم فهم الأسس المنطقية المختلفة للمدرستَين الفكريتَين من أجل فهم كيفية وصول كلتَيهما إلى النتيجة ذاتها وكونهما مخطئتَين بقدر متساوٍ. فكينز كان مستثمرًا فاشلًا وإحصائيًّا لم يدرس الاقتصاد، ولكنه كان على اتصال جيد جدًّا بالطبقة الحاكمة في بريطانيا لدرجة أن الهراء المُحرِج الذي كتبه في كتابه الأَشهَر «النظرية العامة للتوظيف، والمال والفوائد» قد تمَّ ترقيته على الفور ليُصبح من الحقائق التأسيسية لعلم الاقتصاد الكلي. فبدأت نظريته بافتراضٍ غير مُبرَّر ولا أساس له من الصحة، أن أهم مقياس في تحديد حالة الاقتصاد هو مستوى الإنفاق الكلي في المجتمع. فعندما يقوم المجتمع بشكل جماعي بالكثير من الإنفاق، فإن هذا الإنفاق سيُحفِّز المنتجين على صناعة المزيد من المنتَجَات، وبالتالي توظيف المزيد من اليد العاملة والوصول إلى توازن العمالة الكاملة. وإذا ارتفع الإنفاق بشكل كبير لدرجة يعجز فيها المنتجون عن مواكبته، فسيؤدِّي ذلك إلى التضخم وارتفاعٍ إجمالي في مستوى الأسعار. من ناحية أخرى، فعندما يقوم المجتمع بإنفاق قليل، سيقوم المنتِجون بتقليل إنتاجهم، وتسريح العمال؛ فتزيد البطالة؛ ممَّا يؤدِّي إلى حدوث الركود. إن النظرة الكينزية للاقتصاد بطبيعة الحال على خلاف تام مع الواقع. فإذا كان نموذج كينز يحمل أي صحة، فهذا يعني بالضرورة عدم وجود مثال على مجتمع يعاني من تضخم مرتفع وبطالة مرتفعة في نفس الوقت، لكن حدث هذا في الواقع عدة مرات، وعلى الأخص في الولايات المتحدة في سبعينيات القرن الماضي بالرغم من تأكيدات الاقتصاديين الكينزيين على عدم حدوثه، ورغم تبني المؤسسة الأمريكية بأكملها لنغمة الفكر الكينزي من الرئيس نيكسون وصولًا إلى ميلتون فريدمان؛ «اقتصاد السوق الحرة». «نحن كلنا كينزيون الآن» كما قيل بالمؤسسة الأمريكية، حيث أخذت الحكومة على عاتقها مهمة القضاء على البطالة عبر زيادة التضخم، ولكن مع هذا ظلَّت البطالة في ازدياد مع ارتفاع التضخم؛ ممَّا أدَّى إلى دحض النظرية المشيرة إلى وجود مقايضة بينهما. ففي أي مجتمع عاقل، كان ينبغي إزالة فكر كينز من الكتب والمراجع الاقتصادية وحصرها في عالم الكوميديا الأكاديمية، ولكن في مجتمع تسيطر فيه الحكومة على الجامعات إلى درجة كبيرة للغاية، واصلت الكتب التدريسية بالتبشير بنغمة الفكر الكينزي الذي برَّر طباعة النقد بشكل أكبر؛ فامتلاك القدرة على طباعة النقد، بالمعنى الحرفي والمجازي، يزيد من قوة الحكومات، وتبحث كل الحكومات عن أي أمر يمنحها المزيد من القوة. وفي أيامنا هذه، إن المدرسة الرئيسية الأخرى للفكر الاقتصادي المُصَادق عليه من قِبل الحكومة هي المدرسة النقدية، والأب الفكري لها هو ميلتون فريدمان. وأفضل طريقة لفهم أصحاب النظرية النقدية هي بتشبيههم بزوجات الكينزيين المُعَنَّفات؛ فهن موجودات لتوفير نسخة مبتذلة متساهلة من نظرية السوق الحرة؛ وذلك لخلق مُناخ وهمي من النقاش الفكري، وليتم دحضهن بشكل دائم وشامل لمنع المثقفين الفضوليين من التفكير جديًّا بالأسواق الحرة. والنسبة المئوية للاقتصاديين الذين هم في الواقع من أتباع النظرية النقدية هي نسبة ضئيلة بالمقارنة مع نسبة الكينزيين، لكنهم يُعطون مساحةً كبيرة جدًّا للتعبير عن أفكارهم كما لو كان الجانبان متساويَين. كما أن مؤيِّدي النظرية النقدية يتفقون إلى حد كبير مع الكينزيين في الافتراضات الأساسية للنماذج الكينزية، لكنهم يجدون مفاهيم رياضيةً معقَّدة وغير مهمة، ويطرحون بعض الاستنتاجات للنموذج، الأمر الذي أدَّى دائمًا إلى تجرُّئهم على اقتراح تخفيف دور الحكومة في الاقتصاد الكلي؛ ممَّا يجعلهم يبدون على الفور كزعماء رأسماليين أشرار بلا قلب ولا يهتمون للفقراء. على الجهة المقابلة من هاتَين المدرستَين الفكريتَين نجد التقاليد الكلاسيكية لعلم الاقتصاد، والتي هي حصيلة مئات السنين من العلوم الدراسية من جميع أنحاء العالم. يُشار إلى هذه المدرسة اليوم باسم المدرسة النمساوية تكريمًا للجيل الأخير من علماء الاقتصاد المنحدرين من النمسا في عصرها الذهبي قبل الحرب العالمية الأولى، وتعتمد هذه المدرسة على الأعمال الكلاسيكية للاقتصاديين الاسكتلنديين والفرنسيين والإسبان والعرب واليونانيين القدماء في توسيع فهمها لعلم الاقتصاد. وعلى عكس ولع الكينزيين ومؤيِّدي النظرية النقدية بالتحليل الرقمي المتزمِّت والمغالطات الرياضية، تُركِّز المدرسة النمساوية على تأسيس فهم الظواهر بطريقة سببية، وعن طريق التوصُّل المنطقي للاستنتاجات من البديهيات الحقيقية الواضحة. إن الخدمات التي تقدِّمها النقود مرتبطة بارتفاع قوة شرائها؛ فلا أحد يريد أن يكون في مقتنياته النقدية عدد محدَّد أو وزن محدَّد من النقود؛ بل يريد الجميع أن تتضمَّن مقتنياتهم النقدية كمية محدَّدة من القوة الشرائية، وبما أن عمليات السوق تميل إلى تحديد الحالة النهائية لقوة النقد الشرائية بمقدارٍ يتطابق فيه العرض النقدي مع مقدار الطلب عليه، فلا يمكن أبدًا أن يكون هناك فائض أو عجز في النقود. بهذا، يتمتَّع الفرد وكل الأفراد معًا دائمًا بالمزايا التي يمكنهم جَنيها من التبادل غير المباشر واستخدام النقد بغض النظر عمَّا إذا كانت الكمية الإجمالية للنقد كبيرةً أو صغيرة … فالخدمات التي يقدِّمها النقد لا يمكن أن تتحسَّن أو تتدهور من خلال تغيير العرض النقدي … فكمية النقد المتاحة في الاقتصاد كله هي دائمًا كافية لتُؤمِّن للجميع كل ما يفعله النقد وما يستطيع فعله. إن العالَم الذي فيه العرض النقدي ثابت سيكون مشابهًا للمجتمعات في معظم القرنَين الثامن عشر والتاسع عشر، حيث تميَّزت هذه المجتمعات بازدهار الثورة الصناعية مع زيادة الاستثمارات الرأسمالية، الأمر الذي أدَّى إلى زيادة عرض السلع وانخفاض أسعارها وتكاليف إنتاجها. فوفقًا للمدرسة النمساوية، إذا كان العرض النقدي ثابتًا، فإن النمو الاقتصادي سيؤدِّي إلى انخفاض أسعار السلع والخدمات الحقيقية، ممَّا سيسمح للناس بشراء كميات متزايدة من السلع والخدمات بأموالهم في المستقبل. وعالمٌ كهذا سيقوم بتثبيط الاستهلاك الفوري كما يخشى الكينزيون، لكنه سيشجِّع على الادخار والاستثمار للمستقبل الذي من الممكن أن يحدث فيه المزيد من الاستهلاك. وبالنسبة لمدرسة فكرية تميل بشكل كبير إلى التفضيل الزمني المرتفع، إنه أمر مفهوم أن كينز لا يستطيع إدراك أن تأثير المدَّخرات المتزايدة على الاستهلاك في أي لحظة آنية تتفوَّق عليه الزيادة في الإنفاق الناتجة عن زيادة الادخار في الماضي. فالمجتمع الذي يؤجِّل الاستهلاك دومًا ينتهي به المطاف بكونه مجتمعًا يستهلك على المدى الطويل أكثر من مجتمع ذي مدَّخرات قليلة؛ حيث إن المجتمع ذا التفضيل الزمني المنخفض يستثمر أكثر، وبهذا فإنه يزيد من نسبة دخل أفراده. وحتى بوضع نسبة كبيرة من دخلهم في مُدَّخراتهم، فإن مجتمعات التفضيل الزمني المنخفض سينتهي بها الأمر في نهاية المطاف بمستويات أعلى من الاستهلاك على المدى الطويل بالإضافة إلى مخزون رأسمالي أكبر. فإذا كان المجتمع بمثابة الطفلة الصغيرة في تجربة المارشميلو، فإن الاقتصاد الكينزي يسعى إلى تغيير التجربة لكي يصبح الانتظار بمثابة عقاب للفتاة؛ وذلك بإعطائها نصف مارشميلو عوضًا عن اثنتَين؛ ممَّا يجعل مفهوم السيطرة على النفس والتفضيل الزمني المنخفض يظهران كأمر يأتي بنتائج عكسية؛ حيث إن إشباع الملذَّات الفورية سيكون هو المسار الأكثر احتمالًا من الناحية الاقتصادية، وسينعكس ذلك على الثقافة والمجتمع ككل. من ناحية أخرى، إن المدرسة النمساوية ومن خلال تبشيرها بالنقد السليم، فهي تدرك حقيقة المقايضة التي توفِّرها الطبيعة للبشر، وأنه إذا انتظرت الطفلة، فستكون هناك مكافأة أكبر لها، ممَّا يجعلها أكثر سعادةً على المدى الطويل، وسيُشجِّعها ذلك على تأجيل إشباع رغباتها لزيادة مكاسبها لاحقًا. فعندما ترتفع قيمة النقد، غالبًا ما يكون الناس أكثر ذكاءً فيما يتعلَّق باستهلاكهم، وسيقومون بادخار المزيد من دخلهم للمستقبل. فثقافة استهلاك المظاهر أمام الناس، واعتبار التسوُّق علاجًا نفسيًّا، والحاجة المستمرة لاستبدال الفضلات البلاستيكية الرخيصة بفضلات بلاستيكية رخيصة أيضًا ولكن أكثر حداثةً وجمالية؛ إن هذه الأفكار لن يكون لها مكان في مجتمع ترتفع قيمة عملته بمرور الوقت. وعالمٌ كهذا سيشجِّع الناس على خفض تفضيلهم الزمني، بحيث تكون قراراتهم النقدية هي من يوجِّه أفعالهم نحو المستقبل، وبالتالي سيتعلَّمون تقدير المستقبل بشكل أكبر. بهذا، يمكننا أن نرى كيف يمكن لمثل هذا المجتمع أن يدفع الناس ليس فقط نحو ادخار واستثمار أكثر، ولكن ليكون أيضًا موجِّهًا أخلاقيًّا وفنيًّا وثقافيًّا نحو مستقبل بعيد المدى. فالعملة التي ترتفع قيمتها هي عملة تُحفِّز على الادخار بحيث تكتسب المُدَّخرات المزيد من القوة الشرائية بمرور الوقت؛ ولهذا فهي تشجِّع على تأجيل الاستهلاك؛ ممَّا يؤدِّي إلى حدوث التفضيل الزمني المنخفض. من ناحية أخرى، فالعملة التي تنخفض قيمتها، هي عملة تترك المواطنين ببحث مستمر عن استثمارات تأتي بعائدات للتغلُّب على التضخم، وهي عائدات تأتي مع مخاطر، ويؤدِّي هذا إلى زيادة الاستثمار في المشاريع الخطيرة، وإلى زيادة قدرة المستثمرين على قَبول المخاطر، وبالتالي زيادة الخسائر. فعادة، المجتمعات التي تتمتَّع بنقد ذي قيمة مستقرة تتبع سياسة التفضيل الزمني المنخفض، وتتعلَّم كيفية الادخار والتفكير في المستقبل، أمَّا المجتمعات ذات معدلات التضخم المرتفعة والاقتصادات المتدهورة فتتبع سياسة التفضيل الزمني المرتفع؛ لأن الناس ستفقد الإحساس بأهمية الادخار، وستُركِّز على الملذَّات الفورية. كما نوقش في الفصل الرابع عن تاريخ النقد، لم تكن مجرَّد مصادفة أن تزامنت وبدأت أول حرب عالمية في التاريخ البشري مع حقبة النقد المُسيطَر عليه من قِبل البنوك المركزية. وهناك ثلاثة أسباب رئيسية تُسيطر على العلاقة بين النقد غير السليم والحرب؛ أولًا: النقد غير السليم هو بمثابة حاجز للتجارة بين البلدان؛ لأنه يُزيِّف القيمة بين هذه البلدان، ويجعل تدفُّق التجارة مشكلةً سياسية، ويولِّد العداء والخصومة بين الحكومات والشعوب. ثانيًا: إن قدرة الحكومة على طباعة النقد تسمح لها بمواصلة القتال حتى تدمير قيمة عملتها كليًّا، وليس حتى نفاد النقود. لكن ومع وجود النقد السليم، فإن جهود الحكومة الحربية تحدُّها وتُقيِّدها قيمة الضرائب التي تستطيع الحكومة جمعها. أما بالنسبة للنقد غير السليم، فالأمر مُقيَّد بكمية النقود التي بإمكان الحكومة طباعتها قبل أن تُدمَّر العملة، ممَّا يجعلها قادرةً على مصادرة الثروات بشكل سهل. ثالثًا: إن الأفراد الذين يستخدمون النقد السليم يميلون إلى اتِّباع سياسة التفضيل الزمني المنخفض؛ ممَّا يسمح لهم بالتركيز على التعاون عوضًا عن النزاعات، كما نوقش في الفصل الخامس. فكلما ازداد حجم السوق الذي يستطيع الأفراد التداول فيه، ازدادت قدرتهم على التخصُّص في إنتاجهم، وازدادت أرباحهم من التجارة. فكمية الجهود نفسها المخصَّصة للعمل في اقتصاد بدائي مُكوَّن من عشرة أفراد، ستؤدِّي إلى مستوى معيشة أقل بكثير ممَّا سيكون لو بُذلت الجهود ذاتها في أسواق أكبر مكوَّنة من ألف أو مليون فرد. فالفرد المعاصر الذي يعيش في مجتمع ذي تجارة حرة يستطيع العمل لعدة ساعات يوميًّا في عمل تخصُّصي للغاية، وبوساطة المال الذي يجنيه فإنه يستطيع شراء السلع التي يريدها من أي مُنتِج في العالم بأكمله بأقل تكلفة وبأفضل نوعية. ولتقدير المكاسب الناتجة من التجارة التي ستعود بالنفع عليك، تخيَّل عيش حياتك باكتفاء ذاتي، عندها ستصبح مهمة البقاء الأساسية مهمةً صعبة بالنسبة لأي منا، بحيث لن يتم استثمار الوقت بشكل مثمر وفعَّال؛ لأننا سنحاول تأمين احتياجاتنا الأساسية. فالنقد هو الوسيط الذي تتم به التجارة، وهو الأداة الوحيدة التي تمكِّن التجارة من التوسُّع خارج نطاق المجتمعات الصغيرة ذات العلاقات الشخصية الوثيقة. ولكي تعمل آلية الأسعار، يجب أن تكون هذه الأسعار مُقوَّمة ومُحتَسبةً بشكل سليم بالنقد للمجتمع الذي يتاجر به. وكلما كبِرت المنطقة التي تستخدم عملة مشتركة، أصبح نطاق التجارة داخل هذه المنطقة أكبر وأكثر سهولة، وبهذا تخلق التجارة بين الشعوب تعايشًا سلميًّا من خلال منحهم مصلحةً ثابتة في ازدهار الآخرين. أما عندما تستخدم المجتمعات أنواعًا مختلفة من النقد السهل، تصبح التجارة أكثر تعقيدًا؛ حيث تختلف الأسعار مع اختلاف قيمة العملات؛ ممَّا يضيف صفة التقلُّب إلى التجارة ويجعلها في كثير من الأحيان غير مثمرة في حال تمَّ التخطيط لنشاط اقتصادي عبر الحدود. إن الأفراد المُتَّبِعين لسياسة التفضيل الزمني المنخفض، وبسبب ميلهم للتركيز على المستقبل، فهم أقل عرضةً للانخراط في الصراع من أولئك الذين يميلون للتركيز على الحاضر. فالصراع بطبيعته مُدمر، وفي معظم الحالات، الأفراد الأذكياء والذين يميلون للتركيز على المستقبل يُدركون أنه لا يوجد منتصر في الصراعات العنيفة؛ وذلك لأن المنتصرين سيعانون على الأرجح من خسائر أكثر ممَّا لو كانوا قد امتنعوا عن المشاركة في الصراع في المقام الأول. والمجتمعات المتحضِّرة تعمل على أساس أن الناس يحترمون إرادة أحدهم الآخر، وإذا كان هناك صراعات، فإنهم سيُحاولون التوصُّل إلى حلول سلمية، فإذا لم يتم العثور على حلول سلمية، فمن المرجَّح أن يفترق المتخاصمان ويتجنَّبان بعضهما عوضًا عن الاستمرار بإزعاج الآخر والبقاء في حالة صراع. وهذا الأمر يساعد على تفسير عدم وجود الكثير من الجرائم أو العنف أو الصراعات في المجتمعات المتحضِّرة المزدهرة. على المستوى الدولي، إن الدول التي تستخدم النقد السليم، من المرجَّح لها أن تبقى في حالة سلم، أو أن يكون الصراع فيها بحَده الأدنى؛ وذلك لأن النقد السليم يضع قيودًا حقيقية على قدرة الحكومات في تمويل عملياتها العسكرية. ففي أوروبا في القرن التاسع عشر، أُجبر الملوك الذين أرادوا قتال بعضهم البعض على فرض ضرائب على شعوبهم من أجل تمويل جيوشهم. وعلى المدى الطويل، قد تكون استراتيجية كتلك مربحةً فقط في حال وظَّف الملوك قواهم العسكرية بشكل دفاعي، وليس بشكل هجومي؛ حيث إن العمل العسكري الدفاعي يحظى دائمًا بميزة أقوى من الطبيعة العسكرية الهجومية؛ وذلك لأن المُدافع يقاتل على أرضه وترابه، بالقرب من شعبه وخطوط إمداده. فالحاكم الذي يركِّز جيوشه على العمل الدفاعي سيجد شعبه على استعداد لدفع الضرائب للدفاع عن أنفسهم أمام الغزاة الأجانب، لكن الحاكم الذي يشارك في مغامرات خارجية مطوَّلة لإثراء نفسه، فمن الأرجح أن يستاء شعبه منه، وأن يتحمَّل تكاليف باهظةً في محاربة جيوش أخرى وهم على أرضهم. الآن، وفي جميع الاقتصادات المتقدِّمة بشكلها الحالي، يتخصَّص عدد كبير من الشركات في الحروب كعمل تجاري، وهي تعتمد على استمرار هذه الحروب لإبقاء عملها؛ فهي تعيش على الإنفاق الحكومي بشكل حصري، وكامل أمر استمراريتها ووجودها يعتمد على وجود حروب دائمة تتطلَّب إنفاقًا متزايدًا على الأسلحة. ففي الولايات المتحدة، ميزانية الدفاع تساوي تقريبًا مجموع الميزانيات لجميع الدول الأخرى على الكوكب، ولتلك الشركات مصلحة كبيرة في الإبقاء على الحكومة الأمريكية مشارِكةً في شكل من أشكال المغامرات العسكرية أو ما شابه. إن هذا الأمر، أكثر من أي عمليات استراتيجية أو ثقافية أو أيديولوجية أو عمليات أمنية، يفسِّر سبب تورُّط الولايات المتحدة في العديد من الصراعات في أجزاءٍ من العالم بحيث لا يمكن أن يكون لها أي تأثير على حياة الأمريكي العادي. إنه وفقط عبر النقد غير السليم، يمكن لهذه الشركات أن تنمو إلى ذلك الحجم الهائل بحيث يمكنها التأثير على الصحافة، والأوساط الأكاديمية، والمراكز البحثية للتشجيع الدائم على قرع طبول حرب أخرى. انتصرت الليبرالية بِناءً على المبدأ القائل بأن أفضل الحكومات هي أقلها حكمًا، أما الآن على صعيد الدول الغربية، فالحكمة السياسية لهذه الدول قامت بإعادة فكرة التحرُّر إلى الليبرالية، فوضع هذا التحوُّل المفردات بحالة من الفوضى. ففي حين قامت الليبرالية بدور الحكومة وذلك بالسماح للأفراد بالعيش بحرية وبالاستمتاع بمزايا أفعالهم وتحمُّل عواقبها، اعتُبر التحرُّر فكرةً راديكالية تشير إلى أن دَور الحكومة يتمحور حول السماح للأفراد بالانخراط في رغباتهم وحمايتهم من العواقب. فعلى الصعيد الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، تمَّ إعادة صياغة دَور الحكومة وكأنها الجنِّي المانح للأمنيات، وما على السكان سوى التصويت على الأماني المراد تحقيقها. فالمفهوم الليبرالي الكلاسيكي للحكومة لا يمكن تحقيقه إلا في عالم يستخدم النقد السليم والذي كان بمثابة قيد طبيعي على تجاوزات الحكومة واستبدادها. فطالما كان على الحكومة فرض ضرائب على مواطنيها لتمويل عملياتها، وجب عليها تقييد هذه العمليات بما يعتبره مواطنوها مقبولًا، ووجب عليها المحافظة على ميزانية متوازنة عبر إبقاء الاستهلاك ضمن حدود دخل الضرائب. ففي مجتمع يستخدم النقد السليم، تعتمد الحكومة على موافقة سُكَّانها لتمويل عملياتها، وعند طرح أي مشروع حكومي جديد، سيتعيَّن جمع تكاليفه مسبقًا من الضرائب أو بيع السندات الحكومية الطويلة الأمد؛ ممَّا يمنح السكان مقياسًا دقيقًا للتكاليف الحقيقية لهذه الاستراتيجية، والتي تمكِّنهم بسهولة من المقارنة بينها وبين الفوائد. لهذا، إن الحكومة التي تبحث عن تمويل منطقي من أجل الدفاع القومي ومشاريع البِنية التحتية لن تواجه صعوبةً تُذكر في فرض الضرائب وبيع السندات للسكان الذين يستطيعون رؤية المزايا بأم أعينهم، لكن الحكومة التي ترفع الضرائب لتمويل نمط الحياة الفخم للحُكام ستولِّد استياءً عامًّا بين السكان؛ ممَّا يعرِّض شرعية حكمها للخطر ويزيد من عدم استقراره. فكلما ازدادت ضرائب الحكومة المرهقة وتدابيرها المفروضة، ازداد احتمال رفض السكان دفع الضرائب، وازدادت تكاليف تحصيل الضرائب بشكل أكبر، ولربما يؤدِّي ذلك إلى الاحتجاج ضد الحكومة لاستبدالها، سواء عن طريق الاقتراع أو العنف. وبهذا، فَرَض النقد السليم على الحكومات التصرُّف بشفافية وصدق، وحصر حكمها ضمن ما يُرضي السكان وما يستطيعون تحمُّل تكاليفه؛ فقد سمح بمحاسبة مجتمعية صادقة وشفافة للتكاليف والفوائد الحقيقية للأعمال والمشاريع، فضلًا عن المسئولية الاقتصادية اللازمة لأي منظمة أو فرد أو كائن حي للنجاح في الحياة؛ فالاستهلاك يجب أن يحصل بعد الإنتاج. من ناحية أخرى، يسمح النقد غير السليم للحكومات بشراء الولاء والشعبية من خلال الإنفاق لتحقيق الأهداف الشعبية دون الحاجة إلى إعلام شعوبها بالتكاليف. فببساطة، تقوم الحكومة بزيادة العرض النقدي لتمويل أي مخطَّط طائش تقوم بتلفيقه، ولا يدرك السكان التكلفة الحقيقية لمثل هذه المخطَّطات إلا في السنوات التالية عندما يؤدِّي تضخُّم العرض النقدي إلى ارتفاع الأسعار. وفي تلك النقطة يمكن عزو أسباب انهيار قيمة العملة إلى عوامل لا تُعَد ولا تُحصى، تتضمَّن عادةً مؤامرات خبيثةً من قِبل الأجانب، والمصرفيين والأقليات العِرقية المحلية أو الحكومات السابقة أو المستقبلية. لهذا، يُعتَبر النقد غير السليم أداةً خطيرة في أيادي الحكومات الديمقراطية الحديثة التي تواجه بشكل مستمر ضغط إعادة الانتخاب. كما أنه ليس من المرجَّح أن يُفضِّل الناخبون العصريون المرشحين الصريحين بشأن تكاليف مخطَّطاتهم وفوائدها؛ فهم على الأرجح سيختارون أولئك الأوغاد الذين يَعِدونهم بغداء مجاني، ثم يلقون لوم التكاليف على من سبقوهم أو على بعض المؤامرات الشنيعة. بهذه الطريقة، تُصبح الديمقراطية وهمًا جماعيًّا للأشخاص الذين يحاولون تجاوز قواعد الاقتصاد عن طريق التصويت لمن يقدِّم لهم وجبة غداء مجانية، ويخدعهم للاحتجاج العنيف ضد كبش فداء حينما تصل فاتورة الغداء المجاني على شكل تضخم وركود اقتصادي. فالنقد غير السليم كان بمثابة نعمة للطُّغاة والأنظمة القمعية والحكومات غير الشرعية حيث سمح لهم بتجنُّب حقيقة التكاليف والفوائد من خلال زيادة العرض النقدي لتمويل مشاريعهم أولًا، ثم ترْك السكان ليتحمَّلوا العواقب لاحقًا وهم يشهدون زوال ثرواتهم وقواهم الشرائية. والتاريخ حافل بأمثلة تُظهر لنا كيف أن الحكومات التي يتواجد لها امتيازات طباعة النقد من الفراغ، غالبًا ما تسيء استخدام هذا الامتياز عبر قلبه ضد شعوبها. لهذا، ليس من قبيل المصادفة أنه عند سرد الروايات عن أبشع طغاة التاريخ، يكتشف المرء أن كل واحد منهم كان قد اتبع نظام حكومة ذات سلطة لطباعة النقود، الأمر الذي أدَّى دائمًا إلى تضخم لتمويل عمليات الحكومة. فهناك سبب وجيه لكون «فلاديمير لينين»، و«جوزيف» و«ستالين»، و«ماو تسي دونغ»، و«أدولف هتلر»، و«ماكسميليان روبسبيار»، و«بول بوت»، و«بينيتو موسوليني»، و«كيم جونغ إل» والعديد من المجرمين ذوي السمعة السيئة، قد حكموا في فترات إصدار الحكومة للنقد غير السليم حيث كان بإمكانهم طباعة الكمية التي يحتاجونها لتمويل جنون عظمتهم الإجرامي والاستبدادي. وهو السبب ذاته في أن نفس المجتمعات التي أنجبت هؤلاء القتلة الجماعيين لم تُنجب أي شخص قريب من مستوى إجرامهم عند العيش في ظل أنظمة نقدية سليمة، والتي أجبرت الحكومات على فرض الضرائب قبل القيام بالإنفاق. فلم يقم أيٌّ من هؤلاء الوحوش بإلغاء النقد السليم بغرض تمويل عمليات الإبادة الجماعية؛ فقد حصل تدمير النقد السليم من قبل، بل وتمَّ الإشادة به بقصص مُبهجة رائعة شملت الأطفال والتعليم وتحرير العُمال والكرامة الوطنية، لكن وبمجرد تدمير النقد السليم، أصبح من السهل للغاية على هؤلاء المجرمين تولِّي السلطة والسيطرة على كل موارد المجتمع عن طريق زيادة عرض هذا النقد غير السليم. فالنقد غير السليم يجعل سلطة الحكومة غير محدودة مع عواقب كبيرة على كل فرد؛ ممَّا يقحم السياسة في قلب حياة هذه الأفراد، ويعيد توجيه الكثير من طاقة المجتمع وموارده إلى لعبة مُحصِّلتها صفر وهي؛ من الذي سينال الحكم وكيف؟ من ناحية أخرى، فالنقد السليم يجعل من شكل الحكومة مسألةً ذات عواقب محدودة؛ فالديمقراطية أو الجمهورية أو الملكية كلها مُقيَّدة بالنقد السليم؛ ممَّا يتيح لمعظم الأفراد درجةً كبيرة من الحرية في حياتهم الشخصية. وفي كلٍّ من الاقتصادات السوفيتية أو الرأسمالية، يُعتبَر مفهوم «إدارة» أو «تنظيم» الحكومة للاقتصاد لتحقيق الأهداف الاقتصادية أمرًا جيدًا وضروريًّا، ومن المهم العودة هنا إلى وجهة نظر جون ماينارد كينز لفهم دوافع النظام الاقتصادي الذي يقترحه، والذي كان على البشرية فيه المناضَلة طيلة العقود الماضية. ففي إحدى دراساته الأقل شهرة؛ «انتهاء الاقتصاد الحر»، يقدِّم كينز تصوُّره عمَّا يجب أن يكون عليه دور الحكومة في المجتمع، فأعرب كينز عن معارضته لكلٍّ من الليبرالية والنزعة الفردية، وهذا أمر متوقَّع، ولكنه يقدِّم أيضًا أُسس معارضته للاشتراكية، حيث يقول: الدولة الاشتراكية في القرن التاسع عشر انبثقت من «جيرمي بينثام» ومن المنافسة الحرة وما إلى ذلك، وهي نسخة أكثر وضوحًا في بعض النواحي، وأكثر غموضًا في نواحٍ أخرى من الفلسفة ذاتها التي ارتكز عليها مبدأ الفردية في القرن التاسع عشر. فوضع كلاهما بشكل متساو كل ضغوطهما على الحرية، وكان تأثير أحدهما سلبيًّا لتجنُّب وضع قيود على الحرية القائمة، وكان تأثير الآخر إيجابيًّا لتدمير الاحتكارات الطبيعية أو المكتسبة. إنها ردود فعل مختلفة لنفس الجو الفكري. وعلى الرغم من أن هذا المفهوم قد يحلو للمثاليين المتواجدين في أبراجهم العاجية والذين يتصوَّرون أن هذا لن ينتج عنه سوى نتائج إيجابية، إلا أنه في الواقع يؤدِّي إلى تدمير آليات السوق اللازمة للإنتاج الاقتصادي. وفي ظل نظام كهذا، يتوقَّف النقد فيه عن العمل كنظام معلومات للإنتاج، ويعمل كبرنامج ولاء حكومي. لقد وضَّح لنا الفصل الثالث كيف أن أي سلعة تكتسب دورًا نقديًّا من شأنها أن تُحفِّز الأفراد على إنتاج المزيد منها. فالنقد الذي يسهُل إنتاجه سيؤدِّي إلى تخصيص المزيد من الموارد الاقتصادية والوقت البشري من أجل إنتاجه. وبما أن النقود لا تُجمع لخصائصها الخاصة، بل لمبادلتها بسلع وخدمات أخرى، فإن قوتها الشرائية هي المهمة، لا كميتها المطلقة. لهذا، ليس هناك فائدة اجتماعية من أي نشاط يؤدِّي إلى زيادة العرض النقدي. وهذا هو السبب في أنه، في أي سوق حرة، إن اكتسب أي شيء دورًا نقديًّا، فستكون نسبة مخزونه إلى تدفُّقه مرتفعةً بشكل موثوق، وسيكون العرض النقدي الجديد قليلًا ولا يُشكِّل أهميةً مقارنة بالعرض الإجمالي المتوفِّر. وهذا الأمر يضمن تكريس أقل كمية ممكنة من العمل والموارد الرأسمالية لإنتاج المزيد من الوسائط النقدية، وبدلًا من ذلك، يتم تكريسها لإنتاج سلع وخدمات مفيدة تُعتبَر كميتها المطلقة مهمةً على عكس النقود. لذلك، أصبح الذهب هو المعيار النقدي العالمي الرائد؛ لأن إنتاجه الجديد شكَّل دائمًا نسبةً صغيرة للغاية من عرضه المتاح؛ ممَّا جعل من عملية تنجيم الذهب تجارةً خطرة وغير مربحة للغاية، الأمر الذي أجبر المزيد من رءوس المال واليد العاملة في العالم على التوجُّه نحو إنتاج السلع غير النقدية. بالنسبة لجون ماينارد كينز وميلتون فريدمان، كان أحد أهم العوامل الرئيسية لابتعادهما عن المعيار الذهبي هو انخفاض تكاليف استخراجه كنتيجة لاستخدام النقود الورقية التي تُصدرها الحكومة، والتي تكون تكلفة إنتاجها أقل بكثير من تكلفة إنتاج الذهب. فليس فقط أنهم لم يفهما أن الموارد المُوجَّهة لإنتاج الذهب هي قليلة جدًّا مقارنةً بالسلع الأخرى التي يمكن تضخيم عرضها بسهولة، بل إنهم أيضًا قد قلَّلوا من شأن التكاليف الحقيقية التي سيتحمَّلها المجتمع بسبب استخدام شكل من النقد يمكن تضخيم عرضه كما يحلو لحكومة سريعة التأثر بالسياسات الديمقراطية والمصالح الشخصية. فالتكلفة الحقيقة في هذه الحالة ليست هي التكلفة المباشرة لتشغيل الطابعات، بل هي تكلفة التنازل عن النشاطات الاقتصادية؛ وذلك لأن الموارد الإنتاجية ستتجه نحو النقود الحكومية الجديدة عوضًا عن الانخراط في الإنتاج الاقتصادي. بينما في نظام نقدي سليم، فإن أي عمل أو مشروع تجاري يستمر بعمله، فهو يستمر به لأنه يقوم بتقديم قيمة للمجتمع؛ وذلك من خلال جني إيرادات عالية من منتجاته بحيث تكون هذه الإيرادات أكثر من التكاليف التي تمَّ دفعها أثناء الإنتاج. فالعمل والمشروع التجاري يكون مُنتِجًا لأنه يقوم بتحويل مدخلات بسعر سوق معيَّن إلى مخرَجات بسعر سوق أعلى. وأي شركة تُنتج مخرجاتٍ تقل قيمتها عن مدخلاتها، ستتوقَّف عن العمل، وستُحرِّر مواردها ليتم استخدامها من قِبل شركات أخرى أكثر إنتاجية، فيما وصفه الاقتصادي «جوزيف شومبيتر» ﺑ «الدمار الخلَّاق». ففي سوق حرة، لا يكون هناك أي ربح دون احتمال حقيقي بالخسارة، والجميع مُجبَر على المخاطرة في اللعبة؛ فالفشل دائمًا هو احتمال مطروح، ويمكن أن يكون مكلِّفًا، لكن النقد غير السليم الذي تُصدِّره الحكومة يؤخِّر ويماطل هذه العملية؛ ممَّا يُبقي الشركات غير المنتجة غير ميتة ولكنها أيضًا غير حية، فتكون بذلك هي المكافئ الاقتصادي لمخلوقات الزومبي (الأحياء الأموات) أو مصاصي الدماء الذين يعتمدون على موارد الشركات المنتجة والحية لإنتاج أشياء قيمتها أقل من الموارد اللازمة لإنتاجها. إن هذا الأمر يؤدِّي إلى إنشاء طبقة اجتماعية جديدة تتبع قواعد مختلفةً عن قواعد الآخرين، مع عدم وجود مخاطر بالنسبة لهم. ولعدم مواجهتهم اختبار السوق في عملهم، فسيصبحون في عزلة عن عواقب أفعالهم، وهذه الطبقة الجديدة موجودة في كل قطاع اقتصادي تموِّله النقود الحكومية. وليس من الممكن القيام بتقدير دقيق للنسبة المئوية للنشاط الاقتصادي في الاقتصاد العالمي الحديث الذي يسير باتجاه النقود المطبوعة من قِبَل الحكومة بدلًا من إنتاج السلع والخدمات المفيدة للمجتمع، لكن من الممكن الحصول على فكرة عن ذلك من خلال النظر إلى الشركات والقطاعات التي تنجو بسبب نجاحها في اختبار السوق الحرة، والأخرى التي بقيت حيةً بفضل سخاء الحكومة سواء على الصعيد النقدي أم المالي. فالدعم المالي هو من الأمثلة الواضحة على أسلوب إنشاء الزومبي؛ فأي شركة تتلقَّى الدعم الحكومي المباشر، والغالبية العظمى من الشركات التي هي على قيد الحياة بسبب بيع منتجاتها للقطاع العام، هي في الواقع شركات زومبي. فلو كانت هذه الشركات منتجةً في المجتمع، لكان الأفراد الأحرار قد فضَّلوا إنفاق أموالهم لدفع ثمن منتجاتها، ولكن حقيقة عدم قدرة هذه الشركات على النجاة من المدفوعات الطوعية فقط، يظهر أنها عبء وليس لها أصول إنتاجية للمجتمع. لكن الطريقة الأكثر ضررًا لإنشاء الزومبي هي ليست من خلال المدفوعات الحكومية المباشرة، بل من خلال الحصول على قروض منخفضة الفائدة. فبما أن النقود الورقية قد حدَّت ببطء من قدرة المجتمع على الادخار، فإن الاستثمارات الرأسمالية لم تعد تأتي من مدَّخرات المُدَّخِرين، بل من الديون التي أنشأتها الحكومة، والتي تقلِّل من أرصدة الأموال المتاحة. ففي مجتمع ذي نقد سليم، كلما ادخر الشخص أكثر، استطاع أن يراكم رأس مال أكثر، وتمكَّن من الاستثمار أكثر؛ ممَّا يعني أن مالكي رأس المال يميلون إلى اتباع سياسة التفضيل الزمني المنخفض، لكن عندما يأتي رأس المال من استحداث الحكومة للائتمان، سيتوقَّف موزِّعو رءوس المال عن كونهم موجَّهين نحو المستقبل، وسيصبحون مجرد أعضاء في عدة وكالات بيروقراطية. ففي سوق حرة ذات نقد سليم، يختار أصحاب رءوس الأموال تخصيص رءوس أموالهم في الاستثمارات التي يجدونها أكثر إنتاجية، وبإمكانهم الاستفادة من المصارف الاستثمارية لإدارة عملية التخصيص هذه. وهذه العملية تكافئ الشركات التي تخدم العملاء بنجاح، والمستثمرين الذين يكتشفونهم، بينما يتم عقابهم على ارتكاب الأخطاء. أما في أنظمة النقد الورقي، فالبنك المركزي هو المسئول عن كامل عملية تخصيص الائتمان، ويقوم بالتحكُّم والإشراف على المصارف التي تُخصِّص رأس المال، ويضع المعايير الأهلية للإقراض، ويحاول تحديد المخاطر بطريقة رياضية تتجاهل المخاطر وطريقة عمل العالم الحقيقي. فيتم بذلك استبعاد اختبار السوق الحرة لأن التوجُّه الائتماني للبنك المركزي بإمكانه إبطال الواقع الاقتصادي للربح والخسارة. ففي عالم النقد الورقي، الوصول إلى حنفيات نقد البنك المركزي أهم من خدمة الزبائن؛ فالشركات التي يمكنها الحصول على قروض بفائدة منخفضة لتسيير أعمالها ستمتلك ميزةً دائمة مقابل المنافسين الذين لا يستطيعون تحقيق ذلك؛ وبذلك، تصبح معايير النجاح في السوق متعلِّقةً أكثر بالقدرة على تأمين التمويل بفوائد أقل عوضًا عن تقديم الخدمات للمجتمع. وفي عالم يتسم بالعولمة، لا تقتصر «العملة الخَلِسَة» على المنظَّمات الحكومية الوطنية فحسب، بل نمت لتشمل المنظَّمات الحكومية الدولية، فهي استنزاف عالمي واضح للوقت والجهد، لا تحمل أي فائدة إلا للعاملين فيها. ولوقوع هذه المنظَّمات بعيدًا عن دافعي الضرائب الذين يموِّلونها، فإنها تواجه تدقيقًا أقل بكثير من المنظَّمات الحكومية الوطنية، وهي بذلك تعمل بقدر أقل من المُساءلة ونهج أكثر استرخاءً على صعيد الميزانيات ومواعيد التسليم والعمل. إن الأوساط الأكاديمية هي مثال جيد آخر، حيث يدفع الطلاب رسومًا باهظةً أكثر من أي وقت مضى لدخول الجامعات ليتم تدريسهم من قِبل أساتذة لا يقضون سوى القليل من وقتهم وجهدهم على تدريس وتوجيه الطلاب، بل يقضون معظم وقتهم في نشر أبحاث غير قابلة للقراءة للحصول على المنح الحكومية وتسلُّق السلم الأكاديمي. أمَّا في السوق الحرة، فيتعيَّن على الأكاديميين المساهمة بالقيمة عن طريق التدريس أو كتابة أشياء يقرؤها الناس ويستفيدون منها بالفعل. لكن الأبحاث الأكاديمية العادية لا يقرؤها عادةً إلا دائرة صغيرة من الأكاديميين في كل تخصص، ويوافقون على منح بعضهم البعض، ويفرضون معايير التفكير الجماعي، وأصبح لهم استنتاجات ذات دوافع سياسية متنكِّرة بزي الصرامة والدقة الأكاديمية. ففي نظام اقتصادي قائم على حرية السوق، لن ترغب أي جامعة تحترم نفسها بتعليم طلابها معلومات خاطئةً ومنافية للعقل بشكل كبير؛ وذلك لأنها تسعى إلى تسليح طُلابها بأكثر المعارف فائدة، لكن في نظام أكاديمي أفسدته كليًّا النقود الحكومية، لا يتم تحديد المنهج الدراسي من خلال توافقه مع الواقع، بل من خلال توافقه مع الأجندة السياسية للحكومات التي تموِّله. فالحكومات في كافة أنحاء العالم تفضِّل الاقتصاد الكينزي اليوم للسبب ذاته الذي أحبَّته في الثلاثينيات؛ حيث قدَّم لها المغالطات والمبرِّرات للحصول على المزيد من القوة والمال. إن هذا الحوار قد يستمر ليشمل العديد من المجالات والتخصُّصات الأخرى في الأوساط الأكاديمية الحديثة، حيث يُكرَّر النمط ذاته؛ فالتمويل القادم من الوكالات الحكومية تحتكره مجموعات من العلماء لديهم الفكر ذاته ويتشاركون بتحيُّزات جوهرية، ولن تحصل على عمل أو تمويل في هذا النظام من خلال تقديم منح دراسية مهمة مثمرة ومفيدة للعالم الحقيقي، بل من خلال تعزيز أجندة المُموِّلين. فحقيقة أن التمويل يأتي من مصدر واحد فقط يعني إلغاء إمكانية وجود سوق حرة للأفكار. لهذا، أصبحت المناقشات الأكاديمية تتعلَّق بتفاصيل غامضة أكثر من أي وقت مضى، بحيث تميل جميع الأطراف في هذه النزاعات السلمية إلى الاتفاق دومًا على أن كلا الطرفَين بحاجة لمزيد من التمويل لمواصلة هذه الخلافات الهامة. فمناقشات الأوساط الأكاديمية لا علاقة لها تقريبًا بالعالم الحقيقي، ولا تتم قراءة المقالات التابعة لها إلا من قِبل الأشخاص الذين يكتبونها لأغراض الترويج للوظائف، لكن «العملة الخَلِسَة» الحكومية تستمر لعدم وجود آلية يتم فيها تخفيض التمويل الحكومي إذا لم يستفد منه أي أحد. ففي مجتمع يستخدم النقد السليم، يُعدُّ العمل المصرفي عملًا مهمًّا ومُنتِجًا للغاية؛ حيث يؤدِّي المصرفيون فيه وظيفتَين محوريتَين للغاية لتحقيق الازدهار الاقتصادي؛ حفظ الأصول كودائع، والمواءمة بين الاستحقاقات وتحمُّل المخاطر بين المستثمرين وفرص الاستثمار. فيجني المصرفيون أموالهم عن طريق أخذ جزء من الأرباح إذا نجحوا بعملهم، لكنهم لا يحقِّقون أي ربح إذا فشلوا بتحقيق ذلك. وعندها، ستُحافظ المصارف والمصرفيون الناجحون وحدهم على وظائفهم، ويتم التخلُّص من أولئك الذين يفشلون. ففي مجتمع يستخدم النقد السليم، لا توجد مخاوف من السيولة بسبب فشل المصرف؛ وذلك لأن جميع المصارف تُبقي ودائعها في متناول اليد، وتتمتَّع باستثمارات ذات استحقاق مكافئ. بعبارة أخرى، لا يوجد فرق بين عدم السيولة والإعسار المالي، ولا يوجد مخاطر نظامية قد تجعل أي مصرف «أكبر من أن يفشل»؛ فالمصرف الذي يفشل هو مشكلة حاملي أسهمه ومقرضيه، لا أحد سواهم. ومن المرجَّح أن يستمر النظام المصرفي الاحتياطي الجزئي أو الاستحقاق غير المتكافئ بشكل عام في التسبُّب في أزمات مالية دون وجود بنك مركزي يَستخدم عرضًا نقديًّا مرنًا لإنقاذ هذه المصارف، لكن وجود هذا البنك المركزي القادر على إنقاذ هذه المصارف قد يطرح مشكلةً أخلاقية كبيرة لهذه المصارف؛ فبإمكان تلك المصارف الآن المجازفة بشكل متهوِّر لأنها باتت تُدرك أنه هناك بنك مركزي سيقوم بإنقاذها لتجنُّب حدوث أزمة نظامية شاملة. ومن هنا نستطيع رؤية كيفية تطوُّر القطاع المصرفي ليصبح عملًا ومشروعًا تجاريًّا يُولِّد عوائد دون مخاطر على المصرفيين، ويُشكِّل في نفس الوقت مخاطر دون عوائد لأي أحد. فالقطاع المصرفي هو قطاع يبدو أنه ينمو فقط في هذه الأيام، وإغلاق المصارف لعملها هو أمر مستبعد. فنظرًا للمخاطر النظامية التي تنطوي عليها إدارة المصرف، يمكن اعتبار فشل أي مصرف كمشكلة سيولة، ومن المرجَّح جدًّا حصوله على دعم البنك المركزي. ولا يوجد قطاع خاص ظاهريًّا يتمتَّع بمثل هذا الامتياز الباهظ، حيث يجمع بين أعلى معدلات ربحية في القطاع الخاص وبين أمان القطاع العام. إن هذا المزيج جعل من عمل المصرفيين عملًا خلَّاقًا ومُنتجًا مثل عمل موظَّفي القطاع العام، لكنه أكثر مكافأةً من معظم الوظائف الأخرى. ونتيجةً لذلك، يستمر القطاع المالي في النمو؛ حيث أصبح الاقتصاد الأمريكي «أكثر تمويلًا»؛ فمنذ إلغاء قانون «غلاس ستيغال» عام ١٩٩٩م، تمَّت إزالة الفصل بين الودائع البنكية والخدمات المصرفية الاستثمارية. وبالتالي، إن مصارف الودائع التي حازت على تأمينٍ للودائع من قِبل المؤسسة الفيدرالية للتأمين على الودائع، يمكنها الانخراط الآن في تمويل الاستثمارات؛ حيث إن ضمان المؤسسة الفيدرالية للتأمين على الودائع يحميهم من خسائر الاستثمار. وبهذا، فالمستثمر الذي لديه ضمان لخسارته هو مستثمر لديه خيار حر، ويستطيع طباعة النقود بشكل فعَّال. فالقيام بالاستثمارات المربحة سيسمح له بتجميع كل المكاسب، في حين أن الخسائر ستتوزَّع على المجتمع. ويمكن لأي شخص يحمل مثل هذه الضمانة أن يكسب كميات كبيرةً من المال ببساطة عن طريق الاقتراض واستثمار أمواله؛ حيث إنه بإمكانه الحفاظ على الأرباح، وسيتم تغطية خسائره. فلا عجب أن هذا قد أدَّى إلى ميل عدد أكبر من رءوس المال وموارد العمل نحو التمويل؛ لأن هذا الأمر هو أقرب مثال لمثال وجبة الغداء المجانية. فمع تقدُّم تكنولوجيا الاتصالات، يتوقَّع المرء أن يتم إنجاز الكثير من المهام في القطاع المالي بشكل آلي؛ ممَّا يؤدِّي إلى تقلُّص حجم هذا القطاع بمرور الوقت، لكن في الواقع، إنه يستمر في التوسُّع، ليس بسبب أي طلب جوهري عليه، بل لأن هناك حكومةً تحميه من الخسائر وتسمح له بالنمو والازدهار. وقد تكون «العملة الخَلِسَة» أكثر وضوحًا في القطاع المالي، لكنها لا تتوقَّف عند القطاع المصرفي، فيمكن القول إنها تمنح أفضليةً تنافسية طويلة الأمد للشركات ذات الحجم الواسع مقارنةً بتلك ذات الحجم الأصغر. ففي مجتمع يتم فيه تمويل استثمارات رءوس الأموال من المدخرات، فإن رءوس الأموال فيه يمتلكها أولئك الذين يتبعون سياسة التفضيل الزمني المنخفض، ويقومون بتخصيصه بناءً على تقديراتهم لاحتمالات نجاح السوق ليتلقَّوا المكافآت إذا كانوا مصيبين، وسيفقدونها إذا كانوا على خطأ. لكن مع النقد غير السليم، يتم تدمير المدخرات ويتم إنشاء رءوس الأموال من ائتمان المصارف التضخُّمي، ثم يتم تخصيصه من قِبل البنوك المركزية ومصارفه الفرعية. فبدلًا من أن يتم تحديد التخصيص من قِبل حكماء المجتمع الذين يتبعون سياسة التفضيل الزمني المنخفض ويملكون بصيرةً في الأسواق، يقع القرار بأيادي البيروقراطيين الحكوميين الذين هدفهم هو إقراض أكبر قدر ممكن من المال، ولا يكون هدفهم أن يكونوا على صواب؛ وذلك لأنهم محميون من الجوانب السلبية. وبهذا، لا يختلف التخطيط المركزي لتخصيص الائتمان عن أي نوع من التخطيط المركزي، وينتج عن ذلك انخراط البيروقراطيين في فحص تحقيق الشروط وتوقيعهم للأوراق لضمان تحقيقهم لمتطلَّبات رؤسائهم بينما يضيع هدف العمل الظاهري. فرأي المصرفي وعملية المثابرة للتحقُّق من القيمة الحقيقية للاستثمار يتم استبدالها بملء مربعات لفحص أحقيَّة وأهلية المتقدِّم لمتطلَّبات المصرف لعملية الإقراض. وبهذا، إن الميزة الرئيسية في ضمان الائتمان المركزي هي الحجم، حيث تبدو عملية إقراض المقترضين العمالقة أقل خطورةً بشكل كبير من ناحية الكمية، وكلما كانت الشركة أكبر، كانت صيغة نجاحها أكثر قابليةً للتنبُّؤ، وكانت الضمانات أكبر في حالة فشلها، كما أنها تُعزِّز أيضًا شعور البيروقراطيين المصرفيين بالأمان عند تقديم القروض وفقًا لمعايير الإقراض من البنك المركزي. وفي حين أن العديد من القطاعات يمكن أن تستفيد من امتياز اقتصاد الحجم الواسع، إلا أن إصدار الائتمان المركزي يُبرز مزايا الحجم الواسع وكيف كانت ستكون عليه الحالة في السوق الحرة. فأي قطاع يمكنه اقتراض مبلغ مالي لا يعرف أصحابه ما عليهم فعله به، يُعتبَر مرشَّحًا جيدًا، ولكن سيناريو كهذا لا يمكن تحقيقه في عالم من رءوس الأموال التي تمَّ جمعها بالمدخرات. ففي عالم يتم فيه تمويل جميع الشركات تقريبًا من خلال التوسُّع الائتماني للبنك المركزي، لا يمكن أن تكون هناك طريقة بسيطة للتعرُّف على القطاعات التي تنمو بسبب حَقْن منشِّطات «العملة الخَلِسَة»، ولكن هناك بعض الأعراض المُنبِّهة. فأي قطاع يشتكي فيه الناس من رئيسهم الأحمق هو على الأرجح جزء من «العملة الخَلِسَة»؛ وذلك لأن الرؤساء لا يستطيعون إلا أن يكونوا أغبياء في الواقع الاقتصادي المزيَّف ﻟ «العملة الخَلِسَة». ففي شركة منتجة تقدِّم خدمات قيمةً للمجتمع، يعتمد النجاح على إرضاء الزبائن، ويُكافَأ العُمال على مدى نجاحهم في القيام بتلك المهمة الأساسية. والرؤساء الذين يُسيئون معاملة موظفيهم، إمَّا سيخسرون موظفيهم لشركة منافسة أو سيُدمِّرون أعمالهم بسرعة. أمَّا في الشركات غير المنتجة التي لا تخدم المجتمع وتعتمد على السخاء البيروقراطي لاستمراريتها، فلا يوجد معيار جيد لمكافأة العُمال أو معاقبتهم. ويمكن أن تبدو «العملة الخَلِسَة» مغرية من الخارج، وذلك بفضل الرواتب المرتفعة المنتظمة وقلة العمل الفعلي، لكن إذا تعلَّمنا من الاقتصاد أمرًا واحدًا، فإنه لا يوجد شيء يُدعى وجبة غداء مجانية. فإعطاء الأموال إلى الأشخاص غير المنتجين سيجذب الكثير من هؤلاء الأشخاص الذين يرغبون في القيام بمثل هذه الوظائف؛ ممَّا يؤدِّي إلى زيادة تكلفة القيام بهذه الوظائف على صعيد الوقت والكرامة. فالتوظيف، وتسريح العُمال، والترقية والعقاب، كل ذلك يحدث وفقًا لتقدير الكثير من البيروقراطيين، وإذا لم يتواجد أي عمل ذي قيمة للشركة، فيمكن عندها الاستغناء عن الجميع، والطريقة الوحيدة التي يحافظ فيها أي شخص على عمله هي بإثبات قيمته أمام الطبقة التي تعلوه. إن العمل في هذه الشركات هو بمثابة لعب لعبة سياسات المكتب طيلة الوقت. فهذه الوظائف لا تجذب سوى الأشخاص الماديين السطحيين الذين يستمتعون بفرض سلطتهم على الآخرين، ويتم تحمُّل أعوام من سوء المعاملة مقابل الراتب والأمل في أن يكونوا قادرين على معاملة الآخرين بشكل سيئ لاحقًا. ولا عجب في أن الأشخاص الذين يعملون في هذه الوظائف هم أشخاص يتعرَّضون للاكتئاب بشكل منتظم ويحتاجون إلى دواء دائم وعلاج نفسي للحفاظ على وظائفهم الأساسية، لكن لا يستحق أي مبلغ من نقود «العملة الخَلِسَة» هذا التدمير الروحي الذي تُخلِّفه هذه البيئة لدى الناس. وفي حين أن هذه المنظَّمات لا تواجه أي مُساءلة حقيقية، إلا أن الجانب الآخر من عدم وجود إنتاجية هو أنه من المحتَمَل أن يستلم مسئول مُنتَخب حديثًا زمام الأمور ليقوم بقطع التمويل عنهم بغضون أسابيع. إن مصيرًا كهذا سيكون أكثر مأساويةً لعُمَّال هذه المنظَّمات؛ لأنهم بشكل عام لا يملكون أي مهارات مفيدة يمكن استخدامها في أعمال أخرى. والعلاج الوحيد لمثل هذه الأمراض هو النقد السليم الذي سيقضي على مفهوم الأشخاص الذين يعملون من أجل توقيع الأوراق وإسعاد الرؤساء الساديين، وسيصبح انضباط السوق هو الحَكم الوحيد لدخل أي شخص. فإذا وجدتَ نفسك كادحًا في إحدى هذه القطاعات بحيث يتمحور جهد وظيفتك حول إرضاء مديرك فقط بدلًا من إنتاج شيء ذي قيمة ولا يرضيك هذا الواقع، فقد تشعر بالارتياح أو الخوف من إدراك أن هذا العالم لا يجب أن يكون على هذا الشكل، وقد لا تبقى وظيفتك إلى الأبد؛ لأنه قد لا تستمر مطابع حكومتك في العمل إلى الأبد. تابع القراءة؛ لأن مزايا النقد السليم قد تُنشئ عالمًا جديدًا من الفرص لأجلك. | {
"chapter": "النقد السليم والحرية الشخصية",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "معيار البيتكوين : البديل اللامركزي للنظام المصرفي المركزي",
"url": "https://www.hindawi.org/books/79060903/7/"
} |
إن الاعتقاد بأن الموارد نادرة ومحدودة هو فهم خاطئ لطبيعة الندرة، وهو المفهوم الأساسي وراء علم الاقتصاد؛ فالكمية المطلقة لأي مادة خام موجودة على سطح الأرض هي كبيرة جدًّا بالنسبة لنا كبشر لقياسها أو لاستيعابها حتى، ولا تُشكِّل بأي حال من الأحوال حدًّا حقيقيًّا لِما نستطيع نحن البشر إنتاجه؛ فنحن بالكاد خدشنا سطح الأرض بحثًا عن المعادن التي نحتاج إليها، وكلما بحثنا أكثر وحفرنا بشكل أعمق، ازدادت الموارد التي نجدها. لهذا، إن ما يشكِّل الحد العملي والواقعي لكمية أي مورد هو دائمًا مقدار الوقت البشري المُوجَّه لإنتاجه؛ حيث إن هذا هو المورد النادر الوحيد (حتى إنشاء البيتكوين). وفي كتابه الرائع، «المورد غير المنتهي»، يشرح الخبير الاقتصادي الراحل «جوليان سايمون» كيف أن المورد المحدود الوحيد، وفي الواقع الشيء الوحيد الذي ينطبق عليه مصطلح «المورد»، هو الوقت البشري. فلدى كل إنسان وقت محدود على وجه الأرض، وهذه هي الندرة الوحيدة التي نتعامل معها كأفراد. وكمجتمع، إن ندرتنا الوحيدة تتمثَّل بالوقت الإجمالي المتاح لأفراد هذا المجتمع لإنتاج سلع وخدمات مختلفة؛ حيث يمكن دائمًا زيادة إنتاج أي سلعة إذا خصَّص البشر وقتًا لذلك. لهذا، إن التكلفة الحقيقية لأي سلعة هي دائمًا تكلفة الفرصة البديلة بالنسبة للسلع التي تمَّ التنازل عن إنتاجها. يمكن التوصُّل إلى إحصائيات مماثلة للموارد ذات درجات الانتشار المتفاوتة في قشرة الأرض، وندرة هذه الموارد تُحدِّد التكلفة النسبية لاستخراجها من الأرض؛ فمن السهل العثور على المزيد من المعادن المنتشرة مثل الحديد والنحاس؛ ولهذا فهي رخيصة نسبيًّا. أمَّا المعادن الأندر مثل الفضة والذهب فهي أغلى ثمنًا؛ حيث إن الحد الأقصى الذي يمكن إنتاجه من أي من هذه المعادن تحدِّده تكلفة الفرصة البديلة لإنتاجها مقارنةً ببعضها البعض، وليس كميتها المطلقة هي من تحدِّد ذلك. وأفضل دليل على ذلك هو أن أندر المعادن في قشرة الأرض، الذهب، قد تمَّ تعدينه واستخراجه منذ آلاف السنين، وما زال يتم استخراجه بكميات متزايدة مع تقدُّم التكنولوجيا بمرور الوقت، كما هو موضَّح في الفصل الثالث. فإذا كان الإنتاج السنوي لأندر معدن في القشرة الأرضية يرتفع سنويًّا، فليس من المنطقي ولا من العملي أن نَصِف أي عنصر طبيعي بعنصر محدود الكمية. ولهذا تُعتَبر الندرة نسبيةً فقط في الموارد المادية، واختلافات تكلفة استخراجها هي من تحدِّد مستوى ندرتها. فالندرة الوحيدة كما أظهر «جوليان سيمون» بشكل بارع، هي الوقت الذي يقضيه البشر لإنتاج هذه المعادن، وهذا هو السبب في استمرار ارتفاع الأجور العالمية في جميع أنحاء العالم، الأمر الذي جعل المنتَجات والمواد تتطلَّب تكلفةً أقل على صعيد اليد العاملة والجهد البشري. إن هذا الأمر هو واحد من أصعب المفاهيم الاقتصادية على الناس من ناحية الفهم، وهو يغذِّي الهستيريا التي لا نهاية لها والتي دأبت حركة البيئة بفرضها علينا خلال عقود من إثارة الرعب المروِّع. فبذل جوليان سايمون قصارى جهده لمكافحة هذه الهستيريا من خلال تحدي أحد أشهر نوبات هستيريا القرن العشرين بِرِهان مشهور مدته عشر سنوات. بدأت القصة عندما كتب «باول إرليخ» عدة كتب هستيرية مفادها أن الأرض كانت على حافة كارثة نفاد الموارد الحيوية، مع توقُّعات أليمة ودقيقة حول التواريخ التي ستنفد فيها هذه الموارد. وفي عام ١٩٨٠م قام سيمون بتحدي إرليخ على تسمية أية مواد خام يختارها مع تحديد فترة تكون أطول من عام واحد لرهانه، وراهن ﺑ ١٠٠٠٠ دولار أن سعر كل من هذه المعادن المعدَّلة من أجل التضخم، سيكون أقل بعد نهاية الفترة المتفق عليها. فاختار إرليخ النحاس والكروم والنيكل والقصدير وعنصر التنجستن، وتنبَّأ أن جميع هذه المواد ستنفد. مع ذلك وفي عام ١٩٩٠م، انخفض سعر كل هذه المعادن، وازداد مستوى إنتاجها السنوي، على الرغم من أن العقد المنصرم قد شهد زيادةً في عدد السكان بمقدار ٨٠٠ مليون نسمة، وهي أكبر زيادة في عقد واحد منذ ذلك الحين. يوضِّح «كريمر» ذلك من خلال إظهار أنه ومع زيادة عدد سكان الأرض، إلا أن معدَّل النمو السكاني ازداد أيضًا عوضًا عن انخفاضه. فلو كان البشر عبارةً عن عبء باستهلاكهم للموارد، فعندها كلما سيزداد عدد السكان، ستنخفض كمية الموارد المتاحة لكل فرد، وسينخفض معدَّل النمو الاقتصادي والنمو السكاني، كما تنبَّأ النموذج «المالتوسي». لكن ولأن البشر هم بحد ذاتهم المورد، والأفكار الإنتاجية هي الدافع للإنتاج الاقتصادي، فإن زيادة عدد البشر سينتج عنها زيادة بالأفكار الإنتاجية والتكنولوجيات، وإنتاجٌ أكثر لكل فرد، وقدرة أكبر على رعاية ودعم الكثافات السكانية العالية. علاوةً على ذلك، يوضِّح كريمر كيف أن الأماكن المعزولة ذات الكثافة السكانية العالية قد شهدت نموًّا اقتصاديًّا وتقدُّمًا أسرع من تلك ذات الكثافة السكانية المنخفضة. لهذا، من الخطأ تسمية المواد الخام بالموارد؛ لأن البشر ليسوا مستهلكين سلبيين لِمَا ينزل عليهم من السماء. وبما أن المواد الخام هي دائمًا نتاج العمل البشري والإبداع، فإن البشر هم المورد النهائي لأنه يمكن دومًا توظيف الوقت والجهد والإبداع البشري لزيادة الإنتاج. والمعضلة الأبدية التي تواجه البشر فيما يخص وقتهم تتعلَّق بكيفية تخزين القيمة للمستقبل، تلك القيمة التي يستهلكون وقتهم لإنتاجها. ففي حين أن الوقت البشري هو وقت محدود، إلا أن كل شيء آخر هو غير محدود عمليًّا، ويمكن إنتاج المزيد منه إذا تمَّ توظيف المزيد من الوقت البشري فيه. فأيًّا كان الشيء الذي يختاره البشر كمخزن للقيمة، فإن قيمته سترتفع. ولأنه يمكن دائمًا تصنيع المزيد من هذا الشيء، فإن الآخرين سيُنتجون المزيد منه للحصول على القيمة المخزَّنة فيه. فسكان جزيرة ياب طلبوا من أوكييفي أن يجلب لهم متفجِّرات وقوارب متطوِّرةً لإنتاج المزيد من حجارة الراي لحصد القيمة المخزَّنة في الحجارة الموجودة، وقام الأوروبيون بتعبئة قواربهم بالخرز بِناءً على طلب الأفارقة للحصول على القيمة المخزَّنة في خرزهم. فكل المعادن، عدا الذهب، التي استُخدمت كوسيط نقدي تمَّ المبالغة في إنتاجها إلى أن انهار سعرها. اليوم، تملك الاقتصادات الحديثة بنوكًا مركزية كينزية تدَّعي دومًا محاربة التضخم أثناء قيامها تدريجيًّا أو بشكل سريع بتخفيض قيمة نقدها، كما هو مذكور في الفصل الرابع. ومع بدء الأمريكيين مؤخَّرًا استخدام منازلهم كوسيلة وكوسيط للادخار، ازداد عدد المنازل المتوفِّرة والمعروضة كثيرًا؛ ممَّا أدَّى إلى انهيار سعرها. ومع استمرار التضخم النقدي، يمكن فهم عدد الفقاعات الكبير على أنه نوع من المراهنات والمضاربات، وعلى أنه طريقة لإيجاد مخزن جيد للقيمة. والذهب وحده الذي من اقترب من حل هذه المعضلة بفضل كيميائيته التي تجعل من تضخيم عرضه أمرًا مستحيلًا، ونتج عن ذلك واحدة من أعظم حِقب التاريخ البشري، لكن الانتقال اتجاه سيطرة الحكومة على الذهب قد حدَّ من دوره النقدي عن طريق استبداله بالنقود الحكومية، التي كان سِجلها سيئًا للغاية. إن هذا الأمر يُلقي الضوء على جانب مذهل من جوانب الإنجازات التقنية، وهو البيتكوين؛ فللمرة الأولى لجأت البشرية إلى سلعة كان عرضها محدودًا بشكل صارم. فمهما كان عدد الأشخاص الذين يستخدمون الشبكة، ومهما كان مدى ارتفاع قيمتها، ومدى تقدُّم المعدات المستخدمة في إنتاجها، فإنه لا يمكن أن يتعدَّى عدد عملات البيتكوين المتوفِّرة اﻟ ٢١ مليونًا، ولا توجد إمكانية تقنية لزيادة العرض ليتناسب مع زيادة الطلب. فإذا ازداد طلب الناس على الاحتفاظ بالبيتكوين، فإن الطريقة الوحيدة لتلبية الطلب هي من خلال زيادة قيمة العرض المتوفِّر. وبسبب قابلية قسمة كل بيتكوين إلى ١٠٠ مليون ساتوشي، فهناك مساحة نمو كبيرة للبيتكوين من خلال استخدام وحداته الصغيرة عندما ترتفع قيمته. إن هذا الأمر يطرح نوعًا جديدًا من الأصول كي يكون مناسبًا لتأدية دور مخزن للقيمة. إن الأثر الهام لعرض البيتكوين المتناقص والانخفاض المستمر في معدَّل نمو هذا العرض هو ما جعل عرض البيتكوين المتوفِّر كبيرًا جدًّا مقارنةً مع العرض الجديد. ومن هذا المنطلق، فإن تعدين البيتكوين يشبه تعدين الذهب، وبالتالي، كوسيط نقدي، سيتم ضمان تخصيص وقت وجهد أقل نسبيًّا لتأمين عرض جديد منه، في حين أن أنواع النقد الأخرى يمكن زيادة عرضها بسهولة؛ وبهذا يتم تكريس المزيد من الوقت والجهد لتحقيق إنتاج اقتصادي مفيد يمكن استبداله بعد ذلك بالبيتكوين. ومع انخفاض العائد من «دعم الكتلة»، فإن الموارد المُخصَّصة لتعدين البيتكوين سيتم توجيهها بشكل رئيسي لمعالجة التحويلات، وبالتالي تأمين الشبكة، وليس لإنتاج عملات جديدة. وفي غالبية تاريخ البشرية، تمَّ استخدام بعض «الأشياء» المادية كمخزن للقيمة، ويجدر بنا الإضافة أن وظيفة تخزين القيمة لم تكن تتطلَّب وجودًا ماديًّا، لكن وجود هذا «الشيء» المادي جعل من أمر زيادة عرض مخزن القيمة أمرًا أكثر صعوبة. لكن البيتكوين ومن خلال عدم وجود أي كِيان مادي له، وكونه رقميًّا بحتًا، فهو قادر على تحقيق نُدرة مطلقة. إن هذا الأمر لم يتحقَّق من قبلُ من قِبَل أي مادة يمكن تقسيمها، ومن قِبَل أي مادة قابلة للنقل، وبالتالي، يسمح البيتكوين للبشر بنقل القيمة رقميًّا دون أي اعتماد على العالم المادي، الأمر الذي يسمح بتحويل كميات كبيرة من الأموال عبر العالم في دقائق معدودة؛ فالندرة الرقمية المطلقة لعملات البيتكوين تجمع أفضل صفات الوسائط النقدية المادية، مع عدم وجود أي من العوائق المادية لنقلها وتحويلها، وبهذا يمكننا القول إن البيتكوين قد يكون أفضل تقنية ادخار تمَّ اختراعها على الإطلاق. باعتباره أول شكل من أشكال النقد الرقمي، فإن أول وأهم مسائل البيتكوين تتمثَّل بقدرته على منح أي شخص في العالم إمكانية تحقيق السيادة على نقده. ولهذا، يحقِّق البيتكوين لمالكه درجةً من الحرية الاقتصادية لم تكن ممكنةً قبل اختراعه. فيمكن لحاملي البيتكوين إرسال كميات كبيرة من القيمة في أنحاء الكوكب دون الحاجة إلى طلب إذن من أي شخص؛ حيث إن قيمة البيتكوين لا تعتمد على أي شيء مادي في أي مكان في العالم، وبالتالي لا يمكن بشكل كلي عرقلته أو تدميره أو مُصادرته من قِبَل أي من القوى الفيزيائية لعالم السياسة أو عالم الجرائم. وأهمية هذا الاختراع للواقع السياسي في القرن الحادي والعشرين هي أنه ولأول مرة منذ ظهور الدولة الحديثة، توفَّر للأفراد حل تقني واضح للهروب من النفوذ والسطوة المالية للحكومات التي يعيشون تحت سيطرتها. ومن اللافت للنظر أن أفضل وصف لأهمية هذه التكنولوجيا يمكن العثور عليه في كتاب كُتب عام ١٩٩٧م؛ أي قبل ١٢ سنةً من إنشاء البيتكوين؛ حيث تمَّ توقُّع وجود عملة رقمية مشابهة بشكل ملحوظ للبيتكوين، والأثر الذي ستتركه في تحوُّل المجتمع البشري. ففي كتاب «الفرد ذو السيادة»، يرى «جيمس دافيدسون» و«ويليام ريزموغ» أن الدولة القومية الحديثة بقوانينها التقييدية وضرائبها المرتفعة ودوافعها الشمولية، قد وصلت إلى مستوى قمع كبير لحرية مواطنيها يمكن مقارنته بقمع الكنيسة في العصور الأوروبية الوسطى، وأن الأمور قد وصلت إلى مرحلة الغليان وجاهزة للانفجار. فبعد عبء الضرائب الثقيل وتزايد الرقابة على الأشخاص، وتزايد الطقوس، أصبحت تكاليف دعم الكنيسة لا تطاق بالنسبة للأوروبيين، فظهرت أشكال تنظيمية سياسية واقتصادية أكثر إنتاجيةً قامت باستبدال الكنيسة ونفت وجودها. اليوم، ولَّد ظهور الآلات، والصحافة المطبوعة، والرأسمالية، والدولة القومية الحديثة عصرَ المجتمع الصناعي والمفاهيم الحديثة للمواطنة. وبعد مرور خمسمائة عام، أصبح المجتمع الصناعي والدولة القومية الحديثة هم من يتسم بالقمع والصلابة والإرهاق، وأصبحت التكنولوجيا الجديدة هي من يبدِّد قوتها وأسباب وجودها. «المعالجات الدقيقة ستُقوِّض الدولة القومية وستدمِّرها» هي الأطروحة الاستفزازية للكتاب؛ حيث ستنبثق أشكال جديدة تنظيمية من تكنولوجيا المعلومات، وستدمِّر قدرة الدولة التي تُجبر المواطنين على دفع أكثر ممَّا يرغبون به مقابل خدماتها، وستقوم الثورة الرقمية بتدمير سيطرة الدولة الحديثة على مواطنيها، وستقلِّل من أهمية الدولة القومية كوحدة تنظيمية، وستمنح الأفراد سلطةً وسيادة لم يسبق لها مثيل على حياتهم الخاصة. يمكننا بالفعل رؤية حدوث هذه العملية بفضل ثورة تكنولوجيا الاتصالات؛ ففي حين أن الصحافة المطبوعة قد سمحت لفقراء العالم بالوصول إلى المعرفة التي كانت ممنوعةً عليهم ومحتكَرَة من قِبَل الكنائس، إلا أنها بقيت محدودةً بقيود إنتاج الكتب المادية؛ حيث إنه يمكن دائمًا مصادرتها أو حظرها أو حرقها. لكن لا يوجد مثل هذا التهديد في العالم الرقمي حيث تتواجد جميع المعارف البشرية، وهي متاحة بسهولة للأفراد بحيث يمكنهم الوصول إليها دون إمكانية مراقبتها من قِبَل الحكومة أو حظرها. كما أدَّى ظهور أشكال زهيدة الثمن من الاتصالات عبر الإنترنت إلى إلغاء أهمية الموقع الجغرافي للعمل، فيمكن الآن لمنتجي العديد من السلع اختيار الإقامة في أي مكان يُفضِّلونه؛ وذلك لأن منتجات عملهم أصبحت رقميةً وغير مادية بشكل متزايد، فأصبح بالإمكان نقلها حول العالم بشكل فوري. فبالتالي، أصبحت اللوائح التنظيمية الحكومية والضرائب أقل قوة، حيث يمكن للأفراد العيش أو العمل في الأماكن التي تناسبهم، وتسليم أعمالهم عبر شبكة الإنترنت. ومع تزايد قيمة الإنتاج الاقتصادي الذي يأخذ شكل السلع غير المادية، انخفضت القيمة النسبية للأراضي ووسائل الإنتاج المادية، وقللت عوائد مُصادرة تلك الوسائل المادية بالقوة. وبذلك، أصبحت رءوس المال المنتجة متجسِّدةً أكثر في الأفراد أنفسهم؛ ممَّا يجعل تهديد مُصادرتها قهرًا أمرًا عقيمًا بشكل متزايد؛ حيث أصبحت إنتاجية الأفراد الآن ترتبط ارتباطًا وثيقًا بموافقتهم ورضاهم. لكن عندما كانت إنتاجية الفلاحين ونجاتهم مرتبطةً بالأرض التي لا يملكونها، كان تهديد استخدام العنف كفيلًا بجعلهم منتجين لصالح صاحب الأرض. وبشكل مشابه، فإن اعتماد المجتمع الصناعي الكبير على رأس المال الإنتاجي المادي وناتجه الملموس قد جعل مُصادرته من قِبل الدولة أمرًا بسيطًا نسبيًّا كما تَبيَّن ذلك بشكل دموي في القرن العشرين، لكن مع كون القدرات العقلية للفرد هي القوة الإنتاجية الرئيسية للمجتمع، أصبح التهديد باستخدام العنف أقل فعالية بكثير. فبإمكان البشر الانتقال وبسهولة إلى حيث لا تُشكِّل السلطات القضائية تهديدًا لهم، أو بإمكانهم أن يكونوا منتجين على أجهزة الحواسيب دون أن تعرف الحكومة ما الذي ينتجونه. لقد كانت هناك قطعة واحدة أخيرة مفقودة في لغز الرقمنة، وهي تحويل الأموال والقيمة؛ فحتى في الوقت الذي تمكَّنت فيه تكنولوجيا المعلومات من إلغاء الضوابط والقيود الجغرافية والحكومية، إلا أن المدفوعات ظلَّت تحت سيطرة الحكومات والاحتكارات المصرفية التي تفرضها الدولة. ومثل جميع الاحتكارات التي تفرضها الحكومة، قاومت البنوك لسنوات الابتكارات والتغييرات التي تُفيد العملاء، وحدَّت من قدرتهم على استخراج الرسوم والإيجارات، لكن مع نمو وانتشار الاقتصاد العالمي، نما هذا الاحتكار ليصبح عبئًا ثقيلًا. لهذا، تنبَّأ دافيدسون وريزموغ بدقة بالغة شكل آلية الهروب من السجن النقدي وقالا: «أشكال رقمية من النقد مُشفَّرة ومحمية ومستقلة عن جميع القيود المادية، لا يمكن وقفها أو مصادرتها من قِبل السلطات الحكومية.» وفي حين أن هذا قد بدا كتنبُّؤ غريب عند كتابة الكتاب، إلا أنه أصبح الآن حقيقةً حية يستخدمها بالفعل الملايين في جميع أنحاء العالم، على الرغم من أن أهمية ذلك ليست مفهومةً على نطاق واسع. إن الجمع بين تشفير متين وقوي للمفتاح العام ومجتمعات الشبكات الافتراضية في الفضاء الإلكتروني سيؤدِّي إلى تغييرات عميقة ومثيرة للاهتمام في طبيعة النُّظم الاقتصادية والاجتماعية. إن اللاسلطوية الإلكترونية هي التطبيق الإلكتروني للاسلطوية الرأسمالية؛ فهي تتجاوز الحدود الدولية وتحرِّر الأفراد ليصبحوا قادرين على اتخاذ القرارات الاقتصادية التي يرغبون في اتخاذها … إن اللاسلطوية الإلكترونية هي تحرير الأفراد من قمع الحكومات ومن قمع جيرانهم الذين لا يستطيعون معرفتهم من على شبكة الإنترنت؛ فبالنسبة إلى الليبراليين، يوفِّر التشفير القوي الوسائل التي سيتم من خلالها تجنُّب الحكومة. إن تلك الرؤية اللاسلطوية الرأسمالية التي يصفها «ماي» هي الفلسفة السياسية التي طوَّرها الاقتصادي الأمريكي التابع للمدرسة النمساوية «موراي روثبارد»؛ ففي «أخلاقيات الحرية» يفسِّر روثبارد اللاسلطوية الرأسمالية الليبرالية باعتبارها الأثر المترابط المنطقي الوحيد لفكرة الإرادة الحرة والملكية الذاتية: فمبدأ عدم الاعتداء هو أساس نسخة روثبارد عن اللاسلطوية الرأسمالية، وعلى أساسها، لا يمكن أن يكون لأي عدوان تمَّ ارتكابه سواء من قِبَل الحكومة أو الأفراد مبرِّر أخلاقي؛ فالبيتكوين ولكونه طوعيًّا تمامًا وسلميًّا دومًا، يقدِّم لنا البنية التحتية النقدية لعالم مبني على التعاون الطوعي فقط. وعلى النقيض من التصوُّرات الشائعة لمؤيِّدي اللاسلطوية كسفاحين مقنَّعين، فإن نسخة البيتكوين عن اللاسلطوية هي سلمية تمامًا، وتوفِّر للأفراد الأدوات اللازمة للتحرُّر من التضخم وسيطرة الحكومة؛ فهي نسخة لا تسعى لفرض نفسها على أي أحد، وإن نمت ونجحت، فسيكون ذلك بسبب مزاياها الخاصة كتكنولوجيا محايدة سلمية على صعيد النقد والتسويات، وليس بسبب فرضها على الآخرين. تقليديًّا، كان الذهب وسيط تسوية عمليات الدفع، وكان يعمل كمخزن للقيمة في كل أنحاء العالم، وحدث هذا بسبب عدم قدرة أي جهة على زيادة عرضه بكميات كبيرة، فاكتسب قيمته في السوق الحرة وليس بضمانة من أي شخص آخر. وعندما اتَّسع مجال الاتصالات والسفر في القرن التاسع عشر متطلِّبًا تحويلات ماليةً عبر مسافات أكثر بعدًا، انتقل الذهب من أيدي الناس إلى خزائن المصارف، وفي النهاية إلى البنوك المركزية. وفي ظل المعيار الذهبي، استخدم الناس أصولًا ورقية للذهب، أو كتبوا شيكات مصرفيةً لتبادل قيمة الذهب دون الحاجة لنقله ماديًّا؛ ممَّا طوَّر كثيرًا من سرعة وفعالية التجارة العالمية. ولكن عندما قامت الحكومات بمصادرة الذهب وأصدرت نقدًا خاصًّا بها، لم يعد ممكنًا إجراء تسويات عالمية بين الأفراد والبنوك بالذهب، وبدلًا من ذلك أصبحت تُجرى بعملات وطنية متقلِّبة القيمة؛ ممَّا تسبَّب بمشاكل كثيرة للتجارة الدولية كما نوقش في الفصل السادس. ولهذا، صَنع اختراع البيتكوين من الصفر آليةً بديلة جديدة مستقلة للتسويات الدولية لا تعتمد على أي وسيط، ويمكن إجراؤها بشكل منفصل تمامًا عن البنية التحتية المالية الموجودة. فقدرة أي فرد على تشغيل عقدة بيتكوين وإرسال ماله الخاص دون إذن من أحد، ودون أن يُضطر لكشف هُويته، تُمثِّل اختلافًا مهمًّا بين الذهب والبيتكوين. فليس ضروريًّا تخزين البيتكوين على الحاسوب؛ حيث إن المفتاح الخاص لمخزون المرء من البيتكوين هو عبارة عن سلسلة من الأحرف أو سلسلة من الكلمات التي يتذكَّرها المرء. وبهذا، إن عملية التنقُّل بمفتاح خاص للبيتكوين أسهل بكثير من التنقُّل بمخزن من الذهب. كما أن عملية إرساله عبر العالم أسهل بكثير من إرسال الذهب دون حاجة للمُخاطرة بسرقته أو مصادرته. ففي حين تصادر الحكومات مُدَّخرات الناس من الذهب وتُجبرهم على المبادلة بالنقود التي يُفترض أن الذهب يدعمها، يستطيع الناس الاحتفاظ بكتلة مُدَّخراتهم من البيتكوين في وحدة تخزين بعيدة عن أيدي الحكومات، واستخدام مبالغ صغيرة فقط لتحويلها عبر الوسطاء. فطبيعة البيتكوين التكنولوجية ذاتها تضع الحكومات بموقف تنافسي ضعيف للغاية إذا ما قورنت بكل أشكال النقد الأخرى، وبالتالي تجعل مصادرته أصعب بكثير. كما أنه من غير العملي بشكل كبير على أية سلطة أن تؤدِّي دور المُقرض الأخير للمصارف التي تتعامل مع البيتكوين؛ وذلك بفضل قدرة حاملي البيتكوين على تعقُّب كل ممتلكات البيتكوين على سلسلة الكتل الخاصة به. فحتى في أوج فترة المعيار الذهبي الدولي، أمكن استبدال الذهب بالنقود، ونادرًا ما كانت تمتلك البنوك المركزية ما يكفي من الذهب لتغطية كامل عرض العملة الذي طرحته، وبالتالي كان لديها دومًا هامش لزيادة العرض الورقي لدعم العملة. أمَّا في البيتكوين، إن هذا الأمر أصعب بكثير، وهو الذي يقدِّم إثباتًا رقميًّا مشفَّرًا للحساب، ويساعد في كشف وفضح المصارف التي تعمل بطريقة نظام مصرفي احتياطي جزئي. ففي الغالب، إن الاستخدام المستقبلي للبيتكوين للمدفوعات الصغيرة لن يتم إجراؤه على السجل الموزَّع للبيتكوين، وسيتم إجراؤه باستخدام حلول الطبقات الثانية، كما سيتم توضيحه في النقاش عن زيادة سعة تحويلات البيتكوين في الفصل العاشر. ويمكن رؤية البيتكوين كالعملة الاحتياطية الظاهرة حديثًا للتبادلات التي تتم على الإنترنت؛ حيث سيُصدر ما يماثل المصارف على الإنترنت عملاتٍ رمزيةً مدعومة من قِبل البيتكوين للمستخدمين؛ بحيث يقوم هؤلاء المستخدمون بحفظ مخزونهم من البيتكوين في مخازن غير متصلة بشبكة الإنترنت، ويكون لكل فرد القدرة على تدقيق حسابات ممتلكات الوسيط بشكل فوري. وبوجود القدرة على التوثيق على الإنترنت ووجود سمعة للنظام، فسيكون الأفراد قادرين على توثيق عدم وجود تضخم. وهذا الأمر سيسمح بإجراء عدد لا نهائي من التحويلات على الإنترنت دون حاجة لدفع ثمن مرتفع لرسوم التحويلات التي تُجرى داخل سلسلة الكتل. ومع تطوُّر البيتكوين ليصبح له قيمة سوقية أعلى، إضافةً لارتفاع رسوم تحويلاته، يصبح البيتكوين أقرب إلى عملة احتياطية منه إلى عملة للمبادلات والتحويلات اليومية. وفي وقت كتابة الكتاب، وحتى مع درجة تبني قليلة نسبيًّا من العامة للبيتكوين، فإن غالبية تحويلات البيتكوين هي تحويلات غير مسجَّلة داخل سلسلة الكتل، ولكنها تحصل في بورصات وأنواع مختلفة من المنصات الإلكترونية المبنية على البيتكوين مثل المواقع الإلكترونية للمقامرة والكازينوهات. إن تلك الأعمال والمشاريع التجارية ستحتسب وستُقيِّد البيتكوين لزبائنها على السجلات الداخلية الخاصة بها، ولن تجري التحويلات على شبكة البيتكوين إلا عندما يودع أو يسحب الزبائن رصيدًا. وبحكم كونه نقدًا رقميًّا، فإن الأفضلية النسبية للبيتكوين ربما لن تكون باستبدال عمليات الدفع النقدية، بل ستكون بإعطاء القدرة على إجراء عمليات الدفع النقدية عبر مسافات بعيدة، بينما يمكن تسديد المدفوعات الشخصية للمبالغ الصغيرة بعدة خيارات؛ المبالغ النقدية المادية، والمقايضة، والخدمات، وبطاقات الائتمان، والشيكات المصرفية وغيرها. حيث قدَّمت تقنيةُ تسوية عمليات الدفع الحالية الحديثة مجموعةً كبيرة من الخيارات لتسوية عمليات الدفع الصغيرة بكلفة زهيدة. فأفضلية البيتكوين لا تكمن في الغالب في منافسة عمليات دفع المبالغ الصغيرة وللمسافات القصيرة، بل تكمن في نقل نهائية التسوية النقدية إلى العالم الرقمي؛ حيث صنعت أسرع طريقة للتسوية النهائية لعمليات الدفع الكبيرة عبر المسافات البعيدة والحدود الدولية. وهنا تظهر أفضلية البيتكوين الكبيرة عند مقارنته بعمليات الدفع تلك؛ فهناك بضع عملات فقط مقبولة في عمليات الدفع في كل أنحاء العالم مثل الدولار الأمريكي، واليورو، والذهب، وحقوق السحب الخاصة من صندوق النقد الدولي. وتُحتَسب أغلبية عمليات الدفع الدولية بإحدى تلك العُملات مع نسبة صغيرة فقط من بضع عملات مهمة أخرى. فإرسال مبلغ بقيمة بضعة آلاف الدولارات من تلك العُملات دوليًّا يُكلِّف عادةً عشرات الدولارات، وقد يستغرق بضعة أيام، وقد يتعرَّض لفحص جنائي تطفُّلي من قِبَل المؤسسات المالية. والسبب الرئيسي للتكلفة المرتفعة لهذه التحويلات هو عدم استقرار عُملات التبادل، ووجود مشاكل التسوية بين المؤسسات في الدول المختلفة؛ ممَّا يقتضي توظيف عدة طبقات من الوساطة. أمَّا البيتكوين فقد حقَّق خلال أقل من عشر سنوات من وجوده درجةً مهمة من السيولة العالمية، سامحًا بعمليات دفع دولية بأسعار أقل بكثير من التحويل الدولي الحالي، ولا يُقصد بهذا أن البيتكوين سيستبدل سوق تحويل النقد الدولية، بل إنه مجرَّد تنبيه إلى إمكانياته في مجال السيولة الدولية؛ فحجم التدفُّقات الدولية بوضعها الراهن أكبر بكثير ممَّا تستطيع سلسلة كتل البيتكوين تحمُّله، وإن انتقل المزيد من هذه الدفعات إلى البيتكوين، فسترتفع الرسوم لدرجة ستحد من الطلب عليه، لكن هذا لا يعني أيضًا هلاك البيتكوين؛ وذلك لأن قدرات البيتكوين ليست محدودةً بإرسال عمليات الدفع الفردية تلك. فالبيتكوين هو نقد خالٍ من مخاطر تخلُّف الجهة المقابلة، ويمكن أن تقدِّم شبكته تسويةً نهائية لعمليات دفع كبيرة الحجم خلال دقائق. بالتالي يمكن فهم البيتكوين بأفضل شكل بكونه منافسًا بتسوية الدفعات بين البنوك المركزية والمؤسَّسات المالية الكبيرة، وبأن له أفضليةً عليهم بفضل سِجلِّه الذي يمكن التحقُّق منه، وبفضل الحماية المُشفَّرة وحصانته ضد الثغرات الأمنية الناجمة عن وجود طرف ثالث. أمَّا استخدام عملات وطنية كبيرة للتسوية (الدولار الأمريكي، اليورو)، فإنه يحمل معه مجازفة تقلُّب أسعار الصرف لتلك العملات، كما أنه يتضمَّن الثقة بعدة طبقات من الوساطة الموجودة؛ ولهذا تستغرق التسويات بين البنوك المركزية والمؤسسات المالية الكبيرة أيامًا، وأحيانًا أسابيع ليتم تصفيتها؛ حيث يتعرَّض كل طرف خلال هذه المدة إلى مخاطر تخلُّف الجهة المقابلة وتقلُّب كبير بسعر العملات الأجنبية. لهذا، إن الذهب هو الوسيط النقدي التقليدي الوحيد الذي لا أحد يقدِّم له ضمانة، وخالٍ من مخاطر تخلُّف الجهة المقابلة، لكن نقل الذهب هو مهمة مكلِّفة جدًّا، ومحفوفة بالمخاطر. وبما أن البيتكوين لا يعاني من مخاطر تخلُّف الجهة المقابلة ولا يعتمد على أي طرف ثالث، فهو مناسب بشكل مميَّز لأداء نفس الدور الذي أدَّاه الذهب في المعيار الذهبي؛ فهو نقد محايد لنظام دولي، لا يُعطي أية دولة «الامتياز الباهظ» بإصدار العملة الاحتياطية العالمية، ولا يعتمد على أدائها الاقتصادي. وبما أنه غير مرتبط باقتصاد أي دولة محدَّدة، فلن تتأثَّر قيمته بحجم التبادلات المحتسبة به، متجنِّبًا كل مشاكل أسعار الصرف التي اجتاحت القرن العشرين. كما أن نهائية التسوية بالبيتكوين لا تعتمد على أي جهة مقابلة، ولا تتطلَّب أي مصرف ليتحكَّم بالواقع؛ ممَّا يجعله مثاليًّا لشبكة من النظراء العالميين، بدلًا من نظام مركزي عالمي مهيمن. وبهذا، تستند شبكة البيتكوين على شكل من النقد لا يمكن تضخيم عرضه من قِبَل أي مصرف عضو؛ ممَّا يجعله مخزنَ قيمة مقترحًا جذابًا أكثر من العملات الوطنية التي تمَّ استحداثها تحديدًا كي تتم زيادة عرضها لتمويل الحكومات. وبهذا، تستطيع شبكة عالمية من ٨٥٠ بنكًا مركزيًّا إجراء تسويات نهائية يومية فيما بينها عبر شبكة البيتكوين. فإذا كان كل بنك مركزي يخدم حوالي عشرة ملايين عميل، فإن هذا سيُغطي سُكان العالم بالكامل، وهذه أسوأ الاحتمالات في حال لم تزدد سعة البيتكوين على الإطلاق. وفي الفصل التالي، سيتم مناقشة عدة طرق يمكن بها زيادة السعة، حتى من غير تعديلٍ ببنية البيتكوين بطريقة غير متوافقة مع البنية الحالية، بحيث يمكن لتلك الطرق أن تسمح بتسويات يومية بين بضعة آلاف من المصارف. ففي عالمٍ لا تستطيع فيه أية حكومة استحداث المزيد من البيتكوين، ستتنافس البنوك المركزية للبيتكوين بحرية فيما بينها بتقديم حلول دفع ووسائل نقدية مادية ورقمية مدعومة من البيتكوين، وسيصبح النظام المصرفي الاحتياطي الجزئي تدبيرًا خطيرًا جدًّا دون وجود الملاذ الأخير للإقراض، وأتوقَّع أن المصارف الوحيدة التي ستنجو على المدى الطويل هي تلك المصارف التي تقدِّم أدوات ماليةً مدعومة ١٠٠٪ من قِبل البيتكوين، لكن هذه نقطة خلاف بين الاقتصاديين، والوقت وحده يستطيع تحديد هذا؛ حيث إن تلك المصارف ستقوم بتسوية الدفعات بين عملائها خارج سلسلة كتل البيتكوين، ثم ستجري تسوية نهائية يومية فيما بينها على سلسلة الكتل. وفي حين قد تبدو هذه الرؤية خيانةً للرؤية الأصلية للبيتكوين؛ وذلك بأن تكون الشبكةُ شبكةَ نقدِ نظيرٍ إلى نظير بشكل كامل، إلا أنها ليست رؤيةً جديدة. ﻓ «هال فيني»، مُستلم أول تحويل بيتكوين من ناكاموتو، كتب هذا على منتدى البيتكوين عام ٢٠١٠م: في الحقيقة، هناك سبب جيد جدًّا لوجود مصارف مدعومة بالبيتكوين تُصدر عملتها النقدية الخاصة التي يمكن استبدالها بالبيتكوين. فلا يمكن أن يرتقي البيتكوين نفسه ليكون كل تحويل مالي في العالم منشورًا للجميع ومُتضمَّنًا في سلسلة الكتل، بل يجب أن يكون هناك مستوًى ثانوي لأنظمة الدفع أخف وزنًا وأكثر فعالية، كما أن الوقت اللازم لإنهاء تحويلات البيتكوين لن يكون عمليًّا كوسيط للمشتريات المرتفعة القيمة. فالمصارف المدعومة بالبيتكوين ستحل تلك المشاكل بحيث يمكنها أن تعمل كما كانت تعمل المصارف قبل تأميم العملة، فيمكن للمصارف المختلفة أن تمتلك سياسات مختلفة، بعضها أكثر شدة، والأخرى أكثر محافظة، كما سيكون بعضها احتياطيًّا جزئيًّا، في حين سيكون غيرها مدعومًا بالبيتكوين ١٠٠٪، وقد تختلف معدَّلات الفائدة، وقد يُتبادل النقد من بعض المصارف بخصم بالسعر مقارنةً بغيرها. ووضع «جورج سليجن» نظريةً مفصلة للبنوك الحرة التنافسية، وهو يقول إن نظامًا كهذا سيكون مستقرًّا، ومقاومًا للتضخم، وذاتي التنظيم: أظن أن هذا سيكون مصير البيتكوين النهائي ليكون «المال الاحتياطي» الذي يخدم كعملة احتياطية للمصارف التي تُصدر نقدها الرقمي الخاص؛ فمعظم تحويلات البيتكوين ستحدث بين المصارف لتسوية التحويلات النهائية، وأمَّا تحويلات البيتكوين من قِبَل الأفراد العاديين فستكون نادرةً مثل عمليات الشراء المعتمدة على البيتكوين اليوم. فيمكن أن يكون عدد التحويلات في اقتصاد البيتكوين كبيرًا كما هو اليوم، لكن لن يتم تسوية تلك التحويلات على سجل البيتكوين؛ وذلك لأن صفة عدم قابليته للتغيير أو اعتماده على ثقة طرف ثالث ستجعله أثمن من أن يُستخدم في المدفوعات الفردية. وأيًّا كانت أوجه القصور بحلول الدفع الحالية، فإنها ستستفيد كثيرًا من تقديم منافسة السوق الحرة إلى القطاع المصرفي وعمليات الدفع، وهو أحد أهم القطاعات المُتصلِّبة في اقتصاد العالم الحديث؛ لأنه يقع تحت سلطة الحكومات التي تستطيع استحداث النقود التي تُديرها وتعمل بسبب وجودها. وسيصبح البيتكوين عملةً احتياطية لشكل جديد من البنوك المركزية إذا استمرَّ نمو قيمته، وتزايد استخدامه من قِبَل المؤسسات المالية، فيمكن أن تكون تلك البنوك المركزية مستندةً بشكل أساسي على العالم الرقمي أو المادي، لكن أصبح من الجدير بنا أن نفكِّر فيما إذا كان على البنوك المركزية الوطنية دعم احتياطاتها بالبيتكوين؛ ففي النظام النقدي العالمي الحالي، تحتفظ البنوك المركزية باحتياطي، ويكون هذا الاحتياطي عادةً ممثَّلًا بالدولار الأمريكي، واليورو، والجنيه الإسترليني، وحقوق السحب الخاصة من صندوق النقد الدولي، والذهب. وتُستخدم تلك العملات الاحتياطية لتسوية الحسابات بين البنوك المركزية وللدفاع عن القيمة السوقية لعُملاتها المحلية. ومن المحتمل أن يجذب البيتكوين اهتمام البنوك المركزية المتطلِّعة إلى المستقبل، وذلك إذا استمرَّ ارتفاع قيمته بنفس النهج الذي ارتفعه كما في السنوات الأخيرة. وسيؤمِّن البيتكوين للبنك المركزي مرونةً أكبر لسياساته النقدية ولتسوية الحسابات الدولية إذا استمرَّ ارتفاع قيمته بشكل كبير، لكن قد يكون الهدف الحقيقي لامتلاك البنوك المركزية للبيتكوين هو كضمان لاحتمال نجاحه؛ حيث إنه وبما أن عرض البيتكوين محدود بشكل صارم، فقد يكون من الحكمة أن يُنفق البنك المركزي مبلغًا صغيرًا لشراء نسبة صغيرة من معروض البيتكوين اليوم في حال ارتفعت قيمته كثيرًا في المستقبل. فإذا استمرَّت قيمة البيتكوين بالارتفاع بحيث لم يمتلك البنك المركزي أيًّا منه، فستنخفض القيمة السوقية للذهب والعملات الاحتياطية لديه مقارنةً بالبيتكوين؛ ممَّا سيضع هذا البنك المركزي بحالة عدم أفضلية كلما تأخَّر في قرار شراء احتياطي منه. إن تجربة البيتكوين لا تزال تُعتَبر تجربة إنترنت غير تقليدية وغريبةً حتى الآن، لكنها ستبدأ بجذب اهتمام حقيقي للأفراد ذوي الرصيد المالي الضخم، وهيئات الاستثمار، ومن ثم ربما البنوك المركزية بفضل استمراره بالنجاة وارتفاع قيمته مع مرور الوقت. فبدء تفكير البنوك المركزية في استخدام البيتكوين سيكون هو النقطة التي يبدءون فيها سباق الحصول عليه، وبهذا، إن أول بنك مركزي سيشتري البيتكوين سيُنبِّه بقية البنوك المركزية إلى الإمكانية، ويجعل الكثير منها تُسارِع إلى شرائه. فغالبًا، ستؤدِّي أول عملية اقتناء للبيتكوين من قِبل بنك مركزي ما إلى ارتفاعٍ كبير في قيمته، وبالتالي ستجعل سعره يرتفع تدريجيًّا بالنسبة إلى البنوك المركزية التالية التي ستشتريه. والتصرُّف الأكثر حكمةً في هذه الحالة هو بشراء البنك المركزي لحصة صغيرة من البيتكوين، وإذا كان للبنك المركزي القدرة المؤسساتية لشراء العُملة دون الإعلان عن الأمر، فإن هذا سيكون تصرُّفًا أكثر حكمة، سامحًا للبنك المركزي بجمعه بأسعار منخفضة. ويمكن أن يخدم البيتكوين أيضًا بكونه أصلًا احتياطيًّا مفيدًا للبنوك المركزية التي تواجه قيودًا دوليةً على عملياتها المصرفية، أو إذا كانت غير سعيدة بالنظام النقدي العالمي المتمركز حول الدولار؛ فقد تُثبت إمكانية تبني احتياطي من البيتكوين بحد ذاتها أنها ورقةُ مساوَمة قيِّمة لتلك البنوك المركزية مع السلطات النقدية الأمريكية، التي تُفضِّل غالبًا ألَّا ينشق أي بنك مركزي ويتحوَّل إلى البيتكوين كوسيلة للتسوية؛ لأن هذا سيُغري الآخرين للانضمام. وفي حين كانت البنوك المركزية بمعظمها رافضةً ومتجاهلة لأهمية البيتكوين، فقد يكون هذا ترفًا لن تتمكَّن من تحمُّله لفترة طويلة؛ فمهما صعُب على البنوك المركزية تصديق هذا، لكن البيتكوين هو منافس مباشر لمجال عملها الذي كان معزولًا عن المنافسة السوقية طوال قرن من الزمن؛ فالبيتكوين يجعل المعالجة العالمية لعمليات الدفع والتصفيات النهائية متاحةً لأي شخص كي يجريها بكلفة صغيرة، كما أنه يستبدل السياسة النقدية التي يتحكَّم بها البشر بخوارزميات متفوِّقة عليهم ويمكن توقُّعها بشكل مثالي. لهذا، إن نموذج عمل البنك المركزي الحديث يتعرَّض للعرقلة والتعطيل، ولا تستطيع البنوك المركزية الآن إيقاف المنافسة عن طريق تمرير القوانين كما كانت تفعل دائمًا، حيث إنها الآن في مواجهة منافس رقمي لن تتمكَّن غالبًا من إخضاعه لقوانين العالم المادي. وفي حال لم تلجأ البنوك الوطنية المركزية إلى استخدام سياسة البيتكوين النقدية السليمة وقدرته على التسوية الفورية، فإنها ستترك الباب مفتوحًا لتستولي هذه الأساليب الرقمية على المزيد من هذا السوق لتخزين القيمة وللتسوية. فإذا كان العالم الحديث الآن هو روما القديمة التي تعاني من عواقب اقتصادية لانهيار نقدي، وإن اعتبرنا أن الدولار هو العملة الذهبية الرومانية، فسيكون ساتوشي ناكاموتو هو قسطنطين والبيتكوين هو عملته، والإنترنت هو القسطنطينية. بهذا، إن البيتكوين يعمل كقارب نجاة نقدي للأفراد المُجبَرين على التحويل والادخار بالوسائط النقدية التي تحط الحكومات من قدرها بشكل مستمر. ووفقًا للتحليل السابق، تكمن ميزة البيتكوين الحقيقية في كونه مخزنًا للقيمة يمكن الوثوق به على المدى الطويل، وبكونه شكلًا نقديًّا ذا سيادة يسمح للأفراد بإجراء تحويلات دون إذن. وستنبع استخدامات البيتكوين الرئيسية في المستقبل القريب من هذه الميزات التنافسية، وليس من قدرته على تقديم تحويلات رخيصة أو واسعة الانتشار. غالبًا، لن يتبلور التطبيق الأخير للبيتكوين في وقت قريب، لكنه مع ذلك أمر مثير للاهتمام نظرًا إلى خواص البيتكوين المميَّزة؛ فمنذ نهاية عصر المعيار الذهبي، تمَّت إعاقة التجارة العالمية بسبب اختلاف قيمة العملة في الدول المختلفة، وتمَّ تدمير قدرة الناس على إجراء تبادل غير مباشر باستخدام وسيط وحيد للتبادل؛ ممَّا اضطرَّهم لصُنع عالم يجب على المرء فيه شراء عملة المُنتج نفسه قبل شراء أي شيء خارج دولته بشكل يشبه المقايضة تقريبًا. فأعاق هذا الأمر وبشدة من قدرة الناس على إجراء الحسابات الاقتصادية عبر الحدود، وأدَّى إلى نمو هائل بقطاع صرف العملات الأجنبية، ليس لذلك القطاع أي ناتج ذي قيمة إلا تحسين العواقب الوخيمة التي نتجت من تأميم النقد. فقدَّم المعيار الذهبي حلًّا لهذه المشكلة؛ حيث كان المعيار النقدي في كل أنحاء العالم شكلًا واحدًا من النقد، وكان مستقلًّا عن سيطرة وسلطة أية حكومة، كما كان بالإمكان معايرة الأسعار بأسعار الذهب، وتمَّ التعبير عنها باستخدامه؛ ممَّا سهَّل الحسابات عبر الحدود. لكن وبسبب وزنه المادي الثقيل، وجب أن يكون الذهب مركزيًّا، وأن تتم التسويات بين البنوك المركزية. فما إن أصبح الذهب مركزيًّا، لم تستطع الحكومات مقاومة إغرائه، فسيطرت عليه واستبدلته في نهاية الأمر بعملات ورقية تسيطر على عرضها، وبالنتيجة أصبح النقد السليم نقدًا غير سليم. وفيما إن كان للبيتكوين القدرة على أداء دور وحدة حساب عالمية للتجارة والنشاط الاقتصادي، فإن هذا سؤال يبقى مفتوحًا. لكن ولكي يتم تطبيق هذه الإمكانية، فإنه يجب أن يتم تبني البيتكوين من قِبَل عدد كبير جدًّا من الناس في العالم بشكل غير مباشر غالبًا، وذلك باستخدامه كعملة احتياطية. كما أنه علينا الانتظار أيضًا لنعرف إذا كان ثبات عرض البيتكوين سيحافظ على استقرار قيمته أيضًا؛ حيث ستكون التحويلات اليومية فيه هامشيةً مقارنة بالكميات المُمتَلكة. ولكن بما أن البيتكوين يشكِّل أقل من ١٪ من العرض النقدي العالمي بصيغته الحالية، فيمكن أن يكون تأثير التحويلات الفردية الضخمة في البيتكوين كبيرًا على الأسعار، وقد تُسبِّب التغييرات الطفيفة في الطلب عليه تأرجحًا وتقلُّبًا كبيرًا في الأسعار. لكن هذه خاصية للوضع الحالي؛ حيث لم يزل البيتكوين كعملة وكشبكة تسوية عالمية يشكِّل جزءًا صغيرًا من تسوية عمليات الدفع العالمية والعرض النقدي. وقد يُعتبَر شراء عملة بيتكوين رمزية اليوم استثمارًا في النمو المتسارع للشبكة، وقد يُعتبَر عملةً كمخزن قيمة؛ لأنها لم تزَل صغيرةً جدًّا ويمكن أن ينمو حجمها وقيمتها أضعافًا مضاعفةً بسرعة كبيرة. فإذا أصبحت حصة البيتكوين من العرض النقدي العالمي وتحويلات التسوية العالمية الحصة الأكبر في السوق العالمية، سيصبح عندها مستوى الطلب عليه أسهل للتوقُّع، وسيكون أكثر استقرارًا؛ ممَّا سيؤدِّي إلى استقرار قيمة العملة. وإذا أصبح البيتكوين، فرَضًا، النقد الوحيد المستخدَم في العالم، فلن يكون هناك مجال كبير للنمو في قيمته، وسيكون الطلب عليه في تلك النقطة ببساطة هو طلب امتلاك نقد يمتلك سيولة، أمَّا الطلب عليه للاستثمارات القائمة على المراهنات التي نراها اليوم فسيختفي. وفي هذه الحالة، ستتغيَّر قيمة البيتكوين وفقًا للتفضيل الزمني للبشرية بأكملها مع تزايد الطلب عليه كمخزن قيمة، مؤدِّيًا إلى ارتفاع طفيف فقط في قيمته. على المدى الطويل، سيؤدِّي غياب أية سلطة مسيطرة على عرض البيتكوين إلى تخفيف تقلُّبات السعر بدلًا من خلقها؛ بحيث تصبح تقلُّبات الطلب اليومية أقل أهميةً كمحدِّد للسعر؛ وذلك بفضل إمكانية توقع العرض مع ازدياد عدد المستخدمين؛ حيث سيتمكن صُناع السوق من حد وتخفيف تقلُّبات العرض والطلب، واستحداث سعر أكثر استقرارًا. عندها، سيكون الوضع مشابهًا للذهب تحت المعيار الذهبي، كما شُرح بالتفصيل في دراسة جاسترام المشار إليها في الفصل السادس. فلم ترتفع أو تنخفض قيمة الذهب كثيرًا طوال العقود التي كان يُستخدم فيها كنقد بفضل التزايد الثابت والتدريجي في عرضه؛ ممَّا جعله وحدة الحساب المثالية عبر الزمان والمكان. لكن هذا السيناريو يتجاهل اختلافًا جوهريًّا بين الذهب والبيتكوين، يتمثَّل هذا الاختلاف بالطلب الكبير المرن على الذهب المستخدَم في عدد وافر من التطبيقات الصناعية والتزيينية؛ حيث إن خواص الذهب الكيميائية المميَّزة تضمن دوام ارتفاع الطلب عليه بغض النظر عن دوره النقدي. فحتى مع تغيُّر الطلب النقدي على الذهب، ستبقى الصناعة مستعدةً لاستخدام كميات غير محدودة من الذهب إن انخفض السعر بسبب انخفاض الطلب النقدي عليه. لهذا، إن الذهب هو الخيار الأمثل لعديد من الصناعات بفضل خواصه، حيث لا يتم اختيار بدائل ثانوية إلا بسبب ارتفاع سعره. وحتى في السيناريو الذي تتخلَّص فيه كل البنوك المركزية من احتياطاتها من الذهب، فإن المتطلَّبات الصناعية وصناعة المجوهرات ستمتص كل العرض الفائض بتخفيضات أسعار مؤقتة. فنُدرة الذهب في القشرة الأرضية ستضمن لنا دائمًا أن يظل سعره مرتفعًا نسبيًّا مقارنةً بالمواد الأخرى والمعادن، ولقد كان لتلك الخاصية دور رئيسي في تبني الذهب كنقد؛ لأنها ضمنت استقرارًا نسبيًّا في قيمته بمرور الوقت بغض النظر عن تغيُّرات الطلب النقدي في البلدان التي تتبنَّى أو تتخلَّى عن المعيار الذهبي. ويمكن القول إن هذا الاستقرار النسبي عزَّز من جاذبية الذهب كأصل نقدي وضمن الطلب عليه، ويمكن أن يُفهم أيضًا كالسبب الحقيقي لعدم بيع البنوك المركزية كل احتياطاتها من الذهب بعد عقود من فصل عملاتها عن الذهب. فإذا باعت البنوك المركزية احتياطاتها من الذهب، ستكون المحصِّلة النهائية هي استخدام أطنان إضافية من الذهب في التطبيقات الصناعية في السنوات القليلة القادمة، بتأثير صغير على سعره. ولن يحصل البنك المركزي في هذه المبادَلة إلا على عملة ورقية يستطيع طباعتها بنفسه، وسيخسر أصلًا من المرجَّح أن يحصل على قيمة أكبر من قيمة عملته. فيمكن فهم الطلب المكافئ غير النقدي على البيتكوين كالطلب على القطع النقدية ليس من أجل تخزين القيمة، بل كشرط أساسي ضروري لاستخدام الشبكة. ولكن على عكس الطلب الصناعي على الذهب المستقل تمامًا عن طلبه النقدي، فإن الطلب على البيتكوين لتشغيل الشبكة مرتبط بشكل لا يمكن فصله بتاتًا بالطلب عليه كمخزن للقيمة، وبالتالي لا يمكن أن نتوقَّع أن يؤدِّي دورًا مهمًّا في التخفيف من حدة تقلُّب قيمة البيتكوين السوقية في الوقت الذي يزداد فيه دوره النقدي. فمن جهة، يُعتبَر البيتكوين خيارًا جذابًا جدًّا كمخزن للقيمة بفضل ندرته الصارمة. ويمكن لعدد متزايد من مالكيه تحمُّل التقلُّبات في قيمته لفترات زمنية طويلة إذا كانت قيمته متجهةً بقوة للأعلى، كما كان الوضع حتى الآن. ومن جهة أخرى، إن استمرار تقلُّب قيمة البيتكوين سيمنعه من تأدية دور وحدة حساب، على الأقل حتى تتضاعف قيمته عدة مرات، وتتضاعف معها نسبة الناس حول العالم الذين يمتلكونه ويقبلونه. بالرغم من ذلك، ونظرًا إلى أن سكان العالم اليوم عاشوا فقط في عالم من عملات ورقية متقلِّبة ومتغيِّرة القيمة فيما بينها، فغالبًا ما سيكون مالكو البيتكوين أكثر تحمُّلًا لتقلُّباته من أجيال نشأت في ثبات المعيار الذهبي؛ حيث إن أفضل العملات الورقية الآن كانت مستقرةً على المدى القصير فقط، لكن انخفاض القيمة على المدى الطويل هو أمر واضح. بالمقابل حافظ الذهب على استقراره على المدى الطويل، لكنه غير مستقر نسبيًّا على المدى القصير، لكن لا يبدو أن عدم استقرار البيتكوين سيكون عيبًا قاتلًا قد يمنع نموه وتبنيه؛ نظرًا إلى أن جميع بدائله تعاني أيضًا من عدم الاستقرار النسبي. ولا يمكن الإجابة عن هذه الأسئلة بشكل قاطع في الوقت الراهن، والعالم الحقيقي وحده سيكشف لنا ما ستئول إليه الأمور. فالحالة النقدية هي مُنتَج عَفْوي للفعل البشري، وليست مُنتَجًا عقلانيًّا من التصميم البشري. ويتصرَّف الأفراد وفقًا لمصلحتهم الخاصة؛ بحيث إن الإمكانيات التكنولوجية والواقع الاقتصادي للعرض والطلب تُشكِّل ناتج تصرُّفاتهم، مؤمِّنةً لهم حوافز ليثابروا، ويتأقلموا، ويُغيِّروا، أو يبتكروا. فانبثاق نظامٍ نقدي عَفْوي من هذه التفاعلات المعقَّدة ليس أمرًا يتم تداوله ونقاشه في المناظرات الأكاديمية، أو التخطيطات العقلانية، أو يمكن أن يتم بوصاية الحكومة. فما قد يبدو أنه تكنولوجيا أفضل للنقد نظريًّا ليس بالضرورة أن تنجح بالعمل في الواقع، كما أنه قد يستبعد منظِّرو النقد البيتكوين كوسيط نقدي بسبب تقلُّبات قيمته، لكنهم لا يستطيعون تجاهل النظام العَفْوي الذي يظهر في السوق نتيجةً لأفعال البشر. فكمخزنٍ للقيمة، قد يستمر البيتكوين في جذب طلب المدَّخرات عليه؛ ممَّا سيسبِّب استمرار ارتفاع قيمته بشكل كبير مقارنةً بكل أشكال النقد الأخرى حتى يصبح الخيار الأول لكل من يريد أن يُدفَع له. فإذا حقَّقت قيمة البيتكوين استقرارًا من نوع ما، سيتفوَّق البيتكوين على العملات الوطنية لتسوية عمليات الدفع العالمية، كما هي الحالة اليوم؛ وذلك لأن قيمة العملات الوطنية تتذبذب وفقًا لظروف كل دولة وظروف كل حكومة، ووفقًا لتبنيها المنتشر كعملة احتياطية عالمية؛ ممَّا يؤدِّي إلى «امتياز باهظ» للدول التي تستحدثها وتُصدرها. لهذا، يجب أن تكون عملة التسوية العالمية محايدةً للسياسة النقدية للدول المختلفة، وأدَّى الذهب هذا الدور بتميُّز أثناء فترة المعيار الذهبي العالمي. لكن، يوجد للبيتكوين أفضلية على الذهب في أداء هذا الدور؛ لأنه يمكن إنهاء تسويته خلال دقائق، ويمكن تأكيد مصداقية تحويلاته بسهولة من قِبَل أي شخص لديه اتصال بالإنترنت بدون تكلفة تقريبًا. بالمقابل فإن الذهب يستغرق وقتًا لنقله، وتعتمد تصفيته على درجات مختلفة من الثقة بالوسطاء المسئولين عن تسويته ونقله؛ فقد يحفظ هذا الأمر دور الذهب النقدي في التحويلات النقدية الفردية التي تحدث وجهًا لوجه، في حين سيصبح البيتكوين مختصًّا في التسوية العالمية. | {
"chapter": "لمَ يصلُح البيتكوين؟",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "معيار البيتكوين : البديل اللامركزي للنظام المصرفي المركزي",
"url": "https://www.hindawi.org/books/79060903/9/"
} |
وبعد .. هذا هو لبنان قد قُسِّم أو هو في الطريق، ومع هذا لا تزال الدماء وبوعورة تسيل .. ها هم المسيحيون سيستقلون «بإسرائيل» المارونية الجديدة، وها هم المسلمون سيستقلون «بإسرائيل» السُّنية الشيعية الدرزية الجديدة .. فهل هذه هي النهاية؟ وهل ستكف الحرب مستقبلًا بين المارون والأرثوذكس، وبين اللبنانيين المسلمين والفلسطينيين، وبين السنة والشيعة والدروز؟ وهل إذا كفَّت الحرب في لبنان ستكف في مسقط أو عمان أو الصحراء أو السودان؟ أما آن الأوان أن نفيق قليلًا أو نرفع رءوسنا الممتلئة خدرًا وحربًا وطموحات وأحقادًا وأدرانًا ونتساءل: أليس هناك طريق آخر؟ إن لبنان قد يبدو النهاية، ولكن الحقيقة المُرَّة أنه ليس سوى البداية، والطريق أكثر وعورة مما قد يتصوره بعض حَسَني النية؛ بل لا أبالغ إذا قلت: إن المشكلة الفلسطينية برمتها، مشكلة اغتصاب قطعة من قلب الأمة العربية، والاستعداد للزحف على بقية الأجزاء أيضًا ليست سوى مقدمة متواضعة لما ستتمخض عنه الأيام. من أجل هذا كان لا بد أن يُغير الغرب سياسته ويأتي بالكيسنجرية لتفتح ملفات المنطقة — قديمها وحديثها — وبالذات الملفات الإنجليزية وتتفحصها بعنايةٍ فائقة، وما أروع ما وجدت الكيسنجرية! وبعد؟! یا مفكري العالم العربي. يا شبابه. یا عقلاءه — إن كان قد تبقى عاقل. ولا أقول أبدًا يا حكوماته. أرجوكم! اعقدوا مؤتمرًا — وفورًا — لنتدارك الجهنم التي نحياها والجهنم الأكبر التي تُجهَّز لنا. | {
"chapter": "لبنان هو البداية",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "الإرادة",
"url": "https://www.hindawi.org/books/80626160/14/"
} |
(يظهر شبح بولودوروس ويُحلِّق فوق خيمة أجاممنون.) (يخرج.) (يدخل كوروس من النساء الطرواديات الأسيرات.) (تدخل بولوكسينا.) (يدخل أوديسيوس.) (يخرج أوديسيوس وبولوكسينا.) (يغمى عليها.) (يدخل تالثوبيوس.) (تدخل خادمة ومعها بعض الحمالين يحملون جثتَه مغطاةً.) (يدخل أجاممنون.) (يخرج.) (يدخل بولوميستور مع ولَدَيه الصغيرَين، يتبعهم حرسٌ من الرماحين التراقيين.) (تدخل هيكوبا وبولوميسور والطفلان، الخيمة.) (تدخل هيكوبا.) (يدخل بولوميستور.) (يدخل أجاممنون.) (أجاممنون يُرجعه إلى الخلف.) (يخرج الجميع.) | {
"chapter": "المنظر",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "هيكوبا وأوريستيس",
"url": "https://www.hindawi.org/books/46158086/6/"
} |
شهدت الحرب العالمية الأولى نهاية عصر الوسائط النقدية بكونها خيارًا يتم تحديده بالأسواق الحرة، وبداية عصر النقد الحكومي. وبينما استمر الذهب في دعم وتعزيز النظام النقدي العالمي إلى يومنا هذا، إلا أن المراسيم والقرارات الحكومية جنبًا إلى جنب مع السياسة النقدية أصبحت تُشكِّل الواقع النقدي للعالم أكثر من أي جانب من جوانب الخيارات الفردية. إن الاسم الشائع للنقد الحكومي هو النقود الورقية، وهو من الكلمة اللاتينية للمرسوم أو النظام أو التفويض. وبدايةً يتوجَّب فهم حقيقتَين هامتَين حول النقود الحكومية؛ الحقيقة الأولى: هناك اختلاف كبير جدًّا بين النقود الحكومية التي يمكن استبدالها بالذهب، وبين النقود الحكومية التي لا يمكن استبدالها حتى وإن كانت الحكومة تُدير كلًّا منهما. ففي ظل المعيار الذهبي، كان النقد هو الذهب، وتتحمل الحكومة مسئولية صك وحدات معيارية من المعدن أو طباعة الورق المدعوم بالذهب فقط، ولا تملك الحكومة أي سيطرة على عرض الذهب في الاقتصاد، بحيث يمكن للناس استبدال أوراقهم بالذهب المادي في أي وقت يرغبون، كما يمكنهم استخدام أشكال وصيغ أخرى من الذهب كالسبائك والقطع النقدية الأجنبية في تعاملهم مع بعضهم البعض. من جهة أخرى، ومع النقود الحكومية غير القابلة للاستبدال، فإنه يتم استخدام دَين الحكومة و/أو الأوراق الحكومية كنقود، ويمكن للحكومة زيادة عرضها بما تراه مناسبًا. وفي حال قام أي فرد باستخدام أشكال أخرى للتبادل، أو حاول صُنْع المزيد من النقود الحكومية، فسيواجه خطر تعرُّضه للعقاب والمُساءلة. الحقيقة الثانية والتي غالبًا ما يتم تجاهلها، هي أنه خلافًا لما قد يوحي به الاسم فلم يبدأ تداول أي نوع من أنواع النقود الورقية عبر سَنِّ مراسيم الحكومة لوحدها؛ فقد كانت جميع النقود الورقية هذه بالمقام الأول قابلةً للتحويل إلى ذهب أو فضة أو إلى عملات كان بالإمكان تحويلها إلى ذهب أو فضة، ويمكن القول إنه فقط عَبْر قابلية تحويل هذه النقود الورقية إلى صيغ أخرى قابلة للبيع، اكتسبت هذه الأوراق النقدية الحكومية قابليتها للبيع. وقد تُصدر الحكومة مرسومًا يقضي بإجبار الناس على استخدام أوراقها لإجراء المدفوعات، ولكن لم تستطع أي حكومة حتى الآن فرض قابلية البيع هذه على أوراقها دون أن تكون هذه الأوراق قبل ذلك قابلةً للتحويل إلى الذهب والفضة. فحتى يومنا هذا، ما تزال جميع البنوك المركزية الحكومية تحتفظ باحتياطات؛ وذلك كي تدعم قيمة عملتها الوطنية، وغالبية الدول تحتفظ ببعض الذهب في احتياطاتها، وأما بالنسبة للدول التي لا تمتلك احتياطات من الذهب، فإنها تحافظ على احتياطاتها بصيغة النقود الورقية للبلدان الأخرى، والمدعومة بدورها باحتياطات الذهب. فلا توجد أي عملة ورقية يجري تبادلها حاليًّا دون أي شكل من أشكال الدعم لها. وخلافًا للعقيدة المركزية المغلوطة بشكل فاضح في نظرية إصدار وإدارة الدولة للنقد، لم تُصدر الحكومات مراسيم تقضي بجعل الذهب نقدًا، بل تمكَّنت هذه الحكومات من جعل نقودها مقبولةً فقط عبر عملية الاحتفاظ بالذهب. وأقدم مثال مُسجَّل على النقود الورقية هو «جياوزي»، وهي عملة ورقية صادرة عن عائلة «سونغ» في الصين في القرن العاشر. في البداية، كانت جياوزي إيصالًا للذهب أو الفضة، ولكن بعد ذلك سيطرت الحكومة على إصدارها وعلَّقت قابلية تحويلها، ممَّا زاد من حجم العملة المطبوعة حتى انهارت. كما أصدرت عائلة «يوان» عملةً ورقية عام ١٢٦٠م سُمِّيت «تشاو»، وتجاوَز عرضها النقدي بشكل كبير الدعم المعدني لها، وبنتائج كارثية كما هو متوقع. وبانهيار قيمة النقود، أصبح الناس في فقر مدقع، حيث لجأ العديد من الفلاحين إلى بيع أطفالهم للعبودية. إذن، فالنقود الحكومية في صيغتها تشبه الصيغ البدائية من النقد، والتي تمت مناقشتها في الفصل الثاني، كما تشبه أيضًا السلع الأخرى عدا الذهب بإمكانية زيادة عرضها بشكل سريع مقارنةً بمخزونها، ممَّا يؤدي إلى فقدان سريع لقابلية بيعها، وتدمير قوتها الشرائية وإفقار حامليها. ففي هذا الصدد، إنها تختلف عن الذهب الذي لا يمكن زيادة عرضه بسبب الخواص الكيميائية الأساسية لهذا المعدن والتي تم نقاشها سابقًا. لهذا، إن اشترطت الحكومة استخدام نقودها لدفع ضرائبها، فقد يضمن ذلك حياةً أطول لتلك النقود، لكن هذا الضمان مرهون بقدرة الحكومة على منع التوسع في العرض الجديد من هذه النقود؛ وذلك من أجل حماية قيمتها من التدهور السريع. وعند مقارنة العملات الوطنية المختلفة، سنجد أن العملات الوطنية الرئيسية المُستخدمة بشكل كبير وعلى نطاق واسع، هي تلك التي تكون زيادة عرضها السنوي أقل بالمقارنة مع العملات الثانوية الأقل قابليةً للبيع. إن الكثير من أعداء النقد السليم والذين سمَّاهم «ميزس» في الاقتباس المشار إليه في نهاية الفصل السابق، قد حقَّقوا انتصارهم على المعيار الذهبي مع بداية حرب صغيرة في مركز أوروبا عام ١٩١٤م، والتي اتَّسعت بعد ذلك لتصبح الحرب العالمية الأولى في التاريخ البشري. ومن المؤكد أنه لم يتصور أحدهم مع بداية الحرب أنها ستدوم طويلًا مُنتجةً هذا العدد الهائل من الوفَيَات، ولكن هذا ما حدث بالفعل. فعلى سبيل المثال، بشَّرت الصحف البريطانية أن هذه الحرب هي بمثابة عطلة، مُتوقِّعةً بذلك أن تكون مجرد رحلة صيفية مبهجة لقواتها، وكان هناك توقُّع بأن ذلك سيكون صراعًا محدودًا، خصوصًا وأنه بعد عقود من السلام النسبي في جميع أنحاء أوروبا، نشأ جيل جديد فيها لا يُقدِّر العواقب المحتملة لإشعال فتيل الحروب. وحتى يومنا هذا فشل المؤرخون في تقديم تفسير استراتيجي أو جيوسياسي مقنع كيف أشعل صراع بين الإمبراطورية النمساوية–المجرية وبين الانفصاليين الصربيين فتيلَ حرب عالمية أودت بحياة الملايين، وأعادت تشكيل معظم حدود العالم بشكل جذري. وبالنظر للماضي، يُمكن القول إن الاختلاف الرئيسي بين الحرب العالمية الأولى وبين الحروب المحدودة السابقة، لم يكن اختلافًا جيوسياسيًّا أو استراتيجيًّا، بل كان نقديًّا. فعندما كانت الحكومات تعمل تحت ظل المعيار الذهبي، كان لديها سيطرة مباشرة على خزائن كبيرة من الذهب، وكان مواطنوها يقومون بالتبادلات بوساطة الوصولات الورقية المدعومة بهذا الذهب. والسهولة التي يمكن فيها للحكومة إصدار المزيد من العملة الورقية كانت مغريةً للغاية، وخاصةً في أَوْج الصراع، وكانت بهذا أسهل بكثير من المطالبة بالضرائب من المواطنين. ففي غضون أسابيع قليلة من بدء الحرب، قام جميع المتحاربين الرئيسيين بتعليق قابلية تحويل الذهب؛ ممَّا أدى إلى تعطيل المعيار الذهبي فعليًّا، وإجبار السكان على الامتثال لمعايير النقود الورقية الحكومية، وبهذا كانت النقود التي استخدموها بعد ذلك هي الأوراق النقدية التي تُصدرها الحكومة، والتي لا يمكن تحويلها إلى ذهب. ومع الاستبعاد البسيط لقابلية تحويل الذهب، لم تعد جهود الحكومة الحربية تقتصر على الأموال التي تمتلكها الحكومات في خزائنها فحسب، بل امتدت فعليًّا لثروة الشعب بأكمله. وما دامت الحكومات قادرةً على طباعة المزيد من النقود وإجبار مواطنيها والأجانب على قَبول تلك النقود، فإنه يمكنها الاستمرار في تمويل الحرب، بينما سابقًا وفي ظل نظام نقدي ساد فيه الذهب كعملة نقدية في متناول الناس، لم يكن أمام الحكومة إلا خزينتها الخاصة لتحمُّل تكاليف الحرب، إلى جانب الضرائب أو السندات لتمويل هذه الحرب، الأمر الذي جعل الصراعات محدودة، بل وأصبحت قابعةً في قلب فترة السلام الطويلة نسبيًّا، والتي شهدها العالم بأكمله قبل القرن العشرين. لو بقيت الدول الأوروبية على المعيار الذهبي، أو لو احتفظت الشعوب الأوروبية بذهبها الخاص في يديها مُجبِرةً الحكومات على اللجوء إلى الضرائب بدلًا من التضخم، عندها لربما شهدنا تاريخًا مختلِفًا. فمن المرجَّح أنه كان من الممكن تسوية الحرب العالمية الأولى عسكريًّا في غضون بضعة أشهر من الصراع، خاصة حين بدأ تمويل إحدى الفصائل بالنفاد، وواجه هذا الفصيل صعوبات في سلب الثروة من السكان الذين لم يكونوا على استعداد للتخلِّي عن ثرواتهم للدفاع عن بقاء نظامهم، لكن مع تعليق المعيار الذهبي، فإن نفاد التمويل لم يعُد كافيًا لإنهاء الحرب، بل كان على الحاكم أن يسلب حصيلة ثروة شعبه المتراكمة من خلال التضخم. إن التغيرات الجغرافية التي أحدثتها الحرب بالكاد استحقت هذه المذابح، حيث إنَّ معظم الدول اكتسبت أو خسرت أراضٍ هامشية، كما أنه لا يمكن لأي منتصر أن يَدَّعي أنه سيطر على أراضٍ كبيرة تستحق التضحية من أجلها؛ فتم تقسيم الإمبراطورية النمساوية-المجرية إلى دُويلات صغيرة، ولكنها بقيت تحت حكم شعبها وليس تحت حكم المنتصرين بالحرب، أمَّا التغيير الرئيسي ما بعد الحرب كان هو زوال العديد من الأنظمة الملكية الأوروبية واستبدالها بالأنظمة الجمهورية. والسؤال عما إذا كان هذا الانتقال للأفضل ستتضاءل قيمة إجابته عند مقارنتها بالدمار والخراب الذي ألحقته الحرب بمواطني هذه الدول. ومع تعطيل استبدال الذهب من البنوك المركزية، ومع تعليق حركة الذهب دوليًّا والتي تم تقييدها بشكل كبير في اقتصاد الدول الرئيسية، تمكنت الحكومات من الاحتفاظ بقيمة زائفة للعملات التي ثبتت صلتها بالذهب بأسعار ما قبل الحرب، وذلك رغم ارتفاع الأسعار. ومع انتهاء الحرب، لم يعد النظام النقدي الدولي الذي اعتَمد المعيار الذهبي يعمل كما كان، وكان على جميع البلدان التي نفد منها الذهب مواجهة المعضلة الكبيرة فيما إن كان ينبغي عليها العودة إلى المعيار الذهبي، وإن كان الأمر كذلك، كيف تعيد تقييم عملاتها مقارنةً بالذهب؛ فالتقييم السوقي العادل لمخزونها الحالي من العملات بالنسبة إلى مخزونها من الذهب سيكون اعترافًا غير مرغوب به بسبب الانخفاض الذي جرى للعملة، وأمَّا خيار العودة إلى أسعار الصرف القديمة فإنه سيجعل المواطنين يطالبون بامتلاك الذهب بدلًا من الحصول على إيصالات ورقية واسعة الانتشار، وسيؤدي أيضًا إلى تهريب الذهب إلى خارج البلاد إلى مكانٍ يحظى فيه بقيمته المُنصِفة. إن هذه المعضلة أخذت الأموال بعيدًا عن الأسواق وحوَّلتها إلى قرار اقتصادي خاضع لسيطرة سياسية؛ فبدلًا من اختيار المشاركين في السوق لأكثر سلعة قابلة للبيع كوسيط للتبادل، أصبحت الآن قيمة وعرض ومعدل فائدة النقد كلها خاضعةً للتخطيط المركزي من قِبَل الحكومات الوطنية، وهذا نظام نقدي أَطلق عليه «هايك» تسمية «القومية النقدية» في كتاب قصير رائع بنفس العنوان: لن يعود الذهب مرةً أخرى ليكون العملة المتجانسة في العالم، خصوصًا مع موقف البنك المركزي المحتكر والمقيِّد لملكية الذهب، والذي أجبر الناس على استخدام النقود الحكومية الوطنية. ولهذا، إن وصول البيتكوين كعملة تتخذ من الإنترنت موطنًا لها، وتتجاوز الحدود الوطنية، وتقع خارج نطاق السيطرة الحكومية، سيُوفِّر إمكانيةً مثيرة للاهتمام لظهور نظام نقدي دولي جديد، سيتم تحليله في الفصل التاسع. في حين أنه تحت ظل المعيار الذهبي الدولي كانت الأموال تتدفق بحرية بين الدول مقابل السلع، وكان سعر الصرف بين العملات المختلفة هو مجرد تحويل الأوزان المختلفة للذهب، إلا أنه في القومية النقدية، يتم تحديد العرض النقدي للدول وأسعار الصرف بينها في الاتفاقيات والاجتماعات الدولية. فعانت ألمانيا من التضخم المُفرط بعد أن فرضت عليها معاهدة «فِرساي» تعويضات كبيرة، وقد سعت إلى سدادها باستخدام التضخم. وواجهت بريطانيا مشاكل كبيرةً بتدفق الذهب من شواطئها إلى فرنسا والولايات المتحدة؛ وذلك لأنها حاولت الحفاظ على المعيار الذهبي ولكن بمعدل يبالغ بقيمة الجنيه الإسترليني ويَنتقص من قيمة الذهب. وكانت معاهدة «جَنوى» أول معاهدة رئيسية في قرن القومية النقدية عام ١٩٢٢م، وبموجب شروط هذه المعاهدة، فإن الدولار الأمريكي والجنيه الإسترليني سيتم اعتبارهما عملات احتياطية مماثلة للذهب في مكانتهما بالنسبة لاحتياطات الدول الأخرى. وبهذه الحركة، كانت بريطانيا تأمل تخفيف مشاكلها مع الجنيه الإسترليني المُبالَغ في قيمته وذلك من خلال دفع بلدان أخرى لشراء كميات كبيرة منه لوضعه في احتياطاتها. وأشارت القوى الكبرى في العالم إلى خروجها عن صلابة المعيار الذهبي باتجاه التضخمية كحلٍّ للمشاكل الاقتصادية، وتَمثَّل جنون هذا الترتيب في رغبة الحكومات بالقيام بالتضخم ولكن مع المحافظة على سعر مستقر لعملاتها من حيث مستويات الذهب ما قبل الحرب، ولقد تم أخذ الحيطة والحذر بالتقدير الآتي: إذا قام الجميع بخفض قيمة عملاتهم، فلن يكون هناك مكان لإخفاء رأس المال، لكن هذا لم ينجح ولم يكن لينجح، واستمر تدفُّق الذهب من بريطانيا إلى الولايات المتحدة وفرنسا. ويُعدُّ استنزاف الذهب من بريطانيا قصةً غير معروفة لكنها ذات عواقب وخيمة. «لياكت أحاميد» وفي كتابه «ملوك الاقتصاد» يركِّز على هذه الواقعة، ويناقش ببراعة قضية الأفراد المتورِّطين والدراما التي حدثت آنذاك، ولكنه تبنَّى المفهوم «الكينزي» السائد للموضوع، ووضع لوم الواقعة بأكملها على المعيار الذهبي؛ فعلى الرغم من بحثه المكثَّف، إلا أن أحاميد أخفق في فهم أنَّ المشكلة لم تكن في المعيار الذهبي؛ حيث إن حكومات ما بعد الحرب العالمية الأولى أرادت العودة إلى المعيار الذهبي بمعدلات ما قبل الحرب. فلو أن تلك الحكومات اعترفت لشعوبها بحجم الانخفاض الذي تم لعملاتها لتمويل الحرب، ثم أعادت ربط عملاتها بالذهب بمعدلات جديدة، فإنه غالبًا كان سيحدث ركود اقتصادي، وبعد ذلك كان الاقتصاد سيتعافى على أساس نقدي سليم. ونستطيع إيجاد أفضل علاج لهذه الواقعة وعواقبها المروِّعة في كتاب «موراي روثبارد» «الكساد الأمريكي العظيم»؛ فبينما كانت احتياطات الذهب في بريطانيا تغادر شواطئها إلى الأماكن التي كانت تحظى فيها بقيمة أفضل، كان رئيس مصرف إنجلترا «السير مونتاجو نورمان» يعتمد بشكل كبير على نظرائه الفرنسيين، والألمان والأمريكيين لزيادة العرض النقدي في دُولِهم؛ ليُقلِّلوا بذلك من قيمة عملاتهم الورقية على أمل أن يُوقِف ذلك تدفُّق الذهب من إنجلترا. وبينما لم يكن المصرفيون الفرنسيون والألمان متعاونين، كان رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك «بنجامين سترونغ» متعاونًا، وانخرط في السياسة النقدية التضخمية طوال فترة العشرينيات. ولربما نجح ذلك في خفض تدفُّق الذهب من بريطانيا إلى حد ما، ولكن أهم الآثار المترتبة على ذلك هو أنه خلق فقاعةً أكبر في الإسكان وسوق الأوراق المالية في الولايات المتحدة. وانتهت السياسة التضخمية للاحتياطي الفيدرالي في الولايات المتحدة بنهاية عام ١٩٢٨م، وفي ذلك الوقت كان الاقتصاد الأمريكي على شفا الانهيار الحتمي المرافِق لاستبعاد التضخمية؛ فما جرى بعد ذلك كان هو انهيار سوق الأوراق المالية عام ١٩٢٩م، وأدى رد فعل الحكومة الأمريكية على هذا الانهيار إلى تحويله إلى أطول فترة كساد في التاريخ الحديث المسجَّل. يُعتبَر هذا الحدث حقيقةً غير معروفة، وقد تم مسحه بعناية من كتب التاريخ، وهو أنه في فترة الانتخابات العامة للولايات المتحدة عام ١٩٣٢م، أدار هوفر منصَّةً تَدَخُّلية كبيرة، بينما أدار فرانكلين ديلانو روزفلت منصَّةً للمسئولية المالية والنقدية. وفي الواقع، قام الأمريكيون بالتصويت ضد سياسات هوفر، ولكن عندما تولَّى روزفلت السلطة، وجد أنه من الأنسب السير مع المصالح التي ألهمت هوفر، ونتيجةً لذلك، تم تضخيم السياسات التدخلية لهوفر إلى ما أصبح يُعرف باسم الصفقة الجديدة. ومن المهم إدراك أنه لم يكن هناك شيء فريد أو مستجد فيما يخص الصفقة الجديدة، حيث إنه كان تضخيمًا وتكبيرًا للسياسات التدخلية الشديدة التي وضعها هوفر. إن الفهم العابر والأولي للاقتصاد سيجعل الأمر واضحًا من أن وَضْع ضوابط للأسعار يؤدي دائمًا إلى نتائج عكسية، ينتج عنها وجود فائض وعجز، والمشاكل التي واجهها الاقتصاد الأمريكي في ثلاثينيات القرن العشرين كانت مرتبطةً ارتباطًا وثيقًا بتثبيت الأجور والأسعار؛ حيث إنه تم تثبيت الأجور بشكل مرتفع جدًّا؛ ممَّا أدى إلى معدل بطالة مرتفع جدًّا بلغ ٢٥٪ في بعض الأحيان، في حين أدت الضوابط المفروضة على الأسعار إلى خلق حالات فائض وعجز في سلع مختلفة، حتى إنه تم حرق بعض المنتجات الزراعية من أجل الحفاظ على أسعارها المرتفعة؛ ممَّا أدى إلى الوصول لحال كارثي، والذي كان فيه الناس جياعًا وفي حاجة ماسَّة للعمل، في حين لم يستطع المنتجون من توظيفهم لأنهم لم يستطيعوا تحمُّل تكلفة أجورهم، بينما كان على المنتجين الذين بإمكانهم إنتاج بعض المحاصيل أن يحرقوا جزءًا منها للمحافظة على ارتفاع السعر. وقد تم القيام بكل هذا للحفاظ على الأسعار عند مستويات الازدهار الذي حصل قبل ١٩٢٩م، مع التمسك بالوهم بأن الدولار لم يزل يحافظ على قيمته مقارنةً بالذهب. فتَضخُّم عشرينيات القرن العشرين تَسبَّب في ظهور فقاعاتِ أصولٍ كبيرة في أسواق الإسكان وأسواق الأوراق المالية، ممَّا أدى إلى ارتفاعٍ مُصطَنع في الأجور والأسعار. وبعد انفجار الفقاعة، اتجهت أسعار السوق لعمل تعديلاتٍ من خلال خفض قيمة الدولار مقارنةً بالذهب، ومن خلال انخفاض حقيقي للأجور والأسعار. وعِنادُ المخطِّطين المركزيين الواهمين الذين أرادوا منع الثلاثة من الحدوث، أدَّوا بذلك إلى شلل الاقتصاد؛ فقد كان هناك مبالغة في تقدير قيمة الدولار، والأجور والأسعار؛ ممَّا أدى بالناس إلى رغبتهم بالتخلي عن دولاراتهم لصالح الذهب، فضلًا عن وجود البطالة الهائلة وفشل الإنتاج. بطبيعة الحال، لا شيء من هذا سيكون ممكنًا مع النقد السليم؛ حيث إنه وفقط من خلال تضخيم العرض النقدي يمكن حدوث مثل هذه المشاكل. وحتى بعد حدوث التضخم، فإن التأثيرات ستكون أقل ضررًا لو أنهم أعادوا تقييم الدولار بالنسبة للذهب بسعر يحدِّده السوق، ثم القيام بترك الأجور والأسعار لتتعدَّل بشكل حر. لكن بدلًا من تعلُّم هذا الدرس، صمَّم اقتصاديو الحكومة بتلك الحقبة على أن الخطأ لم يكن في التضخمية، بل بالأحرى كان في المعيار الذهبي الذي يحدُّ من تضخمية الحكومة. لذلك، ومن أجل إزالة هذه القيود الذهبية من على التضخم، أصدر الرئيس روزفلت أمرًا تنفيذيًّا يحظر فيه المِلكية الخاصة للذهب، مُجبرًا الأمريكيين على بيع ذهبهم إلى الخزانة الأمريكية بمعدل ٢٠٫٦٧ دولارًا للأونصة. ومع حرمان السكان من النقد السليم وإجبارهم على التعامل بالدولار، قام روزفلت بعد ذلك بإعادة تقييم الدولار في السوق الدولية من ٢٠٫٦٧ دولارًا للأونصة إلى ٣٥ دولارًا للأونصة، وهو انخفاض قدره ٤١٪ في الدولار بالقيمة الحقيقية (الذهب). فكان ذلك هو الواقع الحتمي لسنوات من التضخم والذي بدأ عام ١٩١٤م مع إنشاء الاحتياطي الفيدرالي، ومع تمويل دخول أمريكا للحرب العالمية الثانية. إن التخلي عن النقد السليم واستبداله بالنقود الورقية التي أصدرتها الحكومة هو ما قام بتحويل الاقتصادات الرائدة في العالم إلى إخفاقات مُخطَّطة مركزيًّا ومُوجَّهة حكوميًّا. وبينما كانت الحكومات تسيطر على النقود، سيطرت أيضًا على معظم الأنشطة الاقتصادية، والسياسية، والثقافية والتعليمية؛ فبالرغم من عدم دراسة كينز الاقتصاد أو الاستقصاء عنه بشكل احترافي، تمكَّن كينز من الاستحواذ على روح هذه الحكومات المُطلَقة السلطة من أجل التوصل إلى المسار النهائي الذي يمنح الحكومات ما تريد سماعه. فلقد اختفت جميع أُسس المعرفة الاقتصادية المكتسبة على مدى قرون من العلوم الدراسية حول العالم، ليحل مكانها الإيمان الجديد مع الاستنتاجات الملائمة دائمًا والتي تناسب السياسيين ذوي التفضيل الزمني المرتفع والحكومات الاستبدادية؛ بحيث يتم تحديد حالة الاقتصاد بوساطة عامل الإنفاق الكلي، وأي ارتفاع في البطالة أو تباطؤ في الإنتاج، ليس له أي سبب ضمني في هيكل الإنتاج أو في تشوُّهات الأسواق بسبب المخطِّطين المركزيين، فسيكون ذلك كله بسبب نقص الإنفاق، والعلاج سيكون عن طريق إفساد العملة وزيادة الإنفاق الحكومي. ووفقًا لذلك فالادخار يقلِّل الإنفاق، ولأن الإنفاق هو كل ما يهم، يجب على الحكومة أن تفعل كل ما في وسعها لردع مواطنيها من الادِّخار. أضِف لهذا أن الاستيراد يؤدي إلى تسريح العمال من عملهم؛ ولهذا، يجب على الزيادات بالإنفاق أن تذهب إلى السلع المحلية. لقد حظيت هذه الرسالة بإعجاب الحكومة، وكان كينز على علم بذلك، وتمت ترجمة كتابه إلى الألمانية عام ١٩٣٧م في ذروة العصر «النازي»، وفي مقدمة الطبعة الألمانية كتب كينز: وعند بدء الطوفان الكينزي الذي لا يزال العالم يتعافى منه، فقدت الجامعات استقلاليتها وأصبحت جزءًا لا يتجزأ من الجهاز الحكومي الحاكم، وتوقفت علوم الاقتصاد الأكاديمية عن كونها نظامًا فكريًّا يركِّز على فهم الخيارات الإنسانية من أجل تحسين الظروف في حالات الشُّح والندرة، وعوضًا عن ذلك، أصبحت هذه الجامعات بمثابة ذراع للحكومة بحيث تهدف إلى توجيه صُنَّاع السياسة نحو أفضل السياسات لإدارة الأنشطة الاقتصادية. فالفكرة بأن إدارة الحكومات للاقتصاد هو أمر ضروري، أصبحت فكرةً ليست محل نقاش في جميع التعاليم الاقتصادية الحديثة، كما يمكن استخلاصه بالنظر إلى أي كتاب اقتصادي حديث، حيث تؤدي الحكومة الدور نفسه الذي يؤديه البطل الخارق في المجلات التصويرية والأفلام؛ فهو كلي الوجود، وكلي العلم، وهو القوة القاهرة التي تحتاج فقط تحديد المشاكل لمعالجتها على نحو مُرضٍ. لهذا، إن الحكومة ليست مشمولةً بمفهوم تكاليف الفرصة البديلة، ونادرًا ما يتم النظر في النتائج السلبية للتدخل الحكومي في النشاطات الاقتصادية، وحتى إن تم النظر فيها، فإن ذلك يحصل فقط لتبرير المزيد من التدخل الحكومي. لهذا، فقد تم تنحية التقاليد الليبرالية الكلاسيكية التي اعتبرت الحرية الاقتصادية أساسَ الازدهار الاقتصادي، في حين أن المروِّجين الحكوميين المتنكِّرين على هيئة الاقتصاديين قاموا بتقديم الكساد العظيم، والذي كانت القيود الحكومية سببَ تفاقمه، كدحض للأسواق الحرة. فكان الليبراليون الكلاسيكيون أعداءً مع الأنظمة السياسية في الثلاثينيات، وقد تم قتلهم ومطاردتهم من روسيا، وإيطاليا، وألمانيا والنمسا، ولحسن حظِّهم أنه تم اضطهادهم بشكل أكاديمي فقط في الولايات المتحدة وبريطانيا، حيث كافح أولئك العمالقة في سبيل العثور على العمالة، في حين ملأ البيروقراطيون متوسطو الفهم والإحصائيون الفشلة أقسام الاقتصاد في جميع الجامعات بعلمهم الزائف وإيمانهم الوهمي. إن المناهج الاقتصادية المعتمدة اليوم من الحكومة لا تزال تلوم المعيار الذهبي في موضوع الكساد العظيم. ذلك المعيار الذهبي نفسه الذي أَنتج أكثر من أربعة عقود من النمو والازدهار العالمي غير المنقطع بين ١٨٧٠ و١٩١٤م قد توقف فجأةً عن العمل في الثلاثينات؛ لأنه لم يسمح للحكومات بتوسيع عرضها النقدي لمكافحة الكساد الذي لم يتمكَّن هؤلاء الاقتصاديون من تفسير أسبابه إلا عبر إيحاءات كينزية ﻟ «أرواح الحيوانات» التي لا معنى لها. ولا يبدو أنَّ أيًّا من هؤلاء الاقتصاديين قد لاحظ أنه إذا كانت المشكلة هي بالمعيار الذهبي، فإن استبعاده كان من شأنه أن يتسبب ببداية التعافي والانتعاش. عوضًا عن ذلك، استغرق الأمر أكثر من عقد بعد استبعاده لاستئناف النمو. إن النتيجة الجليَّة لأي شخص لديه فهم أساسي للنقد والاقتصاد هي أن الانهيار العظيم عام ١٩٢٩م نتج بسبب الابتعاد عن المعيار الذهبي في سنوات ما بعد الحرب العالمية الأولى، وأن زيادة عمق الكساد كان سببه سيطرة الحكومة وإضفاء الطابع الاجتماعي على الاقتصاد في سنوات هوفر وروزفليت. ولم يكن لاستبعاد وتعليق المعيار الذهبي أو للإنفاق في زمن الحرب أي صلة بالتخفيف من حدة الكساد العظيم. بالفعل، لقد سقطت القنابل من السماء، وسقط معها عدد لا يُحصى من القتل والرعب الذي لا يمكن تصورهما. فآلات الحرب التي بَنتها الاقتصادات الموجَّهة من قِبل الحكومة كانت أكثر تقدُّمًا من أي وقت شَهِده العالم، وكان هذا بفضل شعبية أخطر وأسخف المغالطات الكينزية، والتي تعتقد أن الإنفاق الحكومي على الجهود العسكرية سوف يساعد على التعافي الاقتصادي، حيث إن الإنفاق بجميع أشكاله يتساوى في اقتصاديات الكينزيين الساذجة، ولذلك لا يهم إذا كان هذا الإنفاق يأتي من أفراد يُعيلون أُسرَهم أو من حكومات تقتل الأجانب؛ فكلها تصب في الطلب الكلي وكلها تُقلِّل من البطالة! ومع تزايد عدد الأشخاص الذين عانَوا من الجوع خلال فترة الكساد، قامت كل الحكومات الرئيسية بالإنفاق وبشكل سَخَي على تسليح نفسها، والنتيجة كانت هي العودة إلى الدمار الذي لا معنى له في العقود الثلاثة السابقة. وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية، جاءت إحدى أكثر الضربات المدمرة للنظريات الكينزية والتي تَدَّعي أن الطلب الكلي هو مُحدِّدٌ لحالة الاقتصاد، وقد كان هذا الأمر في الولايات المتحدة بالتحديد؛ حيث التقت مجموعة من العوامل و«تآمرت» لتُقلِّص من الإنفاق الحكومي بشكل كبير، الأمر الذي دفع بالاقتصاديين الكينزيين في تلك الحقبة إلى توقُّع الموت والظلام للفترة التي ستتبع الحرب؛ حيث إن نهاية الأعمال العسكرية قامت بتقليل الإنفاق العسكري الحكومي بشكل كبير، ثم إن موت «روزفلت» القوي والشعبوي، واستبداله بعد ذلك من قِبل الأكثر وداعةً والأقل رمزيةً «ترومان» لمواجهة الكونغرس الذي يسيطر عليه الجمهوريون، قام بإنشاء جمود وأزمة سياسية حالت دون تجديد قوانين الصفقة الجديدة. وعند تحليل كل هذه العوامل مجتمعةً من قِبَل الاقتصاديين الكينزيين، فإنها تشير إلى كارثة وشيكة تمامًا كما طرح «بول سامويلسون»، الرجل الذي كتب الكتب الدراسية للتعليم الاقتصادي في فترة ما بعد الحرب عام ١٩٤٣م: فنهاية الحرب العالمية الثانية وتفكيك الصفقة الجديدة كانت تعني أنَّ الحكومة الأمريكية قامت بخفض إنفاقها بنسبة مذهلة بلغت ٧٥٪ بين عامَي ١٩٤٤ و١٩٤٨م، كما أنها أزالت معظم ضوابط الأسعار كإجراء احتياطي. مع ذلك، شهد الاقتصاد الأمريكي ازدهارًا غير اعتيادي خلال هذه السنوات؛ حيث عاد ما يقارب اﻟ ١٠ مليون رجل إلى ديارهم بعد أن تم حشدهم للحرب، وتم استيعابهم بسلاسة في القوى العاملة، وازدهر الإنتاج الاقتصادي وحلَّق في وجه جميع التنبؤات الكينزية، وقام بسحق وتدمير الفكرة السخيفة بشكل كلي، تلك الفكرة التي تدَّعي أن مستوى الإنفاق هو ما يحدِّد الناتج في الاقتصاد. فحالما انحسر التخطيط المركزي الحكومي لأول مرة منذ انهيار عام ١٩٢٩م، وبمجرد أن تم السماح للأسعار بأن تتعدَّل بشكل حر، قامت هذه الأسعار بتأدية دورها كآلية تنسيق للنشاط الاقتصادي، وقامت بمطابقة البائعين والمشترين، وأدت إلى تحفيز إنتاج السلع المطلوبة من قِبل المستهلكين، وإلى تعويض العمال على جهودهم. لكن يجب الإضافة أنه مع ذلك، فلم يكن الوضع مثاليًّا؛ فبقاء العالم بعيدًا عن المعيار الذهبي أدى إلى اختلالات دائمة في العرض النقدي قد تستمر في مطاردة الاقتصاد العالمي اليوم بأزمة تِلو الأخرى. ولإدارة هذا النظام العالمي من أسعار الصرف المأمول ثباتها، ولمعالجة أي اختلال أساسي محتمل، أنشأ مؤتمر برايتون وودز صندوق النقد الدولي الذي عمل كهيئة تنسيق عالمية بين البنوك المركزية بهدفٍ واضح وهو تحقيق استقرار في أسعار الصرف والتدفقات المالية؛ أي إن برايتون وودز حاول بالأساس تحقيق ما حقَّقه المعيار الذهبي الدولي في القرن التاسع عشر بشكل تلقائي، ولكن هنا من خلال التخطيط المركزي، حيث إنه في ظل المعيار الذهبي الكلاسيكي، كانت الوحدة النقدية هي الذهب، وتَدفَّق رأس المال والسلع بحرية بين الدول، وتعدَّل تدفُّقهما بصورة تلقائية دون حاجة للتحكم المركزي أو التوجيه، ولم ينتج عن ذلك يومًا أزمات في ميزان المدفوعات؛ بحيث كان يتم نقل أي مبلغ من المال أو أي كمية من السلع عبر الحدود وفقًا لتوجيهات مالكيها، ولم تظهر مشاكل في الاقتصاد الكلي. لكن في نظام برايتون وودز، كانت الحكومات تحت سيطرة الاقتصاديين الكينزيين الذين اعتبروا السياسة المالية والنقدية النشطة جزءًا طبيعيًّا ومهمًّا من سياسة الحكومة. وبشكل طبيعي ستؤدي الإدارة النقدية والمالية المستمرة إلى تذبذب قيمة العملات الوطنية، مُؤديةً إلى عدم توازن التجارة وتدفقات رأس المال؛ حيث إنه عندما تنخفض قيمة عملة دولة ما، تصبح منتجاتها أرخص بالنسبة إلى الأجانب، مما يؤدي إلى مغادرة المزيد من السلع من هذه الدولة، فيسعى حاملو هذه العملة إلى شراء عملات أجنبية لحماية أنفسهم من انخفاض قيمة عملتهم. وبما أن تخفيض قيمة العملة عادةً ما يكون مصحوبًا بأسعار فائدة منخفضة صُنعيًّا (زائفة)، فإن رأس المال سيسعى إلى مغادرة البلاد ليجد مكانًا مُجزيًا أكثر، الأمر الذي يؤدي إلى تفاقم انخفاض قيمة العملة. من ناحية أخرى، فالدول التي حافظت على عملاتها بشكل أفضل من غيرها كانت تشهد تدفُّق رءوس الأموال إليها كلما قامت دول الجوار بالتخفيض، ممَّا أدى إلى ارتفاع قيمة عملتها أكثر. بمعنًى آخر، إن تخفيض قيمة العملة يزرع بذور المزيد من تخفيض قيمة العملة، في حين أن ارتفاع قيمة العملة يؤدي إلى ارتفاع أكثر للقيمة، الأمر الذي يخلق إشكاليةً ديناميكية للحكومَتَين المعنيَّتَين. ولا يمكن أن تتواجد مثل هذه المشاكل مع المعيار الذهبي؛ وذلك لأن قيمة العملة كانت ثابتةً في كلتا الدولتَين لأنها كانت ذهبية، كما أن حركة السلع ورءوس المال لم تقم بالتأثير على قيمة العملة. فآليات التعديل التلقائية للمعيار الذهبي أَمَّنَت وبشكل دائم أداة قياس ثابتة يُمكن بوساطتها قياس كل النشاطات الاقتصادية، لكن وجود العملات ذات سعر الصرف العائم سبَّبت اختلالات في الاقتصاد العالمي، وكان دور صندوق النقد الدولي هو القيام بموازنة مستحيلة بين جميع حكومات العالم في محاولةٍ لإيجاد شكل ما من الاستقرار أو «التوازن» في هذه الفوضى، للحفاظ على أسعار الصرف ضمن نطاق تقديري من القيم المحدَّدة مسبقًا، بينما تدفُّق وحركة التجارة ورأس المال قاما بتغييرها؛ حيث إنه ومن دون وجود وحدة حسابية مستقرة للاقتصاد العالمي، كانت هذه مهمةً يائسة مثل محاولة بناء منزل بشريط قياس مرن يتباين طوله كلما يتم استخدامه. وفضلًا عن إنشاء المصرف الدولي وصندوق النقد الدولي في برايتون وودز، أرادت الولايات المتحدة وحلفاؤها إنشاء مؤسسة مالية دولية أخرى تتخصَّص في تنظيم السياسة التجارية. والمحاولة الأولية لإنشاء منظمة التجارة الدولية فشلت بعد أن رفض الكونجرس الأمريكي المصادقة على المعاهدة، ولكن بعد ذلك تم البحث عن بديل في الاتفاقية العامة للتعريفات الجمركية والتجارية والتي بدأت عام ١٩٤٨م، بحيث كان هدف الاتفاقية هو مساعدة صندوق النقد الدولي في المهمة المستحيلة لموازنة الميزانيات والتجارة لضمان الاستقرار المالي. بكلمات أخرى، القيام بالتخطيط المركزي للتجارة العالمية وللسياسة المالية والنقدية؛ وذلك من أجل الحفاظ على توازنها، وكأن هذا شيء يمكن تحقيقه. إن أحد الجوانب المهمة والذي كان غالبًا يتم إغفاله في نظام برايتون وودز هو أن معظم الدول الأعضاء قامت بنقل كميات كبيرة من احتياطاتها من الذهب إلى الولايات المتحدة، واستلمت دولارات لقاءً له بمعدل ٣٥ دولارًا للأونصة الواحدة، وكان التبرير المنطقي لذلك هو أن الدولار الأمريكي سيصبح العملة العالمية للتجارة، وأن البنوك المركزية ستستخدمه للتداول ولتسوية حساباتها، مُتجنِّبين بذلك الحاجة إلى النقل المادي للذهب. فكان هذا النظام في جوهره أشبه بإدارة كامل الاقتصاد العالمي كدولة واحدة تعمل وفقًا للمعيار الذهبي؛ حيث أدى الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي دور البنك المركزي العالمي، وأدَّت جميع البنوك المركزية العالمية دور المصارف الإقليمية، وكان الفارق الأساسي هو فقدان الانضباط النقدي للمعيار الذهبي بشكل كامل تقريبًا في هذا العالم؛ حيث لم يكن هناك ضوابط فعالة على توسيع العرض النقدي في جميع البنوك المركزية؛ لأنه لم يكن هناك إمكانية للمواطنين لاستبدال نقودهم الحكومية بالذهب، وكان بإمكان الحكومات وحدها استبدال دولاراتها بالذهب من الولايات المتحدة، لكن اتَّضح أن هذا الأمر أكثر تعقيدًا ممَّا كان متوقَّعًا؛ فقيمة كل أونصة ذهب تقاضت البنوكُ المركزية الأجنبية ٣٥ دولارًا لقاءها في ذلك الوقت، تبلغ اليوم حوالي ١٢٠٠ دولار. فالتَّوسُّعية النقدية أصبحت هي النهج العالمي الجديد، وأثبتت الصلة الهشة للنظام بالذهب أنها عاجزة عن وَقْف إفساد العملات العالمية ووقف أزمات ميزان المدفوعات المستمرة والتي تؤثِّر على معظم الدول؛ فوُضعت الولايات المتحدة في موضع مميَّز مشابه للإمبراطورية الرومانية لنهب وتضخيم العرض النقدي الذي استخدمه معظم العالم القديم، مع اعتبار أن الموضع هنا أوسع نطاقًا وبشكل كبير، فبفضل انتشار عملتها في جميع أنحاء العالم، واضطرار البنوك المركزية للاحتفاظ بدولاراتها كاحتياطي للتداول بها فيما بينها، أمكن للحكومة الأمريكية جمع رسوم صك العملة بشكل كبير من توسيع عرض الدولار، كما لم يكن لديها سبب للقلق بشأن مواجهة أي عجز في ميزان المدفوعات؛ ولهذا، صاغ الاقتصادي الفرنسي «جاك روف» عبارة «عجز من غير دموع»، لوصف الواقع الاقتصادي الجديد الذي تعيشه الولايات المتحدة، حيث كان بإمكانها شراء كل ما رغبت به من العالم؛ وذلك من خلال تمويله عن طريق دَيْن يُحوَّل إلى نقد من خلال تضخيم العملة التي يستخدمها العالم بأسره. إن القيود المالية النسبية في السنوات القليلة الأولى بعد الحرب العالمية الثانية سرعان ما أفسحت المجال أمام الإغراء السياسي الذي لا يمكن مقاومته وسمحت له بشراء وجبات الغداء المجانية من خلال التضخم، وخاصةً للصناعة الحربية ونُظم الرفاه الاجتماعي، فنَمَت الصناعة العسكرية التي ازدهرت خلال الحرب العالمية الثانية إلى ما أطلق عليه الرئيس «إيزنهاور» «المُجمَّع الصناعي العسكري»، وهو تَكتُّل هائل من الصناعات التي كانت قويةً بما يكفي لطلب تمويل متزايد من الحكومة، ودَفْع السياسة الخارجية الأمريكية نحو سلسلة لا نهاية لها من النزاعات الباهظة الثمن، دون هدف نهائي عقلاني أو هدف واضح. وقد ادَّعت العقيدة الكينزية المتشدِّدة أن هذا الإنفاق سيكون نافعًا للاقتصاد، الأمر الذي جعل ملايين الأرواح التي تم تدميرها مستساغًا أكثر بالنسبة للناخبين الأمريكيين. يمكن الإضافة أيضًا أن الشعب الأمريكي استساغ آلة الحرب هذه بشكل كبير؛ وذلك لأنها جاءت من نفس السياسيين الذين وسَّعوا نظام الرفاه الاجتماعي ليكون بأشكال وصيغ مختلفة. فابتداءً من مشروع المجتمع العظيم وانتهاءً بالإسكان، والتعليم والرعاية الصحية، سمحت النقود الورقية للناخبين الأمريكيين بتجاهل قوانين الاقتصاد، وبالاعتقاد أنه من الممكن توفير وجبة غداء مجانية، أو على الأقل توفير وجبة عليها حسم دائم. ففي غياب قابلية التحويل إلى الذهب وحضور القدرة على توزيع تكاليف التضخم على بقية العالم، تشكَّلت الصيغة السياسية الرابحة الوحيدة من زيادة الإنفاق الحكومي المُموَّل من التضخم، حيث شهدت كل فترة رئاسة بعد الحرب نموًّا في الإنفاق الحكومي والدَّين الوطني، وخسارةً في القوة الشرائية للدولار، حيث إنه وفي ظل النقود الورقية التي تُموِّل الحكومة، تختفي الاختلافات السياسية بين الأحزاب، بحيث إن السياسة لم تعد تحتوي على المقايضات، ويمكن بذلك لكل مرشح أن يناصر كل القضايا. إن الرابط الضعيف للقدرة على تبديل الذهب كان تفصيلًا مزعجًا بالنسبة إلى السياسة التضخمية لحكومة الولايات المتحدة، وقد تَجلَّى ذلك في عَرَضَين؛ أولًا: سوق الذهب العالمي كان يسعى دائمًا إلى عكس واقع التضخم من خلال سعر أعلى للذهب، وقد تم تَناول ذلك عن طريق إنشاء مُجمَّع الذهب في لندن، والذي سعى إلى تخفيض سعر الذهب عن طريق طرح بعض احتياطاته التي تحتفظ بها الحكومات في السوق. ولقد نجح هذا بشكل مؤقت فقط، ولكن في عام ١٩٦٨م كان لا بُدَّ من إعادة تقييم قيمة الدولار الأمريكي مقارنةً بالذهب؛ وذلك للإقرار بسنوات التضخم التي عانى فيها. ثانيًا: إن بعض الدول بدأت بمحاولة استرداد احتياطي الذهب الخاص بها من الولايات المتحدة لأنها بدأت تُدرك القدرة الشرائية المتناقصة لنقودها الورقية، لدرجة أن الرئيس الفرنسي «شارل ديغول» أرسل حاملةً عسكرية فرنسية إلى نيويورك لاستعادة ذهب بلاده، لكن عندما حاول الألمان استرداد ذهبهم، اتخذت الولايات المتحدة قرارًا بعدم إرجاع الذهب؛ فاحتياطات الذهب كانت تتناقص، وفي ١٥ أغسطس ١٩٧١م، أعلن الرئيس «ريتشارد نيكسون» نهاية قابلية تحويل الدولار إلى ذهب، الأمر الذي سمح لسعر الذهب بأن يعوم في السوق بشكل حر. نتيجةً لذلك، تخَلَّفت الولايات المتحدة عن الوفاء بالتزامها بتحويل دولاراتها للذهب، وأما أسعار الصرف الثابتة بين عملات العالم والتي تم تكليف صندوق النقد الدولي بالمحافظة عليها، فقد تُركت ليتم تحديدها من قِبَل حركة السلع ورءوس الأموال عبر الحدود، وفي أسواق الصرف الأجنبي التي تزداد تعقيدًا. وبعد أن تحرَّرت الولايات المتحدة من آخر قيود التظاهر بِرَد الذهب، وسَّعَت الحكومة الأمريكية سياستها النقدية بنطاق غير مسبوق، مُسبِّبةً انخفاضًا كبيرًا في القوة الشرائية للدولار، وارتفاعًا شاملًا في الأسعار في جميع المجالات، ثم ألقت الحكومة الأمريكية واقتصاديوها اللَّوم على كل شيء وعلى كل فرد، باستثناء المنشأ الفعلي الوحيد لارتفاع الأسعار، وهو زيادة العرض النقدي للدولار الأمريكي. وكانت معظم العملات الأخرى أسوأ حالًا، حيث كانت هذه العملات ضحية تضخم الدولار الأمريكي الذي يدعمها، إضافةً إلى التضخم من قِبَل البنوك المركزية التي تُصدرها. وفي حين تُنتج معظم الحكومات عملاتها الخاصة، أنتجت الحكومة الأمريكية العملة الاحتياطية الرئيسية التي استخدمتها الحكومات الأخرى لدعم عملتها، وكانت هذه هي المرة الأولى في تاريخ البشرية التي يستخدم فيها الكوكب بأكمله النقد الحكومي. وبينما يتم اعتبار هذه الفكرة بأنها طبيعية وغير قابلة للشك في معظم الدوائر الأكاديمية، إلا أنه من الجدير بنا أن نتفحَّص سلامة هذا الشكل السائد من النقد. فالنمو بنسبة ٥٪ في السنة قد لا يبدو كبيرًا، لكنه سيُضاعف العرض النقدي لأي بلد خلال ١٥ عامًا فقط، وهذا الأمر كان هو السبب في خسارة الفضة للسباق النقدي مقابل الذهب، والذي أدَّى معدل نمو عرضه المنخفض إلى انخفاض وتآكل قوته الشرائية بشكل أبطأ بكثير. فالتضخم المفرط هو شكل من أشكال الكوارث الاقتصادية الفريدة بالنقد الحكومي، فلم يكن هناك أبدًا مثال على التضخم المفرط في الاقتصادات التي استخدمت المعيار الذهبي أو الفضي. وحتى عندما فقد النقد الصُّنعي الشكل كالأصداف والخرز الزجاجي دوره النقدي مع الزمن، فإنه كان يفقده عادةً بشكل بطيء؛ حيث كانت بدائل هذا النقد تستولي على القوة الشرائية للنقد السابق بشكل تدريجي. لكن مع النقود الحكومية التي تميل تكلفة إنتاجها إلى الصفر، أصبح من الممكن وبشكل كبير أن يشهد مجتمع بكامله اختفاء كامل مدخراته الموجودة على شكل هذا النقد في غضون أشهر أو حتى أسابيع. فالتضخم المفرط هو أكثر من مجرد ظاهرة تُسبِّب ضررًا وخسارة الكثير من القيمة الاقتصادية للعديد من الناس؛ بل إنه يشكِّل انهيارًا تامًّا لبنية الإنتاج الاقتصادي لمجتمع تمَّ بناؤه على مدى قرون وآلاف السنين. فعند انهيار النقد، يُصبح من المستحيل التداول أو الإنتاج أو الانخراط في أي شيء عدا تأمين أساسيات الحياة الضرورية. وعند انهيار هياكل الإنتاج والتجارة التي طوَّرتها المجتمعات عبر قرون بسبب عدم قدرة المستهلكين والمنتجين والعاملين على الدفع لبعضهم البعض، تبدأ السلع التي تُعتبَر من المُسلَّمات بالنسبة إلى البشر بالاختفاء، فيُدمَّر رأسُ المال ويُباع لتمويل الاستهلاك. بالبداية، تختفي السلع الكمالية، ولكن سرعان ما تتبعها أساسيات البقاء حتى يعود البشر إلى حالة بربرية يحتاجون فيها إلى تدبُّر أمورهم والنضال لتأمين الاحتياجات الأساسية للبقاء. عندها ومع تدهور نوعية حياة الفرد بصورة ملحوظة، يبدأ اليأس بالتحوُّل إلى غضب، ويُبحث عن أكباش فداء، ويَستغل هذا الوضع أكثر السياسيين مراوغةً وانتهازًا، مُؤجِّجين غضبَ الناس للوصول إلى السلطة. إن المثال الأكثر وضوحًا على هذا هو تضخُّم جمهورية «فايمار» في العشرينيات؛ حيث إن التضخم المفرط لم يُؤدِّ فقط إلى تدمير وانهيار أحد أكثر اقتصادات العالم تقدُّمًا وازدهارًا فحسب، بل عَزَّز وصول «أدولف هتلر» إلى السلطة. لهذا، حتى وإن كانت الكتب المرجعية صادقةً بخصوص فوائد الإدارة الحكومية للعرض النقدي، إلا أن الضرر الناجم عن حادثة واحدة من التضخم المُفرط في أي مكان في العالم يفوق هذه الفوائد بشكل كبير، وفي هذا القرن الذي تمَّ فيه استخدام النقود الحكومية، يوجد لدينا أكثر من مجرد حادثة فاجعة واحدة. وإليكم بعضًا من الأسباب التي قد تجعل النقد الحكومي هو النقد الأساسي في عصرنا. أولًا، تفرض الحكومات دفع الضرائب بالنقد الحكومي، وهذا يعني ترجيح قَبوله من الأفراد، ممَّا يعطيه ميزةً في قابلية بيعه. ثانيًا، إن رقابة الحكومة وتحكُّمها بالنظام المصرفي تعني أنه لا يمكن للمصارف فتح الحسابات والقيام بالتبادلات إلا بالنقد الذي تُقرُّه الحكومة؛ ممَّا يمنح النقد الحكومي درجةً أعلى من قابلية البيع أكثر من أي منافس محتمَل آخر. ثالثًا، قوانين العُملة الرسمية في العديد من البلدان تجعل الأمر غير قانوني باستخدام أشكال أخرى من النقد للقيام بالمدفوعات. رابعًا، لا تزال جميع النقود الحكومية مدعومةً باحتياطات الذهب، أو مدعومةً بعملات مدعومة بالاحتياطات الذهبية. فوفقًا للبيانات الصادرة عن مجمع الذهب العالمي، تمتلك البنوك المركزية حاليًّا حوالي ٣٣ ألف طن من الذهب في مخزونها الاحتياطي؛ حيث إن احتياطات الذهب لدى البنوك المركزية ارتفعت بشكل سريع في أوائل القرن العشرين، حيث صادرت العديد من الحكومات ذهبَ شعبها ومصارفها وأجبرتهم على استخدام نقودها. وفي أواخر الستينيات، ومع إنهاك نظام برايتون وودز الذي يرزح تحت ضغط زيادة العرض النقدي، بدأت الحكومات في إفراغ بعضٍ من احتياطاتها من الذهب. لكن في عام ٢٠٠٨م، انعكس هذا الاتجاه، وعادت البنوك المركزية لشراء الذهب، وازداد العرض العالمي. إنه لأمر مثير للسخرية والدهشة أنه في عصر النقود الحكومية، تمتلك الحكومات نفسُها كَميةً من الذهب في احتياطاتها الرسمية أكثر ممَّا كانت تمتلكه تحت ظل المعيار الذهبي الدولي في الفترة ما بين ١٨٧١–١٩١٤م. فمن الواضح أن الذهب لم يفقد دوره النقدي؛ حيث إنه سيبقى المَطفأة الأخيرة والوحيدة للدَّين، وهو النقد الوحيد الذي لا تقع قيمته تحت مسئولية أحد، وهو الأصل العالمي الأساسي الذي لا يوجد به مخاطر تَخلُّف الطرف المقابل، لكن تمَّ حظر الوصول إلى دَوره النقدي، بحيث اقتصر ذلك على البنوك المركزية، بينما تمَّ توجيه الناس لاستخدام النقود الحكومية. ومع تقدُّم التكنولوجيا التي سمحت بوجود أشكال مُتعدِّدة من النقد أكثر تعقيدًا من ضمنها النقود الورقية التي يسهل حملها، تمَّ اختلاق مشكلة جديدة بخصوص قابلية بيعها، وهي قُدرة البائع على بيع سلعته دون تدخُّل أي طرف ثالث قد يضع قيودًا على قابلية بيع هذا النقد. فهذه مشكلة لم تكن متواجدةً في النقود السلعية، التي تنشأ قيمتها السوقية من السوق ولا يمكن أن تفرضها أطراف ثالثة على المبادلة؛ فالماشية، والملح، والذهب والفضة؛ لكل منها أسواقها ومشتروها الجاهزون، ولكن مع النقود التي تُصدرها الحكومة والتي لديها قيمة متدنية كسلعة، يمكن لقابلية البيع هذه أن تتعرَّض لخطر كبير من قِبل الحكومة التي تُصدرها، معلِنةً أنها لم تعد مناسبةً كعملة قانونية. فعلى سبيل المثال، يمكن للهنود الذين استيقظوا في ٨ نوفمبر ٢٠١٦م أن يسمعوا خبرًا مفاده أن حكومتهم قد استبعدت العملة الرسمية من فئة ٥٠٠ و١٠٠٠ روبية، وسيدركون هذا الأمر جيدًا. ففي طرفة عين، خسرت النقودُ التي كانت قابلةً للبيع بشكل كبير قيمَتها، وأصبح لا بد من الوقوف في طوابير طويلة للغاية لدى المصارف لاستبدالها. ومع توجُّه نسبة كبيرة من العالم نحو تقليل اعتمادها على النقد الورقي، يتم وضع المزيد من أموال الناس في المصارف الخاضعة لإشراف الحكومة، ممَّا يجعلها عُرضةً للمصادَرة أو التحكُّم برأس المال. وحقيقة أن هذه الإجراءات تحدث عادةً في أوقات الأزمات الاقتصادية، وعندما يكون الفرد في أقصى حاجته للمال، هي عائق رئيسي لقابلية بيع النقود الصادرة من الحكومة. فسيطرة الحكومة على النقد حوَّلته من كونه مكافأةً لإنتاج قيمة إلى مكافأة لطاعة المسئولين الحكوميين. فمن غير العملي لأي شخص أن يجمع ثروةً بالنقود الحكومية دون موافقة هذه الحكومة؛ لأنه بإمكان الحكومة مصادرة هذه الأموال من المصارف الاحتكارية التي تسيطر عليها، وذلك عبر تضخيم العُملة لتخفيض قيمة ثروة المالكين، ولمكافأة رعاياها الأكثر ولاءً، ولفرض ضرائب قاسية، ولمعاقبة أولئك الذين يتجنَّبونها، وحتى لمصادرة الأوراق النقدية. ففي زمن عالِم الاقتصاد النمساوي «مينجر»، كانت المعايير التي تُحدِّد أفضل شكل للنقد تدور حول فهم قابلية بيعه، وعلى ما يختاره السوق كنقد. أما في القرن العشرين، فقد قامت سيطرة الحكومة على النقد بإضافة معيارٍ مهمٍّ جديد يُضاف إلى قابلية بيعه، وهو قابلية بيع النقد بِناءً على رغبة مالكيه وليس أي طرف آخر. وبِجمع هذَين المعيارَين سويًّا، فإنه سيتم تشكيل فهمٍ كامل لمصطلح «النقد السليم» كالنقد الذي يتم اختياره بالسوق بحريَّة، وكالنقد الذي يقع بشكل كامل تحت سيطرة الشخص الذي اكتسبه بشكل قانوني في السوق الحرة، وليس أي طرف آخر ثالث. وعلى الرغم من أن «لودفيج فون ميزس» كان مدافعًا صلبًا عن دور الذهب كنقد في عصره، إلا أن ميزس أدرك أن هذا الدور النقدي ليس شيئًا متأصِّلًا أو جوهريًّا للذهب. فباعتباره واحدًا من عمداء التقاليد النمساوية في الاقتصاد، أدرك ميزس جيدًا أنه لا وجود للقيمة خارج الوعي البشري، وأن المعادن والمواد لا تملك أي شيء متأصل فيها يمكنه أن يعطيها دورًا نقديًّا. فبالنسبة إلى ميزس، إن مكانة الذهب النقدية كانت تعتمد على تحقيق المعايير الخاصة بالنقد السليم كما فهمها: فوفقًا لميزس، النقد السليم هو ما يختاره السوق بحرية ليكون نقدًا، وهو ما يبقى تحت سيطرة مالكه، وفي مأمن عن التدخل القسري. فطالما أن النقد يقع تحت سيطرة أي أحد باستثناء المالك، أيًّا كان مَن يسيطر عليه، فإنه سيواجه حافزًا قويًّا للغاية لسرقة قيمة هذا النقد من خلال التضخم أو المصادرة، ولاستخدامه أيضًا كأداة لتحقيق أهداف سياسية على حساب المالكين. وفي الواقع، هذا الأمر سيسلب الثروة من الناس الذين يُنتجونها وسيعطيها إلى الأشخاص المتخصِّصين في السيطرة على النقود دون أن يُنتجوا أشياء ذات قيمة للمجتمع، تمامًا كما تمكَّن التجار الأوروبيون من سرقة المجتمع الأفريقي عن طريق إغراقهم بالخرز الرخيص، كما تمَّ ذكره في الفصل الثاني. وبهذا، لا يمكن لأي مجتمع أن يزدهر طالما بقي هذا الطريق مفتوحًا للكسب السريع على حساب إفقار أولئك الذين يسعَون للحصول على الثروات عبر الطرق الإنتاجية. من ناحية أخرى، إن النقد السليم يجعل الخدمات قيِّمةً بالنسبة للآخرين وهو الطريق الوحيد المتاح لازدهار أي شخص، وبهذا يتم تركيز جهود المجتمع على الإنتاج، والتعاون، وجمع رأس المال والتجارة. والقرن العشرون هو قرن النقد غير السليم وقرن الدولة ذات السلطة المطلقة، حيث تمَّ رفض خيار السوق من النقد بالإملاءات الحكومية، وتمَّ فرض النقود الورقية الحكومية بتهديد العنف. ومع مرور الوقت، ابتعدت الحكومات عن النقد السليم أكثر من أي وقت مضى وذلك بالتزامن مع زيادة إنفاقها وعجزها، وتخفيض قيمة عملاتها باستمرار، فتم السيطرة على أكبر حصة من الدخل القومي من قِبَل الحكومة. ومع زيادة تدخل الحكومة في جميع جوانب الحياة، فقد سيطرت بشكل متزايد على النظام التعليمي واستخدمته لختم عقول الناس بالفكرة الخيالية التي مفادها أن قواعد الاقتصاد لا تنطبق على الحكومات، وبأنه كلما أنفقت الحكومات أكثر، ازداد الازدهار. إن أعمال فاقدي العقل بالنقد مثل أعمال جون ماينارد كينز، يتم تدريسها الآن في الجامعات الحديثة والتي تقول إن الإنفاق الحكومي ينجم عنه فوائد فقط، وليس له أي تكاليف. ففي نهاية المطاف، تستطيع الحكومة دائمًا طباعة المزيد من النقود، ولن تُواجه أي قيود حقيقية على إنفاقها، ويمكنها بالتالي استخدام هذه النقود لأي هدف يضعه لها الناخبون. فبالنسبة لأولئك الذين يعبدون السلطة الحكومية ويستمتعون بالسيطرة الشمولية، كالعديد من أنظمة القرن العشرين الشمولية والدموية، يُعتبر هذا النظام النقدي هبةً من السماء. ولكن بالنسبة لأولئك الذين يُقدِّرون حرية الإنسان، والسلام والتعاون بين البشر، كان ذلك وقتًا محبطًا خصوصًا مع تراجع احتمالات الإصلاح الاقتصادي كلما مرَّ الوقت، وأن احتمالات عودة العملية السياسية إلى عالم نقدي سليم أصبحت حلمًا خياليًّا يتزايد يومًا بعد يوم. كما وضح «فريدريك هايك»: متحدِّثًا عام ١٩٨٤م مع جهل تام للشكل الحقيقي لهذا «الشيء الذي لا يستطيعون إيقافه»، تبدو بصيرة فريدريك هايك مذهلةً حتى يومنا هذا؛ حيث إنه وبعد مرور ثلاثين عامًا من نطقه بهذه الكلمات، وبعد قرن كامل من تدمير الحكومات لآخر بقايا النقد السليم الذي كان هو المعيار الذهبي، أصبح لدى الأفراد في جميع أنحاء العالم فرصة للادخار والتبادل بوساطة شكل جديد من النقد تمَّ اختياره بحرية في السوق، ويقع خارج السيطرة الحكومية. ففي بداية ظهوره، يبدو أن البيتكوين قد استوفى بالفعل جميع مُتطلَّبات مينجر، وميزس، وهايك؛ فهو خيار قابل للبيع بشكل كبير في السوق الحرة ومقاوم للتدخل الحكومي. | {
"chapter": "النقد الحكومي",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "معيار البيتكوين : البديل اللامركزي للنظام المصرفي المركزي",
"url": "https://www.hindawi.org/books/79060903/4/"
} |
إن أكثر نقد من بين جميع أشكاله التاريخية التي صادفتها، يشبه بعمله آلية عمل البيتكوين هو النظام القديم القائم على حجارة «الراي» في جزيرة «ياب»، والتي تُعَد اليوم جزءًا من ولايات «ميكرونيزيا» الموحَّدة. وفهمُ آلية عمل الحجارة الدائرية الكبيرة المنحوتة من الحجر الجيري كنقد، سيساعدنا في شرح آلية عمل البيتكوين في الفصل الثامن، كما أن فَهم الحكاية المذهلة لكيفية فُقدان حجارة «الراي» دورها النقدي سيكون بمثابة درس عملي وموضوعي في كيفية خسارة النقد دورَه النقدي عندما يخسر صفة الصعوبة منه. إن حجارة «الراي» التي شكَّلت النقد، كانت عبارةً عن أقراص دائرية كبيرة الحجم ينتصفها ثقب، كما أنها كانت مختلفة الأحجام، وبلغ أعلى وزن لها أربعة أطنان مترية. لم يكن أصل هذه الحجارة من جزيرة «ياب» التي لم يكن فيها الحجر الجيري، بل إنَّ حجارة جزيرة «ياب» كانت تُستَورد من «بالاو» أو «غوام» المجاورتَين. لقد كانت تلك الحجارة مرغوبةً ومهيبة في «ياب» بسبب جمالها ونُدرتها، لكنَّ الحصول عليها كان أمرًا صعبًا للغاية؛ لأنه تَضمَّن عمليةً شاقة من عملية التحجير، يليها الشحن بالطوافات والقوارب. وتطلَّب نقل بعض هذه الحجارة مئات الأشخاص، وكان يتم وضعها في موقع بارز بمجرد وصولها للجزيرة لكي يُتاح للجميع رؤيتها. ويمكن لمالك الحجر استخدامه كوسيلة للدفع دون الحاجة إلى نقله؛ فكل ما سيحدث هو إعلان المالك لجميع سُكان المدينة بنقل ملكية الحجر إلى المُرسَل إليه (المستفيد)، وستعترف المدينة بأكملها بملكية هذا الحجر، بحيث يمكن للمتلقي بعد ذلك أن يستخدمه للدفع وقتما شاء. ولم تكن هناك جدوى من سرقة الحجارة؛ لأن ملكيتها أصبحت معروفةً للجميع. لقد رأى «أوكييفي» أن هناك فرصةً للربح تتمثَّل في نقل جَوز الهند من الجزيرة ثم بيعه لمنتِجِي زيوت جَوز الهند، لكن «أوكييفي» لم يكن لديه وسيلة لإغراء السكان المحليين بالعمل لديه؛ وذلك لأنهم كانوا قانعين وسعداء بشكل كبير بحياتهم الحالية في جنَّتهم الاستوائية، كما أنهم لم يكونوا بحاجة إلى أي شكل من أشكال النقد الأجنبي الذي يمكن ﻟ «أوكييفي» أن يعرضه عليهم. لكن «أوكييفي» لم يقبل بالرفض، فأبحر إلى «هونغ كونغ»، وحصل على قارب كبير ومتفجِّرات، وأخذها إلى «بالاو» واستخدم المتفجِّرات والأدوات الحديثة لاستخراج العديد من حجارة «الراي» الكبيرة، وأبحر عائدًا إلى «ياب» ليُقدِّم الحجارة للسكان المحليين كدفعةٍ لقاءَ جَوز الهند. لم يتحمَّس القرويون لتلقي الحجارة، خلافًا لتوقعات «أوكييفي»، ومَنَع رئيس القرية السكان من العمل لقاء تلك الحجارة، حيث أصدر حُكمًا فَحْواه أن حجارة «أوكييفي» لم تكن ذات قيمة؛ لأنه تمَّ جمعها بسهولة بالغة. فالحجارة التي استُخرجت بطُرق تقليدية، بتعب ومجهود السكان، هي الحجارة الوحيدة المقبولة في «ياب». عارض بعض الأفراد في القرية هذا الأمر، وقاموا بتزويد «أوكييفي» بجَوز الهند الذي أراده، ممَّا أدَّى إلى حدوث خلافات في الجزيرة، ومع مرور الوقت، انتهت فترة استخدام هذه الحجارة كنقد. وأصبحت الحجارة اليوم تلعب دورًا احتفاليًّا وثقافيًّا في الجزيرة، أمَّا الوسيط النقدي الأكثر استخدامًا الآن هو نقود الحكومات الحديثة. بالرغم من أن قصة أوكييفي هي قصة رمزية للغاية، إلا أنها أنذرت بحتمية زوال الدور النقدي لحجارة «الراي» مع غزو الحضارة الصناعية الحديثة لجزيرة «ياب» وسكانها. فمع وصول الأدوات الحديثة والقدرات الصناعية إلى المنطقة، كان الأمر حتميًّا لأنْ يصبح إنتاج الحجارة أقل تكلفةً من أي وقت مضى. وسيكون هناك العديد من نماذج «أوكييفي» من المحليين والأجانب القادرين على تزويد «ياب» بتدفُّق متزايدٍ من الحجارة الجديدة. ففي ظلِّ وجود التكنولوجيا الحديثة، انخفضت نسبة المخزون إلى التدفُّق لحجارة «الراي» بشكل كبير للغاية؛ حيث أصبح بالإمكان إنتاج المزيد من تلك الحجارة كل عام، ممَّا أدَّى إلى انخفاضٍ ملحوظ في قيمة مخزون الجزيرة الحالي، ولم يعد من الحكمة لأي شخص استخدام هذه الحجارة كمخزن للقيمة، وبالتالي فقدت قابليتها للبيع عبر الزمن، ومعها فقدت دورها كوسيط للتبادل. تتشابه الديناميكية الأساسية لانخفاض نسبة المخزون إلى التدفُّق رغم احتمال اختلافها بالتفاصيل في كل أشكال النقد الذي فقد دوره النقدي، حتى انهيار «البوليفار الفنزويلي» الذي يتزامن حدوثه مع كتابة هذه السطور. ولقد حدثت قصة مشابهة مع الخرز الزجاجي الذي تمَّ استخدامه كنقد في غرب أفريقيا لقرون طويلة. إنَّ تاريخ ذلك الخرز في غرب أفريقيا ليس واضحًا تمامًا، حيث يُعتقد أنه صُنع من الحجارة النيزكية، أو أنه قد تمَّ نقله من قِبل التجار المصريين والفينيقيين. لكن الواضح والمعروف هو أنه كان ثمينًا في المناطق التي كانت فيها صناعة الزجاج باهظةً وغير شائعة، ممَّا مَنحه نسبة مخزون إلى تدفُّق مرتفعة، الأمر الذي جعله قابلًا للبيع عبر الزمن. وبما أنه كان صغيرًا وقيِّمًا، فقد كان ذلك الخرز قابلًا للبيع في مختلِف المقاييس؛ حيث كان بالإمكان تجميعه في سلاسل أو قلادات أو أساور، إلا أن هذا لم يكن مثاليًّا مطلقًا بسبب وجود أنواع عديدة مختلفة من الخرز بدلًا من وجود نموذج معياري واحد، كما أنه كان قابلًا للبيع عبر الأماكن؛ وذلك لأن نقله كان سهلًا. بالمقابل، إن ذلك الخرز الزجاجي لم يكن باهظ الثمن، ولم يكن له أي دور نقدي في أوروبا؛ لأن تكنولوجيا صناعة الزجاج كانت منتشرةً في تلك المناطق، ممَّا يعني أنه إذا تمَّ استخدامه كوحدة نقدية، فسيقوم منتجو الخرز بغمر السوق به. بعبارة أخرى، كان لديه نسبة مخزون إلى تدفُّق منخفضة. لم يقتصر هذا المصير للأصداف البحرية كنقد في أمريكا الشمالية فحسب، بل شمل أيضًا كل المجتمعات التي كانت تعتمد الأصداف كنقد، فعندما وصلت إليها العملات المعدنية الموحدة، قامت بتبني هذه العملات واستفادت من هذا التحول. وقد أصبح تمشيط البحار بحثًا عن أصداف البحر أمرًا سهلًا بعد وصول الحضارة الصناعية مع القوارب التي تعمل بالوقود الأحفوري، الأمر الذي قام بزيادة تدفق إنتاجها، وقام بخفض نسبة المخزون إلى التدفق بشكل سريع. ومع تقدُّم التكنولوجيا خاصةً في علم المعادن، طوَّر البشر أشكالًا من النقد أكثر تفوقًا من وسائط التبادل تلك، وقامت باستبدالها بشكل سريع. فتلك المعادن أثبتت أنها وسيط تبادل أفضل من الأصداف البحرية، والحجارة، والخرز، والماشية والملح؛ وذلك لأنه يمكن صنعها بشكل متماثل (مُوحَّدة ومُنتظمة) على شكل أجزاء صغيرة مرتفعة القيمة يمكن نقلها بسهولة أكبر. ولقد تم وضع مسمار آخر في نعش النقد القديم بالاستخدام الهائل لطاقة الوقود الهيدروكربوني الذي زاد من قدرتنا الإنتاجية بشكل كبير، فسمح بزيادة سريعة في العرض (التدفق) الجديد لتلك المصنوعات، مما يعني أن أشكال النقد التي كانت تعتمد على صعوبة الإنتاج لحماية النسبة المرتفعة من مخزونها إلى تدفقها قد خسرت تلك الميزة. فباستخدام الوقود الهيدروكربوني الحديث، أصبح بالإمكان استخراج حجارة الراي بسهولة، وصُنع الخرز الزجاجي بثمن زهيد، وجَمْع الأصداف بكميات ضخمة باستخدام قوارب كبيرة. وما إن فقدت تلك الأموال صعوبتها، عانى مالكوها من مُصادرة كبيرة لثرواتهم، وانهار نسيج مجتمعهم بأكمله نتيجةً لذلك. فلقد فهم رؤساء جزيرة «ياب» الذين رفضوا حجارة «الراي» الرخيصة التي قدَّمها «أوكييفي» ما فشل معظم الاقتصاديين المعاصرين فهمه؛ فالنقد الذي يسهُل إنتاجه ليس نقدًا على الإطلاق، والنقد السهل لا يزيد من ثراء المجتمع، بل على العكس، يجعله أكثر فقرًا من خلال عرض كل ثروته التي اكتُسبت بعناء للبيع لقاء شيء يسهُل إنتاجه. | {
"chapter": "النقد البدائي",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "معيار البيتكوين : البديل اللامركزي للنظام المصرفي المركزي",
"url": "https://www.hindawi.org/books/79060903/2/"
} |
بعد أن تطوَّرت القدرة التقنيَّة البشريَّة في إنتاج السلع، وتزايَدَ استخدامنا للمعادن والسلع الأساسية، أصبحت العديد من المعادن تُنتَج بكميات كبيرة. وكان الطلب عليها مرتفعًا بما يكفي لتصبح هذه المعادن قابلةً للبيع بشكل كبير، وملائمةً للاستخدام كوسائط نقدية. كما أن كثافة تلك المعادن وقيمتها المرتفعة نسبيًّا جعلت من عملية نقلها أمرًا سهلًا، أسهل من نقل الملح والماشية؛ ممَّا جعلها قابلةً للبيع بشكل كبير عبر الأماكن. لكن إنتاج هذه المعادن لم يكن سهلًا في البداية، الأمر الذي جعل من عملية زيادة عرضها بشكل سريع أمرًا صعبًا، ممَّا منحها قابلية بيع جيدة عبر الزمن. وقد كان لبعض المعادن قيمة أكثر من غيرها وذلك بسبب متانتها وخصائصها الفيزيائية بالإضافة إلى وفرتها النسبية في الأرض. فكان بالإمكان إنتاج النحاس والحديد بكميات متزايدة بسبب وفرتهما المرتفعة نسبيًّا، وبسبب قابليتهما للتآكل، والإنتاج الجديد منهما سيحجِّم المخزونات الحالية مُدمِّرًا القيمة فيها. ولقد أصبح لهذه المعادن قيمة سوقية منخفضة نسبيًّا، وكان يتم استخدامها في التبادلات الصغيرة. من ناحية أخرى، فالمعادن الأكثر ندرةً مثل الفضة والذهب، كانت أكثر متانةً وأقل عُرضةً للتآكل أو التلف، ممَّا جعلها قابلةً للبيع عبر الزمن بشكل أكبر، وجعلها نافعةً كمخزنٍ للقيمة للمستقبل. وصِفَة عدم قابلية الذهب للتلف على وجه الخصوص، مكَّنت البشر من تخزين القيمة عبر الأجيال، الأمر الذي سمح لنا بتطوير بصيرة ذات أفق زمني أطول. وبحلول القرن التاسع عشر، ومع تطور النظام المصرفي الحديث، وحدوث التطويرات في طرق الاتصال، تمَكَّن الأفراد من إجراء الصفقات والأعمال التجارية بالأوراق النقدية والشيكات المدعومة بالذهب الموجود في خزائن مصارفهم، وبالبنوك المركزية؛ هذا الأمر جعل التحويلات المدعومة بالذهب أمرًا قابلًا للتحقيق بكل المقاييس، وبالتالي تفادى الحاجة إلى الدور النقدي للفضة، وجَمَع كل خصائص النقد الأساسية القابلة للبيع في المعيار الذهبي. وبذلك، سمح المعيار الذهبي بجمع رأس المال، وسمح بتجارة عالمية غير مسبوقة من خلال توحيد غالبية اقتصاد الكوكب على خيار نقد سوقي واحد سليم، لكن عيبه المأساوي هو أنه ومن خلال عملية تركيز الذهب في خزائن المصارف والبنوك المركزية لاحقًا، أصبح من الممكن للمصارف والحكومات زيادة العرض النقدي بكمية أكبر من كمية الذهب الذي تمتلكه، مُقلِّلةً بذلك من قيمة النقد، وناقلةً جزءًا من قيمته من مالكي النقد الشرعيين إلى الحكومات والمصارف. لفهم كيفية ظهور النقود السلعية، سنعود بمزيد من التفاصيل عن فخ النقد السهل الذي طرحناه في الفصل الأول، ثم سنبدأ بالتفريق بين طلب السوق على السلعة (طلب استهلاك أو امتلاك السلعة لذاتِها) والطلب النقدي عليها (الطلب على السلعة كوسيط للتبادل وكمخزن للقيمة). ففي أي وقت يختار فيه أي شخص سلعةً ما كمخزن للقيمة، فإنه يقوم بزيادةٍ فعَّالة للطلب عليها بشكل يفوق طلب السوق العادي عليها، ممَّا يؤدي إلى ارتفاع سعرها. فعلى سبيل المثال، الطلب على النحاس في السوق لمختَلِف استخداماته الصناعية يبلغ حوالي ٢٠ مليون طن في السنة، بسعر يبلغ نحو ٥ آلاف دولار للطن، وقيمة سوقية إجمالية تبلغ حوالي ١٠٠ مليار دولار. تخيَّل مثلًا أن مليارديرًا قرر تخزين ١٠ مليارات دولار من ثروته بالنحاس. فعندما يحاول مصرفيوه شراء ١٠٪ من إنتاج النحاس العالمي السنوي، فإنهم سيتسبَّبون حتمًا بارتفاعٍ في سعر النحاس. قد يبدو هذا في البداية كتبرير لاستراتيجية الملياردير النقدية؛ حيث ارتفعت قيمة الأصل الذي قرر شراءه قبل أن تكتمل عملية الشراء. والملياردير حتمًا سيعتقد أنَّ ارتفاع السعر هذا سيتسبب في زيادة عدد الأفراد الراغبين في شراء النحاس كمخزن للقيمة، الأمر الذي سيتسبب بارتفاع السعر. لكن حتى وإذا انضم إليه المزيد من الناس لتحويل النحاس إلى نقد، فإن الملياردير الافتراضي المهووس بالنحاس سيكون في ورطة؛ لأن ارتفاع الأسعار سيجعل من النحاس عملًا مربحًا للعمال ورءوس الأموال حول العالم. فكمية النحاس الموجودة تحت الأرض تتجاوز قدرتنا على قياسها، ناهيك عن استخراجها من خلال عملية استخراج المعادن. لذلك ومن الناحية العملية، إن الأمر الوحيد الذي يحدُّ من كمية النحاس المنتَج هو عدد الأيدي العاملة وحجم رأس المال اللذان يتم تخصيصهما لهذا العمل. فيمكن دومًا تصنيع المزيد من النحاس بسعر أعلى، وسيستمر معه ارتفاع الأسعار والكميات حتى يُلبي طلب المستثمرين النقديين. لنفترض أن هذا الأمر حدث بإضافة ١٠ ملايين طن و١٠٠٠٠ دولار للطن. ففي نقطة ما، يجب أن تقلَّ حدة هذا الطلب النقدي، وسيرغب بعض مالكي النحاس ببيع بعض مخزونهم لشراء سلع أخرى للاستفادة من أرباح سعر النحاس المرتفع؛ لأن هذا هو الهدف من شراء النحاس بالأساس. فبعد انخفاض الطلب النقدي ومع ثبات جميع العوامل الأخرى، سيعود سوق النحاس إلى ظروف العرض والطلب الأصلية؛ أي إلى ٢٠ مليون طن سنويًّا بسعر ٥٠٠٠ دولار لكل طن، ولكن عندما يبدأ المالكون ببيع مخزونهم المتراكم من النحاس، سينخفض السعر كثيرًا دون هذا المستوى. فالملياردير سيخسر المال في هذه العملية؛ حيث إنه وعند قيامه برفع السعر، فهو قام بشراء معظم مخزونه بأكثر من ٥٠٠٠ دولار للطن، ولكن يُقدَّر إجمالي رصيده الآن بأقل من ٥٠٠٠ دولار للطن. أما الآخرون الذين انضموا إليه لاحقًا، فقد اشترَوا بأسعار أعلى وسيخسرون أموالًا أكثر من الملياردير نفسه. يُمكن تطبيق هذا النموذج على جميع السلع الاستهلاكية؛ مثل النحاس، أو الزنك، أو النيكل، أو النفط، والتي يتم بشكل أساسي استهلاكها وتدميرها وليس تخزينها وجمعها. فحجم المخزون العالمي لتلك السلع في أي وقت يُقارب حجم الإنتاج السنوي الجديد، ويتم توليد عرض جديد بشكل مستمر كي يتم استهلاكه، وفي حال قرر المدخِّرون تخزين ثروتهم بواحدة من هذه السلع، فلن تشتري ثروتُهم إلا جزءًا بسيطًا من العرض العالمي قبل رفع السعر بما يكفي لامتصاص كل استثمارهم، حيث إنهم يتنافسون مع مستهلكي هذه السلعة الذين يستخدمونها بطريقة فعالة في الصناعة. وعند ازدياد عوائد منتجي السلعة، فإنه يمكنهم الاستثمار في زيادة إنتاجهم، ممَّا سيؤدي إلى تحطُّم الأسعار مرةً أخرى، وسلب ثروة المدخرين. والنتيجة النهائية لهذه الحادثة بأكملها هي نقل الثروة من المدَّخرين المُضلَّلين إلى منتجي السلعة التي اشترَوها. فهذا هو الهيكل التشريحي لفقاعة السوق؛ الطلب المتزايد يؤدي إلى ارتفاع حاد في الأسعار، ممَّا يؤدي إلى زيادة إضافية على الطلب، الأمر الذي يرفع الأسعار أكثر مُحفِّزًا على زيادة الإنتاج وزيادة العرض، ممَّا سيؤدي حتمًا إلى انخفاض الأسعار لاحقًا معاقبًا كل من قام بالشراء بسعر أعلى من سعر السوق المعتاد. وبهذا، يتم سرقة المستثمرين في الفقاعة، بينما يستفيد منتجو هذا الأصل. فلقد ثبتت صحة هذه الديناميكية في معظم التاريخ الموثَّق بالنسبة للنحاس وكافة السلع الأخرى في العالم، معاقبةً وبشكل مستمر أولئك الذين يختارون هذه السلع كنقد، وذلك من خلال تخفيض قيمة ثروتهم وإفقارهم على المدى الطويل، ومن خلال إعادة السلعة إلى دورها الطبيعي كسلعة سوقية، وليس كوسيط للتبادل. ولكي يُثبت أي مخزن للقيمة جدارته، يجب عليه أن يتغلب على هذا الفخ؛ يجب أن ترتفع قيمته عندما يطلبه الناس كمخزن للقيمة، لكن يجب أن يتم منع منتجيه من تضخيم عرضه بشكل كبير لدرجةٍ قد تؤدي لتخفيض سعره. إن أصلًا كهذا سيُكافئ أولئك الذين يختارونه كمخزن للقيمة، فتزيد ثروتهم على المدى الطويل عندما يُصبح هذا الأصل المخزن الرئيسي للقيمة، بينما أولئك الذين يختارون سلعًا أخرى فعليهم أن يُبدِّلوا مسارهم بتقليد خيار نظرائهم الأكثر نجاحًا، أو أنهم ببساطة سيفقدون ثروتهم. والرابح الجليُّ في هذا السباق على مرِّ تاريخ البشرية هو الذهب، والذي حافظ على دوره النقدي بامتيازه على بقية السلع الأخرى بخاصيتَين فيزيائيتَين فريدتَين؛ أولًا: الذهب مستقر كيميائيًّا إلى درجةٍ يكاد يستحيل تدميره. ثانيًا: يستحيل تصنيعه من مواد أخرى (رغم ادعاءات الكيميائيين) حيث إنه لا يمكن استخراجه إلا من مادته الخام غير المكرَّرة، وهي نادرة جدًّا في كوكبنا. لكي تفهم الفرق بين الذهب وأي سلعة استهلاكية، تخيَّل تأثير زيادةٍ كبيرة في الطلب عليها كمخزن للقيمة، بحيث يؤدي إلى ارتفاع كبيرٍ في السعر ويُضاعف الإنتاج السنوي. فمضاعفة الإنتاج هذا بالنسبة إلى أي سلعة استهلاكية سيُحجِّم أي مخزون حالي، وسَيتسبَّب بحدوث تحطُّمٍ في الأسعار، وسيُلحق الضرر بالمالكين. أما فيما يخص الذهب، فلن يكون ارتفاع الأسعار الذي يؤدي إلى مضاعفة الإنتاج السنوي ذا أهمية، حيث إنه يزيد المخزون بنسبة ٣٪ بدلًا من ١٫٥٪. وإذا تم الحفاظ على وتيرة الإنتاج المتزايدة الجديدة، فستنمو المخزونات بسرعة أكبر، ممَّا سيُقلِّل من أهمية الزيادات الجديدة. وسيستحيل فعليًّا على عُمال المناجم أن يستخرجوا الذهب بكميات كبيرة لدرجة تكفي لخفض السعر بشكل كبير. تقتصر الفضة بالاقتراب من الذهب في هذا الشأن، حيث يبلغ معدل نمو عرضها السنوي تاريخيًّا حوالي ٥–١٠٪، وارتفع إلى ٢٠٪ في العصر الحديث. ويُعد ذلك أعلى من معدل نمو الذهب لسببَين؛ أولًا: إن الفضة تتآكل كما يمكن استهلاكها في العمليات الصناعية، ممَّا يعني أن المخزونات الحالية للفضة ليست كبيرةً مقارنة بالإنتاج السنوي كما هي مخزونات الذهب مقارنةً بإنتاجه السنوي. ثانيًا: إن الفضة أقل ندرة من الذهب في قشرة الأرض، وعملية صقلها سهلة. وبسبب امتلاكها لثاني أعلى نسبة مخزون إلى تدفق، ولأن قيمتها أقل من الذهب لكل وحدة وزن، فقد تم استخدام الفضة كنقد رئيسي للتحويلات الصغيرة لآلاف السنين؛ وبهذا كَمَّلت الذهبَ الذي وبسبب قيمته المرتفعة، أصبحت عملية تقسيمه إلى وحدات أصغر أمرًا ليس عمليًّا. فتبَنِّي واعتماد المعيار الذهبي العالمي أتاح الدفع باستخدام الأوراق المدعومة بالذهب في كل المقاييس، ممَّا أزال الدور النقدي للفضة كما سيتم نقاشه بمزيد من التفصيل لاحقًا هذا الفصل. ففقدت الفضة دورها النقدي مع الاستغناء عنها للتحويلات والمبادلات الصغيرة، وأصبحت معدنًا صناعيًّا، وخسرت قيمتها مقارنةً بالذهب. وقد تُحافظ الفضة على تصنيفها في المركز الثاني، ولكن بعدما أصبح الدفع ممكنًا دون الحاجة إلى نقل الوحدة النقدية نفسها بفضل تكنولوجيا القرن التاسع عشر، أصبح المركز الثاني في المنافسة النقدية مِثْل الخسارة. فمعدل عرض الذهب المنخفض على الدوام هو السبب الجوهري لحفاظه على دوره النقدي على مرِّ تاريخ البشرية، وهو دَور مستمر حتى يومنا هذا؛ حيث لم تزل البنوك المركزية تحتفظ بعرض كبير من الذهب كي تحمي عملاتها الورقية. وتبلغ احتياطات البنك المركزي الرسمية حوالي ٣٣٠٠٠ طن، أو سُدس إجمالي الذهب الموجود فوق الأرض. فنسبة المخزون إلى التدفقات المرتفعة للذهب تجعله السلعة ذات أقل سعر بالنسبة لمرونة العرض، والتي تُعرَّف بأنها الزيادة بالنسبة المئوية للكمية المعروضة مقسومة على الزيادة بالنسبة المئوية للسعر. ونظرًا إلى أن العرض الحالي من الذهب المملوك من قِبَل الناس في كل مكان هو نِتاجٌ لآلاف السنين من الإنتاج، فإن زيادة مقدارها س٪ في سعره قد تُسبِّب زيادةً في إنتاج استخراج الذهب الجديد، ولكن هذه الزيادة ستكون متدنيةً إذا ما قُورنت بالمخزونات الحالية. فعلى سبيل المثال، شهد عام ٢٠٠٦م زيادةً بنسبة ٣٦٪ في سعر الذهب. بالنسبة إلى أي سلعة أخرى، من المتوقَّع أن يزيد هذا من ناتج استخراج المعادن بمعدل كبير لِغَمر الأسواق وخفض السعر. بدلًا من ذلك، بلغ الإنتاج السنوي في عام ٢٠٠٦م، ٢٫٣٧٠ طن؛ أي أقل بمقدار ١٠٠ طن من إنتاج عام ٢٠٠٥م، وانخفض بمقدار ١٠ أطنان أخرى في ٢٠٠٧م. ففي حين كان العرض الجديد يساوي ١٫٦٧٪ من المخزونات الموجودة في عام ٢٠٠٥م، إلا أنه كان ١٫٥٨٪ من المخزونات الموجودة في عام ٢٠٠٦م، و١٫٥٤٪ من المخزونات الموجودة في عام ٢٠٠٧م. فحتى لو ارتفع السعر بنسبة ٣٥٪، فإن ذلك لن يؤدي إلى زيادة ملحوظة في عرض الذهب الجديد في السوق. فوفقًا لهيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، كانت أكبر زيادة سنوية في الإنتاج حوالي ١٥٪ في عام ١٩٢٣م، والتي تُرجمت إلى زيادة بنسبة ١٫٥٪ فقط في المخزونات. فحتى لو تضاعف الإنتاج، فإن الزيادة المحتملة في المخزونات لن تكون إلا حوالي ٣–٤٪. أما الزيادة السنوية الأكثر في المخزونات العالمية فقد حدثت عام ١٩٤٠م، عندما ارتفعت المخزونات بنحو ٢٫٦٪. ولم يتجاوز النمو السنوي للمخزون هذا الرقم بعد ذلك، ولم يتجاوز نسبة ٢٪ منذ عام ١٩٤٢م. وعندما ازداد إنتاج المعادن بشكل ملحوظ، بدأت الحضارات القديمة في الصين والهند ومصر باستخدام النحاس كنقد ومن ثَم الفضة، حيث إنه كان من الصعب نسبيًّا تصنيع هذَين المعدنَين في ذلك الوقت، الأمر الذي أعطاهما قابليةً جيدة للبيع عبر الزمان والمكان. وكان للذهب مكانة بارزة في هذه الحضارات، لكن نُدرته اقتضت في محدودية قابليته للبيع في المبادلات. وقد تم صك الذهب إلى قطع معدنية لأول مرة لغرض التجارة في اليونان، مَهْد الحضارات الحديثة، تحت حكم الملك «كرويسوس»، ونَشَّط هذا الأمر التجارة العالمية؛ حيث أدت جاذبيةُ الذهب العالمية إلى انتشار العملة على مدى واسع. ومنذ ذلك الحين، تشابكت منعطفات التاريخ البشري بشكل وثيق مع سلامة النقد، فازدهرت الحضارات الإنسانية في الأزمان والأماكن التي تم فيها تَبَنِّي النقد السليم على نطاق واسع، في حين تزامن النقد غير السليم في كثير من الأحيان مع التدهور الحضاري والانهيار المجتمعي. كان «الديناريوس» العملة المعدنية الفضية المتداولة في عهد الجمهورية الرومانية، واحتوى على ٣٫٩ جرام من الفضة، بينما كان الذهب النقد الأكثر قيمةً في المناطق المتحضرة في العالم في ذلك الوقت، وكانت العملات الذهبية تزداد انتشارًا. وأسَّس الدكتاتور الأخير للجمهورية الرومانية «يوليوس قيصر»، العملة المعدنية «أوريوس»، والتي كانت تحتوي على حوالي ٨ جرامات من الذهب، وتم قَبولها على نطاق واسع في أوروبا والبحر المتوسط؛ ممَّا زاد من نطاق التجارة والتخصص في العالم القديم. وساد الاستقرار الاقتصادي لمدة ٧٥ عامًا، حتى في فترة الاضطرابات السياسية لاغتياله، والتي شهدت تحول الجمهورية إلى إمبراطورية تحت ظل وريثه «أُغسطس» الذي اختاره بنفسه. استمر هذا الأمر حتى عهد الإمبراطور صاحب السمعة السيئة «نيرون»، الذي كان أول من انخرط في العادة الرومانية ﺑ «تقسيم وقص العملة»؛ حيث كان الإمبراطور يجمع عملات السكان ويصك منها عملات جديدة ولكن بمحتوًى أقل من الفضة أو الذهب. استمتع جنود وأباطرة «روما» بإنفاق غنائمهم طوال الفترة التي كانوا فيها قادرين على غزو أراضٍ جديدة كثيرة الثروات، حتى إن أباطرتها قد قرروا شراء شعبية لأنفسهم بفرض أسعار منخفضة صُنعيًّا (زائفة) للحبوب وغيرها من السلع الأساسية، بل وتجاوزوا بمنحها بالمجان في بعض الأحيان. فعوضًا عن العمل لكسب لُقمة العيش في الريف، ترك العديد من الفلاحين مزارعهم للانتقال إلى «روما»، حيث كان بإمكانهم عيش حياة أفضل وبالمجان. ومع مرور الوقت، لم يعد في العالم القديم أية أراضٍ مزدهرة لكي يتم غزوها، ونمط الحياة المتزايد ترفًا وبَذَخًا جنبًا إلى جنب مع الجيش المتنامي، احتاج مصدرًا جديدًا للتمويل، كما ازداد مع ذلك أيضًا عدد المواطنين غير المنتجين الذين يعيشون على كرم الإمبراطور وعلى عملية ضبط الأسعار. «نيرون»، الذي حكم بين عامَي ٥٤ و٦٨، وجد صيغةً لحل هذا، صيغةً شابهت إلى حد كبير حل «كينز» لمشاكل بريطانيا والولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الأولى؛ فعملية تخفيض قيمة العملة ستؤدي مباشرةً إلى تخفيض الأجور الحقيقية للعُمال، وستقلِّل من عبء الحكومة في دعم السلع الأساسية، وستوفِّر المزيد من الأموال لتمويل النفقات الحكومية الأخرى. وفي عهد «كركلَّا» (٢١١–٢١٧)، تم تخفيض محتوى الذهب بشكل أكبر ليصل إلى ٦٫٥ جرام، وخُفِّض أكثر في عهد «ديوكلتانيوس» (٢٨٤–٣٠٥) إلى ٥٫٥ جرام، قبل أن يُقدِّم «ديوكلتانيوس» عملةً بديلة تسمى «صوليدوس»، والتي احتوت على ٤٫٥ جرام من الذهب فقط، ففي عصر «ديوكلتيانوس»، احتوى الديناريوس على آثار من الفضة لتغطية قلبه البرونزي، وكانت الفضة سريعة الاختفاء بسبب الاندثار والاحتكاك بالاستعمال العادي، ممَّا أنهى الديناريوس كعملة فضية. ومع تزايد حدة التضخم في القرنَين الثالث والرابع، جاءت معه محاولات الأباطرة المضلِّلة لإخفاء هذا التضخم؛ وذلك بوضع ضوابط لأسعار السلع الأساسية. وعندما سعت قوى السوق إلى رفع الأسعار استجابةً لانخفاض قيمة العملة، تكفَّل سقف الأسعار القائم بمنع تعديل هذه الأسعار، مما جعل الأمر غير مربح للمنتجين للمشاركة في عملية الإنتاج، فتوقف الإنتاج الاقتصادي إلى أن صدر مرسوم جديد يسمح بحرية رفع الأسعار. ومع هذا الانهيار في قيمة نقدها، أدت العملية الطويلة لانحدار الإمبراطورية إلى دورة قد تبدو مألوفةً للقُرَّاء المعاصرين؛ فعملية «تقسيم وقص العملة» خَفَّضت من قيمة الأوريوس الحقيقية، وزادت العرض النقدي، سامحةً للإمبراطور بمتابعة فَرْط الإنفاق الطائش، ولكنها في النهاية أدت إلى التضخم والأزمات الاقتصادية، والتي حاول الأباطرة المضلِّلون تحسينها من خلال المزيد من تقسيم وقص العملة المعدنية. ويلخِّص «فرديناند ليبس» هذه العملية بدرس للقراء المعاصرين: يجب على الاقتصاديين «الكينزيين» المعاصرين، وكذلك على الجيل الحالي من المستثمرين، فهم أنه على الرغم من محاولة الأباطرة الرومانيين المسعورة ﻟ «إدارة» اقتصادهم، إلا أنهم نجحوا فقط بجعل الأمور أكثر سوءًا؛ فلقد تم سن القوانين لضبط الأسعار وضبط الأجور ولاعتماد العملة الرسمية، لكن الأمر كان أشبه بمحاولة كبح جماح المد والجزر. فعمَّ الشغب، والفساد، وغياب القانون، والهوس الطائش بالمضاربة والقمار كالطاعون في الإمبراطورية. وفي ظل وجود نقد غير موثوق ومنخفض القيمة بشكل كبير، أصبحت المضاربة بالسلع الأساسية أشد إغراءً من إنتاجها. ارتبط اسم الإمبراطور ديوكلتانيوس ارتباطًا أبديًّا بالاحتيال المالي والنقدي، وتحت حكمه وصلت الإمبراطورية إلى الحضيض. ولكن بعد عام من تنحيه، تولَّى «قسطنطين» العظيم زمام الإمبراطورية، وعَكَس مسارها باعتماد سياسات وإصلاحات مسئولة اقتصاديًّا. ﻓ «قسطنطين»، الذي كان أول إمبراطور مسيحي، التزم بالحفاظ على عملة الصوليدوس بوزن ٤٫٥ جرام من الذهب دون اقتصاص أو غش، وبدأ بصك العملة بكميات كبيرة في عام ٣١٢. انتقل شرقًا وأسَّس «القسطنطينية» في نقطة التقاء آسيا وأوروبا، لترى الإمبراطورية الرومانية الشرقية النور، والتي اعتمدت الصوليدوس كعملة لها. وفي حين واصلت روما تدهورها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي حتى انهيارها في نهاية المطاف عام ٤٧٦، نجت العملة البيزنطية لمدة ١١٢٣ عامًا، بينما أصبح الصوليدوس أكثر عملة سليمة دام استخدامها في التاريخ البشري. وحتى بعد انخفاض قيمته وانهيار إمبراطوريته، نجا «البيزنت» وأوحى بأشكال أخرى من النقد السليم لا تزال مُستخدمةً على نطاق واسع حتى يومنا هذا، على الرغم من أنه لم يعد العملة الرسمية لأية دولة، وكان هذا الشكل هو الدينار الإسلامي. فمع ازدهار الإسلام خلال العصر الذهبي لبيزنطة، انتشر «البيزنت» والقطع المعدنية النقدية المشابهة له في الوزن والحجم في المناطق التي انتشر فيها الإسلام. وحدد الخليفة الأُموي عبد الملك بن مروان وزن وقيمة الدينار الإسلامي، وطَبع عليه الشهادة الإسلامية عام ٦٩٧م. وعلى الرغم من سقوط الأسرة الأُموية الحاكمة، وسقوط عدة ولايات إسلامية أخرى بعدها، إلا أن الدينار بقي مُتداوَلًا ومنتشرًا على نطاق واسع في المناطق الإسلامية بوزن وحجم «البيزنت» الأصليين، وهو يُستخدم حتى يومنا هذا كمهر للزواج، وللهدايا، وبالمناسبات الدينية والتقليدية. لكن على عكس الرومان والبيزنطيين، لم يكن انهيار الحضارات العربية والإسلامية مرتبطًا بانهيار عملتهم؛ حيث إنهم حافظوا على سلامة عملاتهم لقرون؛ فالصوليدوس — وهو العملة التي صَكَّها ديوكلتانيوس أول مرة عام ٣٠١م — تم تغيير اسمها إلى البيزنت والدينار الإسلامي، ولكنَّ تداوُلها مستمر إلى يومنا هذا. واستخدم الناس هذه العملة للتداولات في جميع أنحاء العالم لمدة سبعة عشر قرنًا، مُعزِّزةً بذلك قابلية بيع الذهب عبر الزمن. بعد الانهيار الاقتصادي والعسكري للإمبراطورية الرومانية، ظهرت الإقطاعية كأسلوب رئيسي لتنظيم المجتمع، فدمار النقد السليم كان أمرًا محوريًّا في تحويل مواطني الإمبراطورية الرومانية إلى عبيد للأرض يعملون تحت رحمة أسيادهم المحليين الإقطاعيين. فلقد كان الذهب مُركَّزًا بين أيادي الأسياد الإقطاعيين، وكانت القطع النقدية النحاسية والبرونزية هما الشكلَين الرئيسَين من النقد المُتاحَين للفلاحين في أوروبا في ذلك الوقت، وكان تضخيم عرضهما أمرًا سهلًا بحيث أصبح إنتاج هذه المعادن أكثر سهولةً مع تقدُّم علم وصناعة المعادن، ممَّا جعلها مخزنًا سيئًا للقيمة. يُضاف إلى ذلك أن العملات الفضية كان عادةً يتم تخفيض قيمتها ويتم غشها، كما أنها لم تكن وحدةً معيارية في جميع أنحاء القارة، ممَّا منحها قابلية بيع ضعيفة عبر الأماكن، وحدَّ من نطاق التجارة عبر القارة. فلقد دمَّر التضخم والضرائب ثروات ومدخرات شعوب أوروبا، فنشأت أجيال جديدة من الأوروبيين دون ثروة متراكمة موروثة من أجدادهم. كما أن غياب وجود عملة معيارية نقدية سليمة مقبولة على نطاق واسع حدَّ وبشكل كبير من نطاق التجارة، وأغلق المجتمعات عن بعضها البعض، وعزز النزعات المحلية للمجتمعات التي كانت بالسابق مجتمعات تجاريةً وحضارية مزدهرة، لتسقط هذه المجتمعات إلى عصور مظلمة من العبودية، والأمراض، والانغلاق الفكري والاضطهاد الديني. وقد قام ظهور ما يُعرف باسم «مدن الدول» بنقل أوروبا من العصور المظلمة إلى عصر النهضة، وهذا أمر معترَف به على نطاق واسع، لكن دور النقد السليم في هذه النهضة لا يَحظَى بما يكفي من الاعتراف والتقدير. فقد كان بوسع البشر في مدن الدول العيش بحرية من أجل العمل، والإنتاج، والتجارة والازدهار، وكان هذا نتيجةً لتبني هذه المدن معيارًا نقديًّا سليمًا إلى حد كبير. وقد بدأ الأمر كله في «فلورنسا» عام ١٢٥٢م، عندما صَكَّت المدينة عملة «الفلورين»، وهي أول عملة أوروبية سليمة مهمة تم صَكُّها منذ عملة «يوليوس قيصر» الذهبية. فنهضة فلورنسا جعلت منها مركز أوروبا التجاري؛ حيث أصبحت عملتها «الفلورين» الوسيط الأوروبي الرئيسي للتبادل، ممَّا سمح لمصارفها بالازدهار على امتداد القارة بأكملها. وكانت «فينيسيا» أول من حذا حذو «فلورنسا» في صك عملة «الدوكات» بنفس مواصفات «الفلورين» في عام ١٢٧٠م. وبحلول نهاية القرن الرابع عشر، شرعت أكثر من ١٥٠ مدينةً ودولة أوروبية بصك عملات معدنية بنفس مواصفات «الفلورين»، ممَّا أعطى لمواطنيها الكرامة وحرية جمع الثروة والمتاجرة باستخدام نقد سليم ذي قابلية بيع مرتفعة عبر الزمن والأماكن، حيث كان يمكن تقسيمها إلى عملات معدنية صغيرة، ممَّا سَهَّل قابلية التجزئة الخاصة بها. ومع التحرر الاقتصادي للفلاحين الأوروبيين، ظهر الازدهار السياسي، والعلمي، والفكري، والثقافي للمدن الإيطالية المستقلة، والذي انتشر فيما بعد إلى جميع أنحاء القارة الأوروبية. فسواء أكان في روما، أو القسطنطينية، أو فلورنسا أو البندقية، يُظهر التاريخ أن معيار النقد السليم هو شرط ضروري لازدهار الإنسان؛ لأنه ومن دونه سيقف المجتمع على حافة الهمجية والدمار. وعلى الرغم من أن الفترة التي تلت ظهور «الفلورين» شهدت تحسنًا في سلامة النقد من حيث تزايد أعداد الأوروبيين القادرين على تبني الذهب والفضة للادخار والتجارة، وتوسع مدى الأسواق إلى جميع أنحاء أوروبا والعالم، إلا أن الوضع لم يكن مثاليًّا على الإطلاق؛ فقد كان هناك العديد من الفترات التي قام فيها بعض الملوك بخفض قيمة عملة شعبهم لتمويل الحروب أو للإنفاق بشكل مُبذِّر. وبحكم أنهما استُخدما بشكلهما المادي، كمَّل الذهب والفضة أحدهما الآخر؛ فنسبة المخزون إلى التدفق المرتفعة للذهب جعلته مثاليًّا كمخزن للقيمة طويل الأمد، وجعلته وسيلةً للدفعات الكبيرة، ولكن القيمة المنخفضة للفضة لكل وحدة وزن، سهَّلت تقسيمها إلى كميات ملائمة للتبادلات الصغيرة وللامتلاك لفترات أقصر. ورغم فوائد هذا الترتيب، إلا أنه يحوي عيبًا جسيمًا؛ فتقلُّب سعر الصرف بين الذهب والفضة أدى إلى مشاكل في التجارة والحسابات، وآلت محاولات تثبيت سعر العملتَين فيما بينهما بالفشل، ولكن انتصرت أفضلية الذهب النقدية بنهاية المطاف. فعندما كان الملوك يحدِّدون سعر الصرف بين سلعتَين، فإنهم كانوا يُغيِّرون حوافز المالكين لاقتناء أو إنفاق هاتَين السلعتَين. ولقد استمر هذا النظام غير المناسب لتثبيت السعر لعدة قرون في أوروبا والعالم. ولكن كما هو الحال مع الانتقال من الملح، والماشية والأصداف إلى المعادن، أمَّن التقدم التكنولوجي الحثيث حلًّا لهذا الأمر. فهناك تقدمان تكنولوجيان محدَّدان قاما بنقل أوروبا والعالم بعيدًا عن العملات المعدنية المادية، وبالتالي ساعدا على إنهاء الدور النقدي للفضة؛ وهما التلغراف، والذي نُشر تجاريًّا لأول مرة عام ١٨٣٧م، وشبكة القطارات المتزايدة، والتي سَمحت بالتنقل عبر أوروبا. فبِفضل هذَين الابتكارَين، أصبح بإمكان المصارف التواصل مع بعضها أكثر وبشكل أسهل من ذي قبل، وذلك بإرسال الدفعات بفاعلية عبر الأماكن عند الحاجة، وتقييد الحسابات بدلًا من إرسال مدفوعات مادية. فأدى هذا الأمر إلى زيادة استخدام الفواتير، والشيكات والإيصالات الورقية كوسائط نقدية بدلًا من العملات المادية الذهبية والفضية. وبدأت دول أخرى بالانتقال إلى معيار نقدي من أوراق مدعومة بالكامل بمعادن ثمينة محفوظة في الخزائن، وكانت هذه الأوراق قابلةً للاستبدال والتحويل وبشكل فوري. فاختارت بعض الدول الذهب، واختارت غيرها الفضة، وكان هذا قرارًا مصيريًّا ترتَّبت عليه عواقب وخيمة. فكانت بريطانيا أول من اعتمد معيارًا ذهبيًّا حديثًا في عام ١٧١٧م، وفقًا لتوجيه عالم الفيزياء «إسحاق نيوتن»، الذي كان حامي دار الصك المَلكية، ولعب المعيار الذهبي دورًا كبيرًا في نشر تجارتها عبر إمبراطوريتها حول العالم. وبقيت بريطانيا تحت المعيار الذهبي حتى عام ١٩١٤م، على الرغم من أنها قامت بتعليقه خلال حروب «نابليون» من ١٧٩٧م إلى ١٨٢١م. فالتفوق الاقتصادي لبريطانيا كان مرتبطًا بشكل معقَّد باستخدامها معيارًا نقديًّا متفوِّقًا، وبدأت تتبعها دول أوروبية أخرى. وبشَّرت نهاية الحروب ببداية العصر الذهبي لأوروبا، حيث بدأت الدول الأوروبية الكبرى في تبني المعيار الذهبي واحدةً تلو الأخرى. وكلما تبنَّت دول أكثر المعيار الذهبي رسميًّا، أصبح الذهب الأكثر قابليةً للتداول، وزاد حافز الدول الأخرى للانضمام إليه. علاوةً على ذلك، وبدلًا من أن يُضطر الأفراد إلى حمل عملات ذهبية وفضية للمعاملات الكبيرة والصغيرة، أصبح بإمكانهم الآن تخزين ثرواتهم بالذهب في المصارف واستخدام إيصالات ورقية، وفواتير وشيكات لتسديد الدفعات المتنوعة. ويمكن لحاملي الإيصالات الورقية استخدامها للدفع ولكن بأنفسهم فقط؛ حيث خَصَمت المصارفُ الفواتيرَ واستخدمتها لتصفية الحسابات، وأصبح بالإمكان أيضًا صرف الشيكات من المصارف التي أصدرتها. إن هذا الأمر قام بحل مشكلة قابلية بيع الذهب في مختلِف المقاييس، ممَّا جعل الذهب أفضل وسيط نقدي — هذا في حال لم تزِد المصارف التي تُخزِّن ذهب الناس من عرض الأوراق التي أصدرتها كإيصالات. ومع تغطية هذه الوسائط بالذهب المادي الموجود في الخزائن، والسماح بالمدفوعات بمختلِف أحجامها، لم تَعد هناك حاجة حقيقية لدور الفضة في الدفعات الصغيرة. فتُعتبر نهاية الحرب الفرنسية البروسية ناقوسَ فناء الدور النقدي للفضة، وذلك عندما انتزعت ألمانيا من فرنسا تعويضًا من الذهب بقيمة ٢٠٠ مليون جنيه إسترليني، واستخدمته للانتقال إلى المعيار الذهبي. وبعد انضمام ألمانيا لبريطانيا، اتجهت فرنسا، وهولندا، وسويسرا، وبلجيكا وغيرهم إلى استخدام المعيار الذهبي، فَمَال النظام النقدي اتجاه الذهب بشكل حاسم، مما جعل الأفراد والدول التي تستعمل الفضة حول العالم تشهد خسارةً تصاعدية لقواهم الشرائية، وأعطاهم حافزًا أقوى للانتقال إلى الذهب. وأخيرًا بدأت الهند باستخدام الذهب بدلًا من الفضة عام ١٨٩٨م، في حين كان اقتصاد الصين وهونغ كونغ آخر اقتصادَين في العالم يهجران المعيار الفضي في عام ١٩٣٥م. ولقد كان لإلغاء الدور النقدي للفضة تأثير سلبي جسيم على الدول التي كانت تستخدمه كمعيار نقدي في ذلك الوقت؛ فشهدت الهند انخفاضًا مستمرًّا في قيمة «الروبية» مقارنةً بالدول الأوروبية التي اعتمدت الذهب، ممَّا دفع بالحكومة الاستعمارية البريطانية إلى زيادة الضرائب لتمويل عملياتها، الأمر الذي أدى إلى تزايد الاضطرابات والاستياء من الاستعمار البريطاني. وعندما انتقلت الهند إلى دعم «الروبية» بالجنيه الإسترليني المدعوم بالذهب في عام ١٨٩٨م، كانت الفضة، والتي هي تدعم «الروبية» الهندية، قد خسرت ٥٦٪ من قيمتها خلال السنوات السبع وعشرين بعد نهاية الحرب الفرنسية البروسية. أما بالنسبة إلى الصين، والتي بقيت على المعيار الفضي حتى عام ١٩٣٥م، فقد خسرت فضتها (بأسماء وأشكال مختلفة) ٧٨٪ من قيمتها خلال تلك الفترة. ويرى المؤلف أن تاريخ الصين والهند، وفشلهما في اللحاق بالغرب خلال القرن العشرين، مرتبطان ارتباطًا وثيقًا بهذا الدمار الهائل للثروة ورأس المال الناتج عن إلغاء الصفة النقدية للمعدن النقدي الذي استخدمته هاتان الدولتان. بالتالي، إن إلغاء الصفة النقدية للفضة قد وضع الصينيين والهنود في موضع مماثل للأشخاص الذين كانوا يمتلكون الخرز الزجاجي في غرب أفريقيا عندما وصل الأوروبيون؛ فالنقد المحلي الصعب كان نقدًا سهلًا بالنسبة إلى الأجانب، وبالتالي فإن هذا النقد الأجنبي كان يقوم بإقصاء هذا النقد المحلي، ممَّا سمح للأجانب بالتحكم وامتلاك كميات متزايدة من رأس المال والموارد الموجودة في الصين والهند خلال تلك الفترة. ويُعد هذا درسًا تاريخيًّا بالغ الأهمية، ويجب أن يُؤخذ بعين الاعتبار من قِبل أي شخص يعتقد أن رفضه للبيتكوين يعني أنه غير مضطر لاستخدامه. فيُبيِّن لنا التاريخ أنه ليس بالإمكان عزل نفسك عن عواقب امتلاك الآخرين لنقد أكثر صعوبةً من نقدك. فلقد اكتسب الذهب قابليةً للبيع عبر الزمن، والمقاييس، والموقع، أثناء تزايد وجوده بين أيدي البنوك المركزية، لكنه فقد ميزته كنقد، ممَّا جعل المدفوعات باستخدامه أمرًا يخضع لموافقة السلطات المالية والسياسية التي تُصدِر الإيصالات، وتُصفِّي الشيكات وتُخزِّن الذهب. فكانت مأساة الذهب متمثلةً في أنه لم يتمكن من حل مشاكل قابلية البيع عبر الزمن والمقاييس والأماكن إلا بأن يكون مركزيًّا، ويصبح بالتالي فريسةً للمشكلة الرئيسية للنقد السليم، والتي أكد عليها اقتصاديو القرن العشرين؛ وهي سيطرة الفرد على النقد ومقاومته للسيطرة المركزية الحكومية. وبالتالي أصبح بوسعنا فهم سبب تركيز اقتصاديي النقد السليم في القرن التاسع عشر أمثال «مينجر» على فهم تأثير سلامة النقد على قابليته للبيع كسلعة سوقية، في حين ركَّز اقتصاديو النقد السليم في القرن العشرين أمثال «ميزس»، و«هايك»، و«روثبارد» و«ساليرنو»، تحليلهم على تأثير سلامة النقد على مقاومته لسيطرة الحكام. وبما أن نقطة ضعف نقد القرن العشرين كانت هي تمركزه في أيدي الحكومات، فسنرى لاحقًا كيف أن النقد الذي تم اختراعه في القرن الواحد والعشرين، وهو البيتكوين، كان مُصمَّمًا بشكل أساسي لتجنب السيطرة المركزية. إن نهاية الحرب الفرنسية البروسية عام ١٨٧١م، وما ترتَّب على ذلك من تحوُّل جميع القوى الأوروبية الكبرى إلى معيار نقدي واحد — وتحديدًا الذهب — قد أدت إلى خلق فترة من الازدهار والرخاء تزيدنا إذهالًا مع مرور الوقت، وحتى بإعادة النظر إليها. ويمكن الادِّعاء أن القرن التاسع عشر — ولا سيما النصف الثاني منه — كان أعظم فترة شهدها العالم من الازدهار البشري والابتكارات والإنجازات، والدور النقدي للذهب كان محوريًّا فيها؛ فمع تزايد عملية إبطال الصفة النقدية للفضة ولوسائط التبادل الأخرى، استَخدمت غالبية الكوكب المعيار النقدي الذهبي نفسه، ممَّا سمح بتطور الاتصالات والنقل، وشجَّع على جمع رأس مال عالمي وتجارة لم يسبق لها مثيل. ولقد كانت العملات تختلف عن بعضها باختلاف وزن الذهب المادي لكل منها، وكان سعر الصرف بين عملتَي دولتَين هو التحويل البسيط بين وحدات الوزن المختلفة، أو ببساطة مثل عملية تحويل الإنش إلى سنتيمتر. فحُدِّد الجنيه البريطاني ﺑ ٧٫٣ جرام من الذهب، بينما كان الفرنك الفرنسي ٠٫٢٩ جرام من الذهب، والمارك الألماني ٠٫٣٦ جرام؛ أي إن سعر الصرف بينها كان ثابتًا بالضرورة على ٢٦٫٢٨ فرنكًا فرنسيًّا و٢٤٫٠٢ ماركًا ألمانيًّا لكل جنيه. وبنفس الطريقة التي تُستخدم فيها الوحدات المترية والإمبرالية لقياس الطول الأساسي، فإن العملات الوطنية كانت مجرد طريقة لقياس القيمة الاقتصادية مُمثَّلةً بمخزون القيمة العالمي؛ ألَا وهو الذهب. ولقد كانت العملات المعدنية الذهبية لبعض البلدان قابلةً للبيع إلى حدٍّ ما في بلدان أخرى؛ وذلك لأنها كانت مصنوعةً من الذهب. فلم يكن عرض النقد في كل بلد مقياسًا تُحدِّده لجان تخطيط مركزية تمتلئ بحاملي شهادات الدكتوراه، بل كان هذا العرض يُحدَّد بالعمل الطبيعي لنظام السوق. فاستطاع الناس امتلاك القَدر الذي يشاءون من النقد، وإنفاق القَدر الذي يحلو لهم على المنتجات المحلية أو الأجنبية، ولم يكن العرض النقدي الفعلي قابلًا للقياس بسهولة. وكان هذا العصر يُعرف باسم العصر الذهبي في الولايات المتحدة، حيث ازدهر النمو الاقتصادي بعد استعادة المعيار الذهبي عام ١٨٧٩م عقب الحرب الأهلية الأمريكية. ويُذكر أن المعيار الذهبي توقف مرةً واحدة فقط في حادثة من الجنون النقدي، والتي عَنَت بشكل فعال احتضار وموت الفضة كعملة نقدية، وكان ذلك عندما حاولت وزارة الخزانة الأمريكية إعادة التعامل بالفضة بتعيينها كنقد، وهذا ما سيُناقش في الفصل السادس. فلقد تسبَّب ذلك الأمر في زيادةٍ كبيرة في العرض النقدي، والذعر المصرفي من قِبل أولئك الذين يسعَون إلى بيع أوراق الخزانة النقدية والفضة لقاء الذهب. وكانت النتيجة ركودًا في عام ١٨٩٣م، والذي استأنف الاقتصاد من بعده نموَّه في الولايات المتحدة. إن الفترة التي استَخدم فيها معظم العالم وحدةً نقدية سليمة واحدة، هي فترة لم نشهد مثلها على مر الأزمان من ناحية تراكم رأس المال، والتجارة العالمية، وتقييد الحكومات، وتغيير مستويات المعيشة. فلم تكن الأنظمة الاقتصادية الغربية أكثر حريةً في ذلك الوقت فحسب، بل كانت المجتمعات نفسها أكثر حريةً أيضًا. وكان لدى الحكومات عدد قليل جدًّا من البيروقراطيات، والتي ركَّزت على الإدارة الدقيقة والتفصيلية لحياة المواطنين، وكما وصفها «ميزس»: كان المعيار الذهبي هو المعيار العالمي لعصر الرأسمالية، والذي أدى إلى زيادة الرفاهية، والحرية والديمقراطية، سواء من الناحية السياسية أو الاقتصادية. وفي نظر التُّجار الأحرار، إن السِّمة الأساسية لهذا المعيار، تمثلت بحقيقة كونه معيارًا دوليًّا مطلوبًا للتجارة الدولية وتحويلات الأموال الدولية والأسواق الرأسمالية. ولقد كان هذا المعيار وسيط التبادل الذي استخدمته الثورة الصناعية الغربية ورأس المال الغربي في نقل الحضارة الغربية إلى أقصى بقاع الأرض، لتُدمِّر بذلك في كل مكان قيود وتحيُّزات وخرافات العالم القديم، وتزرع بذور حياة ورفاهية جديدة، وتُحرِّر العقول والأرواح، وتخلق ثروات لم يُعرف عنها من قبل. وقد قام بمرافقة التقدم الناجح غير المسبوق لليبرالية الغربية، وكان جاهزًا لتوحيد جميع الدول في مجتمع من الدول الحرة التي تتعاون فيما بينها سِلميًّا. فأصبح من السهل علينا فهم اعتبار الناس المعيار الذهبي رمزًا لهذا التغيير الأكبر والأعم فائدةً من بين كل التغييرات التاريخية. ولقد انهار هذا العالم في عام ١٩١٤م الكارثي، والذي لم تندلع فيه الحرب العالمية الأولى فحسب، بل كان هو العام الذي تخلَّت فيه الأنظمة الاقتصادية الكبرى في العالم عن المعيار الذهبي، واستبدلته بنقد حكومي غير سليم. ولم يبقَ سوى سويسرا والسويد من الدول التي بقيت على الحياد خلال الحرب العالمية الأولى على المعيار الذهبي وحتى ثلاثينيات القرن العشرين؛ حيث بدأ عصر النقد الذي تسيطر عليه الحكومة عالميًّا بعد ذلك، صاحبًا معه عواقب وخيمةً وكارثية مطلقة. وعلى الرغم من اعتباره أقرب ما شهده العالم للنقد المثالي السليم، إلا أن المعيار الذهبي في القرن التاسع عشر كان له عيوب؛ أولًا: كانت الحكومات والمصارف تستحدث دائمًا وسائط للتبادل تتجاوز كميتها مخزون الذهب الاحتياطي الذي لديها. ثانيًا: لم تستخدم العديد من الدول الذهب وحده في احتياطاتها، بل استخدمت أيضًا عملات بلدان أخرى؛ فبريطانيا التي كانت القوة العالمية العظمى آنذاك، استفادت من استخدام نقدها كعملة احتياطية في جميع أنحاء العالم؛ ممَّا جعل احتياطها من الذهب جزءًا صغيرًا من عرضها النقدي المذهل. ومع نمو التجارة الدولية، والتي تعتمد على تسوية كميات كبيرة من النقود عبر أنحاء العالم، كانت الأوراق النقدية لمصرف إنجلترا، ووفقًا لرأي الكثيرين في ذلك الوقت، «بجودة الذهب». وفي حين كان الذهب نقدًا صعبًا للغاية، إلا أن الأدوات المستخدمة لتسوية الدفعات بين البنوك المركزية والتي يمكن تحويلها ظاهريًّا لذهب، انتهى بها الأمر فعليًّا ليصبح إنتاجها أسهل من إنتاج الذهب. إن وجود هذَين العَيبَين يعني أن المعيار الذهبي كان دائمًا عرضةً لنفاد الذهب في أي بلد قد تدفع ظروفه نسبةً كبيرة من السكان إلى المطالبة باستبدال نقودهم الورقية بالذهب. فالعيب القاتل للمعيار الذهبي في صميم هاتَين المشكلتَين تمثَّل بتسوية الذهب البطيئة، والمكلفة وغير الآمنة، ممَّا يعني أن احتياطي الذهب المادي يجب أن يتم تركيزه في مواقع قليلة — المصارف والبنوك المركزية — ممَّا جعله عرضةً لاستيلاء الحكومات عليه. وقد بدأ القرن العشرون بوضع الحكومات ذهبَ مواطنيها تحت سلطتها، وذلك باختراع البنك المركزي الحديث المعتمِد على المعيار الذهبي. ومع بدء الحرب العالمية الأولى، أتاحت مركزية الاحتياطات لهذه الحكومات توسيع العرض النقدي بما يتجاوز احتياطاتها من الذهب، مما خفض قيمة عملتها. | {
"chapter": "المعادن النقدية",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "معيار البيتكوين : البديل اللامركزي للنظام المصرفي المركزي",
"url": "https://www.hindawi.org/books/79060903/3/"
} |
وبالرغم من التصميم الذكي والأنيق، إلا أنه لم يكن هناك ما يوحي بأن هذه التجربة الغريبة ستثير اهتمام أي شخص من خارج دائرة المهووسين بالتشفير. هذا ما كان عليه الحال لعدة أشهر، حيث بالكاد انضم عشرات من المستخدمين حول العالم إلى الشبكة، وشاركوا في عمليات التعدين وإرسال العملات فيما بينهم، حيث بدأت هذه العملات تأخذ صفة المقتنيات ولكن بشكل رقمي. ويمكن فهم البيتكوين على أنه برمجيات مُوزَّعة تسمح بنقل القيمة الاقتصادية باستخدام عملة محمية من التضخم غير المتوقع، دون الاعتماد على طرف ثالث موثوق. بعبارات أخرى، يُجري البيتكوين وظائف البنك المركزي الحديث بشكل آلي، ويجعلها قابلةً للتنبؤ ويُصعِّب عمليًّا من مهمة تغييرها، وذلك عن طريق برمجتها في شيفرات لا مركزية مُوزَّعة على آلافٍ من أعضاء الشبكة، بحيث لا يمكن لأي منهم تغيير الشيفرة دون موافقة البقية. وهذا الأمر يجعل البيتكوين المثال العملي التشغيلي الموثوق الأول عن النقد الرقمي والعملة الرقمية الصعبة. وبالرغم من كون البيتكوين اختراعًا جديدًا من العصر الرقمي؛ إلا أن المشاكل التي يهدف إلى حلها، وهي مشاكل قائمة منذ نشأة المجتمع البشري، تتمثَّل بتوفير شكل من أشكال النقد تحت سلطة صاحبه الكاملة، حيث إنه من المرجَّح أن يحتفظ هذا النقد بقيمته على المدى الطويل. ويُقدِّم هذا الكتاب تصورًا لهذه المشاكل بناءً على سنوات من دراسة هذه التكنولوجيا والمشاكل الاقتصادية التي تحلُّها، وكيف توصَّلَت المجتمعات سابقًا إلى حلول لها عبر التاريخ. وقد يُفاجئ استنتاجي أولئك الذين يصفون البيتكوين بأنه عملية احتيال أو خدعة من قِبَل المضاربين أو المروِّجين من أجل تحقيق ربحٍ بزمنٍ قياسي، لكن البيتكوين يطوِّر فعلًا من الحلول السابقة ﻟ «مخازن القيمة»، وقد يتفاجأ المشكِّكون في البيتكوين بمدى ملاءمته لتأدية دور النقد السليم في العصر الرقمي. فيمكن للتاريخ أن ينبِّئنا ويحذِّرنا بما هو قادم، لا سيما عند دراسته عن كثب، والوقت كفيلٌ بأن يكشف لنا عن مدى صحة القضية المطروحة في هذا الكتاب. وكما هو واجب، فإن الجزء الأول من الكتاب يشرح النقد ووظائفه وخصائصه. وكخبير اقتصادي لي باعٌ طويل في مجال الهندسة، سَعَيتُ دائمًا إلى فهم التقنيات من حيث المشاكل التي تهدف إلى حلها، الأمر الذي يسمح بتحديد جوهرها الوظيفي وفصلها عن الخصائص العرضية، والتجميلية وغير الجوهرية. فمن خلال فهم المشاكل التي يحاول النقد حلها، يصبح بالإمكان توضيح العوامل التي قد تجعل النقد سليمًا أو غير سليم، ثم يمكن تطبيق ذلك الإطار التصوُّري لفهم السبب والطريقة التي مكَّنت سلعًا مختلفة كالأصداف البحرية، والخرز، والمعادن، والنقود الحكومية من تأدية دور النقد. ويمكن أيضًا فهم السبب والطريقة التي أدَّت إلى فشلها في ذلك أو خدمتها لأهداف المجتمع لحفظ القيمة وتداولها. والجزء الثاني من الكتاب يناقش الآثار الفردية، والاجتماعية والعالمية لأشكال النقد السليم والنقد غير السليم عبر التاريخ. فالنقد السليم يدفع الناس للتفكير بالمستقبل البعيد، وللادخار واستثمار المزيد للمستقبل. والادخار والاستثمار على المدى الطويل هما أساس تراكم رأس المال وتَقدُّم الحضارة البشرية؛ فالنقد هو نظام المعلومات والقياس للاقتصاد، والنقد السليم هو ما يسمح للتجارة والاستثمار وريادة الأعمال بالمُضي قُدمًا على أساس متين، بينما يضع النقد غير السليم هذه العمليات بحالة من الفوضى. يجدر الإضافة أن النقد السليم هو عنصر أساسي في مجتمع حر، وذلك لأنه يوفِّر حصانةً فعالة ضد الحكومات الاستبدادية. القسم الثالث من الكتاب يشرح آلية عمل شبكة البيتكوين وخصائصها الاقتصادية الأبرز، ويحلِّل الاستخدامات المُحتمَلة للبيتكوين كشكل من أشكال النقد السليم، ويناقش بعض الاستخدامات التي لا يخدمها البيتكوين بفعاليَّة، إضافةً إلى تسليط الضوء على أبرز المفاهيم والاعتقادات الخاطئة المرتبطة به. كُتب هذا الكتاب لمساعدة القارئ على فهم اقتصاديات البيتكوين بكونه تكرارًا رقميًّا للعديد من التقنيات التي استُخدمت لتؤدي دور النقد عبر التاريخ. إن هذا الكتاب ليس إعلانًا أو دعوة لشراء عملة البيتكوين، بل على العكس، من المرجَّح أن تبقى قيمة البيتكوين متقلِّبةً على الأقل لفترة من الزمن؛ حيث قد تنجح شبكة البيتكوين أو تفشل لأية أسباب متوقَّعة أو غير متوقَّعة، وسيتطلَّب استخدامها كفاءةً تقنية، وسيحوط بها مخاطر قد تجعلها غير مناسبة للعديد من الناس. فلا يُقدِّم هذا الكتاب نصيحةً استثمارية، لكنه يهدف إلى المساعدة في توضيح الخصائص الاقتصادية للشبكة وآلية عملها، ليقدم للقرَّاء معلوماتٍ مفيدةً قبل أن يتخذوا قرارًا بشأن استخدامها. ولا يجب أن يفكِّر أي شخص بامتلاك مخزون من البيتكوين إلا بوجود معرفة ودراية مُوسَّعة، وبعد بحث واسع وشامل في الجوانب التشغيلية العملية لامتلاك وتخزين البيتكوين؛ فقد يبدو البيتكوين استثمارًا لا يحتاج ذكاءً نظرًا إلى ارتفاع قيمته السوقية، إلا أن النظر في العدد الضخم من الاختراقات، والهجمات، والفشل الأمني، وعمليات الاحتيال التي كلَّفت الناس ممتلكاتهم من البيتكوين، يشكِّل تحذيرًا لأي شخص يعتقد أن امتلاك البيتكوين سيوفِّر ربحًا مضمونًا. فإذا كنتَ تعتقد أنك عندما تنتهي من قراءة هذا الكتاب أن عملة البيتكوين تستحق الامتلاك، فلا يجب أن يكون استثمارك الأول هو شراء البيتكوين، بل يجب أن يكون بتمضية الوقت في فهم كيفية شراء وتخزين وامتلاك البيتكوين بشكل آمن، وذلك لأن طبيعة البيتكوين الجوهرية تكمن في أنك لا تستطيع استخدام طرف آخر أو الاستعانة بمصادر خارجية للوصول إلى هذه المعرفة؛ فليس هناك بديل للمسئولية الشخصية لأي شخص مهتم باستخدام هذه الشبكة، وهذا هو الاستثمار الحقيقي الذي يجب القيام به للدخول في عالم البيتكوين. | {
"chapter": "تمهيد",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "معيار البيتكوين : البديل اللامركزي للنظام المصرفي المركزي",
"url": "https://www.hindawi.org/books/79060903/0.3/"
} |
مَنْع الحكوماتِ الشركاتِ والمشاريعَ الحرة الحقَّ في إنتاج أموال جيدة هو ما يُسبِّب موجات من البطالة، وليست «الرأسمالية» هي من تسبِّب ذلك. إن وظيفة النقد الأساسية كوسيط للتبادل هي السبب الذي يسمح للجهات الاقتصادية الفاعلة بالتخطيط وإجراء الحسابات الاقتصادية؛ فعند انتقال الإنتاج الاقتصادي من مرحلته الشديدة البدائية، خصوصًا عند عدم وجود إطار مرجعي ثابت يمكن استخدامه لمقارنة قيمة الأغراض المختلفة فيما بينها، تُصبح عملية الإنتاج والاستهلاك واتخاذ قرارات التجارة أكثر صعوبة. إن هذه الخاصية كوحدة حساب هي ثالث وظيفة للنقد بعد كونه وسيطًا للتبادل ومخزنًا للقيمة. ولفهم أهمية هذه الخاصية بالنسبة إلى النُّظم الاقتصادية، فإننا سنقوم باتباع خُطى الحكماء في سعيهم لفهم الأسئلة الاقتصادية، وبمعنًى آخر، سنلجأ إلى أعمال الاقتصاديين النمساويين الراحلين. إن أُطروحة فريدريك هايك «استخدام المعرفة في المجتمع»، قد تكون إحدى أهم الأُطروحات الاقتصادية التي تمَّ نشرها على الإطلاق. فعلى عكس الأبحاث الأكاديمية النظرية الحديثة غير الهامة والتي لا يقرؤها أحد، ما تزال الصفحات الإحدى عشرة من هذه الأُطروحة تُقرأ على نطاق واسع حتى بعد مرور ٧٠ سنةً على نشرها، كما أنها تركت بصمةً دائمة في حياة وأعمال الكثيرين في أنحاء العالم، ربما كان أكثرها أهميةً هو دورها في تأسيس أحد أهم المواقع الإلكترونية على الإنترنت، وأكبر كتلة مجتمعة من المعرفة في تاريخ البشرية؛ حيث صرَّح «جيمي ويلز» مؤسس «ويكيبيديا» أن فكرة إنشاء «ويكيبيديا» تبادرت إلى ذهنه بعد أن قرأ أطروحة هايك وتفسيره للمعرفة. يشرح هايك، وعلى عكس عملية التعامل الشائعة والأولية مع الموضوع، أن المشكلة الاقتصادية ليست هي مشكلة تخصيص الموارد والمنتجات، لكنها وبدقة أكبر، هي مشكلة تخصيص هذه الموارد والمنتجات باستخدام معرفة لا يمكن لأي فرد أو كِيان ما أن يحيط بها جميعها بمفرده. فالمعرفة الاقتصادية لحالات الإنتاج والتوفر النسبي مع وفرة عوامل الإنتاج وتفضيلات الأفراد، هي ليست معرفةً موضوعية يمكن أن يحيط بها كِيان بمفرده. ويمكننا القول إن معرفة الظروف الاقتصادية بطبيعتها هي معرفة مُوزَّعة وكامنة لدى الناس المعنيين، وذلك من خلال اتخاذهم لقراراتهم الفردية. فيُمضي كل شخص وقته في فهم وتعلُّم المعلومات الاقتصادية المفيدة له، ويُمضي الأفراد الأذكياء والكادحون عقودًا في تعلُّم الحقائق الاقتصادية لصناعاتهم؛ وذلك لكي يصلوا لمنصب يمنحهم سُلطةً على عمليات إنتاج سلعة واحدة فقط. لهذا، من غير المتصوَّر الاستعاضة عن كل تلك القرارات الفردية وتجميع كل المعلومات في عقل فرد واحد ليُجري الحسابات نيابةً عن الجميع، كما أنه لا حاجة لهذا السعي الجنوني لتركيز كل المعرفة في يدَي صانع قرار وحيد. ففي نظام اقتصادي قائم على حرية السوق، تكون الأسعار بمثابة المعرفة والإشارات التي تنقل وتُرسل المعلومات، وبهذا يستطيع كل صانع قرار اتخاذ قراراته بتفحُّص أسعار السلع المعنية، والتي تحمل خلاصة كل ظروف وحقائق السوق في متغيِّر عملي بالنسبة إلى ذلك الفرد. وبدورها، ستؤدي قرارات كل فرد دورًا في تحديد السعر، ولا تستطيع أية سلطة مركزية استيعاب كل المعلومات المُحدِّدة للسعر أو استبدال عملها. فمع الارتفاع الطفيف في السعر، أصبح لكل المعنيين في صناعة النحاس في كافة أنحاء العالم حافز ليتصرَّفوا بطريقة تُخفِّف من عواقب الزلزال السلبية؛ فالمُنتجون سيوفِّرون المزيد، في حين سيطلب المستهلكون كميات أقل. بالنتيجة، عَجْز الإنتاج الذي سبَّبه الزلزال لم يكن كارثيًّا كما كان من المحتمَل حدوثه، والأرباح الإضافية من الأسعار المرتفعة قد تساعد عُمال المناجم على إعادة بناء البنية التحتية الخاصة بهم، وفي غضون أيام، عاد السعر إلى طبيعته. إن هذه الاضطرابات الفردية أصبحت أقل أثرًا من السابق بعد أن أصبحت الأسواق العالمية أكبر وأكثر اندماجًا، حيث أصبح لدى صُناع السوق العمق والسيولة الكافية ليتجاوزوها بسرعة وبأقل الخسائر. ولفهم قوة الأسعار كطريقة لإيصال ونقل المعرفة، تخيَّل أنه في اليوم الذي سبق الزلزال أن صناعات النحاس بأكملها توقَّفت عن كونها مؤسسة سوق، وتحوَّلت بدلًا من ذلك لتُصبح تحت سلطة وكالة مختصة، بمعنى أن الإنتاج سيتم تخصيصه دون الاستعانة أو الرجوع إلى الأسعار. كيف ستكون ردة فعل هذه الوكالة على الزلزال؟ كيف ستُقرِّر من يتوجَّب عليه زيادة إنتاجه من بين كل مُنتجي النحاس الكثيرين في أنحاء العالم، وما هي نسبة الزيادة؟ ففي نظام مرتبط بالأسعار، ستنظُر إدارة كل شركة إلى أسعار النحاس وأسعار كل مستلزمات إنتاجه لتصل وتجد مستوى الإنتاج الجديد الأكثر فعالية. فيعمل الكثير من الخبراء عقودًا من الزمن في شركة ليتوصَّلوا إلى هذه الإجابات بمساعدة الأسعار؛ فهؤلاء الأفراد يعرفون شركتهم أكثر من المخطِّطين المركزيين الذين لا يستطيعون الاعتماد على الأسعار. كذلك أيضًا، كيف سيقرِّر المخطِّطون مَن تحديدًا من مستهلكي النحاس عليه تخفيض استهلاكه، وما هي كمية التخفيض خصوصًا عندما لا يكون هناك أسعار تسمح للمستهلكين بكشف تفضيلاتهم؟ لهذا، مهما تكن كمية المعرفة والبيانات الموضوعية التي ستجمعها الوكالة، فلن يكون لدى تلك الوكالة أي إلمام أبدًا بكل المعارف المُوزَّعة التي تؤثِّر في القرارات التي يتخذها كل فرد، بما فيها تفضيلاتهم وتقييمهم للأشياء. بالتالي، إن الأسعار ليست مجرَّد أداة ليكسب منها الرأسماليون، بل إنها نظام المعلومات الخاص بالإنتاج الاقتصادي الذي ينقُل المعلومات عبر العالم ويُنظِّم عمليات الإنتاج المعقَّدة. فالنظام الاقتصادي الذي يحاول الاستغناء عن الأسعار سيُسبِّب انهيارًا كاملًا للنشاط الاقتصادي، وسيُعيد المجتمع البشري إلى حالته البدائية. فالأسعار هي الآلية الوحيدة التي تسمح بالتجارة والتخصُّص في اقتصاد سوقي. ودون اللجوء إلى الأسعار، لن يتمكَّن الناس من الاستفادة من تقسيم العمل والتخصُّصات إلا بقدر صغير بدائي للغاية. حيث إن التجارة تسمح للمُنتجين برفع مستويات معيشتهم عن طريق التخصُّص بالسلع التي يمتلكون فيها ميزةً نسبية، وهي سلع يمكنهم إنتاجها بسعر منخفض نسبيًّا، ويمكن للناس التعرف على الميزة النسبية الخاصة بهم والتخصُّص بها فقط من خلال أسعار دقيقة يُعبَّر عنها بوسيط تبادل شائع. فالتخصُّص نفسه الذي تقوده مؤشرات الأسعار سيؤدِّي إلى تحسين جودة إنتاج المنتجين لتلك السلع عن طريق التعلُّم بالممارسة، والأهم من ذلك، جمعُ رأس مال متعلِّق به. في الحقيقة، إن التخصُّص سيسمح لكل مُنتِج بجمع رأس مال حسب إنتاجه؛ ممَّا سيؤدِّي لزيادة إنتاجيته الهامشية فيه، وذلك كله بغض النظر عن الاختلافات الكامنة في الأسعار النسبية. وهذا الأمر سيُتيح للمنتجين إمكانية تقليل كُلفة الإنتاج الهامشية، وسيسمح لهم بالتجارة مع أولئك الذين يجمعون رأس مال بغرض التخصُّص في سلع أخرى. وفي النظم الاشتراكية، تملك وتسيطر الحكومة على وسائل الإنتاج، فتصبح مباشرةً هي البائع والمشتري الوحيد لكل السلع الرأسمالية في الاقتصاد. إن هذه المركزية تُعيق عمل السوق الحقيقة، ممَّا يجعل القرارات السليمة المبنية على الأسعار أمرًا مستحيلًا. فدون وجود سوق لرأس المال تستطيع فيه أطراف مستقلة عرض أسعارهم، لا يمكن أن يتواجد سعر لرأس المال بالمجمل أو للسلع الرأسمالية الفردية. ودون وجود أسعار للسلع الرأسمالية تعكس العرض والطلب النسبي عليها، لن يكون هناك طريقة عقلانية لتحديد الاستخدامات الأكثر إنتاجيةً لرأس المال، ولا طريقة عقلانية لتحديد كمية إنتاج كل سلعة رأسمالية. ففي عالَم تمتلك فيه الحكومة مصنع الفولاذ، بالإضافة إلى كل المصانع التي تستخدم الفولاذ في إنتاج سلع رأسمالية (إنتاجية) واستهلاكية متعدِّدة، لن يظهر سعرٌ للفولاذ لأي من السلع التي يُستخدم في إنتاجها، وبالتالي، من المستحيل معرفة استخداماته الأكثر أهميةً وقيمة. فكيف يمكن للحكومة أن تحدِّد إذا كانت كمياتها المحدودة من الفولاذ يجب أن يتم استخدامها في صناعة السيارات أو القطارات، علمًا أنها هي أيضًا من يملك مصانع السيارات والقطارات، بل وتفرض مرسومًا على المواطنين يقضي بعدد السيارات والقطارات التي يمكنهم امتلاكها! فدون وجود نظام أسعار لكي يستطيع المواطنون من خلاله اختيار السيارات أو القطارات، تستحيل معرفة التخصيص الأمثل والاستخدام الأهم للفولاذ. واستطلاع رأي المواطنين بهذه الحالة عديم الجدوى لأنه لا قيمة لخيارات الناس دون سعر لكي يفكِّروا بتكلفة الفرصة البديلة الحقيقية للمقايضة بين الخيارَين؛ حيث إن استطلاع الرأي الذي يفتقر للأسعار سيكشف لنا أن الجميع سيرغب بسيارة فيراري، لكن بالطبع عندما يُضطر الناس لدفع الثمن، ستختار قلة فقط سيارة الفيراري. ولهذا، لا يمكن للمخطِّطين المركزيين معرفة تفضيلات كل فرد ولا تخصيص الموارد بطريقة تُلبِّي احتياجات الفرد بأفضل شكل ممكن. كذلك الأمر، فعندما تملك الحكومة كل مستلزمات عمليات الإنتاج في الاقتصاد، فإن غياب آلية الأسعار سيؤدِّي إلى استحالة عملية تنظيم وتنسيق إنتاج السلع الرأسمالية المختلفة بالكميات الصحيحة؛ وذلك لكي تسمح لكل المصانع بالعمل وأداء وظيفتها. لهذا، يمكن القول إن الندرة هي نقطة بداية كل اقتصاد، وليس ممكنًا إنتاج كميات غير محدودة من كل المستلزمات، بل يجب أن تُجرى مقايضات؛ لذا فإن تخصيص رأس المال، والأرض واليد العاملة لإنتاج الفولاذ، ستكون على حساب صنع المزيد من النحاس؛ فعندما تتنافس المصانع في الأسواق الحرة على حيازة النحاس والفولاذ، ستبدأ أمور الوفرة والندرة بالتشكُّل في تلك الأسواق، وستسمح الأسعار لصانعي النحاس والفولاذ بالتنافس على الموارد اللازمة لإنتاجهما، ولا يعرف المخطَّط المركزي شيئًا عن شبكة التفضيلات وتكاليف الفرصة البديلة بين القطارات، والسيارات، والنحاس، والفولاذ، واليد العاملة، ورأس المال والأرض. فمن دون وجود الأسعار، يستحيل حساب ومعرفة الكيفية لتخصيص هذه الموارد لإنتاج المنتجات المثالية، والنتيجة هي انهيار كامل في الإنتاج. إن هذا كله مجرد جانب واحد من مشكلة الحساب متعلِّقة فقط بإنتاج سلع موجودة مسبقًا في سوق ثابت، والمشكلة تتضح أكثر عندما يتذكَّر المرء أن لا شيء ثابت في العلاقات البشرية؛ حيث إن البشر يسعَون دائمًا إلى تحسين وضعهم الاقتصادي لإنتاج سلع جديدة، وإيجاد طرق أكثر وأفضل لإنتاج السلع. فدافع المرء الأزلي للإصلاح، والتحسُّن، والابتكار، يمثِّل المشكلة الأكثر استعصاءً للاشتراكية. فحتى إن نجح نظام التخطيط المركزي في إدارة اقتصاد ثابت، فلا قدرة له على التأقلم مع التغيير أو السماح بتنظيم المشاريع وريادة الأعمال. فكيف يمكن لنظام اشتراكي إجراء حسابات للتقنيات والابتكارات غير الموجودة، وكيف يمكن تخصيص عوامل إنتاج لها إذا لم يكن هناك إشارة على نجاح هذه المنتجات؟ أولئك الذين لا يميِّزون بين ريادة الأعمال والإدارة، يغضُّون الطرف عن المشكلة الاقتصادية … فالنظام الرأسمالي ليس نظامًا إداريًّا؛ إنه نظام ريادي. إن الفكرة من هذا التوضيح ليست هي انتقاد النظام الاقتصادي الاشتراكي الذي لا يأخذه أي بالغ رزين على محمل الجد في هذا العصر بعد الفشل الشامل الدموي الذريع الذي حقَّقه في كل مجتمع طُبِّق فيه في القرن الأخير، بل إن الفكرة هي توضيح الفرق بين طريقتَين في تخصيص رأس المال واتخاذ قرارات الإنتاج؛ ألَا وهما الأسعار والتخطيط. فبينما لا تمتلك معظم دول العالم اليوم لجنة تخطيط مركزي مسئولةً عن التوزيع المباشر للسلع الرأسمالية، إلا أنه مع ذلك يوجد في كل دولة في العالم لجنة تخطيط مركزي لأهم الأسواق على الإطلاق، ألَا وهي سوق رأس المال؛ فالأسواق الحرة هي أسواق يكون للمشترين والبائعين فيها حرية التبادل وفقًا لشروطهم الخاصة، حيث يكون الدخول والخروج من السوق مجانيًّا بمعنى أن الأطراف الثالثة لا تمنع دخول المشترين والبائعين إلى السوق، ولا تقوم هذه الأطراف الثالثة بتقديم الدعم المادي للمشترين والبائعين الذين لا يستطيعون إجراء التبادلات في السوق. ولا يوجد اليوم سوق رأسمالية بهذه الخصائص في أية دولة في العالم. فالأسواق الرأسمالية في الاقتصاد الحديث تتألَّف من أسواق للأموال القابلة للإقراض، وعندما تصبح بنية الإنتاج أكثر تعقيدًا وأطول أمدًا، يتوقَّف الأفراد عن استثمار مُدَّخراتهم بأنفسهم، ويقومون بإقراضها عبر مؤسسات مُتعدِّدة لشركات مختصة بالإنتاج، ويكون مُعدَّل الفائدة هو السعر الذي يتلقَّاه المُقرِض لقاء إقراض موارده المالية، وهو السعر الذي يدفعه المقترض ليحصل عليها. ففي سوق حرة للأموال القابلة للإقراض، تزداد كمية الأموال المعروضة مع ارتفاع مُعدَّل الفائدة كما هو الحال في كل منحنيات العرض. بمعنًى آخر، كلما ارتفع معدل الفائدة، ازداد ميل الناس إلى الادخار وتقديم مدخراتهم إلى منظمي المشاريع والشركات. لكن بالمقابل، الطلب على القروض مرتبط عكسيًّا بمعدل الفائدة؛ أي إن رُواد المشاريع والشركات سيرغبون باقتراض مبالغ أقل عندما يرتفع معدل الفائدة. ومعدل الفائدة في سوق حرة لرءوس الأموال سيكون إيجابيًّا؛ لأن التفضيل الزمني الإيجابي لدى الناس يعني أن لا أحد سيتخلَّى عن أمواله إلا إذا حصل على المزيد منها في المستقبل. وغالبًا، المجتمعات التي يَكثُر فيها أصحاب التفضيل الزمني المنخفض يكون لديها الكثير من المُدَّخرات، مُقلِّلةً بذلك مُعدَّل الفائدة، ومُؤمِّنةً رءوس أموال كبيرة كي تستثمرها الشركات، ممَّا يؤدِّي إلى نمو اقتصادي كبير في المستقبل. ولكن عند ارتفاع التفضيل الزمني في المجتمع، فإن احتمال ادخار الأفراد يقل، وترتفع معدلات الفائدة، وتقل رءوس الأموال التي يستطيع المنتجون اقتراضها. وبهذا، إن المجتمعات التي تحيا بسلام، وفيها حقوق ملكية آمنة، ودرجة كبيرة من الحرية الاقتصادية، غالبًا ما تكون ذات تفضيل زمني منخفض؛ حيث تؤمِّن هذه المجتمعات حافزًا كبيرًا للأفراد لتقليل الحسم على مستقبلهم. لدرجة أن اقتصاديًّا نمساويًّا آخر، «يوجين فون بوم-بافرك»، ذهب إلى أن معدل الفائدة في دولة ما يعكس مستواها الثقافي، وقال: «كلما ارتفع ذكاء الأفراد وقوتهم الأخلاقية، ازداد ادخارهم وانخفض معدل الفائدة.» يجب فهم معلومة أساسية عن النظام المالي الحديث؛ وهي أن المصارف تستحدث النقد كلما شاركت في عمليات الإقراض؛ ففي نظام مصرفي احتياطي جزئي مشابه للموجود في كل أنحاء العالم اليوم، لا تُقرِض المصارف مُدَّخرات زبائنها فحسب، بل تقوم أيضًا بإقراض الودائع الخاصة بهم تحت الطلب. بمعنًى آخر، قد يطالب المُودِع بالمال في أي وقت، في حين تكون نسبة كبيرة من هذا المال قد مُنِحت كقرض لمقترض آخر. وعن طريق إعطاء المال للمقترض مع إبقائه متاحًا للمودع، يستحدث المصرف نقدًا جديدًا ممَّا يؤدي إلى ارتفاع العرض النقدي، ويشكِّل هذا الأمر أساس العلاقة بين العرض النقدي ومعدلات الفائدة؛ فعندما تنخفض معدلات الفائدة، يزداد الإقراض؛ ممَّا يؤدي إلى زيادة الاستحداث النقدي وارتفاع عرضه. بالمقابل إن ارتفاع معدلات الفائدة ستؤدِّي إلى انخفاض الإقراض وتقلُّص العرض النقدي، أو على الأقل ستقلِّل معدل نموه. بينما يحدِّد المشاركون في عمليات السوق عرض الأموال القابلة للإقراض في سوق حرة لرأس المال بِناءً على معدل الفائدة، إلا أنه في اقتصاد قائم على بنك مركزي وعلى النظام المصرفي الاحتياطي الجزئي، يُدار عرض الأموال القابلة للإقراض من قِبل لجنة من الاقتصاديين تحت تأثير السياسيين والمصرفيين ومثقفي التلفاز، وأحيانًا بشكل مدهش الجنرالات العسكريين. إن أية معرفة طفيفة بالاقتصاد ستجعل من مخاطر التحكُّم بالأسعار أمرًا جليًّا وواضحًا. فإن قرَّرت الحكومة تحديد سعر التفاح ومنعت تغييره، ستكون النتيجة إمَّا شحًّا أو فائضًا، وخسارات كبيرة للمجتمع بأكمله نتيجةً لزيادة أو نقص الإنتاج. يحدث شيء مشابه في الأسواق الرأسمالية، لكن الآثار تكون أكثر ضررًا لأنها تؤثِّر في كل قطاعات الاقتصاد؛ وذلك لأن رأس المال له دور في إنتاج كل السلع الاقتصادية. ومن المهم أولًا فهم الفرق بين الأموال القابلة للإقراض والسلع الرأسمالية الحقيقية؛ ففي اقتصاد سوق حرة بنقد سليم، يجب على المدخرين تأجيل الاستهلاك من أجل الادخار. والمال الذي يُودَع في مصرف كمدخرات سيكون مالًا لا يمكن استهلاكه من قِبل أشخاص يؤجِّلون المتعة التي قد يقدِّمها الاستهلاك لهم كي يحصلوا على متعة أكبر في المستقبل. بهذا الأمر، تصبح كمية المدخرات هي نفسها كمية الأموال القابلة للإقراض المتاحة للمنتجين لكي يقترضوها، ويرتبط توفر السلع الرأسمالية ارتباطًا وثيقًا بتخفيض الاستهلاك؛ فالموارد المادية الفعلية، واليد العاملة، والأرض، والسلع الرأسمالية؛ ستنتقل من كونها مُوظَّفةً لتأمين سلع استهلاكية نهائية إلى إنتاج السلع الرأسمالية. وبهذا، يتم توجيه العامل الهامشي من بيع السيارات إلى وظيفة في مصنع السيارات، بمعنى أنه سيتم بذر بذور الذرة في الأرض بدلًا من أكلها. إن الندرة هي النقطة الأساسية في بداية كل اقتصاد، وأهم أثر لها هي الفكرة بأن لكل شيء تكلفة فرصة بديلة؛ ففي السوق الرأسمالية، تكون تكلفة الفرصة البديلة لرأس المال هي الاستهلاك المُتنازَل عنه، وتكلفة الفرصة البديلة للاستهلاك هي الاستثمار الرأسمالي المتنازَل عنه، ومعدل الفائدة هو السعر الذي ينظِّم هذه العلاقة؛ فعندما يطالب الناس بزيادة الاستثمارات، يرتفع معدل الفائدة مُحفِّزًا عددًا أكبر من المُدخرين ليدخروا المزيد من أموالهم. أما عندما ينخفض معدل الفائدة، فإنه يحفِّز المستثمرين على المشاركة في المزيد من الاستثمارات، وعلى الاستثمار في طُرق إنتاج متقدمة تكنولوجيًّا بآفاق زمنية أطول. وبالتالي، إن معدل الفائدة المنخفض يسمح باستخدام وسائل إنتاج أطول أمدًا وأكثر إنتاجية؛ فينتقل المجتمع من الصيد باستخدام الصنارة إلى الصيد بقوارب كبيرة تعمل على الوقود. وما دام البنك المركزي يُدير العرض النقدي ومعدل الفائدة فسيكون هناك تناقض حتمي بين المدخرات والأموال القابلة للإقراض؛ فالبنوك المركزية بشكل عام تحاول تحفيز النمو الاقتصادي والاستثمارات وزيادة الاستهلاك؛ ولذلك تميل إلى زيادة العرض النقدي وتخفيض معدل الفائدة؛ ممَّا يجعل كمية الأموال القابلة للإقراض أكبر من كمية المدخرات. ومع معدلات الفائدة هذه المنخفضة صنعيًّا، تأخذ الأعمال والمشاريع التجارية قروضًا (ديونًا)، لتبدأ مشاريعًا أكثر ممَّا وضع المدخرون جانبًا لتمويل تلك الاستثمارات؛ أي إن قيمة الاستهلاك المؤجَّل أصغر من قيمة رأس المال المُقترَض. ودون تأجيل استهلاك كافٍ، لن يكون هناك ما يكفي من رأس المال، والأرض، واليد العاملة لتحويلها من السلع الاستهلاكية إلى سلع رأسمالية رفيعة المستوى، وذلك في مراحل الإنتاج الأولية. ففي نهاية الأمر، لا توجد وجبة غداء مجانية، وإن قلَّ ادخار المستهلكين فحتمًا ستقل رءوس الأموال المتاحة للمستثمرين؛ فعملية إصدار واستحداث الأوراق الجديدة والقيام بإدخالات رقمية لهذه الأوراق لسد النقص الحاصل في المدخرات لن تزيد بشكل سحري من مخزون رأس المال المادي، بل ستقوم بخفض قيمة العرض النقدي الموجود حاليًّا، وستُشتِّت الأسعار. ولا يظهر نقص رأس المال هذا على الفور؛ لأن المصارف والبنك المركزي تستطيع إصدار ما يكفي من هذا النقد للمقترضين؛ فهذه في نهاية الأمر هي الميزة الرئيسية لاستخدام النقد غير السليم. ولكن بالطبع سيكون هذا التلاعب بسعر رأس المال مستحيلًا في اقتصاد ذي نقد سليم؛ فما إن يتم ضبط معدل الفائدة ليصبح منخفضًا بشكل صنعي، فإن نقص المدخرات في المصارف سينعكس بانخفاض رأس المال المتاح للمقترضين؛ ممَّا سيؤدي إلى ارتفاع في معدل الفائدة، الأمر الذي سيُقلل من الطلب على القروض، ويرفع من عرض المدَّخرات حتى يتساويا. إن النقد غير السليم يجعل هذا التلاعب ممكنًا، لكن بالطبع لمدة قصيرة فقط؛ حيث إنه من غير الممكن خداع الواقع إلى الأبد؛ فمعدلات الفائدة المُخفَّضة صنعيًّا مع النقد المطبوع الفائض سوف تخدع المُنتِجين وتجعلهم يبدءون عمليات إنتاج تتطلَّب موارد من رأس المال أكثر ممَّا هو متاح في الحقيقة. فالنقد الفائض الذي لا يدعمه أي تأجيل للاستهلاك، يؤدِّي إلى زيادة ما يقترضه المنتجون في البداية، وهم يعملون تحت وهم أن النقود ستسمح لهم بشراء كل السلع الرأسمالية اللازمة لعملية الإنتاج الخاصة بهم. ولكن عندما يتنافس المزيد من المنتجين على سلع رأسمالية وموارد أقل، ستكون النتيجة الطبيعية ارتفاعًا في أسعار السلع الرأسمالية أثناء عملية الإنتاج. عندها، سيُكشف هذا التلاعب مؤديًا إلى انهيار متزامن لعدة استثمارات رأسمالية، والتي ستُصبح فجأةً غير مربحة مع أسعار السلع الإنتاجية الجديدة. إن هذه المشاريع هي التي سمَّاها ميزس ﺑ «الاستثمارات السيئة»، وهي استثمارات لم تكن ستبدأ دون التلاعب بالسوق الرأسمالية، ولن يكون إتمامها ممكنًا ما إن يُكشَف سوء التخصيص الذي حصل. فتدخُّل البنك المركزي بالسوق الرأسمالية يسمح بالشروع بمزيد من المشاريع بسبب تحريف الأسعار الذي يجعل المستثمرين يخطئون التقدير؛ حيث إنه لا يمكن لتدخُّل البنك المركزي أن يزيد من كمية رأس المال الحقيقية المتاحة. لهذا، لا تكتمل تلك المشاريع الإضافية وتصبح هدرًا غير ضروري لرأس المال، وسيؤدي إيقاف تلك المشاريع بشكل متزامن إلى ارتفاع البطالة في جميع مجالات الاقتصاد. إن هذا الفشل الاقتصادي الواسع النطاق والمتزامن في الأعمال والمشاريع التجارية الكثيرة والعاجزة عن أداء عملها هو ما يُعرف ﺑ «الركود الاقتصادي». كذلك الأمر، فعندما يتلاعب البنك المركزي بمعدل الفائدة ليجعله أقل من سعر التصفية بالسوق عبر توجيه المصارف لإصدار المزيد من النقد عن طريق الإقراض، فإنه وبآن واحد يقوم بتقليل قيمة المدخرات المتاحة في المجتمع ويزيد الكمية المطلوبة من المقترضين، وبنفس الوقت يوجِّه رأس المال المقترَض نحو مشاريع لا يمكن إنهاؤها. بالتالي، كلما قلت سلامة النقد، وكان التلاعب بمعدلات الفائدة أسهل بالنسبة إلى البنوك المركزية، فإنَّ الدورات الاقتصادية ستكون أكثر حدة. ويشهد التاريخ النقدي على ازدياد حدة الدورات الاقتصادية والركودات الاقتصادية عندما كان يتم التلاعب بالعرض النقدي مقارنةً بغيابه. وفي حين يعتقد معظم الناس أن المجتمعات الاشتراكية أصبحت من الماضي، وأن الاقتصادات الرأسمالية تحكمها أنظمة السوق الحرة، إلا أن الحقيقة هي أن النظام الرأسمالي لا يستطيع العمل دون وجود سوق حرة لرأس المال، بحيث يظهر سعر رأس المال هذا من خلال التفاعل بين العرض والطلب وقرارات أصحاب رءوس الأموال التي تقودها مؤشرات الأسعار الدقيقة. فتدخُّل البنك المركزي في السوق الرأسمالية هو أساس كل ركود وكل أزمة اقتصادية، والتي يُحبِّذ معظم السياسيين، والصحفيين، والأكاديميين والناشطين اليساريين لوم الرأسمالية عليها. لكن فقط وعن طريق التخطيط المركزي للعرض النقدي يمكن إفساد آلية الأسعار في الأسواق الرأسمالية ليتسبَّب ذلك باضطرابات واسعة في الاقتصاد. فإذا سلكت حكومة طريق تضخيم العرض النقدي، فلا مجال للهرب من العواقب السلبية. وإذا أوقف البنك المركزي عملية التضخُّم، سترتفع معدلات الفائدة، وسيتبعه الركود الاقتصادي حيث ستُكشَف العديد من المشاريع التي بدأت بكونها عديمة الجدوى ويجب إيقافها، كاشفةً سوء تخصيص الموارد ورأس المال الذي جرى. وأمَّا إذا استمرَّ البنك المركزي بعملية التضخيم إلى الأبد، فسيزداد معدل سوء التخصيص في الاقتصاد، ممَّا سيُهدر المزيد من رأس المال ويجعل الركود الاقتصادي الحتمي أكثر ألمًا. لهذا، لا مفر من دفع فاتورة ضخمة لقاء وجبة الغداء التي يُفترض أنها مجانية، والتي قام الكينزيون الحمقى بِدَسِّها علينا. أمسكنا الآن بالنَّمِر من ذيله: كم سيدوم هذا التضخُّم؟ فإذا حُرر النمر (أو التضخُّم) سوف يأكلنا، وإذا ركض مسرعًا ونحن مُتعلِّقون بذيله بيأس، سيُقضى علينا أيضًا! يسرني أنني لن أكون هنا لأرى النتيجة النهائية. إن تخطيط البنك المركزي للعرض النقدي ليس مستحبًّا ولا ممكنًا؛ حيث إنه خاضع لتحكُّم المتغطرسين الذين يضعون أهم سوق في الاقتصاد تحت سيطرة بضعة أشخاص جاهلين لحقائق سوق الاقتصاد، ويعتقدون أن بإمكانهم التخطيط مركزيًّا لسوق كبير ومعقد وناشئ مثل السوق الرأسمالية. لذلك، فإن توقُّع أن تكون البنوك المركزية قادرةً على «منع» أو «محاربة» أو «إدارة» الركود الاقتصادي هو أمر خيالي وخاطئ كجَعْل المولعين بإضرام الحرائق ومُشعلي الحرائق مسئولين عن فِرق الإطفاء. إن شكل الفشل الذي يأخذه التخطيط المركزي للسوق الرأسمالية سيكون عبارةً عن دورة ازدهار وكساد كما فُسر في نظرية الدورة الاقتصادية النمساوية؛ لذا لا عجب في أن يُعتبر هذا الخلل جزءًا طبيعيًّا من اقتصاد السوق؛ لأنه في نهاية الأمر تَحكُّم البنك المركزي بمعدلات الفائدة هو جزء طبيعي من اقتصاد السوق الحديث في عقول الاقتصاديين المعاصرين. ولقد كان تاريخ سجل البنوك المركزية في هذا المجال سيئًا جدًّا خاصةً إذا تمَّ مقارنته بالفترات التي لم يكن فيها تخطيط مركزي وتحكُّم بالعرض النقدي. فكان البنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي الذي أُسس عام ١٩١٤م، مسئولًا عن الانكماش الحاد بالاحتياطي عام ١٩٢٠–١٩٢١م، وثم الانهيار الحاد في عام ١٩٢٩م، والذي استمرَّت تداعياته حتى نهاية عام ١٩٤٥م. ومنذ ذلك الحين، أصبح الكساد الاقتصادي جزءًا دوريًّا ومؤلمًا من الاقتصاد، يتكرَّر حدوثه كل بضع سنوات، ويُؤمِّن مبرِّرًا لتدخُّل حكومي متزايد ليتعامل مع تداعياته. فعند مقارنة الكساد بفترات المعيار الذهبي، يجب أن نتذكَّر أن المعيار الذهبي في أوروبا والولايات المتحدة في القرن التاسع عشر لم يكن شكلًا مثاليًّا للنقد السليم، حيث كان هناك عدة ثغرات فيه، أهمها أن المصارف والحكومات كانت تستطيع غالبًا توسيع العرض النقدي والائتمان الخاصَّين بها بكميات أكثر من الذهب المختزن في الاحتياطي، ممَّا أدَّى إلى ازدهار وكساد مشابه للذي نراه في القرن العشرين، لكن بدرجة أقل حدة. بوضع هذه الخلفية بعين الاعتبار، يمكننا فهم التاريخ النقدي الحديث بوضوح أكثر ممَّا يُدرَّس بشكل شائع في المراجع الأكاديمية منذ الطوفان الكينزي. فالنص التأسيسي للمدرسة النقدية يُعتَبر العمل والمرجع النهائي للتاريخ النقدي الأمريكي: «تاريخ النقد في الولايات المتحدة» ﻟ «ميلتون فريدمان» و«آنا شوارتز». إن هذا الكتاب هو مجلَّد عملاق من ٨٨٨ صفحة، وهو مذهل في قدرته على ترتيب كمية هائلة من الحقائق، والتفاصيل، والإحصائيات وأدوات التحليل دون تقديم أي شرح ولو لمرة واحدة للقارئ غير المحظوظ عن قضية أساسية رئيسية؛ وهي أسباب الأزمات المالية والركودات الاقتصادية. إن العيب الجوهري في كتاب فريدمان وشوارتز هو عيب نموذجي معتاد في العلوم الأكاديمية الحديثة، ويكون هذا بالعمل المتقن المتمثَّل باستبدال المنطق بالصلابة؛ فالكتاب يتجنَّب بشكل منظَّم ومنهجي التساؤل عن أسباب الأزمات المالية التي أثَّرت على اقتصاد الولايات المتحدة طوال عقد من الزمن، وبدلًا من ذلك يقوم بإغراق القارئ ببيانات وحقائق وتفاصيل وأمور تافهة بُحث عنها بشكل مدهش. فالادِّعاء الأساسي للكتاب يفترض أن الركود نتج بسبب عدم استجابة الحكومة بالسرعة الكافية لكلٍّ من الأزمة المالية والذعر المصرفي وانهيار التضخم؛ وذلك بزيادة العرض النقدي لإعادة تضخيم القطاع المصرفي. فجماعة ميلتون فريدمان الليبرالية، وكما هو المعتاد، ستلوم الحكومة على المشاكل الاقتصادية، لكن المنطق الخاطئ سيؤدي بهم إلى اقتراح زيادة التدخل الحكومي كحل. فالخطأ الفادح في الكتاب هو أن الكاتبَين لم يناقشا أبدًا أسباب كلٍّ من الأزمة المالية والذعر المصرفي وانهيار التضخم للعرض النقدي. وكما رأينا في نقاش نظرية الدورة الاقتصادية النمساوية، إن السبب الوحيد للركود الاقتصادي الشامل هو تضخيم العرض النقدي في المقام الأول. لكن يمكن لفريدمان وشوارتز وبكل أريحية اقتراح المُسبِّب نفسه كعلاج، بعد أن حرَّرا نفسَيهما من عبء فهم السبب؛ فيجب أن تتحرَّك الحكومة لتعيد رسملة النظام المصرفي بقوة، وتزيد السيولة عند أول إشارة على الركود الاقتصادي. يمكنك أن تبدأ برؤية سبب كره الاقتصاديين المعاصرين الشديد لفهم السببية المنطقية؛ التي ستكشف زيف كل حلولهم تقريبًا. فقد بدأ فريدمان وشوارتز كتابهما سنة ١٨٦٧م، وقاما بهذا العمل في هذه السنة تحديدًا؛ حيث إنه وعند تحليل أسباب الركود في عام ١٨٧٣م، كان بإمكانهما أن يتجاهلا بالكامل «المشكلة الصغيرة» الكامنة في طباعة الحكومة للأوراق النقدية الخضراء لتمويل الحرب الأهلية، حيث كانت هذه الحرب هي السبب الرئيسي للركود الاقتصادي، وسيتكرَّر هذا النمط في كل الكتاب. وبالكاد يناقش فريدمان وشوارتز أسباب ركود عام ١٨٩٣م، مُلمِّحَين لحاجتنا للفضة؛ وذلك لأن الذهب ليس كافيًا لتلبية الاحتياجات النقدية بالاقتصاد، ومن ثم أغرقا القارئ بمعلومات تافهة عن الركود في تلك السنة؛ فلم يذكرا قانون «شيرمان» لشراء الفضة عام ١٨٩٠م الذي وافق عليه الكونغرس الأمريكي، والذي ألزم وزارة الخزانة الأمريكية بشراء كميات كبيرة من الفضة مقابل إصدارٍ جديد من سندات الخزانة. وسعى حاملو الفضة وحاملو سندات الخزانة إلى تحويلها إلى ذهب؛ وذلك لأن تداول الفضة كان قد أُلغي في كل العالم تقريبًا آنذاك؛ ممَّا أدَّى إلى استنزاف احتياطي الخزانة من الذهب. فتورَّطت الخزانة بشكل فعَّال في جرعة مضلِّلة كبيرة من التوسع النقدي بزيادة العرض النقدي محاولةً الادعاء بأن الفضة لا تزال تُعتَبر نقدًا. وكل ما فعله هذا هو تخفيض قيمة سندات الخزانة الأمريكية، ممَّا صنع فقاعةً مالية انفجرت بتسارع عمليات سحب الذهب. إن أي كتاب تاريخي عن تلك الحِقبة سيوضِّح هذا الأمر لأي شخص لديه معرفة عابرة بالنظرية النقدية، لكن فريدمان وشوارتز تجنَّبا ذِكْر هذا بشكل مدهش. والفصل الأكثر شهرةً في الكتاب (والوحيد الذي يقرؤه الناس على ما يبدو) هو الفصل السابع، الذي يركِّز على الكساد العظيم. يبدأ الفصل بعد انهيار سوق الأوراق المالية في أكتوبر ١٩٢٩م، بينما ينتهي الفصل السادس في عام ١٩٢١م. فكامل الفترة بين ١٩٢١م حتى أكتوبر ١٩٢٩م، والتي قد تتضمَّن أي أسباب للكساد العظيم، لم تستحقَّ أية صفحة من ٨٨٨ صفحةً في الكتاب. إن هذا الانهيار نتج بسبب التوسُّع النقدي في العشرينيات، والذي ولَّد فقاعةً ضخمة من الثروة الوهمية في سوق الأسهم المالية. فعندما بدأ التوسُّع بالانخفاض، كان لا بد من انفجار الفقاعة، وانفجار الفقاعة يعني أن هناك دُوَّامة انكماشية ستختفي فيها كل الثروة الوهمية التي كانت في هذه الفقاعة. ومع اختفاء الثروة، فإنه لا مفر من الذعر المصرفي حيث ستعاني هذه المصارف للوفاء بالتزاماتها. إن هذا الأمر يكشف عن مشكلة وجود نظام مصرفي جزئي احتياطي؛ فهو كارثة ننتظر حدوثها. نظرًا إلى ذلك، كان جديرًا بالفيدرالية أن تضمن إيداعات الناس بدلًا من أن تضمن خسائر الأعمال والمشاريع التجارية وسوق الأسهم المالية. فالحل الوحيد هو أن يتم ترك المصارف تعاني من هذا بمفردها، والسماح بحدوث التصفية وانخفاض الأسعار. صحيح أن هذا الحل كان سيتضمَّن ركودًا مؤلمًا لكن لهذا السبب تمامًا لم يكن يجب أن يحصل توسُّع نقدي أصلًا؟ فمحاولة تجنُّب الركود بزيادة السيولة لن تؤدي إلا إلى تفاقم الخلل الذي سبَّب الأزمة أساسًا. فلقد صَنع التوسُّع النقدي ثروةً وهمية أساءت تخصيص وتوزيع الموارد، ولا بد أن تختفي تلك الثروة كي ترجع السوق إلى العمل بشكل صحيح بآلية أسعار صحيحة. فتلك الثروة الوهمية هي من تسبَّب بالانهيار أساسًا، وإعادة تلك الثروة الوهمية إلى مكانها الأصلي هي ببساطة إعادة ترتيب بيت الأوراق مجدَّدًا والاستعداد لسقوطٍ آخر أكبر وأقوى. فبتجاهل الفترة التي سبقت عام ١٩٢٩م، وكأنه لا علاقة لها بانهيار سوق الأسهم المالية، استنتج فريدمان وشوارتز أن ردة فعل الفيدرالية المنخفضة على الانهيار كانت هي سبب تحوُّله إلى الكساد العظيم. فلو فتح الاحتياطي الفيدرالي الحنفيات النقدية ليُغرق النظام المصرفي بالسيولة برأيهما، لكانت خسائر سوق الأسهم المالية أقل أثرًا بكثير على الاقتصادات الأوسع ولمَا ازداد الكساد. وفي خِضم فيضان البيانات، يتم غض الطرف عن حقيقة أنه ردًّا على الأزمة، تبنَّى الاحتياطي الفيدرالي سياسةً توسُّعية. وفي حين حاول الاحتياطي الفيدرالي تقليل نقص السيولة في القطاع المصرفي، إلا أنه لم يستطع إيقاف الانهيار، ليس بسبب نقص الإرادة، بل بسبب الانهيار الواسع النطاق من الاستثمارات الرأسمالية التي أُسيء تخصيصها وتوزيعها، وبسبب السياسات التدخُّلية الكبيرة التي نوقشت في الفصل الرابع. لقد بقيت ثلاثة أسئلة مهمة دون أجوبة في هذا العمل الضخم، الأمر الذي يكشف فجوةً كبيرة في منطق هذا الكتاب؛ أولًا: لماذا يفتقر الكتاب إلى مقارنة بين كسادَي ١٩٢٠ و١٩٢٩م؟ فلم يدم الكساد الأول مدةً طويلة بالرغم من أن المصرف الفيدرالي لم يتدخَّل بالطريقة التي نصح بها الكاتبان. ثانيًا: لمَ لم تعاني الولايات المتحدة من أزمة مالية في القرن التاسع عشر خلال الفترة التي لم يكن فيها بنك مركزي، إلا في المرتَين عندما أمر الكونغرس وزارة الخزانة بأن تتصرَّف كبنك مركزي؛ أثناء الحرب الأهلية بطباعة الدولار الأخضر، وفي عام ١٩٨٠م بعد تحويل الفضة إلى نقد؟ ثالثًا: وهي النقطة الأهم، كيف تدبَّرت الولايات المتحدة أمرها خلال إحدى أطول فترات النمو الاقتصادي المستقرة دون أية أزمة مالية بين عامَي ١٨٧٣ و١٨٩٠م عندما لم يكن هناك بنك مركزي على الإطلاق، حيث كان هناك قيود على العرض النقدي، واستمرَّ مستوى الأسعار بالانخفاض؟ يذكر فريدمان وشوارتز تلك الفترة بشكل عابر فقط، مشيرَين إلى أن الاقتصاد نما بشكل مذهل «بالرغم من» انخفاض مستوى الأسعار، دون أن يُعلِّقا كيف أن حقيقةً كهذه يمكن تجاهلها؛ وذلك بسبب رعبهما من انخفاض مستوى الأسعار. في عالَم النقد السليم، تدفَّقت السلع ورءوس الأموال بين البلدان المختلفة تقريبًا بنفس الطريقة التي كانت تتدفَّق فيها بين مناطق مختلفة من البلاد ذاتها أي وفقًا لرغبة مالكيها الشرعيين ووفقًا للمتفق عليه في تبادل ذي نفع مشترك. وتحت حكم عملة يوليوس قيصر الذهبية، أو تحت المعيار الذهبي لمصرف أمستردام في القرن السابع عشر، أو تحت المعيار الذهبي في القرن التاسع عشر، كان نقل السلع ماديًّا من مكان إلى آخر أكبر عقبة أمام التجارة. وبالكاد كانت توجد تعاريف أو عوائق تجارية، وإن وُجدت، كانت تتضمَّن قليلًا من الرسوم من أجل إدارة وصيانة نقاط العبور الحدودية والموانئ. أمَّا في عصر النقد غير السليم، كعصر انحدار أوروبا إلى النظام الإقطاعي أو انحدار العالم الحديث إلى التأميم النقدي، توقَّفت التجارة عن كونها حق للأفراد المتاجرين وأصبحت مسألةً ذات أهمية قومية، تحتاج إشراف الإقطاعيين أو الحكومات التي تَدَّعي السيادة على الأفراد المتاجرين. وكان هذا التحوُّل في طبيعة التجارة مكتملًا بشكل سخيف، لدرجة أن مصطلح «التجارة الحرة» في القرن العشرين أصبح يُشير إلى التبادل الذي يُجري بين فردَين عبر الحدود، وفقًا لقوانين اتفقت عليها حكوماتهما، وليس الأفراد المعنيين! فالتخلي عن المعيار الذهبي عام ١٩١٤م بإيقاف وتقييد عملية تبديل النقد الورقي بالذهب من قِبَل معظم الحكومات بدأ المرحلة التي سمَّاها هايك «التأميم النقدي». فلم تعد قيمة النقد وحدةً ثابتة من الذهب الذي كان السلعة ذات أعلى نسبة مخزون إلى التدفُّق، وبالتالي العرض الأقل مرونةً في السعر، بحيث يمكن التنبُّؤ بقيمته الثابتة نسبيًّا. وبدلًا من ذلك، تأرجحت قيمة النقد مع تقلُّبات السياسة النقدية والمالية بالإضافة إلى التجارة العالمية. فمعدلات الفائدة المنخفضة أو العرض النقدي المتزايد سيؤدي إلى انخفاض قيمة النقد، والأمر ذاته سيحدث مع إنفاق الحكومة الذي تموِّله قروض البنك المركزي للحكومة. وفي الوقت الذي كان فيه هذَين العامِلَين تحت سيطرة الحكومات التي توهم نفسها على الأقل بأنها تستطيع إدارتهما لتحقِّق الثبات، كان العامل الثالث نتاج عملية معقَّدة من تصرُّفات كل المواطنين والعديد من الأجانب. فترتفع قيمة عملة دولة ما في أسواق الصرف العالمية عندما تكون صادراتها أكبر من وارداتها (فائض تجاري)، في حين تنخفض قيمتها عندما تصبح وارداتها أكبر من صادراتها (عجز تجاري). وبدلًا من أن يَعتبر صُناع السياسة هذا الأمر إشارةً للكف عن التلاعب بقيمة النقد وإعطاء الناس حرية استخدام السلعة الأقل تقلُّبًا في القيمة كنقد، اعتبروه دعوةً للتدخل في كل كبيرة وصغيرة في التجارة العالمية. فقيمة النقد التي يُفترض أن تكون وحدة الحساب التي يُقاس ويُخطَّط على أساسها كل نشاط اقتصادي، انتقلت من كونها القيمة الأقل تقلُّبًا بالسوق إلى قيمة تحدِّدها سياسة ثلاث أدوات حكومية — السياسة النقدية، والمالية والتجارية — وردود أفعال الأفراد غير المتوقعة على تلك الأدوات السياسية. فقرار الحكومات فَرضَ مقياس للقيمة يماثل بمنطقه محاولتها فَرضَ مقياس للطول وفقًا لطول الأفراد وطول ارتفاع الأبنية في أراضيها. يمكن للمرء تخيُّل الارتباك الذي سيُصيب كل المشاريع الهندسية إذا كان طول المتر يتأرجح يوميًّا وفقًا لتصريحات مكتب قياسات مركزي. فغرور المجانين وحده هو ما يتأثَّر بتغيير الوحدة التي يتم القياس بها، فتقصير المتر قد يجعل من يمتلك بيتًا مساحته ٢٠٠ متر مربع يعتقد أنه ٤٠٠ متر مربع، لكنه سيبقى البيت ذاته. فلن تؤدي إعادة تحديد المتر إلا إلى تدمير قدرة المهندسين على البناء بشكل جيد وتدمير قدرتهم على صيانة البيت. بالمثل، إن تخفيض قيمة العملة قد يجعل الدولة أكثر ثراءً ظاهريًّا، أو قد يزيد القيمة الظاهرية (الاسمية) لصادراتها، لكنه لن يجعل الدولة أكثر ازدهارًا. فالاقتصاد الحديث شَكَّل «الثالوث المستحيل» للتعبير عن محنة المصرفيين المركزيين المعاصرين، والتي تنص على الآتي: لا يمكن لأية حكومة أن تنجح بتحقيق الأهداف الثلاثة من سعر صرف أجنبي ثابت، وتدفُّق رءوس أموال حر وسياسة نقدية مستقلة. فإذا كان للحكومة سعر صرف أجنبي ثابت وتدفُّق رءوس أموال حر، فلا يمكن أن يكون لديها سياسة نقدية خاصة بها؛ حيث إن تغيير معدل الفائدة سيؤدِّي إلى تدفُّق رءوس الأموال إلى الداخل أو الخارج إلى الدرجة التي يصبح عندها من المستحيل الدفاع عن سعر الصرف، وكلنا نعرف كم يحب الاقتصاديون المعاصرون أن يكون لديهم سياسة نقدية كي «يديروا» الاقتصاد. لهذا، لا يمكن تحقيق سياسة نقدية مستقلة وسعر صرف ثابت إلا بحد تدفُّق رءوس الأموال، كما كان الوضع السائد بين عامَي ١٩٤٦ و١٩٧١م. لكن حتى هذا الأمر لم يستمر؛ حيث أصبح تدفُّق السلع هو الطريقة التي سيحاول بها سعر الصرف تعويض اختلال التوازن بحيث تقوم بعض الدول بعمليات تصدير كثيرة وتقوم أخرى بعمليات استيراد كثيرة، ممَّا أدَّى إلى مفاوضات سياسية لإعادة معايرة سعر الصرف. ولا يمكن إيجاد أساس منطقي لتحديد نتائج تلك المفاوضات في المنظمات العالمية؛ وذلك لأن حكومة كل دولة ستحاول تحقيق مصالح مجموعاتها الخاصة وستفعل كل ما يلزم لفعل هذا. وبعد عام ١٩٧١م، انتقلت غالبية دول العالم إلى الحفاظ على سياسة نقدية مستقلة وتدفُّق رءوس أموال حر، لكن أسعار الصرف بين العملات ظلَّت عائمة. ولقد سمح هذا التدبير للاقتصاديين الكينزيين باللعب بأدواتهم المفضَّلة ﻟ «إدارة» الاقتصاد مع الحفاظ أيضًا على سعادة المؤسسات المالية العالمية وأصحاب رءوس الأموال الكبيرة؛ حيث إنها كانت مفيدةً للغاية للمؤسسات المالية الكبيرة، التي خلقت سوق تبادل عملات بقيمة تريليونات الدولارات «يوميًّا»، ويتم فيها تبادل العملات والعقود الآجلة. لكن هذا التدبير غالبًا لا يُفيد أحدًا، خاصةً أصحاب المشاريع المنتجة حقًّا والتي تقدِّم سلعًا قيِّمة للمجتمع. ففي عالم تسوده العولمة بشكل كبير ويعتمد سعرُ صرفِ العملات الأجنبية فيه على عدد كبير من المتغيِّرات المحلية والعالمية، تُصبح عملية إدارة عمل أو مشروع تجاري مُنتِج أمرًا صعبًا دون أي مبرِّر. فغالبًا ما تنتقل موارد ومنتجات شركة ناجحة بين عدة دول، وقرار كل عملية شراء وبيع يعتمد على سعر الصرف بين الدول المعنية. لهذا وفي هذا العالم، قد تعاني شركة تنافسية للغاية من خسائر فادحة لمجرد تغيُّر سعر الصرف بدولة أخرى. فإذا شهدت دولة المُورِّد لشركة ما ارتفاعًا في قيمة عملتها، فقد ترتفع أسعار موارد هذه الشركة بما يكفي لتدمِّر أرباحها، وقد يحدث الشيء ذاته إذا انخفضت قيمة عملة السوق الرئيسي الذي تُصدِّر إليه. فالشركات التي أمضت عقودًا في العمل على ميزة تنافسية قد تشهد اختفاء تلك الميزة خلال ١٥ دقيقةً من تقلُّب سعر الصرف الأجنبي غير المتوقَّع. وتُلام التجارة الحرة على هذا عادة، كما يستخدمها الاقتصاديون والسياسيون كعذر أيضًا لفرض سياسات تجارية وقائية شائعة لكنها مدمِّرة. ففي سوق حرة للنقد، سيختار الأفراد العملة التي يريدون استخدامها، والنتيجة هي أنهم سيختارون العملة ذات نسبة المخزون إلى التدفُّق المرتفعة الموثوقة، بحيث يكون تقلُّب هذه العملة صغيرًا مع تغيُّرات العرض والطلب، وبالتالي ستصبح وسيطًا للتبادل مطلوبًا عالميًّا؛ ممَّا يسمح بأن تُجرى كل الحسابات الاقتصادية باستخدامها، لتصبح وحدة حساب منتشرةً على صعيد الزمان والمكان. فكلما زادت قابلية بيع السلعة، أصبحت مناسبةً أكثر لهذا الدور، وكانت العملة الذهبية الرومانية، والعملة البيزنطية، والدولار الأمريكي إلى حد ما أمثلةً على هذا، بالرغم من أن لكلٍّ منها سلبياتها. والذهب في السنوات الأخيرة من المعيار الذهبي العالمي كان هو أكثر نقد اقترب من تحقيق ذلك، رغم أنه حتى آنذاك بقيت بعض الدول والمجتمعات على النقد الفضي أو أشكال بدائية أخرى. وهذه حقيقة مذهلة من واقع الحياة العصرية أن رياديًّا في سنة ١٩٠٠م كان بإمكانه إجراء خطط وحسابات اقتصادية عالمية بشكل كلي وبأية عملة دولية يريد، دون التفكير نهائيًّا بتقلُّبات أسعار الصرف. أمَّا بعد مرور قرن، فإن ريادي أعمال مماثل يحاول إجراء خطط اقتصادية خارج الحدود، سيواجه صفًّا من أسعار صرف متقلِّبة بشدة قد تجعله يظن أنه دخل لوحةً ﻟ «سالفادور دالي». إن أي محلِّل عاقل ينظر إلى هذه الفوضى سيستنتج أنه من الأفضل ربط قيمة النقد بالذهب مجدَّدًا والتخلُّص من هذا العرض البهلواني، وعندها يُحل الثالوث المستحيل بالتخلُّص من الحاجة إلى سياسة نقدية تتحكَّم بها الحكومة، وبالتالي سنحصل على حركة رءوس أموال حرة وتجارة حرة. وسيصنع هذا وعلى الفور استقرارًا اقتصاديًّا، وسيحرِّر كميةً كبيرة من رأس المال والموارد لإنتاج سلع وخدمات قيِّمة، بدلًا من التفكير بتقلُّبات أسعار الصرف المعقَّدة. لكن وللأسف، إن للمسئولين عن النظام النقدي الحالي مصلحةً خاصة في استمراره، وبالتالي فضَّلوا إيجاد طرق لإدارته، وإيجاد طرق أكثر إبداعًا لرفض المعيار الذهبي، وهذا أمر مفهوم تمامًا؛ وذلك لأن وظائفهم تعتمد على حكومة تستطيع طباعة النقد لتكافئهم. فتوليفة أسعار الصرف العائمة مع الفكر الكينزي قدَّمت لعالمنا ظاهرةً حديثة تمامًا من حروب العملات؛ فالتحليل الكينزي يقول إن زيادة الصادرات تؤدي إلى زيادة الناتج المحلي الإجمالي، والناتج المحلي الإجمالي هو أعظم إنجاز لصحة وسلامة الاقتصاد؛ لذلك وبرأي الكينزيين، إن أي أمر يعزِّز الصادرات هو أمر جيد. فأي دولة تواجه تباطؤًا في الاقتصاد فإنه يمكنها تعزيز ناتجها المحلي الإجمالي وتعزيز العمالة بتخفيض قيمة عملتها وزيادة صادراتها؛ وذلك لأن العملة التي تنخفض قيمتها ستجعل الصادرات أرخص. يوجد الكثير من الأمور الخاطئة في هذه النظرة العالمية؛ فتخفيض قيمة العملة لا يؤدي إلى زيادة منافسة الصناعات بالمعنى الحقيقي، بل إنه يُقدِّم حسمًا لمرة واحدة على منتجاتها، وبالتالي يعرضها على الأجانب بسعر أرخص من المحليين، مؤديًا إلى فقر المحليين ودعم الأجانب. كما أنه يجعل كل أصول الدولة أرخص بالنسبة إلى الأجانب، ممَّا يسمح لهم بالقدوم وشراء الأراضي، ورءوس الأموال، والموارد في الدولة مع حسمٍ بالسعر. ففي نظام اقتصادي ليبرالي، لا خَطْب في شراء الأجانب لأصول محلية، لكن في نظام اقتصادي كينزي، يُدعَم الأجانب بشكل نشط ليأتوا ويشتروا الدولة بسعر زهيد. ويُظهر التاريخ الاقتصادي أن معظم الاقتصادات الناجحة في مرحلة ما بعد الحرب؛ مثل ألمانيا، واليابان، وسويسرا، زادت صادراتها بشكل كبير مع استمرار ارتفاع قيمة عملتها، ولم تكن يومًا هذه الدول بحاجة إلى تخفيض قيمة العملة بشكل مستمر لتنمو صادراتها، بل طوَّرت ميزةً تنافسية جعلت منتجاتها مطلوبةً عالميًّا، والتي أدَّت بالتالي إلى ارتفاع قيمة عملاتها مقارنةً بشركائهم التجاريين؛ ممَّا زاد ثروةَ شعبها. فإذا فكَّرَت الدول المستوردة منها أن بإمكانها تعزيز صادراتها بتخفيض قيمة العملة، فهذا الأمر سيكون غير مثمر. وهذه الدول ستُدمِّر ثروة شعوبها إذا سمحت للأجانب بشراء هذه الثروة مع تخفيض وحسم. لهذا، لم يكن مصادفةً أن الدول التي شهدت أكثر انخفاض في قيمة عملتها في مرحلة ما بعد الحرب هي نفسها التي عانت من ركود وانحطاط اقتصادي. لكن حتى وإذا كانت كل مشاكل تخفيض القيمة كطريقة للازدهار هي غير دقيقة، فهناك سبب بسيط لعدم قدرتها على النجاح، وهو؛ إذا نجح أمر تخفيض العملة وقامت كل الدول بتجربته، فستنخفض قيمة كل العملات ولن يكون لأية دولة أفضلية على الأخرى، ويصل هذا بنا إلى الوضع الراهن في الاقتصاد العالمي، حيث تحاول معظم الحكومات تخفيض قيمة عملاتها كي تُعزِّز صادراتها، وكلها تشتكي من تلاعب الحكومات الأخرى «غير العادل» بعملاتها. فتُسبِّب كل دولة فقر شعبها وبفعالية كي تُعزِّز صادراتها وترفع أرقام الناتج المحلي الإجمالي، ثم تتذمَّر عندما تفعل مثلها دول أخرى. ولا يضاهي الجهل الاقتصادي إلا كَذِب وافتراء السياسيين والاقتصاديين الذين يردِّدون هذه الجمل كالببغاوات؛ حيث إنه يتم إجراء مؤتمرات اقتصادية عالمية يحاول فيها قادة العالم التفاوض على تخفيض مقبول لقيمة العملة لكلٍّ منها، جاعلين قيمة العملة قضيةً ذات أهمية جيوسياسية. بالطبع، لن يكون أيٌّ من هذا ضروريًّا إن استند العالم إلى نظام نقدي عالمي سليم يعمل عالميًّا كوحدة حساب ومقياس للقيمة، سامحًا للمنتجين والمستهلكين في كل أنحاء العالم بالحصول على تقييم دقيق لتكاليفهم وأرباحهم، مع فصل الربح الاقتصادي عن السياسة الحكومية. فالنقد الصعب وبانتزاعه لمسألة العرض من أيدي الحكومات ومُروِّجيهم الاقتصاديين سيُجبِر الجميع على أن يكونوا منتجين للمجتمع بدلًا من السعي وراء الثراء بطرق غبية كالتلاعب بالنقد. | {
"chapter": "نظام المعلومات الرأسمالية",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "معيار البيتكوين : البديل اللامركزي للنظام المصرفي المركزي",
"url": "https://www.hindawi.org/books/79060903/6/"
} |
يتم اختيار النقد السليم بشكل حر في السوق لقابلية بيعه؛ حيث إنه يحتفظ بقيمته عبر الزمن، ويستطيع نقل القيمة بفعالية عبر الأماكن، ويمكن تقسيمه وجمعه في أحجامٍ كبيرة وصغيرة، كما أنه نقد لا يمكن التلاعب بعرضه من قِبل سُلطة مُستبدة تَفرض استخدامه على الآخرين. حَسْب التحليل السابق، وحَسْب فهمنا للاقتصاد النقدي الذي قدَّمه لنا الاقتصاد النمساوي، يُمكن توضيح أهمية النقد السليم بثلاثة أسباب أساسية؛ أولًا: إنه يحتفظ بقيمته مع مرور الزمن، ممَّا يمنح الناس حافزًا أكبر ليفكِّروا في مستقبلهم، كما أنه يُقلِّل من تفضيلهم الزمني. وتقليل التفضيل الزمني هو بداية الحضارة البشرية وما يمنح سُبل التعاون بين البشر، والازدهار والعيش بسلام. ثانيًا: النقد السليم يسمح للتجارة بأن تصبح مُستنِدةً على وحدة قياس مستقرة، ممَّا يُسهِّل من وجود أسواق كبيرة مُتحرِّرة من سيطرة وقهر الحكومات، وحيثما حَلَّت التجارة الحرة، حلَّ السلام والازدهار. يُمكن الإضافة أن وحدة الحساب هي أمر ضروري لكل أشكال الحسابات والتخطيطات الاقتصادية، والنقد غير السليم يجعل هذه الحسابات الاقتصادية غير موثوقة، كما أنه السبب الرئيسي للركود والأزمات الاقتصادية. ثالثًا وأخيرًا: النقد السليم هو مُتطلَّب أساسي للحرية الفردية في وجه القمع والاستبداد؛ وذلك لأن قدرة السلطات المستبدة على إنشاء النقد قد يمنحها سلطةً مفرطة على رعاياها، سلطة ستجذب بشكل طبيعي أولئك الأقل جدارة وعديمي الأخلاق ليستلموا زمام أمورها. فالنقد السليم هو عامل جوهري في تحديد «التفضيل الزمني» الفردي والذي يُعتبر جانبًا هامًّا للغاية ومُهمَلًا بشكل واسع في عملية اتخاذ القرارات الفردية. إن هذا التفضيل الزمني يُشير إلى النسبة التي يقيِّمُ بها الأفرادُ الحاضرَ مقارنةً بالمستقبل، حيث إن البشر لا يُخلَّدون إلى الأبد، وقد يوافينا الموت في أية لحظة، ممَّا يجعل المستقبل غامضًا وغير مؤكَّد. وبما أن الاستهلاك من متطلَّبات النجاة، فالناس دائمًا تُقدِّر الاستهلاك الحالي بالزمن الحاضر بشكل أكبر منه من الاستهلاك المستقبلي؛ وذلك لأن نقص الاستهلاك الحالي قد يمنعنا من الوصول إلى المستقبل. وبمعنًى آخر، إن التفضيل الزمني إيجابي لكل البشر، وهناك حسمٌ دائمًا على المستقبل مقارنةً بالحاضر. إضافةً إلى ذلك، وبما أنه يمكننا إنتاج المزيد من السلع بتخصيص المزيد من الوقت والموارد، فسيُفضِّل الأفراد العقلانيون دائمًا أن يمتلكوا كَميةً مُحدَّدة من الموارد في وقتهم الحالي مقارنةً بالمستقبل؛ حيث إنه بإمكانهم استخدامها لإنتاج المزيد. ولكي يَقبَل الفرد بتأجيل اكتسابه لسلعة ما لمدة عام واحد، يتوجَّب عرض كَمية أكبر من هذه السلعة عليه؛ فالزيادة الضرورية لإغراء هذا الفرد بتأجيل اكتسابه للسلعة هو ما يحدِّد تفضيله الزمني. فكل الأفراد العقلانيين لديهم قيمة للتفضيل الزمني، لكن هذا التفضيل الزمني يختلف تبعًا لاختلاف الأفراد. والتفضيل الزمني للحيوانات أعلى بكثير منه لدى البشر؛ حيث إنها تتصرَّف لإرضاء دوافعها الغريزية الآنية، كما أن إدراكها للمستقبل ضئيل. ولكن تستطيع بعض الحيوانات بناء أعشاش أو بيوت قابلة للبقاء والصمود في المستقبل، بحيث إن التفضيل الزمني لهذه الحيوانات يكون أقل منه لدى تلك الحيوانات التي تتصرَّف لإرضاء احتياجاتها الآنية مثل الجوع والعدائية. بينما يسمح التفضيل الزمني المنخفض للبشر بكبح الدوافع الغريزية والحيوانية، والتفكير بما هو أفضل للمستقبل، والتصرُّف بعقلانية بدلًا من الاندفاعية. فبدلًا من أن نُمضي كامل وقتنا في إنتاج سلع للاستهلاك الفوري، يمكننا انتهاز هذا الوقت في العمل على إنتاج سلع تستغرق وقتًا أطول لتكتمل في حال كانت هذه السلع أكثر جودة. فعندما يُقلِّل البشر من تفضيلهم الزمني، فإنهم يخلقون فرصًا لتوسيع نطاق عملهم؛ وذلك لإجراء مهمات تستغرق وقتًا أطول لإرضاء احتياجات أكثر بُعدًا، ويطوِّرون أيضًا من قدراتهم العقلية لصُنع سلع ليست للاستهلاك الفوري، بل لإنتاج سلع مستقبلية. بمعنًى آخر، إنشاء سلع رأسمالية. ففي حين يستطيع البشر والحيوانات القيام بعملية الصيد، فقد تَميَّز البشر عن الحيوانات بقضاء الوقت في تطوير أدوات لهذه العملية. وقد تَستخدم الحيوانات أحيانًا أداةً لصيد حيوان آخر، لكن ليس لهذه الحيوانات القدرة على امتلاك هذه الأدوات والحفاظ عليها للاستخدام الطويل الأمد. وفقط عَبْر التفضيل الزمني المنخفض يمكن للإنسان أن يقرِّر اقتصار بعضٍ من الوقت ليخصِّصه في صنع رمح أو صنارة صيد غير قابلة للأكل، لكن هذه الصنارة بالمقابل ستسمح له بالصيد بفعالية أكبر، وهذا هو جوهر الاستثمار؛ فعندما يؤجِّل البشر متعتهم الآنية، فإنهم يستثمرون أوقاتهم ومواردهم في إنتاج سلع رأسمالية ستجعل الإنتاج أكثر تعقيدًا وأكثر تطوُّرًا على الصعيد التقني، وستجعله مُمتدًّا على آفاق زمنية أطول. فالدافع الوحيد وراء اختيار أي شخص تأجيل إشباع رغباته ليجازف بالمشاركة بإنتاجٍ ما خلال مدة زمنية أطول، هو أن هذه العمليات الأطول قد تُولِّد له ناتجًا أكثر وسلعًا أكثر جودة. بمعنًى آخر، «الاستثمار يزيد من إنتاجية المنتجين». فالصياد الذي يصنع صنارة صيد، يستطيع اصطياد أسماك أكثر من الصياد الذي يصطاد بيدَيه العاريتَين في المدة نفسها، لكن الطريقة الوحيدة لصنع هذه الصنارة هي بتخصيص مدة زمنية أولية للعمل لا «تُنتج» أسماكًا فيها، بل تنتج صنارة صيد. وبالطبع، إن هذه عملية غير موثوقة لأنه من الممكن ألَّا تلبي الصنارة الغاية المرجوَّة منها، وبهذا يكون الصياد قد أضاع وقته هباءً. لذلك، لا يتطلَّب الاستثمار تأخير المتعة فحسب، بل يحمل معه دائمًا احتمال الفشل؛ ولهذا لن يُباشر المرء باستثماره إلا إذا كان هناك توقعات بالمكافأة والربح. وكلما كان التفضيل الزمني أقل لدى الفرد، ازداد احتمال دخوله في الاستثمارات وجمع رأس المال، وعلى الجهة الأخرى ازداد تأخيره للمتعة. وكلما ازداد رأس المال المتراكم، ازدادت إنتاجية العمل، وامتدَّ الأفق الزمني للإنتاج. لِفهم الفرق بشكل أوضح، سنقارن بين شخصَين افتراضيَّين لم يمتلكا في البداية إلا أيديهما العارية، وتفضيلًا زمنيًّا مختلفًا؛ فلدى «هاري» تفضيل زمني أعلى من «ليندا»، ولذلك سيختار هاري أن يُمضي وقته فقط في صيد الأسماك بيدَيه، مستغرقًا حوالي ثماني ساعات يوميًّا لاصطياد سمك يكفيه قوت يومه. بالمقابل، ليندا والتي لديها تفضيل زمني أقل، تُمضي ست ساعات فقط في صيد السمك، مكتفيةً بنصيب أقل من السمك يوميًّا، وتُمضي الساعتَين المُتبقيتَين في العمل على صناعة صنارة صيد. بعد مرور أسبوع، نجحت ليندا في صناعة صنارة صيد جيدة، وفي الأسبوع التالي أصبح بإمكانها اصطياد ضِعف كمية السمك التي يصطادها هاري خلال ثماني ساعات. فاستثمار ليندا في صنارة الصيد أعطاها إمكانية العمل لأربع ساعات في اليوم فقط، وتَنَاولَ نفس كمية السمك التي يتناولها هاري، لكن ولأن لديها تفضيلًا زمنيًّا أقل، فلن تكتفي بإنجازها، بل ستُمضي أربع ساعات في اصطياد نفس الكمية التي يصطادها هاري خلال ثماني ساعات، ثم ستُمضي أربع ساعات أخرى في جمع رأس مال أكثر، كأن تبني لنفسها قارب صيد على سبيل المثال. بعد شهر، أصبح لدى ليندا صنارة صيد وقارب تتمكَّن بهما بالتعمُّق في البحار، لتصطاد سمكًا لم يرَه هاري من قبل. فلم تعد إنتاجية ليندا أكثر قياسًا بالزمن فحسب، بل أصبح صيدها مختلفًا وأفضل من سمك هاري، وأصبحت تحتاج الآن ساعةً من الصيد فقط لتؤمِّن بها قوت يومها، وتُكرِّس وقتها المتبقي في جمع رأس مال أكثر، كَصُنع صنارات صيد أفضل وأكبر، وشباكًا وقوارب، ممَّا سيؤدِّي بدوره إلى ارتفاع إنتاجيتها وتحسين مستوى معيشتها. وإذا استمرَّ هاري وسلالته بالعمل والاستهلاك بالتفضيل الزمني ذاته، فسيعيشون الحياة ذاتها التي عاشوها سابقًا وبنفس مستوى الاستهلاك والإنتاجية. وإذا استمرَّت ليندا وسلالتها بالتفضيل الزمني المنخفض ذاته، فسيستمرون في تطوير مستوى وجودة معيشتهم مع مرور الزمن، رافعين مخزونهم من رأس المال، ومنهمكين في أعمالٍ إنتاجية نوعية من خلال عملياتٍ تستغرق زمنًا أطول بكثير. إن المثال الواقعي لسلالة ليندا اليوم سيكون مالكو «آنليس إيلينا»، وهي أكبر سفينة صيد في العالم. ولقد استغرق تَخيُّل وتصميم وبناء هذه الآلة العملاقة عقودًا من الزمن قبل أن تكتمل في عام ٢٠٠٠م، وستستمر في العمل عقودًا من الزمن لتُعيد للمستثمرين أصحاب التفضيل الزمني المنخفض رأس المال الذي قدَّموه لعملية البناء هذه قبل عشرات السنين. فعملية «إنتاج» السمك بالنسبة لسلالة ليندا أصبحت طويلةً ومعقدة لدرجة أنها باتت تستغرق عقودًا لإتمامها، في حين أنه لم تزَل سلالة هاري تُنهي عمليتها ببضع ساعات كل يوم. والفرق بالطبع هو أن إنتاجية سلالة ليندا هي أكثر بكثير من إنتاجية سلالة هاري، وهذا ما يجعل العمل بهذه العمليات الطويلة أمرًا جديرًا بالعناء. وبصفتي أستاذًا في علم الاقتصاد، أحرص دائمًا على تدريس تجربة المارشميلو هذه في كل مادة أُعلِّمها؛ حيث إنني أعتقد أن هذا هو الدرس الأكثر أهميةً الذي يُعلِّمه الاقتصاد للأفراد، ويدهشني أن المناهج الدراسية الاقتصادية الجامعية تجاهلت هذا الدرس بالكامل تقريبًا، لدرجة أصبح فيها الكثير من الاقتصاديين الأكاديميين لا يدركون مفهوم «التفضيل الزمني» على الإطلاق، ولا يدركون مدى أهميته. ففي حين ركَّز الاقتصاد الجزئي على المبادلات بين الأفراد، وركَّز الاقتصاد الكلي على دَور الحكومة في الاقتصاد، في الحقيقة إن أكثر القرارات الاقتصادية أهميةً للفرد هي تلك التي يُجريها الفرد في مبادلاته مع نفسه المستقبلية؛ فالمرء يجري يوميًّا بعض المبادلات الاقتصادية مع الآخرين، لكنه يشارك في عدد أكبر من المبادلات مع نفسه المستقبلية، ولا نهاية لأمثلة هذه المبادلات؛ كأن تقرِّر ادخار المال بدلًا من إنفاقه، أو أن تقرِّر الاستثمار في اكتساب المهارات للحصول على وظيفة مستقبلًا بدلًا من البحث عن وظيفة آنية بأجر زهيد، أو أن تشتري سيارةً عملية وبسعر مقبول بدلًا من أن تقترض لتشتري سيارةً باهظة الثمن، أو أن تعمل وقتًا إضافيًّا بدلًا من الذهاب إلى حفلة الأصدقاء، أو المثال الذي أُفضِّل استخدامه في الحصة الدراسية؛ أن تُقرِّر دراسة المواد التعليمية للمساق كل أسبوع في الفصل بدلًا من أن تتركها إلى الليلة السابقة للامتحان النهائي. ففي كل واحدة من تلك الأمثلة، لا يوجد شخص يفرض هذه القرارات على الفرد، والمستفيد أو الخاسر الرئيسي من عواقب هذه الخيارات هو الفرد نفسه، والعامل الأساسي الذي يحدِّد خيارات المرء في حياته هو تفضيله الزمني. وفي حين يختلف التفضيل الزمني وضبط النفس عند الأفراد من موقف لآخر، إلا أنه يمكن بشكل عام إيجاد صلة وثيقة بين كل نواحي اتخاذ قراراتهم. فالحقيقة المؤلمة التي يجب أن نتذكَّرها هي أن مبادلات المرء مع نفسه المستقبلية ستحدِّد بشكل كبير حصته في هذه الحياة، ومهما أراد المرء أن يلوم الآخرين على فشله، أو أن ينسب نجاحه للآخرين، فالغالب أن المبادلات غير النهائية التي أجراها مع نفسه هي أكثر أهميةً من أية ظروف أو أية أحوال خارجية. لهذا، مهما بلغت الظروف التي تآمرت على المرء ذي التفضيل الزمني المنخفض، فإنه غالبًا سيجد طريقةً يعطي فيها نفسه المستقبلية أولويةً إلى أن يحقِّق أهدافه، ومهما ساعد الحظُّ المرءَ ذا التفضيل الزمني المرتفع، فإنه سيجد طريقةً ليستمر بالتحايل وخداع نفسه المستقبلية. لهذا، هناك تناقض صارخ بين القصص الكثيرة للأفراد الذين نجحوا رغم كل الاحتمالات والظروف غير المواتية لهم، وبين قصص الناس ذوي المهارات والمواهب التي كافأتهم هذه المواهب بشكل رائع، ومع ذلك قاموا بإهدارها ولم يحقِّقوا شيئًا ثابتًا لأنفسهم. فالعديد من الرياضيين والفنانين المحترفين، أكسبتهم مواهبهم مبالغ كبيرة من المال، ولكنهم ماتوا مفلسين بسبب سيطرة التفضيل الزمني المرتفع عليهم. بالمقابل، هناك العديد من الأفراد العاديين الذين لا يمتلكون أية مواهب مميزة عملوا بجد وادَّخروا واستثمروا مدى الحياة وحقَّقوا أمانًا ماليًّا، وورَّثوا أبناءهم حياةً أفضل من التي وَرِثُوها هم. ففقط عن طريق التفضيل الزمني المنخفض يمكن للمرء أن يبدأ بتقدير أهمية الاستثمارات الطويلة المدى ويبدأ بإعطاء الأولوية للنتائج التي يمكن أن يجنيها مستقبلًا. فالمجتمع الذي يُورِّث فيه الأفراد أبناءهم أكثر ممَّا أخذوا هم من والديهم هو مجتمع متحضِّر؛ إنه مكان تتحسَّن فيه الحياة، ويعيش الناس فيه بهدف تحسين حياة الجيل القادم. ومع استمرار ارتفاع مستويات رأس المال في المجتمع، تزيد الإنتاجية وترتفع معها جودة الحياة. ومع تأمين الاحتياجات الأساسية وتفادي مخاطر الطبيعة، يُحوِّل الأفراد انتباههم إلى نواحٍ أخرى في الحياة أعمق من تلك المتعلِّقة بالرفاهية المادية ومَشقَّة العمل، فيُنشئون العائلات والروابط الاجتماعية، ويعملون على مشاريع ثقافية، وفنية وأدبية، وسيحاولون تقديم مساهمات راسخة لمجتمعاتهم وللعالم. فالحضارة لا تتعلَّق بجمع رأس المال تحديدًا، بل بما يستطيع البشر إنجازه برأس المال هذا من الازدهار والحرية في البحث عن معنًى أسمى في الحياة، وذلك بعد تأمين احتياجاتهم الأساسية وتجنُّب المخاطر المحدقة بهم. لكن العامل المؤثر على التفضيل الزمني الأكثر اتصالًا بموضوعنا، هو القيمة المتوقَّعة للنقد مستقبلًا؛ ففي الأسواق الحرة التي يختار فيها الأفراد نقدهم بحرية، ستختار هذه الأفراد شكل النقد الذي بالغالب سيُحافظ على قيمته مع مرور الزمن. وكلما كان النقد أكثرَ قدرةً على الاحتفاظ بقيمته، حَفَّز الناس بشكل أكبر على تأجيل الاستهلاك وتخصيص الموارد للإنتاج في المستقبل؛ ممَّا يؤدي إلى تراكم رأس المال وتحسين معايير الحياة، بالإضافة إلى خلق تفضيل زمني منخفض لدى الأفراد في مجالات أخرى غير اقتصادية من حياتهم. وعندما يكون اتخاذ القرار الاقتصادي موجَّهًا نحو المستقبل، فمن الطبيعي أن تكون كل القرارات الأخرى موجهةً نحو المستقبل أيضًا، فيصبح الناس عندها مُسالمين ومتعاونين أكثر، مُوقنين أن التعاون هو استراتيجية طويلة الأمد أكثر فائدةً ونفعًا من أية فائدة قصيرة الأمد قد تعود عليهم بفعل الصراعات. بذلك، يُطوِّر الناس حِسًّا أخلاقيًّا عاليًا، مُفضِّلين الخيارات الأخلاقية التي ستؤدِّي إلى نتائج طويلة الأمد أفضل لهم ولأولادهم؛ فالشخص الذي يفكِّر على المدى البعيد لديه احتمال ضعيف بأن يغش أو يكذب أو يسرق؛ حيث إن نتيجة تلك التصرفات قد تكون إيجابيةً على المدى القصير، لكنها ستكون سلبيةً مُدمِّرة على المدى البعيد. إن انخفاض القيمة الشرائية للنقد مشابه لعملية فرض نوع من الضرائب أو المصادرة، بحيث يتم خفض القيمة الحقيقية لعملة الفرد ولو بقيت القيمة الظاهرية ثابتة. ففي الاقتصاد الحديث، ترتبط النقود التي تُصدرها الحكومة ارتباطًا وثيقًا بمعدلات فائدة أكثر انخفاضًا ولكن بشكل صُنعي (زائف)، وهذا هدف مرغوب لعلماء الاقتصاد الحديث لأنه يشجِّع على الاقتراض والاستثمار، لكن نتيجة هذا التلاعب في قيمة رأس المال ستُقلِّل من معدلات الفائدة بشكل صُنعي للمدخرين والمستثمرين، إضافةً لأولئك الذين يَدفع لهم المقترضون. والنتيجة الطبيعية لهذه العملية هي تقليص المدخرات وزيادة الاقتراض. على الهامش، سيقوم الأفراد أيضًا باستهلاك كمية أكبر من دخلهم وسيقترضون المزيد لمستقبلهم، وهذا الأمر لن يؤثِّر على تفضيلهم الزمني من ناحية قراراتهم المالية فحسب، بل على الأغلب سينعكس على كل نواحي حياتهم. فالانتقال من النقد الذي يرتفع أو يحتفظ بقيمته إلى النقد الذي يخسر قيمته هو أمر مهم جدًّا على المدى الطويل؛ فعندما يقل ادخار المجتمع، فإنه سيجمع رأس مال أقل ومن المحتمل أن يبدأ باستهلاك رأس ماله، وستبقى إنتاجية العمال ثابتةً أو ستنخفض، ممَّا يؤدي إلى ركود في الأجور الحقيقية حتى وإن رُفعت الأجور الظاهرية بالقوة السحرية لطباعة المزيد من النقد الورقي المتراجع في قيمته. وعندما يزداد إنفاق الناس ويقل ادخارهم، فإنهم يصبحون أكثر تركيزًا على الحاضر في كل قراراتهم، ممَّا يؤدي إلى فشلٍ بالأخلاق وارتفاع احتمال الدخول في الصراعات والتصرفات المدمِّرة للذات. يساعد هذا في تفسير سبب ازدهار الحضارات تحت نظام نقدي سليم، وسبب تفكُّكها عندما تنخفض قيمة نظامها النقدي، تمامًا كما كان عليه الحال مع الرومان، والبيزنطيين، والمجتمعات الأوروبية الحديثة. فالتباين بين القرن التاسع عشر والقرن العشرين يمكن فهمه في سياق الابتعاد عن النقد السليم وكل ما يرافقه عادةً من مشاكل. إن الحقيقة البسيطة الواضحة عبر التاريخ هي أن أي شخص يجد طريقةً لصنع الوسائط النقدية فإنه سيحاول فعل ذلك؛ فالإغراء في فعل هذا الأمر قوي جدًّا. لكن يجب الإضافة بأن عملية صنع وسيط نقدي لا تُعتَبر نشاطًا منتجًا للمجتمع؛ حيث إن أي عرض نقدي يُعتبر عرضًا كافيًا لكي يعمل الاقتصاد مهما بلغ حجمه. وكلما حَدَّ هذا الوسيط النقدي من الرغبة في صنعه، أصبح هذا الأمر أفضل له كوسيط للتبادل وكمخزن مستقر للقيمة. وعلى عكس كل السلع الأخرى، فإن وظائف النقد كوسيط للتبادل، وكمخزن للقيمة، وكوحدة للحساب، لا علاقة لها بكميته، فالمهم بالنسبة للنقد هو قوته الشرائية، وليس كميته. لذلك إن أية كمية من النقد تُعتبر كميةً كافية لتُحقِّق فيها الوظائف النقدية طالما كانت قابلةً للقسمة، وطالما يمكن وضعها في مجموعات بكميات كافية بحيث يقتنع بها المالِكون لتلبية مبادلاتهم التجارية واحتياجاتهم التخزينية. فيُمكن لأي عرض نقدي مهما كان حجمه دعم أية كمية من التحويلات الاقتصادية إذا كانت هذه الوحدات النقدية قابلةً للقسمة بشكل كافٍ. والنقد المثالي نظريًّا هو ذلك النقد الذي سيكون عرضه ثابتًا؛ أي إن لا أحد يستطيع إنتاج المزيد منه، والطريقة الوحيدة غير الإجرامية للحصول على نقد في مجتمع كهذا ستكون عن طريق إنتاج شيء ذي قيمة بالنسبة إلى الآخرين ثم القيام بتبادله معهم لقاء ذلك النقد. وبما أن الجميع يرغب في الحصول على المزيد من النقد، فإن الجميع سيعمل أكثر وسيُنتج أكثر، ممَّا سيؤدي إلى تحسين الرفاهية المادية للجميع، الأمر الذي سيسمح بدَوره للناس بجمع رأس مال أكثر ليزيدوا من إنتاجيتهم. إن نقدًا كهذا سيكون مثاليًّا أيضًا كمخزن للقيمة وذلك من خلال مَنْع الآخرين من زيادة عرضه النقدي، وبهذا لن تنخفض الثروة المُختزَنة فيه مع مرور الوقت؛ ممَّا سيُحفِّز الناس على الادخار وسيسمح لهم بالتفكير أكثر في المستقبل. ومع زيادة الثروة والإنتاجية، ومع القدرة المتزايدة على التفكير في المستقبل، يبدأ الناس بتخفيض تفضيلهم الزمني، وسيتمكَّنون من التركيز على تحسين نواحٍ غير مادية في حياتهم، كالمجهودات الروحية، والاجتماعية والثقافية. لكن أُثبت أنه من المستحيل الإتيان بشكل من النقد ليس بالإمكان صناعة المزيد منه؛ وذلك لأن أي شيء يتم اختياره كوسيط للتبادل سترتفع قيمته؛ ولهذا سيحاول المزيد من الناس إنتاج المزيد منه. بهذه الكيفية، يمكن القول إن أفضل شكل من النقد في التاريخ كان ذلك النقد الذي جعل العرض الجديد منه أقل أهميةً عند مقارنته بالمخزون القائم، وبالتالي جعل عملية صنعه مصدرًا غير جيد للربح. وبما أن الذهب غير قابل للتلف، فهو المعدن الوحيد الذي كانت مخزوناته تنمو منذ أن بدأ البشر باستخراجه. ومع أن استخراجه ما يزال يُجرى منذ آلاف السنين، ولم يتمكَّن علم الكيمياء بعدُ من إثبات نجاحه لترويجه وبيعه بشكل تجاري واسع النطاق، فإن العرض الجديد لعملية الاستخراج تلك ما زالت مستمرةً وتُشكِّل جزءًا صغيرًا موثوقًا من المخزونات القائمة. إن هذه الخاصية هي سبب كون الذهب مرادفًا للنقد السليم؛ فهو نقد ذو عرض ضُمن ألَّا يزداد بشكل كبير بفضل قوانين الفيزياء والكيمياء الصارمة. ففشل البشر رغم محاولاتهم لقرون بإنتاج شكل من النقد أكثر سلامةً من الذهب؛ ولهذا كان الذهب الأداة النقدية الرئيسية التي تستخدمها معظم الحضارات البشرية عبر التاريخ. وحتى بعد أن انتقل العالم إلى النقد الحكومي كمخزن للقيمة، وكوسيط للتبادل وكوحدة للحساب، لا تزال الحكومات نفسها تحتفظ بنسبة كبيرة من احتياطاتها بالذهب، وتُمثِّل هذه الاحتياطات نسبةً كبيرة من عرض الذهب الكلي. تذمَّر كينز أن استخراج الذهب هو نشاط مبذِّر يستهلك الكثير من الموارد دون أن يضيف شيئًا للثروة الحقيقية، وبالرغم من أن نقده فيه شيء من الحقيقة، بمعنى أن زيادة العرض من الوسيط النقدي لا تزيد من ثروة المجتمع الذي يستخدمه، إلا أنه غفل عن النقطة المهمة بأن دور الذهب النقدي نَتَج أصلًا عن كونه المعدن «الأقل» جذبًا للبشر والموارد الرأسمالية لاستخراجه والتنقيب عنه، مقارنةً بكل المعادن الأخرى. وبما أنه لا يمكن زيادة عرض الذهب إلا بكميات صغيرة جدًّا حتى عند الارتفاع الحاد بالأسعار، وبما أنه نادر جدًّا ويصعُب إيجاده، فإن استخراج الذهب النقدي سيكون أقل ربحًا من استخراج أي معدن آخر يحمل دورًا نقديًّا، ممَّا يجعل البشر يخصِّصون أقل كَميةً من الوقت والموارد لاستخراجه. فلو تمَّ استخدام أي معدن آخر كوسيط نقدي، فإنه عندما ينخفض التفضيل الزمني للمجتمع ويشتري المزيد من الناس هذا المعدن للادخار، رافعين بذلك من سعره، فسيكون هناك فرصة مهمة للربح من إنتاج المزيد من هذا المعدن، لكن ولأن المعدن قابل للتلف، فدائمًا سيكون الإنتاج الجديد أكبر كنسبة مئوية (نسبة إلى الذهب) بالنسبة إلى المخزونات القائمة، كما في مثال النحاس، ممَّا سيقلل السعر ويحط من قيمة مدخرات المالكين له. في مجتمع كهذا، يُمكن أن تُسرَق المدخرات بشكل فعال من المدخِرين لمكافأة الأفراد الذين عملوا على استخراجه بكميات كبيرة تفوق استخدامهم الاقتصادي. فسوف تقل المدخرات والإنتاج النافع في مجتمعات كهذه، وسيترتَّب على ذلك تفَشِّي الفقر بسبب الهوَس بإنتاج وسائط نقدية، وسيكون المجتمع جاهزًا لتستولي عليه وتغزوه مجتمعات أكثر إنتاجيةً لديها أفراد يفعلون ما هو أفضل من إنتاج المزيد من الوسائط النقدية. فعندما يكون العرض الجديد غير مهم مقارنةً بالعرض القائم، فإن القيمة السوقية لشكل النقد يتم تحديدها عبر رغبة الناس بامتلاك أو إنفاق هذا النقد. وستتباين تلك العوامل بشكل كبير مع مرور الزمن بالنسبة لكل فرد، حيث تتغيَّر ظروف الأفراد الشخصية من مراحل يُفضِّلون فيها حمل الكثير من النقد إلى مراحل يُفضِّلون فيها حمل القليل منه، لكن وبشكل عام، ستتباين هذه العوامل بشكل قليل للمجتمع ككل؛ وذلك لأن النقد هو السلعة السوقية ذات المنفعة الهامشية الأقل تناقصًا. إن أحد أهم قوانين الاقتصاد هو قانون المنفعة الهامشية المتناقصة والذي يقول: إن الحصول على المزيد من أية سلعة سيقوم بالتقليل من المنفعة الهامشية لكل وحدة إضافية. وحتى النقد، الذي لا يُمتلك من أجل امتلاكه لذاته، بل من أجل مبادلته مع سلع أخرى، فستقل منفعته الهامشية ولكن بشكل أبطأ من أية سلعة أخرى؛ وذلك لأنه يمكن دومًا مبادلته مع أية سلع أخرى. فعندما تزداد ممتلكات الأفراد من البيوت أو السيارات أو التلفازات، أو التفاح أو الألماس، ينخفض التقييم الهامشي الذي يضعه هؤلاء الأفراد على كل وحدة إضافية، ممَّا يُقلِّل الرغبة بجمع المزيد من أيٍّ منها. لكن المزيد من النقد ليس كالمزيد من تلك السلع؛ حيث إنه وعند امتلاك المزيد منه، سيتمكَّن مالكه من مبادلته ببساطة مع المزيد من السلع الأخرى التي يُفضِّلها. وفي الحقيقة، إن المنفعة الهامشية للنقد تقل أيضًا، كما يمكن رؤيته في الآتي؛ فكل دولار إضافي في الدخل يعني أكثر بكثير بالنسبة لشخص دخله اليومي دولار واحد مقارنةً بمن يجني ألف دولار في اليوم، لكن المنفعة الهامشية للنقد تقل بشكل أبطأ من أية سلعة أخرى؛ حيث إنها تقل رغبتها بكل هذه السلع، وليس بسلعة معينة. فالمنفعة الهامشية المتناقصة ببطء لحمل النقد تعني أن الطلب عليه لن يتغيَّر بشكل كبير. هذا الأمر وعند إضافته لعرضٍ شبه دائم، فإنه سيؤدي إلى قيمة سوقية مستقرة نسبيًّا للنقد في مجال السلع والخدمات؛ أي إنه من غير المحتمل أن يرتفع أو يقل النقد بقيمته بشكل كبير، ممَّا سيجعله استثمارًا سيئًّا على المدى الطويل، لكنه سيكون مخزنًا جيدًا للقيمة. أما الاستثمارات فإنه يُتوقَّع منها أن تحمل معها ارتفاعًا كبيرًا، لكنها ستحمل معها أيضًا احتمال خسارة كبيرة أو انخفاضًا بالقيمة؛ فالاستثمار هو مكافأة المجازفة، لكن النقد السليم كونه يحمل المجازفة الأقل، لا يُقدِّم أية مكافآت. بالمجمل، إن الطلب على النقد سيتباين بتباين التفضيل الزمني فقط؛ حيث إنه عندما يُطوِّر البشر تفضيلًا زمنيًّا منخفضًا بشكل عام، فغالبًا سيرغب المزيد من الناس بامتلاك النقد، ممَّا يؤدي إلى ارتفاع قيمته السوقية مقارنةً بالسلع والخدمات الأخرى، الأمر الذي سيزيد من مكاسب مالكيه. بالمقابل، إن المجتمع الذي يُطوِّر تفضيلًا زمنيًّا أكثر ارتفاعًا، فإنه يميل عادةً إلى التقليل من امتلاكه للنقد؛ ممَّا سيؤدي إلى انخفاض قيمته السوقية بشكل هامشي. في كلا الحالتَين، امتلاك النقد سيبقى دائمًا الأقل خطرًا وسيبقى أصلًا مكافئًا بشكل عام، وهذا بجوهره هو السبب الرئيسي للطلب والإقبال عليه. من المهم استيعاب أن بقاء الوسيط النقدي ثابتًا بشكل كلي في القيمة هو أمر ليس ممكنًا أو قابلًا للتحديد حتى من الناحية النظرية؛ فالسلع والخدمات التي يشتريها النقد ستتغيَّر مع مرور الوقت؛ وذلك لأن التكنولوجيا الحديثة ستُقدِّم سلعًا جديدة تستبدل القديمة منها، كما أن ظروف العرض والطلب لمختلِف السلع ستتغيَّر مع مرور الزمن. وواحدة من أهم الوظائف الرئيسية لوحدة النقد هي خدمتها كوحدة قياس للسلع الاقتصادية التي تتغيَّر قيمتها باستمرار. ولهذا السبب، من غير الممكن قياس سعر سلعة نقدية بشكل دقيق ومُرضٍ، على الرغم من أنه على امتداد آفاق زمنية طويلة، هناك احتمالية لأن تشير الدراسات المشابهة لدراسة جاسترام إلى ميلٍ وتوجه إجمالي لأحد الوسائط النقدية ليحافظ على قيمته، خاصةً عند مقارنته بأشكال النقد الأخرى. فحتى أكثر أشكال النقد الحكومي ثباتًا وأفضلها أداءً شَهِدت تحطُّمًا لقيمتها مقارنةً بالذهب، حيث أصبحت قيمتها حاليًّا تساوي حوالي ٢–٣٪ ممَّا كانت عليه عام ١٩٧١م عندما تم فكُّ ارتباطها عن الذهب. وهذا الأمر لا يُمثِّل ارتفاعًا في القيمة السوقية للذهب، بل يُمثِّل انخفاضًا في قيمة العملات الورقية. حيث إننا وعند مقارنة أسعار السلع والخدمات بقيمة هذا النقد الحكومي والذهب، فإننا سنجد ارتفاعًا ملحوظًا في أسعارها بالنسبة إلى النقد الحكومي، لكننا سنجد استقرارًا نسبيًّا في أسعارها مقارنةً بالذهب. فالنقد الصعب الذي لا يمكن توسيع عرضه بسهولة غالبًا ستكون قيمته أكثر استقرارًا من النقد السهل؛ وذلك لأن عرضه غير مرن بتاتًا؛ حيث إن الطلب الاجتماعي على هذا النقد سيتباين قليلًا مع مرور الوقت بتباين التفضيل الزمني. بالمقابل، فالنقد السهل وبسبب قدرة منتجيه على تغيير كَميته بشكل كبير، فإنه سيُنشئ طلبًا متقلِّبًا للغاية من طرف المالكين حيث ستتباين هذه الكَمية ممَّا سيؤدي إلى تَقلُّب مصداقيته كمخزن للقيمة. إن استقرار القيمة النسبي ليس مهمًّا للمحافظة على القوة الشرائية لمدخرات المالكين فحسب، بل قد يكون ذا أهمية كبرى في المحافظة على نزاهة الوحدة النقدية كوحدة حساب. فعند وجود توقعات بأن يكون النقد ذا قيمة مستقرة بفضل التباينات الصغيرة في العرض والطلب، فإنه يمكن لهذا النقد أن يتصرف كمؤشر موثوق للتغيُّرات بأسعار السلع والخدمات الأخرى، مثلما فعل الذهب. لكن في حالة النقد الحكومي، فإن العرض النقدي يزداد عبر توسيع هذا العرض من قِبَل البنك المركزي والمصارف التجارية، ويتضاءل أثناء الركود والانكماش الاقتصادي وحالات الإفلاس. وبطبيعة الحال إن الطلب على النقد يمكن أن يتباين بشكل لا يمكن التنبؤ به وفقًا لتوقعات الناس لقيمة هذا النقد، ووفقًا لسياسات المصرف المركزي. فهذا المزيج عديم الاستقرار سيؤدي إلى وجود النقد الحكومي بصفته نقدًا ذا قيمة غير متوقعة على المدى الطويل. ويمكن الإضافة بأن مهمة البنوك المركزية المتمثلة بضمان استقرار الأسعار جعلتهم، وبشكل مستمر، يقومون بإدارة العرض النقدي باستخدام أدواتهم المتعدِّدة لضمان الاستقرار بالسعر؛ ممَّا جعل العديد من العملات الرئيسية تبدو أكثر استقرارًا على الأمد القصير مقارنةً بالذهب، لكن على المدى الطويل، فالزيادة المستمرة في عرض النقد الحكومي مقارنةً بالزيادة الثابتة والبطيئة للذهب ستجعل من قيمة الذهب أكثر توقعًا. فالنقد السليم الذي يتم اختياره في الأسواق الحرة تحديدًا لأنه يحتفظ بقيمته غالبًا مع مرور الوقت، سيكون بشكل طبيعي نقدًا ذا استقرار أفضل من النقد غير السليم الذي يتم استخدامه بسبب فَرْض الحكومات القسرية له. فلو كان هذا النقد الحكومي وحدةً متفوِّقة للحساب ولتخزين القيمة، لَمَا احتاج لقوانين حكومية كي تفرضه كعملة قانونية، ولمَا اضطُرَّت الحكومات في أنحاء العالم إلى مصادرة كَميات كبيرة من الذهب، بل واستمرَّت بتخزينها في احتياطات بنوكها المركزية. فحقيقة احتفاظ البنوك المركزية بالذهب الخاص بها، بل وأنها بدأت بزيادة الاحتياطي منه، تشهد على مدى عدم ثقتها بعملاتها على المدى الطويل، وعلى الدور النقدي الحتمي للذهب، في نفس الوقت الذي يستمر فيه تدني قيمة العملات الورقية لمستويات جديدة. إن واحدةً من أهم المشاكل التي تُسبِّبها عملة تتناقص قيمتها هي التحفيز سلبًا على الادخار للمستقبل. والتفضيل الزمني هو تفضيل إيجابي عالميًّا؛ فإذا تمَّ إعطاء الفرصة بالحصول على السلعة نفسها اليوم أو في المستقبل، فإن أي شخص عاقل سيُفضِّل أن يحصل عليها اليوم، ولن يُفكر الناس بتأخير المتعة إلا إن ارتفعت العوائد في المستقبل. والنقد السليم هو نقد تزداد قيمته بشكل طفيف مع مرور الوقت، ممَّا يعني أن امتلاكه سيُقدِّم زيادةً في قوته الشرائية، والنقد غير السليم الذي تتحكَّم به البنوك المركزية، والتي تتمثَّل مهمتها الصريحة في إبقاء التضخُّم إيجابيًّا، سيُقدِّم حافزًا قليلًا لمالكيه لكي يحتفظوا به، بحيث يزداد احتمال هؤلاء الأفراد بإنفاقه أو اقتراضه. فعند الحديث عن الاستثمار والنقد، يخلق النقد السليم بيئةً اقتصادية تكون فيها أي نسبة إيجابية للعوائد مفيدةً للمستثمر، بحيث تحتفظ الوحدة النقدية بقيمتها غالبًا، هذا إن لم ترتفع، ممَّا يرفع الحافز للاستثمار. لكن عندما يتعلَّق الأمر بالنقد غير السليم، ففقط العائدات الأكثر ارتفاعًا من معدل انخفاض العملة ستكون إيجابيةً في القيمة الحقيقية، ممَّا يصنع حوافز لإنفاقٍ واستثمار ذي عوائد مرتفعة لكنها عالية المجازفة. أيضًا، بما أن الزيادة في العرض النقدي تعني بشكل فعَّال نِسَب فائدة منخفضة، فإن الحافز للادخار والاستثمار يقل في حين يرتفع الحافز للاقتراض. وبينما انخفضت نسب الادخار في العالم الغربي، إلا أن المديونية استمرَّت بالارتفاع بحيث أصبح للأسرة الغربية العادية مديونية تُعادل أكثر من ١٠٠٪ من دخلها السنوي، وأصبحت أعباء الديون الإجمالية للمستويات المختلفة من الحكومة والعائلات تتجاوز إجمالي الناتج المحلي بعدة أضعاف، الأمر الذي أدَّى ويؤدِّي إلى عواقب وخيمة. لكن تمَّ تطبيع تلك الأرقام حيث قام الاقتصاديون الكينزيون بطمأنة المواطنين بمفاد أن الدَّين جيد للنمو، وأن الادخار سيؤدي إلى الركود الاقتصادي. فأحد أهم التخيُّلات الكاذبة التي تَسود الفِكر الاقتصادي الكينزي هي الفكرة بأن الدَّين القومي «ليس مهمًّا؛ لأننا مدينون به لأنفسنا». فقط التابعون لكينز ذوو التفضيل الزمني المرتفع يمكن أن يفشلوا بفهم أن «أنفسنا» هذه هي ليست كتلةً متجانسة، بل هي كتلة تتباين في عدة أجيال وبشكل أساسي، الجيل الحالي الذي يستهلك بتهوُّر على حساب الأجيال القادمة. ولزيادة الطين بِلة، تلك العبارة تُتبع عادةً بابتزاز عاطفي على غرار قول «سنخدع ونحرم أنفسنا إن لم نقترض لنستثمر من أجل مستقبلنا». يَدَّعي الكثيرون أن هذا اكتشاف حديث مذهل من بصيرة كينز الرائعة، مفاده أن الإنفاق هو كل ما يهم، وأنه عند التأكد ببقاء مستوى الإنفاق مرتفعًا، ستستمر الديون بالزيادة إلى ما لا نهاية، وسيتم وقتها استبعاد المدخرات. في الحقيقة، لا شيء جديد في هذه السياسة حيث وظَّفها الأباطرة الرومان الفاسدون أثناء تدهور الإمبراطورية، إلا أنها تُطبَّق الآن باستخدام نقد ورقي أصدرته الحكومة. حيث إنه وبالواقع، يسمح النقد الورقي بالتحكم به بشكل أكثر سلاسة، وأقل وضوحًا من العملات المعدنية القديمة، لكن النتائج هي ذاتها. فالإسراف بثقافة استهلاك المظاهر أمام الناس في القرن العشرين لا يمكن فهمها بشكل منفصل عن دمار النقد السليم، وتَفشِّي فِكر الكينزيين ذوي التفضيل الزمني المرتفع في تشويه قيمة الادخار، وتعظيم الاستهلاك بكونه مفتاح الازدهار الاقتصادي. فحافز الادخار المنخفض ينعكس ويتجلَّى بحافز الإنفاق المتزايد. ومع التلاعب المُنتَظم لتخفيض معدلات الفائدة وقدرة المصارف على إصدار الائتمانات أكثر من أي وقت مضى، لم يعد الإقراض محصورًا على الاستثمار، بل أصبح للاستهلاك أيضًا. فبطاقات الائتمان وقروض المستهلك تسمح للأفراد بالاقتراض من أجل الاستهلاك دون أي حاجة للتظاهر حتى للقيام باستثمار في المستقبل. وهذه إشارة ساخرة على عمق الجهل الاقتصادي الحديث الذي يُحرِّض عليه الاقتصاديون الكينزيون بأن الرأسمالية — وهي نظام اقتصادي يعتمد على جمع «رأس المال» من المدخرات — هي المسئولة عن انتشار ثقافة استهلاك المظاهر أمام الناس، وهو أمر معاكس تمامًا لعملية جمع رأس المال. فالرأسمالية هي ما تحدث عندما يُقلِّل الناس تفضيلهم الزمني، بحيث يؤجِّلون المتعة الفورية ويستثمرون في المستقبل، وأمَّا الاستهلاك الواسع الذي تُغذِّيه الديون فهو جزء طبيعي من الرأسمالية كما أن الاختناق هو جزء طبيعي من التنفُّس. هذا الأمر يساعد أيضًا في تفسير السبب الرئيسي لسوء فهم الاقتصاد عند الكينزيين، الذين يعتبرون أن تأخير الاستهلاك الحالي عبر الادخار سيؤدِّي إلى تسريح العُمال وتعطيل الإنتاج الاقتصادي. فرأى كينز أن مستوى الإنفاق في أي نقطة محدَّدة من الزمن هو المُحدِّد الأكثر أهميةً لحالة الاقتصاد، حيث إن كينز ولأنه لم يدرس الاقتصاد أبدًا، لم يفهم نظرية رأس المال وكيف أن العمالة لا يجب أن تكون مُوظَّفةً فقط في السلع النهائية، بل يمكن توظيفها في إنتاج السلع الرأسمالية التي ستُنتج سلعًا نهائية في المستقبل فقط. وبما أنه عاش بالاعتماد على ثروة عائلته الضخمة دون أن يُضطر للعمل في وظائف حقيقية، لم يكن كينز يُقدِّر الادخار أو جمع رأس المال ودورهما الرئيسي في النمو الاقتصادي. وبالتالي، كان كينز يراقب الركود الاقتصادي بالتزامن مع انخفاض إنفاق المستهلكين والزيادة بالادخار، ويفترض أن السبب يبدأ من زيادة الادخار التي تؤدي إلى انخفاض الاستهلاك ثم الركود الاقتصادي. لو كانت لديه الرغبة ليدرس نظرية رأس المال، لَفَهِم أن انخفاض الاستهلاك هو رد فعل طبيعي على الدورة الاقتصادية، والتي بدورها نشأت من التوسُّع بالعرض النقدي، كما سيتم نقاشه في الفصل السادس، لفَهِم أيضًا أن السبب الوحيد للنمو الاقتصادي بالمقام الأول هو تأجيل المتعة والادخار والاستثمار، الذي يُطيل من أمد دورة الإنتاج ويزيد من إنتاجية وسائل الإنتاج، الأمر الذي يُحسِّن من معايير الحياة، وكان ليعرف أيضًا أن السبب الوحيد لكونه وُلِد في عائلة ثرية في مجتمع ثري هو أن أجداده أمضَوا عقودًا في جمع رأس المال، مُؤجِّلين المتعة ومستثمرين في المستقبل، لكنه مثل الأباطرة الرومان أثناء انحلال الإمبراطورية، لم يكن بمقدوره فَهْم العمل والتضحية اللازمة لتحقيق ثروته، واعتقد بدلًا من ذلك أن كثرة الاستهلاك هي سبب الازدهار بدلًا من أن تكون نتيجته. فالدَّين هو عكس الادخار، وإن كان الادخار يخلق احتماليةً لجمع رأس المال وللتطور الحضاري؛ فالديون تستطيع إبطال ذلك عبر تقليل مخزون رأس المال عبر الأجيال، وعبر انخفاض الإنتاجية، وعبر تقليل جودة معايير الحياة. وسواء أكانت ديون الإسكان أم تكاليف الضمان الاجتماعي أم القروض الحكومية، فكلها تطلَّبت ضرائب أكثر من أي وقت مضى، وتطلَّبت تسييل الديون لإعادة تمويلها؛ ولهذا قد تكون الأجيال الحالية هي أول أجيال في العالم الغربي منذ انتهاء الإمبراطورية الرومانية (أو على الأقل منذ الثورة الصناعية) تُولَد في العالم برأس مال أقل ممَّا كان لأهاليهم. فبدلًا من أن يشهد هذا الجيل تراكم مُدَّخراته ويزيد من مخزون رأس المال، يجب عليه أن يعمل ليُسدِّد الفائدة المتزايدة على ديونه؛ حيث إنه سيُضطر للعمل بجد أكثر لتمويل برامج الاستحقاق التي بالكاد سيستمتع بها أثناء دفعه لضرائب أكثر، وبالكاد سيتمكَّن من الادخار لشيخوخته. إن هذا الانتقال من النقد السليم إلى النقد الذي تنخفض قيمته أدَّى إلى تبذير الثروة التي تمَّ جمعها من قِبَل عدة أجيال على ثقافة استهلاك المظاهر أمام الناس خلال جيل واحد أو اثنَين، جاعلًا المديونية الطريقة الجديدة لتمويل النفقات الكبيرة. ففي حين كان معظم الناس قبل ١٠٠ عام يدفعون ثمن بيوتهم، وتعليمهم، وزواجهم من عملهم الخاص أو مُدَّخراتهم المتراكمة، إلا أن فكرةً كهذه قد تبدو سخيفةً بالنسبة للناس اليوم. فحتى الأغنياء لا يعيشون وفقًا لمواردهم المالية، بل يستخدمون ثروتهم ليحصلوا على قروض أكبر لتمويل مشتريات أكثر. يمكن لنظامٍ كهذا أن يستمر فترةً من الزمن، لكن يجب علينا ألَّا نخلط بين استمراره واستقراره؛ حيث إنه ليس سوى استهلاك مُنظَّم لمخزون المجتمع من رأس المال. وفي حين قلَّص الانخفاض بالإرث العالمي من قوة العائلة كوحدة، فإن دفتر شيكات الحكومة الذي لا ينتهي قام بزيادة قدرتها على توجيه وتشكيل حياة الناس، ممَّا أعطاها دورًا متزايدَ الأهمية كي تؤديه في نواحٍ أكثر في حياة الأفراد. فتم بذلك حجب قدرة العائلة على تمويل الفرد بسخاء الدولة، ممَّا أدَّى إلى انخفاض الدوافع للمحافظة على هذه العائلة. ففي المجتمعات التقليدية يُدرك الأفراد حاجتهم للدعم من أبنائهم في المستقبل؛ ولهذا سيقضون سنوات شبابهم وهم أصحَّاء في بناء العائلة، والاستثمار في توفير أفضل حياة ممكنة لأبنائهم، لكن إن تمَّ تثبيط الاستثمار على المدى الطويل بشكل عام، وإن كان الادخار سيكون غالبًا غير مثمر مع انخفاض قيمة النقد، يصبح هذا الاستثمار أقل فائدة. كذلك الأمر، فعندما يبيع السياسيون الناس كذبةَ أن الرفاه الأبدي وفوائد التقاعد هي ممكنةٌ باستخدام سحر طباعة النقد الورقي، يصبح الاستثمار في العائلة أقل قيمة. ومع مرور الوقت، سيقل الحافز لبناء عائلة، وسيزداد عدد الأفراد الذين يبقَون عازبين، كما سيزداد أيضًا احتمال انهيار منظومة الزواج بسبب انخفاض الاستعداد لِمَا سيضعه الشريكان في الاستثمار العاطفي، والأخلاقي والمادي لنجاح علاقتهما، في حين أن الزواج الذي يستمر سيُنتِج أبناءً أقل. فظاهرة انهيار منظومة الأسرة المعروفة جيدًا لا يمكن فهمها دون فهم دور النقد غير السليم الذي يسمح للدولة بمصادرة الكثير من الأدوار الأساسية التي كانت العائلة تؤديها لآلاف السنين، فتُقلِّل بذلك حافز كل أفراد العائلة على الاستثمار في علاقات عائلية طويلة الأمد. يمكن رؤية تأثير النقد السليم على التفضيل الزمني وعلى التوجُّهات المستقبلية على أبعاد أكبر من مستوى الادخار فحسب، بحيث يمكننا رؤية ذلك على نوعية المشاريع التي يستثمر فيها المجتمع. ففي ظل نظام من النقد السليم مشابه لأنظمة العالم في أواخر القرن التاسع عشر، يرتفع احتمال مشاركة الأفراد في استثمارات طويلة الأمد، وأن يكون لديهم كميات كبيرة متاحة من رأس المال لتمويل تلك المشاريع التي تحتاج وقتًا طويلًا لجني ثمارها. نتيجةً لهذا، شهدت الحقبة الذهبية في نهاية القرن التاسع عشر بعضًا من أهم الابتكارات في تاريخ البشرية. ويمكن دعم بيانات «هوبنر» بإلقاء نظرة فاحصة على ابتكارات ما قبل عالم سنة ١٩١٤م، ولا نبالغ بالقول إن عالمنا الحديث قد تمَّ اختراعه في سنوات المعيار الذهبي التي سبقت الحرب العالمية الأولى. والقرن العشرون كان هو القرن الذي صقَل، وطوَّر، وحسَّن، واقتصد وعمَّم ابتكارات القرن التاسع عشر. فعجائب ومعجزات تطويرات القرن العشرين تُسهِّل على المرء نسيان أن الابتكارات الأصلية — وهي الابتكارات التي غيَّرت وحوَّلت العالم — اختُرعت كلها تقريبًا في العصر الذهبي. وفي كتابه الشهير «من صفر إلى واحد» يناقش «بيتر ثايل» تأثير أصحاب الرؤى الذين يصنعون عالمًا جديدًا بإنتاج أول نموذج ناجح لتقنية جديدة. فالانتقال من العدم إلى وجود نموذج تقني ناجح «صفر إلى واحد» على حد تعبيره، هو أصعب وأهم خطوة نحو الابتكار، في حين أن الانتقال من واحد إلى العديد هو مجرَّد عملية توسيع، وتسويق وتطوير. وقد يصعُب على الشغوفين منا بفكرة التطوُّر تقبُّل فكرة أن عالم النقد السليم ما قبل ١٩١٤م كان عالم الصفر إلى واحد، في حين أن عالم ما بعد ١٩١٤م ذا النقد الذي تُنتجه الحكومة هو عالم الانتقال من واحد إلى العديد. ولا ضَيْر في الانتقال من واحد إلى العديد، لكنه بالتأكيد يدعو إلى التفكير بجدية في سبب عدم وجود المزيد من انتقالات الصفر إلى واحد في نظامنا النقدي الحديث. فأغلب مظاهر التكنولوجيا التي نستخدمها في حياتنا العصرية تمَّ ابتكارها في القرن التاسع عشر تحت المعيار الذهبي، وتمَّ تمويلها من قِبل المخزون المتزايد باستمرارٍ من رأس المال الذي جمعه المُدخِرون الذين يعملون على تخزين ثروتهم في نقد سليم أو في مخزن قيمة لم ينخفض بسرعة. ويرد هنا مُلخَّص لأهم ابتكارات تلك الفترة: المياه الجارية الساخنة والباردة، والمراحيض الداخلية، وتمديدات الصرف الصحي، والتدفئة المركزية. إن هذه الابتكارات التي تُعتَبَر أمرًا مُسلَّمًا به لأي شخص يعيش في المجتمع المتحضِّر، هي الفرق بين الحياة والموت بالنسبة لغالبيتنا. وقد كانت هذه الابتكارات العامل الأساسي في القضاء على معظم الأمراض المُعدية على الكوكب، وسمحت بنمو المناطق المتحضِّرة دون ويلات الأمراض الدائمة. الكهرباء، ومحرك الاحتراق الداخلي، والإنتاج الضخم. بُني مجتمعنا الصناعي الحديث على استخدامٍ متزايد للطاقة الهيدروكربونية، ولولاها لَمَا كان أيٌّ من زخارف وجمال الحياة العصرية ممكنًا، بحيث إن الأساسيات التكنولوجية لهذه الطاقة والصناعة تمَّ ابتكارها في القرن التاسع عشر. السيارات، والطائرات، وقطار الأنفاق في المدن، والمصعد الكهربائي. يتوجَّب علينا شكر «العصر الجميل» على شوارع مدننا غير المليئة بروث الأحصنة، وعلى قُدرتنا للسفر لجميع أنحاء العالم. فلقد اخترع «كارل بنز» السيارة عام ١٨٥٥م، واخترع الأخوان «رايت» الطائرة عام ١٩٠٦م، واخترع «تشارلز بيرسون» قطار الأنفاق عام ١٨٤٣م، كما اخترع «إليشا أوتيس» المصعد الكهربائي عام ١٨٥٢م. جراحة القلب، وزراعة الأعضاء، واستئصال الزائدة الدودية، وحاضنة الأطفال، والعلاج الإشعاعي، والتخدير، والأسبيرين، وزُمَر الدم ونقل الدم، والفيتامينات، وتخطيط القلب الكهربائي، وسماعة الطبيب. إن الجراحة والطب الحديث مَدينان أيضًا للعصر الجميل لتوفيره لهم أهم مظاهر تقدُّمهم وتطوُّراتهم؛ فإدخال كلٍّ من خدمات الصرف الصحي الحديث والطاقة الهيدروكربونية الموثوقة سمحت للأطباء بتغيير طريقة عنايتهم بمرضاهم بعد قرون من الإجراءات غير المجدية. الكيماويات المشتقَّة من النفط، والفولاذ المقاوم للصدأ، والأسمدة النيتروجينية. كل المواد الصناعية التي تجعل حياتنا العصرية ممكنةً انبثقت من ابتكارات العصر الجميل، والتي سمحت بالتصنيع على مستوًى واسع، بالإضافة إلى الزراعة على مستوًى واسع؛ فالبلاستيك وكل ما يُصنع منه أيضًا هو نتاج استخدام المواد الكيماوية المشتقة من النفط. الهاتف، والتلغراف اللاسلكي، وتسجيل الصوت، والتصوير الملوَّن، والأفلام. في حين أننا نود الاعتقاد بأن عصرنا الحديث هو عصر الاتصالات الواسعة النطاق، لكن في الحقيقة، إن معظم إنجازات القرن العشرين كان هو تطوير ابتكارات القرن التاسع عشر. فأول حاسوب تمَّ تصنيعه كان هو حاسوب «باباج» الذي صمَّمه «تشارلز باباج» عام ١٨٣٣م، وقام ابنه «هينري» بإكماله عام ١٨٨٨م. وقد نُبالغ في قولنا بأن الإنترنت وكل ما يحتويه هو مجرد أجراس وصفارات مضافة إلى ابتكار التلغراف عام ١٨٤٣م، لكن في هذا القول شيء من الحقيقة؛ فالتلغراف هو الذي قام بالتحوُّل الجوهري للمجتمع البشري عبر تمكينه لنا بالتواصل دون الحاجة للنقل المادي للرسائل أو الانتقال المادي للمرسلين، فكانت تلك اللحظة هي صفر إلى واحد بالنسبة إلى الاتصالات، وكل ما تبعها بالرغم من كل روعته، كان تطويرًا من واحد إلى العديد. إن مساهمات النقد السليم للازدهار البشري ليست محصورةً على التقدُّم العلمي والتكنولوجي؛ بل يمكن رؤيتها بوضوح أيضًا في العالم الفني. فليس مصادفةً أن فنانَي «فلورنسا» و«البندقية» كانوا قادة النهضة؛ حيث قادت هاتان المدينتان أوروبا لتبَني النقد السليم. فالمدارس الباروكية، والكلاسيكية الجديدة، والرومانسية، والواقعية، وما بعد الانطباعية كانت مدارس مموَّلةً من قِبل رعاة أثرياء يملكون نقدًا سليمًا، ولديهم تفضيل زمني منخفض جدًّا وصبر كافٍ لينتظروا سنوات، وحتى عقود، لإتمام روائع فنية ستبقى قرونًا من الزمن. فقِبابُ كنائس أوروبا المذهلة، التي بُنيت وزُيِّنت على مدى عقود من عمل دقيق مُلهِم من قِبَل معماريين وفنيين لا شبيه لهم مثل «فيليبو برونليسكي» و«مايكل أنجلو»، تمَّ تمويلها أيضًا بنقد سليم من قِبل رعاة ذوي تفضيل زمني منخفض جدًّا. فالطريقة الوحيدة لإذهال أولئك الرعاة كانت بإنجاز عمل فني سيعيش طويلًا؛ ليُخلِّد أسماءهم كمالكين لمجموعات رائعة وكرعاة لفنانين عظماء. وقد يكون هذا هو سبب رسوخ آل «ميديتشي» من فلورنسا بالذاكرة بأنهم رعاة فنون أكثر من تذكُّرهم بابتكاراتهم المصرفية والمالية، بالرغم من أن نتائج الأخيرة قد تكون أكثر أهمية. كذلك الأمر، فالأعمال الموسيقية ﻟ «باخ»، و«موزارت»، و«بيتهوفين»، ومُلحِّني عصر النهضة، والعصر الكلاسيكي والعصر الرومانسي تتفوَّق على الأصوات الحيوانية الحالية التي تُسجَّل على شكل عينات من بضع دقائق، تُنتجها استوديوهات عديدة بشكل سريع، وتستفيد من بيع الناس ما يلامس غرائزهم الأساسية. ففي حين كانت موسيقى العصر الذهبي تلامس روح المرء وتوقظه ليُفكِّر في نداءات أرقى من ضجيج الحياة اليومية الدنيوي، إلا أن ضجيج الموسيقى الحديثة يلامس غرائز المرء الحيوانية الأساسية، ليُشتِّته عن حقائق الحياة بدعوته إلى الانغماس في الملذَّات الحسية الفورية دون الاهتمام بالعواقب الطويلة الأمد أو أي شيء قد يكون أكثر عمقًا. فلقد كان النقد الصعب هو من مَوَّل «براندينبرج كونسيرتو» ﻟ «باخ»، في حين مَوَّل النقد السهل رقصات هز المؤخرة ﻟ «مايلي سايرس». ففقط عَبْر هذه المجهودات الدقيقة والبالغة الاهتمام بالتفاصيل على مدى عقود من الزمن، نجح أولئك العباقرة بإنتاج تلك التحف الفنية مُخلِّدين أسماءهم كأسياد مهنتهم. أما في عصر النقد غير السليم، فلا يملك أي فنان تفضيلًا زمنيًّا منخفضًا ليعمل بجد لوقت طويل كما عمل مايكل أنجلو أو باخ ليتعلَّما مهنتهما جيدًا أو ليمضيا زمنًا طويلًا في إتقانها. إن جولةً في معرض للفنون الحديثة ستُظهِر لنا أعمالًا فنية لا يتطلَّب إنتاجها أكثر من جهد أو موهبة طفل في السادسة من عمره وهو يشعر بالضجر. فاستبدل الفنانون المعاصرون الحرفة وساعات التدريب الطويلة بالغطرسة، وقوة الصدمة، والسخط، والقلق الوجودي؛ كسُبلٍ لجذب المُشاهدين إلى تقدير فنهم، وكثيرًا ما يُضيفون تظاهرًا بالمثاليات السياسية التي تكون عادةً من التعدُّدية الماركسية الصبيانية؛ وذلك ليَدَّعوا العمق، لدرجةٍ يمكن القول إن أي شيء جيد عن «الفن» الحديث، هو أنه فن ذكي، لكن على شكل خدعة أو دُعابة. فلا يوجد أي شيء جميل بالنسبة إلى ناتج أو عملية تشكيل معظم الفن الحديث؛ لأنه أُنتج خلال ساعات فقط من قبل فاشلين كسولين عديمي الموهبة لم يُتعبوا أنفسهم يومًا في التمرُّن على حرفتهم. فالتظاهر الرخيص، والفُحْش، وقوة الصدام بالقيم؛ تجذب الانتباه لهذا الفن الحديث الزائف، أضف إلى ذلك السجالات الطويلة واللاذعة التي تُهين الآخرين لأنهم لا يفهمون هذا الفن الزائف. ومع استبدال النقد السليم بالنقد الحكومي، تمَّ استبدال الرُّعاة ذوي التفضيل الزمني المنخفض والذوق الرفيع ببيروقراطيين حكوميين أصحاب أجندات سياسية فظَّة كذوقهم الفني. لهذا وبشكل طبيعي، لم تعد أمور الجمال أو الديمومة أمورًا مهمة؛ حيث إنه تمَّ استبدالهما بالثرثرة السياسية والقدرة على إذهال البيروقراطيين الذين يُسيطرون على معظم موارد التمويل للمعارض والمتاحف الكبيرة، والتي أصبحت احتكارًا محميًّا من الحكومة للذوق ومعايير التعليم الفنية. فالمنافسة الحرة بين الفنانين والمتبرِّعين استُبدلت اليوم بتخطيط مركزي من قِبل بيروقراطيين عديمي المسئولية، وبالطبع بنتائج كارثية متوقَّعة. ففي الأسواق الحرة، الرابحون هم دائمًا من يقدِّمون السلع التي يعتبرها الناس الأفضل، ولكن عندما تكون الحكومة مسئولةً عن تحديد الرابحين والخاسرين، يصبح الأشخاص الذين ليس لديهم أي شيء جيد ليفعلوه في حياتهم سوى العمل كبيروقراطيين حكوميين هم حكام الذوق والجمال. وبدلًا من أن يتم تحديد نجاح الفن من قِبل الأفراد الذين نجحوا في تحصيل ثروة عبر عدة أجيال من الذكاء والتفضيل الزمني المنخفض، أصبح يُحدَّد من قبل أشخاص ذوي انتهازية تسمح لهم انتهازيتهم بصعود النظام السياسي والبيروقراطي بأفضل شكل ممكن. ومعرفة هذا النوع من الأشخاص سطحيًّا كفيلة بالتفسير لأي شخص كيف وصلنا لفظاعة ما وصل الفن الحديث إليه. إن المذهل في هذا الأمر ليس هو تفوُّق التافهين أمثال روثكو في عالم الفن الحديث فحسب، بل الغياب الواضح للتحف الفنية العظيمة التي يمكن مقارنتها بأعمال الماضي العظيمة. فاليوم لا بُد للمرء من ملاحظة قِلة الأبنية المشابِهة لكنيسة سيستين في أي مكان، أو عدم وجود وفرة من التحف الفنية التي يمكن مقارنتها بلوحات مهمة كأعمال «ليوناردو»، و«رافائيل»، و«رامبرانت»، و«كارفاجيو»، أو «فيرمير». ويصبح الأمر أكثر إذهالًا عندما يدرك المرء أن تطوُّرات التكنولوجيا والتحوُّل الصناعي تجعل إنتاج أعمال كهذه أسهل ممَّا كانت عليه في العصر الذهبي. فكنيسة سيستين ستُبهر من يراها، وإن أي شرح إضافي لمحتواها وطريقة رسمها وتاريخها سيُحوِّل الانبهار إلى تقدير لعمق الفكرة، والحرفة، والعمل الشاق الذي استُثمر فيها. فقبل أن يُصبحوا مشهورين، أمكن حتى لأكثر نُقَّاد الفن ادعاءً أن يمروا بلوحةٍ لروثكو مُهمَلة على الرصيف، ولا يلاحظوها حتى، ناهيك عن حملها وأخذها إلى البيت. لكن فقط وبعد أن أمضت دائرة من النقاد السافلين ساعات طويلةً في إلقاء المواعظ للترويج لهذا العمل، بدأ الطفيليون والطامحون والأثرياء الجدد بالادعاء أن لها معنًى أعمق، وبدءوا بإنفاق نقد حديث غير سليم عليها. فلقد ظهرت قصص عديدة على مر السنين عن مخادعين قاموا بوضع أغراض عشوائية في متاحف الفن الحديث، ليتجمَّع حولها فقط محبو الفن الحديث منبهرين، مُعبِّرين عن الفراغ الكلي للذوق الفني في عصرنا. لكن ليس هناك ما يُعبِّر عن قيمة الفن الحديث أكثر من الحراس الكثيرين لمعارض الفن الحديث في أنحاء العالم، الذين يُظهرون بصيرةً وإخلاصًا رائعًا في عملهم، حيث قاموا وبشكل مُتكرِّر بإلقاء نتاج فنٍّ حديثٍ باهظ الثمن في القُمامة إلى حيث ينتمي. فبعضٌ من أهم رموز «فناني» عصرنا، أمثال «داميان هيرست»، و«غوستاف» و«ميتزغر»، و«تريسي إمين»، والثنائي الإيطالي «سارا غولدشميد» و«إليونورا كيارا»، لاقَوا هذا التقييم من قِبل حراسٍ أكثر حكمةً من الأغنياء المعاصرين فاقدي الثقة بأنفسهم، والذين أنفقوا ملايين الدولارات على ما رماه الحراس. فلِكونها عارًا لعصرنا قد تمَّت بتمويل حكومي، يمكن تبرير تجاهل كل هذه الخربشة العديمة القيمة ورؤية ما هو قيِّم خلفها. ففي النهاية، لن يحكم أحد على دولة مثل الولايات المتحدة وفقًا لتصرُّفات موظفي دائرة المركبات المتحرِّكة عديمي الفائدة الذين يأخذون قيلولةً أثناء دوامهم، ويُفرغون إحباطهم على زبائنهم العاجزين. وربما لا يجب أن نحكم أيضًا على عصرنا بِناءً على عمل موظفين حكوميين ينشرون قصصًا عن أكوام أوراق عديمة الفائدة كما لو أنها كانت إنجازات فنية. لكن ومع ذلك، يتضاءل أعداد هذه الأشياء التي نستطيع إيجادها مقارنةً بالماضي؛ ففي كتابه «من الفجر إلى الانحدار»، الذي يقدِّم نقدًا لاذعًا عن الثقافة «الشعبية» الحديثة، يقول «جاك برازون»: «إن كل ما ساهم به وصنعه القرن العشرون هو التحسين عن طريق «التحليل» أو النقد عن طريق التقليد والمحاكاة الساخرة.» فعملُ برازون لاقى صدًى كبيرًا لدى الكثير من هذا الجيل لأنه احتوى على درجة كبيرة من الحقيقة المؤسفة، فما إن يتجاوز المرء انحيازه للموروث ليؤمن بحتمية التطور، فلا مفر من الاستنتاج بأن جيلنا هو جيل أقل جودةً من أسلافه في الثقافة وعملية الصقل، تمامًا كما كان الرومان عُرضةً لديوكلتيانوس، الذي كان يحيا من إنفاقه التضخمي وهو مخمور على المظاهر الوحشية في المدرَّج الروماني؛ «الكولوسيوم»، ولا يمكن مقارنته بالرومان العظماء في عصر قيصر، الذين كان عليهم كسب نقودهم الذهبية لعُملة الأوريوس بعمل جاد وشاق. | {
"chapter": "النقد والتفضيل الزمني",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "معيار البيتكوين : البديل اللامركزي للنظام المصرفي المركزي",
"url": "https://www.hindawi.org/books/79060903/5/"
} |
في مارس عام ٢٠٢٠م، ابتُلي عالمنا بوباء، وقد أدَّى ذلك إلى توقفٍ هائلٍ لقطاعاتٍ كاملةٍ في اقتصادنا، وإلى وقف أنماط السلوك التي اعتدنا جميعًا على القيام بها لمئات السنين؛ فقد تم إغلاق المكاتب والمدارس، واختفت التجمُّعات في الأماكن العامة، كما توقَّفت الرحلات التجارية، وتوقَّفت معها الرحلات الترفيهية وتلك المخصَّصة للاستجمام، وأمَّا اللقاءات الشخصية، فقد باتت أمرًا مستحيلًا، ولم تعد أمرًا يمكن القيام به عمليًّا، كما أُغلقت المتاجر والمصانع، وهبطت الطائرات، ورست السفن، وقُطِعت الطرق، وأُغلقت الحدود. وبحلول يونيو، كُنا قد أنجزنا عملًا ضخمًا، واكتسبنا معلوماتٍ هائلةً بحيث أعطانا هذا الأمر القدرة على استنتاج أن صندوق التمويل الاحتياطي الذي كُنا ندخره لليوم الأسود، والذي وصلت قيمته لحوالي الخمسمائة مليون دولار، لن يكون ذا فائدة في العالم الافتراضي الجديد، وأنه هناك فرصة من المحتمَل فيها أن نُولِّد خمسمائة مليون دولار إضافيةً من التدفُّق النقدي بسبب التحوُّل الرقمي الذي قمنا به. والأخبار السارة تمثَّلت بامتلاكنا الكثير من النقود؛ الكاش، وبوجود فرصة هائلة نستطيع من خلالها توليد المزيد من هذا الكاش بمرور الوقت. أمَّا الأخبار السيئة فتمثَّلت بمعدل التضخُّم النقدي الذي ارتفع لثلاثة أضعاف، وبارتفاع سعر الأصول الأخرى بمعدلات «انفجارية» فاقت كل المعدلات الأخرى التي حدثت خلال قرون. وبهذا، كانت قيمة ميزانيتنا تتضاءل كما لو أنها كانت مكعَّب ثلج ينصهر بفعل درجات الحرارة المرتفعة؛ ولهذا، توجَّب علينا التصرُّف واتخاذ القرارات بشكل سريع لأننا لم نُرِد أن نرى كل هذه القيمة وهي تُهدَر عبثًا. وقد حَفَّزَنا هذا الأمر لنسعى بشكل حثيث كي نجد حلًّا لمعضلتنا، فكيف تقوم الشركات المعاصرة بحماية ميزانيتها العمومية في بيئة تضخمية نقدية؛ حيث تفقد العملات في مثل هذه البيئات ١٥٪ من قوتها الشرائية كل عام، في حين أن العائدات المتاحة من أدوات الخزانة التقليدية، والتي يتم تحصيلها بعد جباية الضرائب تكون فعليًّا صفرًا؟ فالشركة التي تولِّد ٧٥ مليون دولار سنويًّا من التدفقات النقدية، تحتفظ ﺑ ٥٠٠ مليون دولار في رصيد ميزانيتها بعوائد سلبية فعلية مقدارها ١٥٪، وهذا الأمر يقوم بتقويض قيمة المساهمين بنفس قدر إنشاء هذه القيمة. خلاصة القول، لقد كنا نركض بأقصى طاقتنا لكي نحافظ على وضعنا ليبقى كما هو. لهذا، وبعد أن درسنا إمكانية الابتعاد عن النقود، السندات، العقارات، الأسهم، المشتقات المالية، الفنون، السلع الأساسية، والمقتنيات؛ قرَّرنا استبعادها باعتبارها أصولًا للخزانة، ولم يتبقَّ لنا إلا النظر في المعادن الثمينة والعملات الرقمية المُشفَّرة. وفي هذا الوقت بالذات من بحثي عن الحلول، اكتشفت كتاب «معيار البيتكوين» لمؤلفه سيف الدين عموص. لم يكن هذا الكتاب كغيره من الكتب؛ فقد وفَّر لي الإطار الاقتصادي الشامل الذي احتجته لكي أكون قادرًا على تفسير قوى الاقتصاد الكلي التي تُعيد تشكيل عالمنا، وتعمل على تشويه وإفساد أسواقنا، وتقويض شركاتنا. كتاب «معيار البيتكوين» يجب أن يكون متطلَّبًا يقرؤه الجميع في المجتمع المعاصر؛ فهو يقدِّم سردًا موجزًا ومتماسكًا لكلٍّ من النظرية النقدية، تاريخ النقد، الاقتصاد العملي، وتأثير السياسات السياسية على الأعمال والثقافة والاقتصاد. ويحتوي هذا الكتاب، بالغالب، على واحدةٍ من أفضل التفسيرات لفوائد وفضائل النقد القوي، ولمخاطر ومفاسد العملة الضعيفة التي تمَّ عرضها في تاريخ الأعمال المعاصرة. كما يفضح هذا الكتاب بشكل بارع زيف أساطير النظرية النقدية المعاصرة، ويُعرِّي الأفكار البالية التي سيطرت على مدارس الفكر الاقتصادية القائمة على النقد الورقي الحكومي منذ أوائل القرن العشرين. إن كتاب «معيار البيتكوين» هو توصيتي الأولى لكل من يسعى إلى تكوينِ صورةٍ شاملةٍ عن النظرية الاقتصادية، التاريخ السياسي، والتطوُّرات التِّقْنية التي قادت شبكة البيتكوين ودفعتها للنمو، وحدَّدت مسارها المستقبلي. إن عملة البيتكوين ملائمة للأفراد، المستثمرين، المديرين التنفيذيين، التقنيين، السياسيين، الصحفيين، والأكاديميين على حد سواء، بغض النظر عن أجنداتهم؛ فعملة البيتكوين هي أول شبكة نقدية رقمية في العالم، وهي أول أصلٍ نقدي مُصنَّع في العالم. وهذه السمات معًا تمثِّل واحدةً من أكثر التقنيات عبقريةً في العالم، والتي يمكن لها أن تُغيِّر العالم بأكمله، كما أنها تمثِّل أكبر فرصة متاحة حاليًّا لأولئك الذين يرغبون في إنشاء شيء جديد ورائع، وتمثِّل أيضًا الحل لمشكلة تخزين القيمة التي يواجهها ٧٫٨ مليار شخص في العالم، وأكثر من ١٠٠ مليون شركة، ومئات التريليونات من الدولارات لرءوس أموال المستثمرين. أتمنَّى أن تستمتع بهذا الكتاب بالقدر الذي استمتعت به أنا، وأن تستفيد من الأفكار الواردة في صفحاته. | {
"chapter": "مقدمة",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "معيار البيتكوين : البديل اللامركزي للنظام المصرفي المركزي",
"url": "https://www.hindawi.org/books/79060903/0.2/"
} |
إلى زوجتي وابنتي اللتَين منحتاني سببًا للكتابة، وإلى «ساتوشي ناكاموتو» الذي منحني سببًا جديرًا للكتابة. | {
"chapter": "إهداء",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "معيار البيتكوين : البديل اللامركزي للنظام المصرفي المركزي",
"url": "https://www.hindawi.org/books/79060903/0.1/"
} |
لم تكُن هذه أول زيارة تقوم بها «ريما» لمتحف الشمع، ولكنها المرة الأولى التي ترى فيها هذا التمثال، كان التمثال ﻟ «رجل أصلع»، كث الشارب، كثيف الحاجبين، ضيِّق العينين، مستطيل الوجه، يرتدي ملابس زرقاء مما يرتديه عمال المصانع. لفت هذا التمثال نظر «ريما» … فقد كان مُتقَن الصنع، حتى يبدو وكأنه سيقف ويتحدَّث في أية لحظة. حملقت «ريما» كثيرًا في هذا التمثال، وعندما نظرت إلى عينَي التمثال … خُيِّل لها أنه حوَّل عينَيه عنها، وكأنه يهرب من النظر إليها، ولكن قبل أن تتركها «إلهام» و«خالد» ليتجوَّلا في صالات المتحف المختلفة، طلب منها «خالد» أن تواصل السَّير لترى باقي أجنحة المتحف … ولما حكَتْ له عمَّا رأته قال لها في لهجةٍ جادَّة: «إنه مدير المتحف»، فنظرت إليه مستفسرة، فرأت على وجهه الضحك، فطلبت منه أن يتركها على أن تعود إليه بسرعة، ثم عادت إلى التمثال وكانت المفاجأة أنها لم تجِدْه، فشعرت أن وراءه سرًّا غامضًا، وأصرَّت أن تعرف هذا السِّر ثم عادت مسرعة إلى حيث تركت «خالد» فلم تجده … ولم تجد «إلهام». انتاب «ريما» شعورٌ بالقلق وأسرعت الخُطى بين صالات المتحف تبحث عنهما … فسمعت صوت «إلهام» من خلفها يُناديها، التفتت «ريما» إليها تسألها عن «خالد». فقالت «إلهام»: إنه يبحث عنكِ، فهناك رسالة من «أحمد» يطلبنا لاجتماعٍ عاجل. ظهر «خالد» قائلًا: أين كنتِ يا «ريما»؟ ريما: كنت أبحث عنك يا «خالد» … فالرجل الأصلع … كادت «ريما» أن تُكمل قصة التمثال، ولكن «خالد» لم يُمهلها الوقت، بل اندفع خارجًا من المتحف في اتجاه سيارة الشياطين، و«ريما» و«إلهام» خلفه. سارت السيارة مُسرعة على طريق كورنيش النيل، في اتجاه المقر السري الصغير المُطِل على هضبة الأهرام، في إحدى الفيلَّات الواقعة على «ترعة المنصورية»، وهو مقرٌّ سِرِّي فرعي جديد اختاره الشياطين للتمويه بالإضافة إلى مقر الدقي. بمجرَّد أنْ وصلت السيارة إلى ميدان الرماية، حتى بدأ ضوءٌ أحمر يُضيء في تابلوه السيارة، وظهر رقمٌ أزرق في عدَّاد إلكتروني يقل تدريجيًّا بسرعة كبيرة … وهو يدل على المسافة الباقية على المقر، وعندما وصل الرقم في اللوحة إلى ٤٠ مترًا، كان الكمبيوتر في غرفة اجتماعات المقر السري الصغير، يُعلن وصول سيارة الشياطين، وهنا سمع الشياطين في السيارة صوت «أحمد» يقول: حمدًا لله على السلامة، كيف حال الرجل الأصلع يا «ريما»؟ عقدت الدهشة لسان «ريما» … واستغرق «خالد» و«إلهام» في الضحك. اقتربت السيارة بسرعة كبيرة من باب المقر، وظهرت فيلَّا كلاسيكية تتوسط حديقة واسعة، يحوطها سورٌ عالٍ له باب حديدي كبير، عند اقتراب السيارة منه … انفتح تلقائيًّا، وبمجرد دخول السيارة … أُغلِق مرةً أخرى. اتجهت السيارة إلى باب مُغلَق في نهاية الحديقة، عندما بلغته انفتح لأعلى … ولم يظهر منه غير ظلام دامس، لم يضئ «خالد» مصابيح السيارة … بل اجتاز الباب … وسار في الظلام على هدى سهم كان يُومض في تابلوه السيارة، بعد عدة ثوان … ظهر عن بُعد ضوءٌ خافت، ثم ما لبث أن غطى الضوءُ سيارة الشياطين تمامًا … فقد وصلوا إلى جراج المقر، ومن الجراج انتقل الشياطين وهم يتحدَّثون إلى صالة الاجتماعات. كان باقي الشياطين بالغرفة … تبادلوا التحية … ثم نظر «أحمد» إلى «إلهام» و«خالد» و«ريما»، وقال: عمليةٌ جديدة ولدينا بعض من المعلومات عنها، والباقي سننتظره في اجتماع الليلة مع رقم «صفر». قالت «إلهام»: هاتِ ما عندك يا «أحمد». لمس «أحمد» عدة أزرار في لوحة جهاز الكمبيوتر أمامه، وبدأ يقرأ لهم منه: ذهبت سيدة تُدعى «جميلة» — وهي زوجة لأحد الدارسين للدكتوراه في إحدى جامعات أمريكا — إلى أمن السفارة المصرية، تشكو تعرُّض منزلها للتفتيش أكثر من مرة، فكلما عادت للشقة تجد الأثاث وقد انقلب رأسًا على عقب، أما هذه المرة فقد صحَت من نومها لتجد أن ترتيب أثاث الشقة قد تغيَّر، وعندما أخبرت زوجها بما حدث ظهر عليه القلق الشديد، ولكنه رفض إبلاغ الشرطة. قال «عثمان»: شيءٌ غريب! إنه أسلوب أجهزة المخابرات، وقد يكون زوجها قد تورط معهم. قال «أحمد»: لقد كانت هذه هي نفس مخاوف رجال الأمن في السفارة، وقد رأوا لحساسية الموقف أن يتدخل الشياطين — وهم جهازٌ غير رسمي — حتى لا يلفتوا الأنظار، ولخبرتهم في التعامل مع أكبر التشكيلات العصابية. قالت «ريما»: ينقصنا الكثير من المعلومات لنتحرَّك على ضوئها. رد «أحمد»: سنحصل على هذه المعلومات عند اجتماعنا مساء اليوم مع رقم «صفر». قالت «ريما»: كان عندي وقت حتى المساء لحل لغز الرجل الأصلع. رد «أحمد» باسمًا: حين نُكلَّف بمهمةٍ لا نملك إلا التحرُّك على وجه السرعة، ولا تنسَيْ أنَّ هذه هي أوامر رقم «صفر»، وسنعرف وجه الاستعجال في اجتماعنا معه اليوم. جلست مجموعةٌ من الشياطين في انتظار رقم «صفر» على سطح الفيلَّا يستمتعون بنسائم المساء، وقد أخذ الظلام يهبط تدريجيًّا فيُحوِّل كلَّ شيء إلى أشباحٍ … وفجأة لفتت أنظارهم سيارة مرسيدس سوداء تتجه إلى باب المقر، وبمجرَّد اقترابها من الباب انفتح تلقائيًّا، عرف الشياطين أنه رقم «صفر»، واستيقظت حواسهم بشدة … فسيعرفون المزيد عن العملية القادمة، غرقت سيارة رقم «صفر» في ظلام حديقة الفيلَّا، وانصرف كلٌّ منهم مُسرعًا إلى غرفته انتظارًا للتعليمات. دقائق وسمع الشياطين في غرفهم صفيرًا حادًّا متقطِّعًا، فعرفوا أن هناك اجتماعًا عاجلًا في القاعة الكبرى، واتجهوا جميعًا إليها واتخذ كلٌّ منهم مكانه، دقائق وبدأت الضوضاء تخفت. وعندما أعلن الصمت عن ترقُّبهم، سمعوا صوت أقدام رقم «صفر» تقترب … ثم توقفت ثم سمعوا صوت أوراق … وجاءتهم أخيرًا تحيته بصوتٍ عميق: مساء الخير، أعرف أنكم تسألون عن وجه العجلة في موضوعنا … وسأخبركم: هناك عالِم مصري مُعرَّض للخطف أو القتل، وأسرة مصرية مُعرَّضة للخطر … وعلينا التحرك بسرعة لحمايتهم والوصول بهم إلى أرض الوطن سالمين. أظلمت القاعة وأُضيئَت شاشة كبيرة، ظهَر عليها صورة رجل شرقي الملامح أسمر، قال رقم «صفر»: هذا هو العالِم، ويُدعى «هاني قنديل»، وقد جاءنا من عميلنا في الولايات المتحدة أن «هاني قنديل» في بداية دراسته للدكتوراه في إحدى الجامعات الأمريكية تعرَّف على زميل دراسة يُدعى «توماس دين» وزوجته «ليليان» التي تدرس الدكتوراه أيضًا ولكن في علم الاجتماع، وقد أصبح «توماس» وثيق الصِّلة بالعالِم المصري الشاب، صمت رقم «صفر» … وتلاحقت الصور على الشاشة ﻟ «توماس» ثم «ليليان». علَّق رقم «صفر» قائلًا: يمكنكم الحصول على صور لهذه الشخصيات من كمبيوتر المقر. صمت رقم «صفر» بُرهةً … وتنفَّس بعمق … ثم عاد ليقول: إن «هاني قنديل» بدأ أولى خطواته في الدكتوراه بحماسٍ شديد، ثم ما لبث أن فتَر حماسُه، وبدأ ينكبُّ على القراءة في المكتبات العلمية، ويتعامل مع مراكز بيع مستلزمات المعامل وقِطع الغيار الإلكترونية بكثرة، ويُخشى أن يكون قد وقع تحت تأثير إحدى عصابات المافيا الجديدة، والتي تطلق على نفسها اسم «سوبتك». وعليكم مراجعة تقرير المقر عن هذه العصابة، والحصول على صورٍ ﻟ «هاني قنديل» وأسرته و«توماس دين» … و«ليليان». والمطلوب منكم أولًا: معرفة مدى تورُّط «هاني» مع عصابات المافيا. ثانيًا: تأمين سلامته وسلامة أسرته وإعادته إلى الوطن، وإنْ كان واقعًا تحت تأثير خدعة فسيكون من الأجدى اختطافه. هل من أسئلة؟ قالت «إلهام»: نعم، ما الذي دفع عصابة «سوبتك» إلى تهديد أمن دكتور «هاني» الآن بالذات؟ رد رقم «صفر»: لقد أجرى «هاني قنديل» مؤخرًا اتصالًا بإحدى المؤسسات التكنولوجية العربية، وطبعًا هذا ضد رغبتهم … فهدفهم الرئيسي هو الاستئثار بقدرات ومواهب العلماء لاستثمارها لصالحهم. ثم أضاف: ادرسوا الموضوع جيدًا وبسرعة … أرقام «١، ٢، ٣، ٩، ١٠» … يستعدون للسفر إلى «أمريكا» … الباقون ينتظرون الأوامر … سيصلكم ملف العملية، انتهى. ساد الصمت، وسمع الشياطين خطوات رقم «صفر» الواثقة البطيئة تبتعد دقائق … وهدر محرِّك سيارته … ثم ابتعد تدريجيًّا، ولم يبقَ إلا خليطٌ من صفير صراصير الحدائق، ونقيق ضفادع ضخمة يأتي من ترعة المنصورية. انتقل الشياطين إلى غرفة المعلومات، وجلس كلٌّ منهم أمام شاشة من شاشات الكمبيوتر المركزي، وحدَّدوا البرنامج، وبدءوا يتلقون منه معلومات عن عصابة اﻟ «سوبتك». قال «أحمد»: من الواضح أن هذه العصابة هي التطور الطبيعي لنشاط عصابات عملاقة كعصابات «المافيا». رد «خالد»: نعم، فالمخدرات وغيرها من النشاطات غير المشروعة، أصبحت تُحارب بشدة في كل أنحاء العالم، لقد أصبحت الجريمة العلمية هي السائدة، وقد اتجهت العصابات إلى سرقة الأسرار العلمية والاقتصادية وبيعها. فجأة اختفت المعلومات من على شاشة الكمبيوتر، وظهر بدلًا منها علامات شفرية، سجل «أحمد» هذه العلامات على مفاتيح ساعته، وضغط زرًّا تحت الشاشة وبدأ يقرأ منها والجميع يسمعون، إنها رسالةٌ من رقم «صفر». | {
"chapter": "الرجل التمثال!",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "المهمة المستحيلة",
"url": "https://www.hindawi.org/books/50971524/1/"
} |
من رقم «صفر» إلى «ش. ك. س» جاءنا من عميلنا في «الولايات المتحدة الأمريكية» أن «هاني قنديل» اختفى في ظروفٍ غامضة، ولا يُعرف هل اختُطِف؟ أم قُتل؟! أم هرب بإرادته خارج أمريكا؟ في انتظار المزيد … سأبلغكم به … شكرًا! عقدت المفاجأة ألسنة الشياطين … إنهم لم يبدءوا المغامرة بعدُ … فكيف حدث هذا؟ وبدأت الأسئلة … هل قتلته جهةٌ مُعادية كما حدث مع بعض العلماء من قبل؟ أم أنه اختُطِف؟ شغلت هذه الأسئلة الشياطين، وماذا لو كان قد هرب إلى خارج أمريكا؟ وما مصير زوجته وابنته؟ إلا أن «خالد» فاجأهم بقوله: لماذا لا يكون «هاني قنديل» قد اتفق مع العصابة وانتهى الأمر؟ اعترض الشياطين على فكرة «خالد» … فهم رافضون لفكرة أن يتفق عالِم عربي مع عصابة … فحسم «أحمد» الموقف بقوله: من المُمكِن أن يكونوا قد أقنعوه بأنهم سيوفِّرون له المعلومات وأجهزة البحث التي يحتاجها. فما كان من «عثمان» إلا أن فتح ذراعَيه في حركةٍ تمثيلية قائلًا: لا داعي للخلاف … من الممكن أن تتضح الصورة أكثر إذا حصلنا على بعض المعلومات عن نشاط «هاني قنديل»، واتجاهاته في جامعته «المصرية» التي تخرَّج فيها. فطلبت «إلهام» أن تقوم هي بهذه المهمة. وافق الشياطين على طلب «إلهام»، وانصرف كلٌّ إلى غرفته استعدادًا لما سيأتي به صباح الغد … وما ستُسفر عنه زيارة «إلهام» للجامعة، نام الشياطين واستيقظ ألف سؤال في المقر عن سر اختفاء «هاني قنديل». وعندما اجتمع الشياطين في ظُهر ذلك اليوم، عرفوا من «إلهام» أن «هاني قنديل» رجل مُخلِص لبلده، وكان طالبًا نابهًا، وقد اهتمَّ في بداية حياته بفكرة اختراع آلات تتحرَّك بدون طاقة، كما يتحرَّك الإلكترون في الذَّرَّة … والكوكب في المجرة، وهل هذا ممكن؟ قال «أحمد»: من الممكن أن يكون هذا التساؤل الخطير … هو الذي دفع عصابة «سوبتك» للاهتمام بأمره، ومن الممكن أن تخطفه دون أن تقتله؛ لأنها في حاجةٍ إليه للإجابة عن هذا التساؤل، الذي ستعتبره نَقْلة حضارية هائلة لكل الكرة الأرضية. شعر «أحمد» بوخز خفيف في رسغه من ساعته، فعرف أن هناك رسالة … ضغط «أحمد» زرًّا بالساعة، فظهرت على الشاشة علامات سجَّلَها «أحمد» على ورقة، بينما كان الشياطين يرقبونه في لهفة، ثم عالج الشفرة بزرٍّ آخَر في الساعة، ثم قرأ عليهم: «من رقم «صفر» إلى «ش. ك. س» جاءنا من رجلنا في «هونج كونج» أن «هاني قنديل» ظهر هناك في صحبة رجلَين ذوي ملامح أوروبية لا يفارقانه، وهو يتردَّد كثيرًا على المبنى رقم ٩ شارع كوينررود سنترال، نفس التشكيل السابق يستعد للسفر، سيصلكم ملف العملية … انتهى». نظر الشياطين لبعضهم البعض في تساؤل … لقد أقلعت بهم الطائرة ولم يصلهم حتى هذه اللحظة ملف العملية، ولا يعرفون غير ٩ شارع كوينررود سنترال، فهل ملف العملية موجودٌ في هذا العنوان؟ لفت نظر «أحمد» إحدى مطبوعات الدعاية السياحية الموضوعة أمامه في الطائرة، كان عليها شعار «هونج كونج» المكوَّن من الأسد والتنين وزوارق اليانك الصينية، والتاج الذهبي … والأمواج الزرقاء … والسماء الحمراء. تأمل «أحمد» طويلًا هذا الشعار … ثم فتح الدليل ليجد كارتًا مكتوبًا عليه علامات شفرية لا تخص إلا الشياطين، قرأ «أحمد»: «العجوز «واو» معكم على الطائرة … سيقدِّم نفسه لكم … اعتمدوا عليه». شعر «أحمد» بغبطة وبفضول شديد، فقام من كرسيه متجهًا إلى «دورة المياه» قرب ذيل الطائرة … وهو يفحص بحذرٍ وجوه الركاب فلم يستطع معرفة الرجل، وعند عودته … اصطدم دون قصد برجل عجوز … أصلع … صيني الملامح والهيئة. حين الْتَقَت عيناه بعينَي «أحمد» … لمعت عينا الرجل، وأغمضهما في ودٍّ. عرف «أحمد» أن هذا هو رجلهم في «هونج كونج»، عاد «أحمد» إلى كرسيه، ثم نظر إلى بقية الشياطين مبتسمًا … فنظروا له في تساؤل … أشار «أحمد» بأصابعه إشارةً خفية فهمَ منها الشياطين أن رجل رقم «صفر» معهم على الطائرة. في قوسٍ هائل دارت الطائرة فوق مياه بحر الصين الجنوبي وظهرت عن بُعدٍ نقط بُنِّية هنا وهناك … إنها بعض من المائتين وخمسين جزيرة التي تتكون منها مستعمرة «هونج كونج»، ويربطها بالأرض الأم الجزيرة … خليج الصيادين. ثم ظهرت جزيرة «هونج كونج» متوجَّة بقمة «فيكتوريا» التي ترتفع ٥٥٤ مترًا عن سطح البحر، كما يقول الدليل السياحي، وحول هذه القمة غابة من ناطحات السحاب تتزاحم، إنها العاصمة التجارية والمالية للجزيرة. واصلت الطائرة هبوطها وكأنها تكاد تلمس أسطح الناطحات ونوافذها، ثم هبطت في الماء … غير أن الشياطين شعروا أنها قد لامست أرضًا صلبة، ولكنهم لا يرون غير الماء يحيط بهم من كل جانب، فمطار «كاي تاك» يمتد كشريطٍ ضيِّق وسط البحر. هبط الشياطين سلالم الطائرة وهم يرقبون «أحمد»، الذي كان يتلفَّت في حذرٍ باحثًا عن العجوز، فهو ملف العملية. أحسَّ «أحمد» بيدٍ تُمسك بذراعه، فلفت وجهه في ترقُّب، فوجد أنه «واو» وقد انفرجت أساريره، وابتسامة عريضة تزين وجهه، فشعر براحة. وحين وطئت أقدام الشياطين أرض المطار، التفوا حول «واو» يحيونه وهو يصافحهم ويبتسم في أدبٍ جمٍّ … ويقول بلغةٍ إنجليزية واضحة: إنه طيَّار محترف، فمطار «هونج كونج» واقعٌ وسط عوائق كثيرة من ناطحات سحاب وغيرها … ولا يعمل على هذا الخط إلا أبرع الطيَّارين. كان المطار مزدحمًا، وحين خرج الشياطين من المطار وجدوا زحامًا أكبر … قال «أحمد» للعجوز «واو»: إنك تتكلم الإنجليزية بطلاقة! قال «واو»: إن الإنجليزية هنا … هي لغة الحكومة والمحاكم ورجال الأعمال. همست «إلهام» ﻟ «أحمد»: إنني أشعر بجوعٍ شديد. سمعها العم «واو» فقال: ما رأيكم أن نتناول العشاء في أحد المطاعم العائمة في الميناء، ونُكمل حديثنا هناك. ابتسمت «إلهام» في خجل وقالت: لم أكُن أعرف أنك تتكلم اللغة العربية أيضًا … ضحك الشياطين والعم «واو» وانطلقوا. كان اقتراح «واو» رائعًا … فالليل في ميناء «إيبردين» كرنفال رائع الألوان لآلاف المصابيح التي تغطِّي عشرات القوارب، وتكاد تُخفي الميناء؛ لتشعر أنك في غابة من القوارب. وخلف هذه القوارب التي يتخذها الصيادون مساكن لهم، تظهر ناطحات السحاب ووراءها الجبل … والتلال الخضراء. كان الشياطين يستمتعون بهذا الجو الرائع والمنظر المثير وهم يتناولون عشاءهم. سأل «أحمد» العم «واو»: ما هي حكاية رقم ٩ شارع كوينررود سنترال؟ قال العم «واو»: إنه بُرج من الرخام الوردي، تحوي الأدوار الأولى به سلسلة من البوتيكات الفخمة، وهو يقع وسط أعلى الأحياء التجارية في المدينة، وقد تكلَّف بناؤه ٥٠٠ مليون دولار أمريكي، أما باقي البرج عبارة عن مكاتب لمجموعة من أكبر الشركات. قالت «ريما»: مستر «واو» أين سنقيم؟ قال «واو»: في أعلى قمة في «هونج كونج». من وسط المدينة المزدحم ركب الشياطين «التليفريك»، وهو قطار يتكوَّن من عربتين، يشدهما كابل صلب ليصلوا إلى قمة فيكتوريا. وعن بُعد ظهرت ناطحات السحاب، ولكن عربة «تليفريك» مرَّت في الاتجاه المقابل، جعلت «ريما» تضغط على ذراع «خالد»، وتقول له: الرجل الأصلع يا «خالد». التفت لها «خالد» الذي كان سابحًا في جمال «هونج كونج» في دهشة قائلًا: أصلع مَن يا «ريما»؟ لقد شغلَتْكِ رأس هذا التمثال كثيرًا. رغم ما قاله «خالد» ﻟ «ريما»، فإنه أحسَّ بهاجسٍ يحرِّك شيئًا بداخله. حين وصل «التليفريك» إلى قمة فيكتوريا … أشار لهم العم «واو» على الفيلَّا التي سينزلون بها، إنها قريبةٌ من محطة «التليفريك» … وهي فيلَّا جميلة تغطِّيها وتحوطها الخضرة الكثيفة، ومُكوَّنة من طابقين وشرفات واسعة. حين دلف الشياطين من الباب الخارجي للفيلَّا، مرَّت بجانبهم سيارة، توقفت بعد مسافة قصيرة ونزل منها ثلاثة رجال تحادثوا قليلًا، ثم انصرف أحدهم وركب الآخَران السيارة. دارت السيارة دورة واسعة … ثم عادت أدراجها في الطريق المقابل، فبدَّدَت أنوارُها الظلام أمام الفيلَّا وهي تبتعد مسرعة، استطاع «أحمد» أن يلتقط أرقام السيارة وموديلها ولونها، رغم أن الضوء كان ضعيفًا، كما استطاع «عثمان» أن يحدِّد بعض ملامح الرجال الثلاثة، وكان أحدهم ذا ملامح أوروبية، والثاني ملامحه صينية، أما الثالث فذو ملامح شرقية، وحين همس «عثمان» للشياطين بهذه المعلومات، قال «أحمد» بصوت خافت: إنها تركيبةٌ تدل على شيءٍ في صميم قضيتنا، وكأنهم «توماس دين» و«هاني قنديل» والثالث هو رجلهم هنا في «هونج كونج». وفي قاعةٍ تتوسَّط غرفة الدور الأول في الفيلَّا، اجتمع الشياطين وبينهم أكثر من تساؤل: هل حقيقة أن مَن رأوهم هم «هاني قنديل» … و«توماس»، والرجل الثالث هو عميلٌ صيني لهم؟ | {
"chapter": "الاختفاء المفاجئ!",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "المهمة المستحيلة",
"url": "https://www.hindawi.org/books/50971524/2/"
} |
في ذلك الوقت كانت «ريما» و«خالد» قد نُقِلا إلى غرفةٍ واسعة … حوائطها زجاجية ويظهر منها أبراجٌ حديدية تحيط بها، وأعلى كل برج ينطلق ضوء أحمر متقطِّع، نظرت «ريما» ﻟ «خالد» في دهشة وقالت: إننا مُعلَّقان في السماء، ولكن أين؟ جالَ «خالد» بعينَيه في الغرفة إلى أن وقعتا على مختطفيه … نظر لهما مليًّا فعرف أنهما «توماس» و«ليليان» … إذَن فقد أصبحا على قيد خطوةٍ من «هاني قنديل»، ولكن أين هو؟ هل في الفيلَّا التي فوق قمة فيكتوريا؟ أم في «٩ شارع كوينررود سنترال»؟ أم هنا معهم معلق مثلهم في السماء؟ نظرت «ريما» ﻟ «ليليان» بحدَّة … وهي تنوي أن تسألها عن «هاني»، فسبقتها «ليليان» قائلة: سنؤجِّل الحديث للصباح. فردَّ «خالد»: سأكون شاكرًا لو حدث هذا. نظر «توماس» نظرة ارتياح ﻟ «خالد»، ثم قال: لك هذا … ثم خرج هو و«ليليان» وأغلقا باب الغرفة خلفهما. نظر «خالد» ﻟ «ريما» باسمًا، وقال: إنه يأمل فينا خيرًا! آه لو يعرف ما يدور برأسنا له. ابتسمت «ريما» واستعدَّت للنوم وهي تتعجَّب لأسرع مغامرة … وأكثر الأحداث تلاحقًا، وخرج «خالد» إلى الشرفة لينام فيها. في نفس الوقت كانت قد صدرت الأوامر لأفراد العصابة الواقفين خارج مقر الشياطين فوق قمة «فيكتوريا»، بأن يدخل أحدهم لتفتيش الفيلَّا تفتيشًا دقيقًا ويبقى الآخَران للمراقبة … فتحرَّك أحد الرجال الثلاثة إلى داخل الفيلَّا … ورغم أنه يتحرك بحريةٍ واطمئنان لثقته بعدم وجود أحد بالفيلَّا، ورغم خفَّة حركته وليونته سمعت «إلهام» صوت خطواته المتلصِّصة، وشعرت بالخطر … فتسلَّلَت إلى حيث ينام «أحمد»، ثم دفعته برفقٍ ليستيقظ، ثم أيقظت «عثمان» ونبَّهَته لوجود الرجل الغريب. تربَّص الشياطين الثلاثة في أركان الغرفة، وقد تيقظت حواسهم! مرَّت الدقائق ثقيلة، وفجأة حبس الشياطين أنفاسهم … فالخطوات اقتربت من غرفتهم، ثم تباطأت … ثم دارت أُكرة الباب … وكالفهد قفز «أحمد» بلا صوتٍ ليقف خلف الباب … تمدَّدت «إلهام» على السرير متظاهرة بالنوم … بينما اختبأ «عثمان» تحت السرير … فُتح الباب وأطلت رأس الرجل وأخذت نظراته تمسح الغرفة، إلى أن سقطت على «إلهام» فصاح يناديه زميله قائلًا: «تونج» … «تونج»، هناك أكثر من شخصٍ في الفيلَّا … قال هذا وعاد أدراجه مسرعًا … وأغلق غرفة الشياطين ثم جلس خارجها … شاهرًا مسدسه، يحادث صاحبه «تونج» في جهاز اللاسلكي الذي يحمله، ويصف له مكان الغرفة … دقائق وكانت خطوات أخرى تقترب من الباب، ثم دارت أكرة الباب بعنف، وامتدت ذراع في نهايتها مسدس، ثم فتح صاحب هذه الذراع الباب عن آخِره، ودخل الآخَر في اتجاه «إلهام». قال «تونج»: انتبه لها يا «كيم»، إنها شيطانة … مدَّ «كيم» يده ليمسك بذراع «إلهام»، وهو يصوِّب المسدس إلى رأسها، حبست «إلهام» أنفاسها … وقلصت كل عضلاتها. وفجأة رأى «تونج» ضربة قوية كالصاروخ من خلف الباب، في نفس اللحظة التي أمسكت «إلهام» فيها بذراع «كيم»، وأطاحت به في الهواء ليسقط بجوار السرير، فسقط المسدس من يده وتدحرج تحت السرير، فامتدت ذراع «عثمان» لتشده من رقبته … وتسحبه بعيدًا عن المسدس، وذراعه الأخرى تمسك بالمسدس، انتفض «تونج» واقفًا، فعاجله «أحمد» بقبضته الحديدية ليضربه ضربةً طرحَتْه أرضًا … في هذه اللحظة خرج «عثمان» من تحت السرير شاهرًا مسدسه، وقال لهم: انتهت المسألة ولا داعي للمقاومة. استسلم «كيم» و«تونج» فسألهما «أحمد»: نريد أن نعرف الآن أين «ريما» و«خالد»؟ ولكنهما لم يُجيبا. فقال «أحمد» ﻟ «عثمان» و«إلهام» قيِّدوهما، إلا أن صوتًا حادًّا علا من خلف «أحمد» يقول له: لا داعي … وأرجو أن تلقي سلاحك. كان هذا الصوت لرجلٍ يقف فاتحًا ساقيه، قابضًا بكلتا يديه على مدفعٍ رشاش، عقدت المفاجأة لسان «أحمد»، فرفع يده لأعلى. قال الرجل: «كيم» … «تونج» اجمعا أسلحتهم وقودوهم إلى السيارة، سار الشياطين الثلاثة وخلفهم «كيم» و«تونج» يتبعانهم في خوفٍ وحذر، إلى أن خرجوا من باب الفيلَّا، ثم قادوهم حتى ركبوا السيارة وبداخلهم سؤال: أين «واو»؟ وكانت دهشتهم كبيرة، حين وجدوا السيارة تندفع وحدها إلى الخلف؛ لتصدم «كيم» الذي كان واقفًا خلفها وتُسقطه على الأرض، أذهلت المفاجأة «تونج» ولم يعُد إلى صوابه إلا والسيارة تقطع الطريق بسرعةٍ كبيرة، وكانت المفاجأة للشياطين، فقد كان «واو» هو الذي يقود السيارة، ببراعة واحتراف. قال «عثمان» في دهشة: العم «واو»؟! ما كل هذه المواهب؟ ابتسم «واو» في وقار … وقال: «خالد» و«ريما» في عش الدبابير. قال «أحمد»: هل من خطر عليهم؟ أجاب «واو»: لا، طالما أنتم أحرار … فلن يضروهم بشيء، توقَّفَ العم «واو» بالسيارة مختفيًا خلف صخرة كبيرة، والْتَفت إلى الشياطين قائلًا لهم: ظهوركم وهروبكم مرة أخرى … سيثير رجال العصابة … ولن يتركوكم أحرارًا … ومن المؤكَّد أن كل الطرق على القمة الآن مُراقَبة. قال «أحمد»: علينا أن نجد وسيلةً غير معروفة للخروج من الجزيرة. ثم قفز إلى جوار العم «واو» … وبدأ يفك جهاز الراديو من تابلوه السيارة … وفكَّ منه أسلاكًا … وأخرج من جيبه جهازًا … أوصله بأسلاكٍ داخلية في الراديو … ثم بدأ يُرسل إشاراتٍ ويستقبل إشارات، والعم «واو» ينظر إليه في إعجابٍ واحترام، الْتَفت «أحمد» في نهاية رسالته إلى العم «واو» وسأله عن الصخرة السوداء … أجابه العم «واو» بأنها لا تبعد كثيرًا عنهم. فقال «أحمد»: يجب أن نتحرك إلى هناك على أقدامنا بسرعة، غادر الجميع السيارة … ثم خلع «أحمد» أرقامها … فقال «عثمان» يجب أن نغطي هذه السيارة بطبقة من الطمي، حتى لا يعرفها مَن يراها بسهولة، أعجب «واو» بحُسن تصرُّف الشياطين، وبسرعة بديهتهم … وروح الجماعة فيهم. وعندما نظر الشياطين إلى السيارة الشيروكي من بعيد لم يعرفوها … فقد اختفت معالمها تمامًا، وبعد فترةٍ من السير المتصل … أشار العم «واو» بيده قائلًا: ها هي الصخرة السوداء على بُعد خمسين مترًا من هنا. رأى «أحمد» سيارة جيب واقفة عند المنعطف القريب من الصخرة … فأخرج جهازًا في حجم علبة الكبريت … من كعب حذائه … وبمجرَّد أن أداره، أضاءت الأنوار الخلفية للسيارة. قال «أحمد» وهو يبتسم: إنها سيارة المنظَّمة، أشار «أحمد» ﻟ «عثمان» فلحق به عند الصخرة، تحركت السيارة من الخلف … ودارت حول الصخرة … حتى مرَّت أمامه … فهدَّأت من سرعتها قليلًا … وقال له سائقها: المهمات خلف الصخرة … مع تحيات السيد «صفر». انطلقت السيارة … فأشار «أحمد» إشارةً خفية ﻟ «إلهام» … فتحرَّكت هي والعم «واو» إلى خلف الصخرة، وبعد دقائقَ … أطلقت صفيرًا متقطِّعًا كالعصفور … فتحرك «أحمد» بعده ليلحق بهم، وترك «عثمان» للمراقبة. كانت «إلهام» قد فتحت إحدى الحقائب الكبيرة التي تركتها السيارة الشيروكي، فتعجَّب مستر «واو» حين رأى ما بها، وسأل «أحمد»: هل سنقيم هنا حتى تحضروا خيمة؟! المكان هنا مكشوف ولن يصلح للاختفاء. ابتسم «أحمد» وقال: لن نقيم … بل سنطير. ولأول مرَّة يرى الشياطين أسنان العم «واو» وهو يضحك، ويقول: أتعني أن في هذه الحقائب طائرة! أخرج «أحمد» باقي المعدات … وصنعَ هيكلًا حديديًّا على شكل أجنحة، ثم بدأ يثبت به غطاء من القماش السميك. نظرت «إلهام» في دهشةٍ، وقالت: إنه الخفَّاش الطائر! فكرة رائعة! ودَّع «أحمد» العم «واو» قائلًا له: نلتقي في نفس المطعم العائم في ميناء «إيبردين» مساء في الساعة الثامنة. قال «واو» أتمنَّى لكم التوفيق. | {
"chapter": "الصِّدام!",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "المهمة المستحيلة",
"url": "https://www.hindawi.org/books/50971524/4/"
} |
إنهم ١٣ فتًى وفتاةً في مثل عمرك، كلٌّ منهم يُمثِّل بلدًا عربيًّا. إنهم يقفون في وجه المؤامرات الموجَّهة إلى الوطن العربي … تمرَّنوا في منطقة الكهف السِّري التي لا يعرفها أحد … أجادوا فنون القتال … استخدام المسدسات … الخناجر … الكاراتيه … وهم جميعًا يُجيدون عدة لغات. وفي كل مغامرةٍ يشترك خمسة أو ستة من الشياطين معًا … تحت قيادة زعيمهم الغامض رقم «صفر» الذي لم يرَه أحد، ولا يعرف حقيقته أحد. وأحداث مغامراتهم تدور في كل البلاد العربية … وستجد نفسك معهم مهما كان بلدك في الوطن العربي الكبير. | {
"chapter": "من هم الشياطين اﻟ «١٣»؟",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "المهمة المستحيلة",
"url": "https://www.hindawi.org/books/50971524/0.1/"
} |
عندئذٍ قصَّ كيف خدَمَته شقيقتُه إلكترا، وكيف حكَم عليهما شعبُ أرجوس بالإعدام، بينما تنحَّى أقاربهما عن مدِّ يد العون إليهما، وكيف ناضَلا ضد مصيرهما. | {
"chapter": "ملخَّص المسرحية",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "هيكوبا وأوريستيس",
"url": "https://www.hindawi.org/books/46158086/1/"
} |
لفت نظري منظر جديد في أثناء مسيرتي اليومية على شاطئ النيل بشارع الجبلاية. الساعة السابعة صباحًا، أوائل الربيع، الطريق تكاد تخلو تمامًا من أي عابر، رأيت على سفح المنحدر نحو النهر رجلًا وامرأة. الرجل عجوز يقارب الثمانين، طويل القامة مع احْدِيداب خفيف، أبيض الشعر خفيفه، عتيق القسمات، يرتدي بدلة متهدلة من التيل السنجابي، والمرأة فوق الستين، امَّحت من صفحة وجهها أمارات الأنوثة وحل الجفاف والخشونة. على الأرض بينهما انطرحت خيمة مطوية، وتناثرت حُلل نحاسية وآنية شاي وموقد غاز. خطر لي أنهما جاءا يمضيان يومًا على شاطئ النيل تسلية عن الوحدة والكبر، فأشفقت على صفوهما من حصا المنحدر والقاذورات المتراكمة فوق أديمه. في اليوم التالي أدهشني أن أرى الاثنين بنفس موضع الأمس. وضاعف من دهشتي أن أراهما منهمكين في رفع الحصا وكنس القاذورات على مدى مسافة غير قصيرة من الشاطئ. تُرى ما شأنهما؟ هل يبغيان إقامة طويلة؟ وتمهلت في السير ممعنًا النظر. انتبها إليَّ فتطلعا نحوي بأعين متوجسة مرتابة، فلم أرَ بُدًّا من الإسراع في الخطو دفعًا للحرج. هل داخلهما شك في نيتي؟ هل حسبا أنني أراقبهما من موقع مسئوليتي عن الشاطئ؟ شعرت نحوهما بالعطف والرثاء، وتمنيت على الله ألا يخيب لهما رجاء. في صباح اليوم الثالث رأيت الأرض قد خططت فأصبحت أحواضًا متتابعة على هيئة مستطيلات، على حين ركب أسفل المنحدر شادوف لرفع المياه، وغير بعيد جلس الزوجان يحتسيان الشاي. ولما رأياني مقبلًا رفعا رأسيهما نحوي في قلق فاق قلق الأمس. مررت مسرعًا مشفقًا متحاشيًا التقاء الأعين. إنه الخوف عليه اللعنة. يطاردهما في مهجرهما الجديد ولا شك. وثمة سبب يمكن تخمينه رغم جهلي بتلك الأمور. إنهما يسيئان الظن بمسيرتي الصباحية، ويتوهمان أنها تدور من أجل مراقبتهما. كيف أعفيهما من جرعة النكد اليومية التي أصبحهما بها؟ لا غناء لي عن الطريق، ولكن بوسعي أن أتجاهلهما أو أُشعرهما بذلك. ويومًا بعد يوم أرى — بلحظ العين — المياه وهي تغمر الحقل، والخيمة وهي تنتصب في رشاقة. ويومًا بعد يوم تغير وجه الأرض، فآذن بمولد حياة جديدة. ويومًا بعد يوم ذرت القرون الخضراء كالأغاريد الخفيفة مبشرة بالبهجة المشرقة. تمنيت لو كان في قدرتهما أن ينشرا العمران في الشاطئ كله، ويريحا البصر من سوء مطلعه. ولم يكدر صفوي إلا إصرارهما على التوجس والحذر. حتى قررت يومًا أن أحيي وأبتسم. وما كدت أفعل حتى لوح إليَّ العجوز بيده، وصَعِدَ نحوي حتى وقف أمامي، ثم سألني: حضرتك موظف؟ فأجبت بالإيجاب فعاد يسأل: في المحافظة؟ فقلتُ بوضوح: كلا، لا علاقة لي بالمحافظة ولا الداخلية ولا ما شاكل ذلك. فصمت حائرًا فقلت ضاحكًا: لماذا تنظر إليَّ في ارتيابٍ كأني عدو؟ فقال بنبرة اعترافية: أنا رجل عجوز على المعاش، كنت موظفًا بالزراعة، أخلت الشرطة بيتنا الآيل للسقوط، فكرت في سكنى الشاطئ بدلًا من المقابر! – فكرة جميلة. – المعاش قليل، قلت: أزرع لآكل لا لأتاجر. بعنا العفش القديم واشترينا ما يلزمنا كالخيمة والشادوف. – فعلت خيرًا. فتردد قليلًا ثم قال: أعتقد أن هذا لا يسيء إلى أحد؟ – حسبك أنك جمَّلت رقعة من الشاطئ القذر. – ولكني أخاف التعليمات والإجراءات. فقلت بصدق: الحق أنه لا دراية لي بذلك. وتمنيت له الخير ثم صافحته وذهبت. ولما هلَّ الصيف قمت بإجازتي السنوية. وعدت من المصيف بعد شهر ونصف شهر لأواصل حياتي المألوفة. واستأنفت مسيرتي الصباحية، ولما اقتربت من شارع الجبلاية تذكرت — ربما لأول مرة — الرجل والمرأة. أقبلت نحو موضعهما توَّاقًا للاستطلاع. ولكني لم أجد أثرًا لهما ولا للحقل. رجع المنحدر إلى حاله القديمة من الخراب والقذارة. لا تفسير لذلك إلا أن مخاوف العجوز قد وقعت وتحققت. فاض قلبي بالأسى وأنا أتساءل عن مصير العجوزين. ورأيت جندي المرور على مبعدة يسيرة من المكان، فقصدته وتبادلنا التحية كعادتنا منذ سنوات. قلت له: كان هناك رجل وامرأة يزرعان الأرض. فضحك الرجل قائلًا: لم يدم الحال وسبحان مَنْ له الدوام، جاء شرطي ذات يوم للتحقيق، وقاد الرجل إلى القسم لعمل محضر مخالفة. صمتُ مغتمًّا متفكرًا، فقال الجندي: أرض الحكومة ليست لكل مَنْ هب ودب، وجاء عمال، فاقتلعوا الزرع قبل أن ينضج، ولا علم لي بما حصل للرجل بعد ذلك. انقبض صدري حزنًا على آدم وحواء وحقلهما، وصحبتني ذكراهما زمنًا حتى تلاشت في خضم الحياة اليومية. مضى اليوم على ذاك التاريخ أكثر من عشرين عامًا. أذكره أحيانًا عند مروري بالموضع إياه. أذكر الرجل والمرأة والحقل الأخضر الذي عصفت به التعليمات المقدسة. | {
"chapter": "العجوز والأرض",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "الفجر الكاذب",
"url": "https://www.hindawi.org/books/42814840/27/"
} |
اقترح العم «واو» على الشياطين أن يحصلوا على حمَّام دافئ … ويخلدوا للنوم حتى الصباح، فهناك عمل كثير ينتظرهم. وقد كان هذا رَأْي «أحمد» أيضًا، فتوجَّهت «ريما» و«إلهام» إلى الدور العلوي، ومكث «أحمد» و«عثمان» و«خالد» والعم «واو» … سويًّا بعض الوقت، لم ترُق فكرة النوم ﻟ «أحمد»، فكل حواسه متيقظة بعد رؤيته لذلك الثلاثي، الذي يظنُّ أن بينهم «هاني قنديل»، وشعر برغبة شديدة في مَسْح المنطقة للبحث عنهم، فقال لهم «واو»: المنطقة واسعة ومن الصعب البحث عن السيارة في الليل. قال «أحمد»: أحتاج فقط لدراجة. ففكَّر «واو» قليلًا ثم قال: لِنرَ إنْ كان البستاني قد ترك دراجته في الحديقة أم لا. خرج «عثمان» يتحرَّك بخفَّةٍ بين الأشجار الكثيفة، وهو يسلِّط ضوء بطاريته على الأرض، يبدِّد به ظلام الحديقة، فقطع الصمتَ صوتُ كلب يُزَمجِر بشراسة، فخرج لهم «واو» مسرعًا، وما إنْ رآه الكلب حتى سكن وهزَّ ذيله. رأى «أحمد» دراجتين مستندتين على جذع شجرة سنديان، فنظر إلى «عثمان» مبتسمًا، فهذا هو المطلوب، ثم قفزا معًا إلى الدراجتين، وسرعان ما كان الاثنان يقطعان شوارع فيكتوريا بحثًا عن السيارة. كانت السيارات التي تقف في الشارع قليلة، فمعظم الفيلَّات لها جراج خاص بها، شعر «عثمان» و«أحمد» بخيبة أمل، فالبحث بهذه الطريقة لن يؤدِّي إلى شيء، وفجأةً صاح «عثمان» بصوتٍ خافت: «أحمد» … السيارة المطلوبة! وأشار «عثمان» إلى حيث كانت تقف سيارة مرسيدس بيضاء خلف باب فيلَّا حديدي … والجزء الخلفي منها مُواجِه للشياطين، وتحمل نفس الرقم الذي الْتَقطه «أحمد». تفحَّص «أحمد» و«عثمان» الفيلَّا، وهي بناء حديث فخم من ثلاثة طوابق، يعلوها «جمالون» تُغطيه أفرع نباتات متسلِّقة، وتحوطه غابة كثيفة من الأشجار ما عدا الجزء الأمامي من الفيلَّا، فقد كان مكشوفًا وكان السور الذي يحيطها بالفيلَّا مرتفعًا. نظر «أحمد» ﻟ «عثمان» … وما هي إلا ثوانٍ حتى قفز على أكتافه … ومنها إلى أعلى سور الحديقة، ثم أسند «عثمان» دراجته على سور الفيلَّا، وصعد بخفَّةٍ وحذَرٍ عليها. وكان «أحمد» قد انبطح على سور الفيلَّا … فمد يده ﻟ «عثمان» ليرفعه إلى أعلى السور ثم قفزا سويًّا … وهبطا على أرض الفيلَّا جالسَين القرفصاء … وقد أصبحا في مواجهة المجهول، وبخفَّةٍ وحذَر سارا متخفِّيَين خلف الشجيرات، حتى وصلا إلى باب الفيلَّا. دق «أحمد» الباب بقدمه بشدة ثم التصق بالحائط المجاور للباب، واختبأ «عثمان» خلف الفيلَّا … ثوانٍ وانفتح الباب وخرج منه رجل ضخم الجثة … شاهرًا مسدسه، وما إنْ خرجَتْ يده من الباب، حتى كانت قدم «أحمد» قد أطاحت بالمسدس، تأوَّه الرجل بصوتٍ مسموع … وبقفزةٍ بهلوانية كان «أحمد» في مواجهة هذا العملاق، يُعاجله بقبضة حديدية أغلقَتْ فمه وعينَيه، إلا أن «أحمد» لم ينتبه لرجلٍ آخَر أتاه من خلفه … لاصقًا مسدسه في ظهره. في نفس الوقت كان «عثمان» يراقب من مكانه ما يحدث في الظلام … لحظات وكان «عثمان» يضربه ضربة قوية أطاحت بالرجل، ولم يسمع إلا صوت ارتطام الرجل بالأرض. وأصبح باب الفيلَّا مفتوحًا … جرَّ «أحمد» و«عثمان» الرجلَين إلى داخل الفيلَّا … ثم أغلقا الباب، أشار «أحمد» ﻟ «عثمان» فجرى بخفَّةٍ وحذَر في ممرٍّ طويل يفصل بين غرف الفيلَّا، واختفى في إحدى الغرف للحظات … ثم خرج وفي يده بكرة كبيرة لشريط لاصق قوي استخدمه الشيطانان في تقييد أرجُل وأيدي الحارسين وتكميمهما … وبعد أن تحدثا بصوتٍ خافِت جرى «أحمد» قفزًا إلى أول غرفة في الممر ففتحها بحذَر … كان الظلام مخيِّمًا عليها، فأضاء مصباح بطاريته وجال بضوئه بين أركانها فلم يلفت نظره شيء. فقد كانت غرفة استقبال عادية … أشار «أحمد» ﻟ «عثمان» … فجرى قفزًا بخفَّة إلى الغرفة الثانية، و«أحمد» يراقب المكان، ما كاد «عثمان» يفتح باب الغرفة حتى انطلق نحوه شعاعٌ من الليزر، فانحرف «عثمان» بسرعةٍ ليمرَّ الشعاع بجوار رأسه. تتابعت أشعة الليزر القاتلة على «عثمان» فانبطح أرضًا ورفع بصره … فوجد رأسًا أصلع، تدور وتبحلق في حركات سريعة بين أركان الغرفة … لاحظَ «عثمان» وجود عدد من شاشات التليفزيون، فتأكَّد أنها غرفة المراقبة التي كان يجلس بها الحارسان. وعن قُرب كان «أحمد» يتابع خروج أشعة الليزر القاتلة على «عثمان»، فجال ببصره داخل غرفة الاستقبال الواقف أمامها، فوجد مرآة مُعلَّقة على الحائط فجرى إليها وانتزعها من مكانها، وعاد إلى حيث كان «عثمان»، ووقف بجوار باب الغرفة ومدَّ يده بالمرآة في مدخل الباب … فأطلقَت العين سيلًا من أشعة الليزر، ما لبث أن انعكس على المرآة التي يمسكها «أحمد» لتعود وترتد إلى الرأس فارتفعت صرخةٌ مفزعة، وانتهز «عثمان» هذه الفرصة فزحف إلى داخل الغرفة … وجلس أمام الشاشات الموجودة بها، يعبث بالأزرار المصفوفة على لوحةٍ أمامها، فشاهد عليها بعض غرف الفيلَّا. عرف «عثمان» أن جميع الغرف مراقبة بدائرة تليفزيونية مُغلَقة. كان «أحمد» في طريقه ﻟ «عثمان» ممسكًا بالمرآة وقد وجَّهها إلى الرأس الأصلع عاكسًا بها أشعة الليزر لترتد إليها مرةً أخرى … فبادره «عثمان» بقوله: «أحمد» إنها قلعة وليست فيلَّا … لا بد أن يكون هذا هو مقر العصابة. دخل «أحمد» إلى حيث يجلس «عثمان»، وألقى نظرةً مُتفحِّصة على الأجهزة وعلى لوحات الأزرار … وضغطَ على زرٍّ كبير ثم زرٍّ آخَر أسفله … عندما رأى «أحمد» على الشاشة … غرفة معمل ضخمة بها الكثير من الأجهزة المعقَّدة … بدأ «أحمد» و«عثمان» يتفحَّصان الأجهزة، إلا أنهما سمعا أصوات أقدام تقترب منهما. فحرَّك «عثمان» عينَيه بسرعةٍ في الغرفة، ثم قفز إلى الباب و«أحمد» يحميه من الخلف فأطلَّ خارجه … ولم يجد أحدًا … أشار «عثمان» ﻟ «أحمد» بأن الطريق خالٍ، بدأت أصوات الأقدام تقترب، وكالريح قطع «أحمد» و«عثمان» المسافة من داخل الفيلَّا إلى السور، وكما دخلاها خرجا منها قفزًا برشاقة لاعبي الجمباز ومهارة القردة، ثم قفزا إلى الدراجتين وانطلقا يسابقان الريح. سمع «أحمد» و«عثمان» أصوات محرك سيارة، فأسرعا بالتوقُّف خلف سورٍ من الأشجار المتلاصقة، وبعد لحظاتٍ مرَقَت السيارة بجوارهما، فانتظرا حتى ابتعدت ثم أكملا السير إلى مقر إقامتهما … وكانت مفاجأة، فقد شاهدوا عن بُعد السيارة تقف بالقرب من الفيلَّا التي يقيمون بها، ومحركها دائرًا وليس بها إلا رجل يجلس خلف عجلة القيادة. لاحظَ «أحمد» أن باب الفيلَّا مفتوح وعرف أن الصراع قد بدأ … فتوقف في أحد الشوارع الجانبية متخفيًّا بين أفرع الأشجار الكثيفة، وعلى الجانب الآخَر من الطريق وقف «عثمان» متحفِّزًا. مرَّت دقائقُ ثقيلة شعر «أحمد» و«عثمان» أنها دهرٌ طويل، حتى كاد «أحمد» أن يتحرَّك للتدخل … إلا أنه شاهد ثلاثة رجال يقتادون «ريما» و«إلهام» و«خالد» شاهرين أسلحتهم. وفجأةً استدارت «إلهام» ووجَّهَت ضربة قاسية إلى أحد الرجال فطار في الهواء واصطدم بباب الفيلَّا الحديدي … وسقط أرضًا، ثم جَرَت كالثعبان لتتفادى طلقات الرصاص التي خرجت من أسلحة الرجال الثلاثة … ودارت بسرعةٍ خلف الفيلَّا لتتوه في الظلام … فأطبق الرجال بقوةٍ على «ريما» و«خالد»، وجَرَت سيارة رجال العصابة خلف «إلهام» التي كانت قد قفزت من سور الفيلَّا الخلفي إلى داخلها. عادت سيارة العصابة … لتقف أمام باب الفيلَّا مرةً أخرى، وبها «ريما» و«خالد»، في نفس الوقت كان «عثمان» و«أحمد» يراقبان ما يحدث. نظر «عثمان» ﻟ «أحمد»، فأشار له بعدم التدخُّل، فليس من الحكمة تعريض «ريما» و«خالد» للخطر، وعن بُعدٍ سمع الشيطانان صوت سيارة مُقبِلة، ثم مرَّت أمامهما وهما قابعان في الظلام. أخرج «أحمد» رأسه إلى الطريق فرأى سيارة جيب تقودها امرأة، توقفت بجوار سيارة رجال العصابة أمام مقر الشياطين. ورآهم عن بُعدٍ يحيون المرأة … وهم يفتحون الباب الخلفي للسيارة، ويُدخلون «ريما» و«خالد»، ثم سمعا صوت محرك السيارة يهدر … وتنطلق لتأخذ دورةً واسعة … وتعود من حيث أتت. ترك «أحمد» و«عثمان» مكانهما وتحرَّكا بعيدًا عن نطاق رؤية رجال العصابة … وأول سؤال سأله «عثمان»: تُرى أين «إلهام» يا «أحمد»؟ لم يردَّ «أحمد» ولكن أشار ﻟ «عثمان»، ثم قفزا سور الفيلَّا إلى داخلها … ومن باب المطبخ الخلفي … مرقَ «أحمد» وخلفه «عثمان» صاعدَين السلم، وكالصاروخ انطلق من الممر إلى غرفته متحفِّزًا للانقضاض شاهرًا مسدسه، حين فتح الباب وخرجت منه «إلهام». فكانت مفاجأة رائعة ﻟ «أحمد» و«عثمان»، الذي كان قد وصل أيضًا! | {
"chapter": "الليزر القاتل!",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "المهمة المستحيلة",
"url": "https://www.hindawi.org/books/50971524/3/"
} |
البيتكوين هو أحدث تكنولوجيا تؤدي دور النقد — إنه اختراع سخَّر الإمكانيات التكنولوجية الموجودة بالعصر الرقمي من أجل حل مشكلة ما تزال قائمةً منذ الوجود البشري؛ وهي كيفية نقل القيمة الاقتصادية عبر الزمان والمكان. ولفهم البيتكوين يجب على المرء أن يفهم النقد أولًا، ولا يوجد سبيل لذلك إلا بدراسة تاريخ ووظيفة هذا النقد. أبسط طريقة ليتبادل فيها الناس القيمة هي تبادل السلع القَيِّمة فيما بينهم، وتُدعى عملية «التبادل المباشر» هذه بالمقايضة، ولكنها فعَّالةٌ فقط في المجالات الصغيرة ذات العدد القليل من السلع والخدمات المُنتَجة؛ ففي اقتصاد افتراضي من اثنَي عشر شخصًا معزولين عن العالم، ليس هناك مجال واسع للتخصُّص والتجارة، لكن سيكون هناك فرصةٌ للأفراد للانخراط في إنتاج أهم أساسيات البقاء وتبادلها فيما بينهم بشكل مباشر. ولطالما كانت المقايضة موجودةً في المجتمع البشري، وهي مستمرة حتى يومنا هذا، ولكنها غير عمليَّة إلى حد كبير، وبقيت مُستَخدمةً فقط في ظروف استثنائية، تشمل عادةً أشخاصًا يعرفون بعضهم جيدًا. أما في اقتصادٍ أكبر حجمًا وأكثر تطورًا، تُتاح الفرصة أمام الأفراد للتخصُّص في إنتاج المزيد من السلع وتبادلها مع عدد أكبر من الأشخاص — وهم أشخاص لا تربطهم علاقات شخصية، وغرباء لا يمكن بشكل عملي إقامة علاقات تجارية أو تقديم خدمات أو إقامة مصالح معهم. فكلما كَبُر حجم السوق، ازدادت فرص التخصُّص والتبادل، لكن ستزداد معها أيضًا مشكلة اختلاف الرغبات — أي ما ترغب في الحصول عليه يُنتجه شخص لا يرغب بما تعرضه للبيع. وبهذه الكيفية، يتضح لنا أن المشكلة هي أعمق من قضية متطلَّبات مختلفة لسلع متعدِّدة، حيث إن هناك ثلاثة أبعاد مختلفةً للمشكلة. أولًا: نُدرة التطابق في القياسات؛ قيمة ما ترغب به قد لا تساوي قيمة ما تمتلكه، وقد لا يكون من العملي تقسيم إحداهما إلى وحدات صغيرة. تخيَّل مثلًا شراء منزل مقابل حذاء، لا يمكنك شراء قطع صغيرة من المنزل قيمة كل منها تساوي قيمة زوج من الأحذية، كما قد لا يرغب صاحب المنزل بامتلاك جميع الأحذية التي تعادل قيمتها قيمة المنزل. ثانيًا: ندرة تطابق الأُطر الزمنية؛ قد يكون ما تريد بيعه قابلًا للتلف، ولكن ما تريد شراءه أكثر ديمومةً وقيمة، الأمر الذي سيُصعِّب من عملية جمع ما يكفي من سلعتك القابلة للتلف لِتُبادِل بها السلعة المتينة في وقت معين؛ فليس من السهل جمع ما يكفي من التفاح لمبادلته بسيارة دفعةً واحدة؛ وذلك لأن التفاح سيتعفَّن قبل إتمام الصفقة. ثالثًا: ندرة تطابق المواقع؛ قد ترغب في بيع منزل في مكان ما لشراء منزل في مكان آخر، ومعظم المنازل غير قابلة للنقل. إن هذه المشاكل الثلاث تجعل التبادل المباشر غير عملي إلى حدٍّ كبير، ممَّا يضطر الناس للجوء إلى إجراء المزيد من المبادلات لتلبية احتياجاتهم الاقتصادية. والطريقة الوحيدة لحل هذا الأمر هي عن طريق التبادل غير المباشر؛ حيث إنك ستحاول إيجاد سلعة أخرى قد يريدها شخص آخر، ثم تجد شخصًا يبادلها معك لقاء ما تريد بيعه. وهذه السلعة الوسيطة تُدعى وسيط التبادل. وبالرغم من أنه يمكن لأي سلعة أن يتم استخدامها كوسيط للتبادل، إلا أنه مع نمو نطاق وحجم الاقتصاد، سيصبح من غير العملي أن يبحث الناس باستمرار عن سلع مختلفة قد يريدها الطرف المقابل، ليقوموا بعدها بإجراء عدة مبادلات لكل مبادلة يريدون إجراءها. ولهذا، من الطبيعي أن ينبثق حل أكثر فعالية، ولو لمجرد أن من يُصادفه سيكون أكثر إنتاجيةً ممَّن لا يجده؛ حيث سيظهر وسيط واحد للتبادل (أو على الأكثر عدد قليل من وسائط التبادل) يستخدمه الناس لتبادل سِلَعهم. وتُدعى السلعة التي تؤدي دور وسيط للتبادل متفق عليه بشكل واسع «النقد». فليس هناك مبدأ ينص على ما ينبغي أو ما لا ينبغي استخدامه كنقد؛ فقد يختار أي شخص شراء شيء لا يريد استخدامه، بل سيشتريه لهدف مبادلته بشيء آخر، ممَّا يجعله بالواقع نقدًا، ولكن بما أن الناس مختلفون، فستختلف آراؤهم وخياراتهم فيما يُعتبر نقدًا نظرًا لاختلاف طبيعتهم. والعديد من «الأشياء» أدَّت دور النقد على مر التاريخ البشري؛ أهمها الذهب والفضة، وهناك أيضًا النحاس، والصدف، والحجارة الكبيرة، والملح، والماشية، والأوراق الحكومية، والأحجار الكريمة، وحتى الكحول والسجائر في بعض الحالات. لذلك، إن خيارات الناس هي خيارات غير موضوعية؛ ولهذا لا يوجد خيار «صحيح» أو «خاطئ» كخيار للنقد، ولكن رغم ذلك، هناك عواقب للخيارات. ويمكن تقييم القابلية النسبية لبيع السلع بِناءً على قدرتها على معالجة الأوجه الثلاثة لمشكلة نُدرة تطابق الرغبات المذكورة سابقًا؛ وهي قابليتها للبيع عبر القياسات، وعبر الأماكن والأزمنة. فيمكن تقسيم السلعة القابلة للبيع عبر القياسات إلى وحدات أصغر، أو تجميعها ضمن وحدات أكبر، ممَّا يسمح للمالك ببيعها بالكمية التي يرغب بها. أما قابلية البيع عبر الأماكن فتعني سهولة نقل السلعة أو حملها أثناء سفر الشخص، ممَّا يُكسِب الوسائط النقدية الجيدة قيمةً مرتفعة لكل وحدة من الوزن. ولا يَصعُب تحقيق هاتَين الخاصيتَين لعدد كبير من السلع التي يمكنها أن تؤدي دور النقد، بينما يصعب تحقيق العنصر الثالث وهو قابلية البيع عبر الزمن، بما أنه الأكثر حسمًا. وتُشير قابلية السلعة للبيع عبر الزمن إلى قدرتها على الاحتفاظ بقيمتها في المستقبل؛ ممَّا يسمح للمالك باستخدامها لتخزين الثروة، والتي هي الوظيفة الثانية للنقد؛ مخزن للقيمة. فلِكَي تكون السلعة قابلةً للبيع عبر الزمن، يجب أن تكون مقاوِمةً للتحلل والتآكل وكل أنواع التلف الأخرى. ويمكن القول إن أي شخص اعتقد أن بوسعه ادِّخار ثروته على المدى الطويل في الأسماك أو التفاح أو البرتقال قد تعلَّم درسًا قاسيًا، وغالبًا لم يعد لديه ثروة ليحتفظ بها بالمدى القصير بعد هذا الدرس؛ فالسلامة المادية بمرور الوقت هي شرط ضروري لكنه غير كافٍ لقابلية البيع عبر الزمن، حيث إنه من الممكن أن تفقد السلعة قيمتها بشكل كبير حتى وإن حافظت على سلامة شكلها المادي. فلِكَي تحافظ السلعة على قيمتها، يجب أيضًا ألَّا يزداد عرضها بشكل كبير خلال الفترة التي يمتلكها فيها مالكها. فمن السِّمات الشائعة لأشكال النقد عبر التاريخ، هي وجود بعض الآليات التي تَحدُّ من إنتاج وحدات جديدة من السلع حفاظًا على قيمة الوحدات القائمة، بحيث تقوم الصعوبة النسبية لإنتاج وحدات نقدية جديدة بتحديد صعوبة هذا النقد؛ فتُعرَف الأموال التي يصعب زيادة المعروض منها باسم «النقد الصعب»، بينما يُمثِّل النقد السهل الأموال التي تَسهُل زيادة المعروض منها بشكل كبير. وإذا اختار الناس نقدًا صعبًا ذا نسبة مخزون إلى تدفُّق مرتفعة كمخزن للقيمة، فسيؤدي شراؤهم له بهدف تخزينه إلى زيادة الطلب عليه، ممَّا سيؤدي إلى ارتفاع سعره، وسيحفِّز منتجيه على إنتاج المزيد منه، لكن وبسبب التدفُّق المنخفض مقارنةً بالعرض الحالي، فحتى الارتفاع الكبير في الإنتاج الجديد لن يستطيع غالبًا تقليل السعر بشكل كبير. من ناحية أخرى، إذا اختار الناس حفظ ثرواتهم بالنقد السهل بنسبة مخزون إلى تدفُّق منخفضة، فسيكون سهلًا على منتجي هذه السلعة أن يصنعوا كمياتٍ ضخمةً منها لتؤدي إلى انخفاض السعر، وتُقلِّل من قيمة السلعة، وتُصادر ثروة المدخرين، وتدمِّر قابلية بيع السلعة عبر الزمن. أُفضِّل أن أُطلق على ما سبق مصطلح «فخ النقد السهل»؛ فأي شيء يمكن استخدامه كمخزن للقيمة سيزداد عرضه، وأي شيء يمكن زيادة عرضه بسهولة سيؤدي إلى فناء ثروة أولئك الذين يستخدمونه كمخزن للقيمة. والنتيجة البديهية لهذا الفخ هي أن أي شيء سيتم استخدامه بنجاح كنقد فإنه بالضرورة سيمتلك آليةً طبيعية أو صناعية تُقيِّد التدفُّق الجديد للسلعة إلى السوق، لتحافظ على قيمتها مع مرور الزمن. بالتالي، يجب أن يكون إنتاج السلعة مُكلِّفًا لكي تؤدي دورًا نقديًّا، وإلا فالحافز لصنع هذا النقد بكل سهولة سيُفني ثروة المدخرين، وسيُقلِّل الدافع لأي شخص لاستخدام هذا الوسيط للادخار. وكلما أدَّى أي تطور طبيعي، أو تكنولوجي، أو سياسي إلى زيادةٍ سريعة في العرض الجديد للسلعة النقدية، فستفقد السلعة مكانتها النقدية، وستُستبدل بوسائط أخرى للتبادل ذات نسبة مخزون إلى تدفُّق مرتفعة وأكثر ثباتًا، وهذا ما سيتم نقاشه في الفصل التالي. فتم استخدام الأصداف البحرية كنقد عندما كان العثور عليها صعبًا، تمامًا كما يتم استخدام السجائر المفردة كنقد في السجون بسبب صعوبة تأمينها أو إنتاجها. أمَّا فيما يخص العملات الوطنية، فكلما انخفض معدل الزيادة في العرض، ازداد احتمال امتلاك العملة من قِبل الأفراد، وازداد احتمال محافظتها على قيمتها مع مرور الوقت. فعندما سَهَّلت التكنولوجيا الحديثة استيراد وصَيد الأصداف، تحوَّلت المجتمعات التي استخدمت هذه الأصداف كنقد إلى استخدام النقود المعدنية أو الورقية. وعندما تزيد الدولة من عرض العملة، سيتجه مواطنوها نحو استخدام العملات الأجنبية، أو الذهب، أو غيرها من الأصول النقدية الأكثر ثباتًا. وقدَّم لنا القرن العشرين عددًا هائلًا من هذه الأمثلة المأساوية، لا سيما في البلدان النامية. فالوسائط النقدية التي دامت لأطول مدة هي تلك التي كان لديها آليات موثوقة للغاية لتقييد نمو عرضها — وبعبارة أخرى، «النقد الصعب». فالمنافسة بين الوسائط النقدية قائمة دائمًا، ويمكن التكهُّن بنتائجها من خلال تأثيرات التكنولوجيا على المنافسين من ناحية النِّسب المتفاوتة للمخزون إلى التدفُّق، كما سيتم بَرهنته في الفصل التالي. إنَّ الآثار الفردية والمجتمعية الكاملة للنقد الصعب والسهل أعمق بكثير من مجرد معنى الخسارة أو المكسب المالي، وهي موضوع رئيسي في هذا الكتاب، وسيتم مناقشتها بإسهاب في الفصل الخامس، والسادس، والسابع. فأولئك الذين لديهم القدرة على ادخار ثروتهم بمخزن جيد للقيمة، غالبًا ما يكون تخطيطهم للمستقبل أفضل من أولئك الذين لديهم مخزن سيئ للقيمة؛ فسلامة الوسائط النقدية من حيث قدرتها على الاحتفاظ بالقيمة مع مرور الوقت، هي مُحدِّد رئيسي لتفضيل الأفراد للحاضر على المستقبل، أو تفضيلهم الزمني، وهو مفهوم محوري في هذا الكتاب. والقَبول الواسع لوسيط التبادل يسمح أيضًا بالتعبير عن جميع الأسعار وفقًا له، ممَّا يسمح له بتأدية الوظيفة الثالثة للنقد: وهي وحدة الحساب. ففي اقتصاد لا يوجد فيه وسيط معروف للتبادل، يجب تسعير كل سلعة وفقًا للسلع الأخرى، ممَّا سيؤدي إلى ظهور عدد كبير من الأسعار، ويجعل الحسابات الاقتصادية صعبةً للغاية. أما في اقتصاد يستخدم وسيطًا للتبادل، فإنه يتم التعبير عن كل الأسعار لكل السلع باستخدام وحدة الحساب ذاتها. في مجتمع كهذا، يعمل النقد كمقياس لقيمة العلاقات بين الأفراد؛ بحيث يتم مكافأة المنتجِين حتى يساهموا بتقديم القيمة للآخرين، ويوضَّح للمستهلكين المَبالغ التي يتوجَّب عليهم دفعها للحصول على السلع المطلوبة. فالحسابات الاقتصادية المعقدة لا تُصبح ممكنةً إلا بوجود وسيط موحَّد للتبادل يؤدي دور وحدة حسابية، بحيث تأتي معه إمكانية التخصُّص في المهام المعقَّدة، وتراكم رأس المال والأسواق الكبيرة. فتشغيل اقتصاد السوق يعتمد على الأسعار، ولكي تكون الأسعار دقيقة، يجب أن تَعتمد على وسيطٍ شائعٍ للتبادل، ممَّا سيعكس النُّدرة النسبية للسلع المختلفة. وفي حالة النقد السهل، فإن قدرة الجهة المُصدِّرة له على زيادة كميته بشكل مستمر، ستمنعه من تقدير تكاليف الفرصة البديلة بشكل دقيق، وكل تغيير لا يمكن التنبؤ به في كمية النقد سيقوم بتشويه دَوره كمقياس لقيمة العلاقة بين الأفراد وكقناة للمعلومات الاقتصادية. فوجود وسيط واحد للتبادل سيسمح بنمو حجم الاقتصاد بقدر عدد الأشخاص الراغبين في استخدام وسيط التبادل ذاك، وكلما كان حجم الاقتصاد أكبر، ازدادت فرص الكسب من التبادل والتخصُّص، وربما الأهم من ذلك، سيصبح هيكل الإنتاج أطول وأكثر تعقيدًا. فيمكن للمنتجين أن يتخصَّصوا في إنتاج سلع رأسمالية لا يتم استخدامها كسلع استهلاكية نهائية إلا بمرور فترات طويلة، ممَّا يؤدي إلى نشوء منتجات أكثر إنتاجيةً على مستوى أرفع. ففي اقتصاد بدائي صغير، تألَّف هيكل إنتاج الأسماك من أفراد يذهبون إلى الشاطئ ويصطادون الأسماك بأيديهم العارية، بحيث تستغرق العملية بأكملها بضع ساعات من البداية إلى النهاية. ولكن مع نمو الاقتصاد، أصبحت تُستخدم أدوات وسلع رأسمالية أكثر تطورًا، وأدَّى إنتاج هذه الأدوات إلى تمديد فترة عملية إنتاجها بشكل كبير بالإضافة إلى إطالة إنتاجيتها. ففي العالم الحديث، تُصطاد الأسماك بقوارب متطورة للغاية يَستغرق بناؤها سنوات وتعمل لعقود من الزمن، وتستطيع هذه القوارب الوصول إلى البحار التي لا تستطيع القوارب الصغيرة الوصول إليها، وبهذا تصطاد أسماكًا لم تكن متوفِّرة من دونها. كما يمكن لهذه القوارب مواجهة الطقس القاسي ومتابعة الإنتاج في ظروف صعبة للغاية، في حين أن القوارب الأقل كثافةً من حيث استثمار رأس المال ستبقى راسيةً ودون فائدة. وبالرغم من أن عملية جمع وتراكم رأس المال قامت بإطالة أمد العملية، إلا أنها أصبحت أكثر إنتاجيةً لكل وحدة عمل، وأصبح بالإمكان إنتاج منتجات أفضل لم تكن ممكنةً في الاقتصاد البدائي ذي الأدوات الأساسية دون وجود رأس مال متراكم. فلم يكن أيٌّ من هذا ممكنًا دون وجود نقد يؤدي دور وسيط للتبادل يسمح بالتخصُّص، ويسمح بوجود مخزن للقيمة؛ وذلك لخلق توجه مستقبلي، وليحفِّز الأفراد على توجيه الموارد إلى الاستثمار بدلًا من الاستهلاك، ويسمح بوجود وحدة حساب تسمح بالحسابات الاقتصادية للربح والخسارة. ولقد شهد تاريخ تطوُّر النقد سلعًا مختلفة تؤدي دَور النقد بدرجات مختلفة من الصعوبة والسلامة، وذلك حسب القدرات التكنولوجية لكل عصر. فكل خطوة من التقدُّم التكنولوجي سمحت لنا باستخدام شكل جديد من النقد مع فوائد إضافية، ولكن كما هو الحال دائمًا مع مخاطر جديدة، بدءًا من الأصداف البحرية إلى الملح، والماشية، والفضة، والذهب، والنقد الحكومي المدعوم بالذهب، وانتهاءً بالاستخدام الحالي شبه العالمي للنقد القانوني المُصدر من قِبل الحكومات. ونستطيع تمييز الخصائص التي تجعل من النقد نقدًا جيدًا أو سيئًا من خلال دراسة تاريخ الأدوات والمواد التي تمَّ توظيفها واستخدامها كنقد عبر التاريخ. ثم يمكننا المُضي قُدمًا لفهم آلية عمل البيتكوين، وفهم دَوره كوسيط نقدي، وذلك فقط من خلال فهم هذه الخلفية والمعلومات. ويبحث الفصل التالي تاريخ المصنوعات الغامضة والمواد التي استُخدمت كنقد عبر التاريخ، بدءًا من حجارة «الراي» على جزيرة «ياب»، إلى الأصداف في الأمريكيتَين، والخرز الزجاجي في أفريقيا، والماشية والملح في العصور القديمة. فكل وسائط التبادل هذه أدَّت وظيفة النقد لشعوبها خلال الفترة التي كانت تمتلك فيها أفضل نِسب المخزون إلى التدفُّق، ولكنها توقَّفت عندما خسرت تلك الخاصية؛ ففهْم السبب والكيفية ضروري لفهم التطور المستقبلي للنقد، وأي دَور محتمل قد يؤديه البيتكوين. ثم ينتقل الفصل الثالث إلى تحليل المعادن النقدية وكيف أصبح الذهبُ المعدنَ النقدي الرئيسي في العالم خلال فترة المعيار الذهبي في نهاية القرن التاسع عشر. ويحلِّل الفصل الرابع الانتقال إلى النقود الحكومية والسجل التاريخي الخاص بها. وبعد مناقشة الآثار الاقتصادية والاجتماعية لأنواع النقد المختلفة في الفصل الخامس، والسادس، والسابع، يطرح الفصل الثامن قضية اختراع البيتكوين وخصائصه النقدية. | {
"chapter": "النقد",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "معيار البيتكوين : البديل اللامركزي للنظام المصرفي المركزي",
"url": "https://www.hindawi.org/books/79060903/1/"
} |
دهمتني قضية من حيث لا أدري. زوجة أبي تطالبني بنفقة شرعية. استيقظت من غيابات الزمن وغزاني الماضي بذكرياته. وهتفت بعد أن قرأت عريضة الدعوى: متى أفلست؟ .. هل سُرقت بدورها؟! وقلت لمحاميَّ: هذه المرأة سرقتنا وحرمتنا من حقنا المشروع. أفلتت مني رغبة قوية في رؤيتها. لا بإغراء الشماتة، ولكن لأرى ماذا فعل الزمان بها. هي اليوم مثلي في الأربعين، فهل صمد جمالها للأيام؟ وهل يثبت أمام الفقر؟ لولا صدق دعواها لما مدت يد السؤال إلى عدو من وكر الأعداء. ولو كانت كاذبة فلِمَ لَمْ تمدها من قبلُ؟ شد ما كانت جميلة فتانة. قلت للمحامي: تزوجها أبي وهو في منتصف الحلقة السادسة، وهي بنت عشرين. مقاول بناء شبه أمي، دقة قديمة، لا يتعامل مع البنوك، يكنز أرباحه في خزانة كبيرة بحجرة نومه، نسعد بذلك طالما أننا أسرة واحدة، وينفجر نبأ الزواج الجديد بيننا مثل قنبلة. أمي وأخي الأكبر وأنا وأخواتي في بيوتهن. وينفرد الدور الأعلى بأبي والعروس والخزانة. صعقنا لحداثة سنها وجمالها. وقالت أمي بصوت متهدج باكٍ: يا للخراب، سنخرج من المولد بلا حمص. أخي الأكبر أُميٌّ، متخلف العقل، بلا عمل وإن اعتبر نفسه من الأعيان، اشتعل غضبًا وقال: سأدافع عن نفسي حتى الموت! نصحَنا بعضُ الأقارب باستشارة محامٍ، ولكن أبي هدد أمي بالطلاق عند أي مبادرة، وقال لنا: لست غرًّا ولا أبله ولن يضيع حق. أنا أقلهم تأثرًا بالكارثة؛ لحداثة سني ولأني الوحيد في الأسرة الذي رغب في التعليم حتى التحقت بالهندسة، ولكن لم تخفَ عني معاني الحوادث مثل سن أبي وعروسه الحسناء والثروة المهددة. وعلى سبيل التلطيف أقول: إني مطمئن إلى أبي. فيقول أخي: إذا سكتنا فسنجد الخزانة خاوية. أشاركه مخاوفه، وأتظاهر بغير ما أبطن، وأشعر طيلة الوقت بأن الواحة التي كانت مطمئنة تعصف بها ريح عاتية، وتتجمع في أفقها سحب سوداء. لاذت أمي بجحر الصمت والخوف، وأنذرها الغد بسوء المصير. أما أخي الأكبر فيقتحم عرين الأسد، ويتوسل إلى أبيه قائلًا: أنا البكري، جاهل كما ترى ولا مورد لي، أعطني نصيبي. فيقول أبي: تريد أن ترثني وأنا حي؟ عيب أن تشك فيَّ، ولن يضيع حق. لكن اضطراب أخي لم يسكن، يلح على أبي كلما لاقاه، ويقذف بتهديداته من وراء ظهره. وتقول أمي إنها تخاف على أخي أكثر مما تخاف على الثروة. وأتساءل: هل ينهزم أبي أمام بنت حلوة؟ ذلك المعلم القادر المحاسب المدقق رغم أميَّتِه؟! ولكنه يتغير بلا شك وينزلق كل يوم درجة. يختلف إلى الحمام الهندي مرتين في الشهر، يهذب لحيته ويحف شاربه كل أسبوع، يرفل في ثياب جديدة، وأخيرًا يصبغ شعره. هداياه الثمينة تشي بحسنها حول عنق العروس وفوق صدرها وحول ساعديها. وها هي الشيفروليه والسواق تنتظر أمام بيتنا. ويُجن أخي الأكبر ويزداد جنونًا. يقول لي: من أين جاء بها؟ هل يعز عليها أن تهتدي إلى مفتاح الخزانة وطريقة فتحها؟ ألا تأخذ منه ما يؤمن حياتها؟ ألا تستطيع أن تسعده إذا شاءت أو أن تقلب حياته غمًّا ونكدًا؟! ويتطور الجدل بين أخي وأبي، فيخرق تقاليد الأدب. يغضب أبي فيبصق على وجهه. في ثورة متفجرة يتناول أباجورة ويقذف بها أباه فيهرق دمه. ويرى الدم فيفزع ولكنه يتمادى محاولًا القضاء عليه. يحول بينهما الطاهي والسواق. يصر أبي على إبلاغ الشرطة، فيُحمَل أخي إلى المحكمة، ثم إلى السجن حيث يموت بعد انقضاء عام واحد، وأقول للمحامي: كيف وجدت الشجاعة على رفع دعواها؟ فيقول الرجل: للضرورة أحكام. وفي حومة قلقنا وحدادنا نسمع صواتًا مفزعًا ينقض علينا من الدور الأعلى. نهرع أنا وأمي دون استئذان لنقف مبهوتين أمام جثة أبي. ونتساءل ونتساءل كالمألوف، ولكن أي تساؤل يجدي مع الموت؟! وتتسرب إلينا الأنباء بأنه سقط مشلولًا قبل الوفاة بيوم كامل دون أن ندري. وننتظر حتى يوارى في مدفنه وتنتهي طقوس العزاء. وتجتمع الأسرة فينضم إلينا أخواتي وأزواجهن وينضم إليها أبواها، ويحضر أيضًا المحامي. نسأل عن مفتاح الخزانة فتجيب ببساطة: إنها لا تدري عن ذلك شيئًا. أحيانًا وقاحة الكذب تفوق كل خيال، ولكن ما الحيلة؟ ونعثر على المفتاح، وتبوح الخزانة بسرها الأخير مبدية لنا في سخرية بالغة عن رِزْمة لا تتجاوز خمسة آلاف جنيه عدًّا! وتهتف الحناجر: إذن فأين ثروة الرجل؟ وتحدق بالجميلة الأعين فتثبت لوقعها بتحدٍّ، ونلجأ إلى الشرطة. ويكون تحقیق وتفتیش، وكما قالت أمي: نخرج من المولد بلا حمص. وتذهب الزوجة الجميلة إلى بيت والديها ويسدل الستار عليها وعلى التركة. وتموت أمي، وأعمل وأتزوج وأحقق نجاحًا مرموقًا، وأتناسى الماضي حتى ترجعني إليه القضية. وأقول للمحامي: قمة السخرية حقًّا أن تفرض عليَّ نفقة لتلك المرأة. فجاءني صوته من بين الأضابير فوق مكتبه قائلًا: القصة القديمة تصلح في الظاهر منطلقًا للعرض، ولكن ما جدوى نبشها ونحن لا نملك دليلًا عليها؟ فقلت بحماس: القضية القديمة غير معروضة للبحث، ولكنها مدخل طيب له تأثيره الذي لا يستهان به. – بالعكس، سنهيئ لمحامي المرأة فرصة للهجوم واستدرار العطف. – العطف؟! – حلمك، فكر معي بشيء من الحياد، عجوز يكنز ثروته في خزانة بحجرة نومه، يشتري صبية جميلة في العشرين وهو ابن خمسة وخمسين، يحدث لأسرته كيت وكيت، ويحدث لزوجه الجميلة كيت وكيت، عظيم، مَن يكون الجاني؟! صمت مقطبًا مغتمًّا فواصل: لنمضِ في سبيل آخر، فأنت رجل منتج وذو أسرة، وتكاليف الحياة أبهظ من أن يحتملها إنسان .. إلخ .. إلخ، وحسبنا أن تقرر نفقة معقولة. ورحتُ أتمتم: يا للخسارة! .. سرقتنا وموت أخي وحسرة أمي! – آسف .. إنها ضحية مثلكم، حتى الثروة التي نهبتها دفعت بها إلى كارثة، وها هي تتسول. فقلت مدفوعًا بحب استطلاع طارئ: كأنك تعرف عنها أشياء؟ هز رأسه في غموض دبلوماسي وقال: امرأة عقيم، تزوجت وطلقت مرات وهي في عنفوان جمالها، وفي كهولتها وقعت في غرام طالب، نهبها بدوره ثم ذهب! لم يُفصح عن مصادر معلوماته، ولكني حدست منطق الحوادث المتتابعة، وداخلني ارتياح منعني الحياء من إعلانه. وفي يوم الجلسة عاودني الشوق الغامض لرؤيتها. عرفتها وهي منتظرة أمام غرفة المحامين. عرفتها بالحدس قبل الحواس؛ فالجمال الذي نهب ثروتنا وأتعسنا تلاشى تمامًا. تبدت مفرطة في البدانة لدرجة غير مقبولة، وغاض من صفحة وجهها ماء السحر، والبقية الباقية من جمالها تراءت بلا رُوح، وحجبتها عن الناظرين مسحة من الكآبة الدائمة. ودون روية مضيتُ نحوها، ثم أحنيت رأسي تحية، وقلت: تذكرتُك فلعلك تذكرينني! رمقتني بدهشة لأول وهلة، ثم بارتباكٍ، وردت التحية برأسها المحجوب، وقالت كمن يعتذر: آسفة لإزعاجك، ولكني مضطرة! ونسيتُ ما أردت قوله، بل ارتج عليَّ الكلام، وحل سلام، فقلت: لا بأس عليك، وليفعل الله ما يشاء. وابتعدت عنها في هدوء وأنا أقول لنفسي: لمَ لا؟ .. حتى المهزلة يجب أن تتم فصولًا. | {
"chapter": "القضية",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "الفجر الكاذب",
"url": "https://www.hindawi.org/books/42814840/24/"
} |
متى فتح هذا المقهى؟ علم ذلك عند الله. لم يخطر لي أن أطرح هذا السؤال في الزمن القديم. في صباي كنت أعبر الطريق أمامه كثيرًا في الذهاب والجيئة كأكثر أبناء العباسية. وكانت تشع منه إلى صدورنا هيبة وإجلال، فنمضي إذا مضينا ناحيته بسرعة وأدب متحاشين النظر إليه حيث يجلس الآباء ونخبة من مدرسي مدرستنا، بكل ما يحملون بين جوانحهم من وقار ورهبة. وهو صغير إذا قيس إلى مقاهي وسط البلد أو حتى مقاهي السكاكيني. مستطيل الشكل، أنيق المنظر، تقوم في عمقه المنصة الرخامية والموقد، ويعلوها رف أول تصطفُّ فوقه برطمانات البن والشاي والسكر والقرفة والزنجبيل والكراوية والأنيسون، ورف ثانٍ تتجاور فوقه النراجيل البيضاء الشفافة والكحلي الزاهية. أرضه مدكوكة بالبلاط المعصراني، وجدرانه وسقفه زرقاء صافية، وفي منتصف الجدارين المتقابلين تلتصق بالغراء والمسامير المذهبة مرآتان مستديرتان مصقولتان مؤطرتان بالأبنوس. وثمة طابوران من الموائد الرخامية المتواجهة على الجانبين ولوازمها من الكراسي الخيرزان. أما الطوار أمام المقهى فمزروع ببلاط صغير ملون، ويمتد فوقه صفان متوازيان من الموائد في مركز الوسط منها تنطلق شجرة لبخ فارغة تتهدل فوقها أغصانها حانية، وبها شُهر المقهى باسم «ذقن الباشا»، على حين أن لافتته تحمل اسم صاحبه «سيد کنج»، ولا أحد يعرف أصل لقبه، ولكن الجميع يسلمون بسطوته على الأحياء الشعبية المجاورة. وبالرغم من عبيره البلدي، ومن أن النُّدُل العاملين به يسعون في الجلابيب حفاة الأقدام إلا أنه امتاز بالنظافة المطلقة في أرضه وجدرانه وأدواته كما عُرف بجودة مشروباته. إنه مجمع أهل الوقار من الآباء والمدرسين، وفي مواسم الانتخابات يُهرع إليه المرشحون من الباشوات يخطبون ود صاحبه المهيمن على الناخبين في الحواري والأزقة. ودائمًا يسبح في هدوء فالحديث يتجاذب في تؤدة، والضحكة تند بحساب، والحوار السياسي يمضي في وفاق وانسجام، وصورة سعد زغلول تطل على الجميع من موضعها فوق النراجيل، وهو منتصب القامة في بدلة التشريفة المحلاة بالقصب. ••• وتغير سكان المقهى، بصورة غير ملموسة أول الأمر، ثم وضحت المعالم قبيل الحرب العالمية الثانية، وفيما تلا ذلك من أيام. رحل الآباء والمدرسون أو لم يبقَ منهم إلا نفر من المعمرين. واكتسبنا مع تقدم العمر والتوظف الحق في اقتحام أجمل مقهًى في حيِّنا. جلسنا مكان الآباء وشربنا القهوة والشاي ودخنا النارجيلة، وخضنا في أحاديث السياسة والحب والجنس بأصوات مرتفعة تترامى أحيانًا إلى الطريق. ولم نعد نجفل من المعمرين من أساتذتنا، فأقبلنا عليهم نتصافح ونتوادد ونتبادل الذكريات، وربما مازج حوارنا المزاح، بل منهم مَنْ شاركنا لعب النرد، ولكن حظي كل واحد منهم بحقه الكامل في الاحترام. وهلت علينا مشكلات جديدة؛ فتنوعت أحاديثنا بين الدستور والغلاء واليمين واليسار والملك والوفد والإنجليز والجلاء وفلسطين واليهود. ولم يوقف ذلك مسيرة الحياة الطبيعية؛ فعشق منا من عشق، وتزوج من تزوج، وأنجب من أنجب، واستفحل التشكي وانفجر النقد. ولم يسلم من ألسنتنا رجل أو امرأة أو حزب وحتى النُّدُل الحفاة شاركوا في الكلام بعد أن خفت رقابة سيد كنج؛ لطعنه في السن وتوغله في الضعف وزهده في الانشغال بالحياة اليومية. وجاء وقت فبدا أن كلًّا منا قد أصبح حزبًا قائمًا بذاته له أهدافه ووسائله. وتسلل الشيب إلى الرءوس، ورحل آخر المدرسين المعمرين، وتوترت أعصابنا يوم تُوفي سید کنج واحتل مكانه في الإدارة ابنه الأكبر الشافعي. من جيلنا كان، فأسدينا إليه النصيحة أن يحافظ على سمعة المقهى، وأن يُعنى عناية خاصة بالنظافة وجودة الأصناف، وألا يتهاون في سمعته طمعًا في مضاعفة أرباحه كما يفعل قِصار النظر. ووعد الرجل، وأنجز ما وعد بصفة عامة فلم يطرأ على المقهى إلا تغير طفيف يمكن التسامح معه، كما اعتدنا أن نتسامح مع كل مكروه يجِدُّ. ••• وزحف الجيش بثورته، فانطوت صفحة وانبثقت صفحة جديدة. وتفجرت ينابيع الأمل وتضاربت الخواطر. وباتت جماعتنا ركن المقهى الركين وقاعدته الثابتة. وكالمنتظر تسلل إلى الأركان شباب صاعد، واشتبكت حباله بحبالنا بحكم الجوار والعشرة. ومع تتابع الأمجاد اعترضت أزمات كما عودنا التاريخ، وحملقت أعين الأمن تطارد الخوارج، ونادى أهل الحكمة بيننا: حذارِ من السياسة وحديثها يا محبي السلام والسلامة. وعقدنا العزم على ذلك، ولكن اجتاحنا الإغراء وألح علينا كحكة الجرب. وقبض على نفر منا لتهور التعبير ونزقه، فتعلمنا التفاهم بالهمس والإشارة والرمز ونحن نستعيذ بالله من المهالك. وكلما بدا وجه غريب رمقناه بحذَر، وإذا طرح شاب سؤالًا محرجًا تساءلنا: ترى ماذا وراءه؟ وحدثونا عن أجهزة التسجيل التي تلتقط الخواطر من بعيد، حتى اقترح البعض أن نقبع في دورنا آمنين. وعجزنا عن تنفيذ ذلك، وقلنا: إنه لا غنى لنا عن سلوى اللقاء، وأن الأمان متاح لمن يصون لسانه. وكدر صفونا الشباب الصاعد بتعاليه علينا، وتجاهله لماضينا، وازدرائه لأمجادنا. نحن لا ننكر المعجزات التي تقع، ولا الانتصارات التي تتحقق، ولا انطلاق الأيدي القوية لتحرير الشرق والغرب. ولكن ما الداعي إلى إنكار أمجاد سلفت وانتصارات سبقت؟! وتجنبنا مع ذلك الخصام، وتراجعنا عن العناد، واستبشرنا خيرًا بالغد وما بعده. وكنا إذا تحدانا سؤال مستفز مثل: «من يكون سعد زغلول؟» أجبنا بكل تواضع: «كان محاميًا ناجحًا»، أو «من يكون مصطفى النحاس»؟ قلنا بمنتهى اللطف: «كان تاجر مَني فاتورة بالغورية». قلنا: لا داعي لتكدير الصفو بالجدل العقيم، ولنترك للتاريخ ما ينفرد بتصحيحه عندما يشاء، ولنشارك في الفرحة الشاملة بكل بناء يقوم أو عدالة ترسخ. ••• ودهمنا ونحن في غفلة يوم ٥ يونيو الأسود. تطايرت آمالنا أشلاء وشظايا ثم سقطت في أعماق بئر من رماد عفن، تحول سكان المقهى إلى أشباح تهيم في وادي الظلام مهمهمة في هذيان متواصل. الحزن شامل، الحزن باكٍ، الحزن ساخر. لم يخل حزننا من تمرد أما حزن الأصدقاء الجدد فتلقفته دوامة الضياع. قالوا لنا بنبرة جديدة: «حدثونا عن دنياكم كيف كانت؟» ليكن، فالحديث هو السلوى المتاحة، ولكن ما جدواه؟ وسألونا أيضًا: «ما حكمة خلق الإنسان في هذا الوجود؟» وتراكمت الإجابات مثل تل من الهواء. واستمر الحديث واستمر الزمن. تراجعنا إلى ركن الشيوخ وانبسطوا في كل مكان، وحدثت أمور، وواصلت الحياة العطاء والموت الإفناء. وارتفع شعار الانفتاح، فريق هاجر بلا أسف، وفريق ارتفع تحوطه الريب، وفريق عوى عواء الذئاب. لم نكن نفرح بالنصر إلا يومًا أو بعض يوم، ولا بالسلام إلا ساعة أو بعض ساعة. وانصبت الأحاديث على الخيار والطماطم والرغيف، وزاغ البصر بين الغيم الداكن والبرق الخاطف اللامع. ••• وذات مساء قال لنا الشافعي صاحب المقهى: آسف يا حضرات، تم الاتفاق على بيع المقهى! لم نصدق أول الأمر، حتى تأكد لدينا أنه سيقوم مقامه سوبر ماركت. يا ألطاف الله! إنه خبر كطعنة خنجر. مقهى العمر والذكريات والآباء، المقهى الذي داعب صبانا وآوى شبابنا وكهولتنا، وشهد حبنا وزواجنا وإنجابنا وهزيمتنا ونصرنا. وتساءلنا: أين نتلاقى كل مساء؟ قال أحدنا: أقرب مقهًى إلى حيِّنا مقهى الانشراح في أول الظاهر. قال آخر: لكنه مقهى الحرفيين، غاية في الفقر والقذارة. فقال الأول: اصحَ، حقًّا ما زال مقهى الحرفيين، ولكنهم يذهبون إليه اليوم في سياراتهم الخصوصية الملاكي، وقد تجدد المقهى بتجددهم، فأصبح انشراحًا بالمعنى الصحيح. ثم وهو يضحك: سنمثل فيه الطبقة الكادحة الجديدة! | {
"chapter": "ذقن الباشا",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "الفجر الكاذب",
"url": "https://www.hindawi.org/books/42814840/25/"
} |
الصباح مشرق، السماء صافية، الربيع يزفر فيفعم الجو حلاوة. الميدان يستيقظ بدُوره الحديثة وآثاره العتيقة، الدكاكين تفتح أبوابها، الألبان والفطائر تزهو في معارضها، المقاهي تستقبل العاملين والخاملين. جلست مع الشاي الأخضر أُراوح بين النظر والتذكر، مستمتعًا بالصحة والأمل وأحلام الشباب. لم يخلُ المناخ مما يكدر الصفو، فهذا رجل ذابل العينين من البكاء والسهر، يسأل عن مكتب الصحة، وهذه امرأة طاعنة في السن تتحرى عن أقصر السبل إلى سجن مصر، ولكنها تذوب في حوادث كل يوم. في الوقت نفسه يتهادى صوت أم كلثوم من الراديو ليسعد صباح السامعين. أحتسي الشاي وأطرب وأنعم بالسَّمَر مطمئنًا إلى أن الأكدار عابرة، وأن الجمال أَبَديٌّ لا يذعن لمشيئة الزمن. انتصف النهار، وجاء الكباب. وراح النادل يرفع الإبريق والأكواب، ويُعد المائدة للغداء. وقال صاحبي: الزحام اليوم عجيب. فقلت دون مبالاة: الميدان دائمًا عامر بالخَلْق. – ولكنه اليوم خرق المألوف. وتدخل النادل في الحديث متشجعًا بالمودة القديمة، قال: الناس يتغيرون، ليسوا كما كانوا. قال صاحبي: سبحان مَنْ له الدوام. فواصل النادل: وتسأل أحدهم عما غيره فينكر ويتهم الآخرين، صدقني الدنيا انقلب حالها. – أخذنا نتناول طعامنا، وأنا أفكر فيما سمعت. وقلت بنبرة مهدئة: هكذا الناس في كل زمان ومكان. ما بين الظهيرة والعصر كففنا عن السمر، وحَمْلقنا بأعين ذاهلة فيما يقع. تساءل صاحبي: أهذا زحام كل يوم؟ فقلتُ معترفًا: كلا، ولا في المواسم! الزحام يتكاثف بصورة مذهلة. الأرض تختفي تمامًا تحت أقدام الرجال والنساء والأطفال. الدكاكين مكتظة بالزبائن. الضوضاء ترتفع في سباق مزعج مع الراديو. أي إقبال على الشراء كأنما يخزنون أو يهاجرون. تيار لا ينقطع من أمواج صاخبة مصطفقة، ويتم كل شيء بسرعة ولهْوجة تثيران الريب. ضاعت توسلات الشحاذين في الهواء، انفجر مولد البيع والشراء والأنات الضائعة بلا نهاية. وتمتم صاحبي: يا خفي الألطاف نجنا ما نخاف. وضحكنا، وكان الضحك منا سفاهة. ما بين المغيب والعتمة سارع الناس إلى التفرق والاختفاء. وفي الهرج والمرج توترت الأعصاب، فنشبت معارك لسانية ويدوية. ومضت الأمواج تنحسر ويعقب المد الشديد جزر أشد، فتلاشت الأصوات. خلا الميدان تمامًا وهو الذي لا يخلو إلا في الهزيع الأخير من الليل. فكرت في أن أقوم لأسال جندي المرور، ولكني رأيته مشدود الأعصاب مكْفَهِر الوجه؛ فآثرت السلامة. وإذا بالدكاكين تُغلق أبوابها والبيوت نوافذها، فيغلب الظلام ويسود الصمت، ويتبادل رواد المقهى نظرات حائرة: ماذا حصل للدنيا؟ – ها هي الجرائد ليس بها شيء. – ولكنْ في الجو شيء ولا شك. – يجب أن نذهب، ماذا يبقينا بعد الآن؟ – ننتظر نشرة الأخبار. – تجمَّعُنا خيرٌ من عدمه. – البيوت؟ .. ومن في البيوت؟! وقام رجل وهو يقول: قلبي يحدثني … ولم يتم كلامه، وأشار بيده إشارة غامضة ثم ذهب، وشجع ذهابُه المترددين فتسللوا واحدًا في إثر واحد، وسرت مع صاحبي ونحن من القلق في نهاية. وقال صاحبي: رأسي يدور فبالله حدثني عما حدث؟ فقلت بنفاد صبر: ما حدث قد حدث، ولكن ماذا عما لم يحدث بعدُ؟! | {
"chapter": "الميدان والمقهى",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "الفجر الكاذب",
"url": "https://www.hindawi.org/books/42814840/22/"
} |
تطاير في جو المدرسة نبأ هام بأن الناظر الجديد حضر. تلقت النبأ في غرفة المدرسات وهي تلقي نظرة أخيرة على دروس اليوم. لا مفر من أن تهنئه مع المدرسات، وأن تصافحه أيضًا. سرت في بدنها قشعريرة ولكن لا مفر. قالت زميلة: ينوهون بكفاءته، ويتحدثون أيضًا عن صرامته. كان دائمًا احتمالًا متوقعًا وها هو قد وقع. شحب وجهها الأنيق ولاحت في عينيها السوداوين النجلاوين نظرة شاردة. وأزفت الساعة فذهبن طابورًا في أرديتهن المحتشمة إلى حجرته المفتوحة. وقف وراء المكتب يستقبل الوافدات والوافدين. متوسط القامة، مائل إلى البدانة، ذو وجه كروي وأنف أقنى وعينين جاحظتين، يتقدمه شارب غليظ منتفخ مقوس كموجة محملة بالزبد، تقدمت في خُطى خفيفة مركزة عينيها على صدره متحاشية عينيه، ثم مدت يدها. ماذا تقول؟ مثلما قلن؟ لكنها خرست فلم تنبس بكلمة. تُرى ماذا تجلى في عينيه؟ صافح يدها الرقيقة بيده الغليظة، وقال بصوته الخشن: شكرًا. استدارت ومضت بقامتها الرشيقة. نسيت همومها في أداء واجبها اليومي، ولكنها لم تبدُ في حال حسنة. أكثر من بنت قالت: «أبلة عصبية اليوم!» ولما رجعت إلى مسكنها بأول شارع الهرم، غيَّرت ملابسها وجلست إلى مائدة الطعام مع أمها. نظرت الأم إلى وجهها، وتساءلت: خير؟ قالت بإيجاز: بدران، بدران بدوي، تذكرينه؟ عُين ناظرًا على مدرستنا. – ياه! ثم بعد قليل من الصمت: لا أهمية لذلك على الإطلاق، تاريخ قديم منسي. بعد الطعام أوت إلى حجرة مكتبها لتستريح وقتًا، ثم لتصحح مجموعة من الكراسات. نسيته تمامًا. كلا، لم تنسَه. يطوف بها بين زمن وآخر. كيف يمكن أن يُنسى تمامًا؟! عندما جاء لأول مرة ليعطيها درسًا خصوصيًّا في الرياضة كانت في الرابعة عشرة، بل لم تكن أتمتها. كان يكبرها بخمسة وعشرين عامًا، وفي سن المرحوم أبيها. قالت لأمها: شكله فوضى ولكن شرحه جيد. فقالت أمها: لا شأن لنا بشكله، المهم شرحه. كان غاية في المهارة. يبعث النشاط برواية النوادر اللطيفة. أنست به واستفادت من خبرته. ولكن كيف حصل ما حصل؟ لم تفطن في ملكوت براءتها إلى أي تغير في سلوكه لتأخذ حذرها. انفرد بها ذات يوم عندما ذهب والداها لعيادة عمتها. لم يداخلها شك في رجل اعتبرته أبًا ثانيًا. كيف حصل ما حصل؟ بلا حب ولا رغبة من ناحيتها حصل ما حصل. تساءلت في رعب: ما هذا؟ قال لها: لا تخافي ولا تحزني، احتفظي بسرك، وسوف أخطبك يوم تبلغين السن المعقولة، ووفى بوعده. جاء وخطب. كانت بلغت درجة من النضج أتاحت لها إدراكًا لأبعاد مأساتها. لم تجد نحوه أي حب أو احترام، وكان أبعد ما يكون عن أحلامها، وما تخلقت به من نقاء ومثالية. ولكن ما الحيلة؟! أبوها رحل عن دنياها قبل ذلك بعامين، وذهلت أمها لجرأة ذلك الرجل، ولكنها قالت لها: أنا عارفة تمسكك باستقلالك الشخصي؛ ولذلك أترك لك الرأي. شعرت بحرج مركزها. فإما أن تقبل وإما أن يُغلق الباب إلى الأبد. يا له من موقف يدفع الإنسان دفعًا إلى ما يكره! هي الجميلة الغنية التي يُضرب المثل بنبل أخلاقها في العباسية كلها تتخبط في مصيدة محكمة، وهو يطل عليها بعينيه الشرهتين. كرهت قوته كما كرهت ضعفها، أن يعبث ببراءتها شيء، أما أن يتسلط عليها وهي في كامل عقلها؛ فشيء آخر. قال لها: ها أنا أوفي بوعدي؛ لأني أحبك. وقال لها أيضًا: إني أعرف حبك للتعليم، وسوف تكملين دراستك بكلية العلوم. غضبت غضبًا لم تشعر بمثله من قبل، رفضت الإرغام كما رفضت القبح. هان عليها أن تضحي بالزواج. رحبت بالوحدة، وقالت: إن الوحدة في رفقة الكبرياء ليست وحدة. وحدست أيضًا أنه يطمع في مالها، وقالت لأمها بكل بساطة: لا. فقالت الأم: إني أعجب كيف لم تقرري ذلك من أول لحظة! واعترض الرجل طريقها في الخارج، وقال لها: كيف ترفضين؟ ألا تدركين المصير؟ فقالت له بحدة لم يتوقعها: أي مصير أحب إليَّ من الزواج منك! وأتمت دراستها. وأرادت أن تملأ الفراغ بالعمل، فاشتغلت مُدرِّسة. وواتتها فرص الزواج تباعًا فأعرضت عنها جميعًا، حتى سألتها أمها: ألا يعجبك أحد؟ فقالت برقة: إني أعرف ما أفعل. – ولكن الزمن يجري؟ – فليجر الزمن كيف شاء، أنا راضية. ويتقدم بها العمر يومًا بعد يوم. تتجنب الحب وتخافه، تأمل بكل قواها أن تمضي الحياة في هدوء، مطمئنة أكثر منها سعيدة. تلح على إقناع نفسها بأن السعادة لا تنحصر في الحب والأمومة. ولم تندم قط على قرارها الصُّلب. ومن يدري ماذا يخبئ الغد؟ حقًّا إنها تأسف لظهوره في حياتها من جديد، وأنها ستتعامل معه يومًا بعد يوم. وأنه سيجعل من الماضي حاضرًا حيًّا أليمًا. وعندما خلا إليها في حجرته لأول مرة، سألها: كيف حالك؟ أجابت ببرود: على خير ما يكون. فتردد قليلًا ثم سأل: ألم … أعني تزوجت؟ فقالت بنبرة من يقصد قطع هذا الحديث: قلت: إنني على خير ما يكون. | {
"chapter": "عندما يقول البلبل: لا",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "الفجر الكاذب",
"url": "https://www.hindawi.org/books/42814840/26/"
} |
توثبنا للعمل من قبل أن تطلع الشمس. وتألقت الأعين بالنشاط والحماس والأمل. وقلت بحزم ومحبة معًا: إنه يوم الامتحان، وعند الامتحان يُكرم المرء أو يهان. وبهمة عالية تناول كل فرد من أسرتنا مكنسته، وراح يكنس حجرته بعناية وأمانة. ومماشي الحديقة الصغيرة كنسناها وغسلناها أيضًا، وشذبنا الأشجار فنزعنا منها كل ورقة جافة. وأخذنا المنافض وجعلنا نجلو المقاعد والستائر والأخونة والنوافذ والمصابيح والتحف، حتى لمع كل شيء وابتسم. ورششنا الجو بالنفاثات العطرية فانتشرت روائح الورد والبنفسج والقرنفل في الحجرات. ونظمنا الورد في الأصص، وأعددنا الصواني والآنية؛ فتجلى البيت كأنه متحف قبل أن ينتصف النهار. وهرعنا إلى المطبخ ليقدم كلٌّ ما يملك من معونة. اختصت ربة البيت بالطهي، ولكن بقي لنا مجال في غسل الخضر وتقشير البطاطس والبصل ونَقْع اللحوم وصنع السلطات وغسل الفاكهة. فعلنا كل شيء ونحن من السرور في نهاية، وتناولنا غداء خفيفًا في المطبخ. واسترحنا ساعة بين النوم والاسترخاء. وأقبلنا على الحمام تباعًا وفي مقدمتنا الإناث. تطهرنا ولبسنا ثيابنا الجديدة، ومشطنا شعورنا وتطيبنا، وصرنا في أحسن تكوين. وكان جو الربيع نقيًّا لطيفًا، فتجمعنا في الحديقة وفتحنا الباب على مصراعيه وانتظرنا. وربما ساور ربةَ البيت هاجس قلق فتمضي إلى الداخل لتلقي نظرة ناقدة على الأشياء، ولتطمئن إلى كمالها. وأكثر من صوت قال: ليس في الإمكان أبدع مما كان. وعلى سبيل الترشيد قلت: عندما تصل السيارة أهرع أنا وأمكم إلى الباب لنكون في شرف الاستقبال، أما أنتم فتصطفون في نظام الجنود وأدب السفراء، ثم نقدمكم واحدة فواحدة وواحدًا فواحدًا، ولينطق كلٌّ بما حَفِظ عن ظهر قلب في أدب وخشوع وامتثال. وقالت الأم: سنسير بين يدي سيادته حتى مجلسه في صدر الثوي، نظل واقفين حتى يشير إلينا بالجلوس فيتخذ كلٌّ مجلسه، سيلقي أبوكم كلمة موجزة للترحيب، وإذا وُجِّه إلى أحدكم سؤال فليجب بالحياء الواجب وبالقدر الملائم، وإن جاد علينا بمُلْحة؛ فالابتسامة أولى بنا من الضحكة. وقلت: لن أُذكِّركم بآداب المائدة، ولا تنسوا ما زودنا به أنفسنا من معلومات إن خطر لسيادته أن يختبرنا! وقالت الأم: وحذار أن تتجاوزوا حدود الأدب إذا شاء أن يتبسط معنا في السمر، أو رأى أن يخص أحدنا بتأنيب أو زجر .. وعلينا أن نصدع بما يأمر دون تردد أو حذر. وقلت مشجعًا ومذكِّرًا: إنها فرصة العمر، فلنسأل الله السلامة والتوفيق. وجلسنا ننتظر بأعين تتطلع إلى الباب من خلال أشجار الورد. نحلم بما سنفعل أو نقول، ونحلم بالنعمة التي سيجود بها القدر. وانتظرنا .. وانتظرنا .. وانتظرنا. واشتد الشوق والوجد وتناهى الصبر. وقلنا: يا نسائم الربيع احملي إلينا السيد المنتظر. ولكن خطوات الوقت مضت تثقل، والزمن يتمطى ويطول والأعصاب يعتريها الألم. وكلما سمعنا أزيز سيارة أو نفخة بوق قمنا نسوي من هندامنا، وغبنا حتى الذوبان في المجهول المتمادي أمامنا، ومن حومة الجزع ارتفع صوت أحد الأبناء متسائلًا: ألم يحدد ساعة حضوره؟ فقالت الأم: حسبه أنه تفضَّل بتحديد اليوم. فغمغم الشاب فيما يشبه الضجر: ما أطول اليوم! وأخذ النور يخف ويتوارى، والمغيب يرسل ألوانه الهادئة الرزينة المليئة بالشجن. وتطلع نحونا الأبناء في صمتٍ وتساؤل، فقلت بثقة: إنه لا يخلف الميعاد. – مع التأخير ستقل فرص السمر. فقلت وكأنني أوجه الخطاب لنفسي أيضًا: ما أشقى مَنْ لا ينعم بنعمة الصبر! وانتظرنا. وزحف الليل بجحافله، وهبط الظلام مشبعًا ببرودة. وعند ذاك ارتفع أول احتجاج يجيء من أصغر الأبناء: ضاع الوقت وخسرنا مسرَّات اليوم دون جدوى. وهتفت به مؤنبًا ومداريًا ضيقي: ما أفظع ما تقول! فقال بعِناد: في انتظار نعمة كبرى ضيعنا النعمة المتاحة. فنهرته أمه: هذا هو الهذيان. ولكن بتوغل الليل وتماديه فتر الحماس وتراجع الأمل، وغلب الظن بأننا لم نحسن فهم المكالمة التليفونية. ولم ندرِ ماذا نفعل ولا ماذا نقول. وانسحبت الفتيات بهدوء إلى الداخل، وشغلن التليفزيون. وما لبث الأبناء أن غادرونا، فذهب أولهم إلى النادي، والثاني إلى المسرح، والثالث إلى ملهى في الهرم. وتبادلت مع الأم نظرة مثقلة بالخجل وخيبة الرجاء. وآوينا إلى حجرتنا، وأنا أقول: يلزمنا حبة من الحبوب المنومة! وجمعتنا سفرة الإفطار في ضُحى اليوم التالي، تجنبنا الإشارة إلى مأساة الأمس، ورن جرس التليفون فقامت الأم إليه، ثم رجعت في غاية من الانفعال والاضطراب وهي تصيح: وا خجلتاه! وحدجناها بنظرة متسائلة، فقالت بنبرة باكية: سكرتير السيد، قال: إن سيادته جاء في ميعاده، فوجد البيت نائمًا فرجع، أردت أن أشرح له ما حدث، ولكنه كان قد أغلق السكة. هتفت بصوت كالأنين: يا للعار! فقال ابني: لا ملامة علينا، أكان يجب أن ننتظر حتى الصباح؟! فرجعت أقول بأسًى: يا للعار! – ولكنا فعلنا الواجب وزيادة. فقلت وقلبي يتقطع من الحزن: بل لم نصبر بما فيه الكفاية. وأخذتِ الأم تنشج باكية، فقلت معزيًا: لا جدوى من البكاء، ثم إنني ألمس في اتصاله الجديد بنا توبیخًا لا يخلو من العناية. فتساءلت ابنتي: هل يمكن أن يقرر الزيارة من جديد؟ فقلت على سبيل العزاء لهم ولي معًا: كل شيء ممكن، وليسدد الله خطانا في المرة القادمة. | {
"chapter": "المرة القادمة",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "الفجر الكاذب",
"url": "https://www.hindawi.org/books/42814840/23/"
} |
في الصباح الموعود تجمع الفريق، وهو على أتم الاستعداد. الشتاء يطوي ذيوله والجو ينفث في الأرواح الحيوية والنشاط. ارتدى كل فرد بنطلونًا صوفيًّا «وبلوفر» رماديًّا، وغطاء رأس من القطن الأبيض، وانتعل حذاء من المطاط، وجيء بشاحنة متوسطة، فحملت بالأطعمة الجافة وقوارير المياه، وهلَّ علينا رجل فارع الطول واضح الملامح مهيب الطلعة، مثلنا في زيه كأنه واحد منا، غير أنه يطوق عنقه بقلادة تدلى منها صفارة فضية فوق صدره العريض. قال بصوت جهير: أنا مرشدكم، والله يوفقكم، هل اطلعتم على التعليمات؟ فأجبنا بالإيجاب، فعد ثلاثًا ثم قال: سيروا ورائي على بركة الله. فمضت القافلة تخترق الصحراء والسيارة تتهادى وراءها. رحلة كل عام ولعبته التي تجرى تحت رعاية اتحاد الأندية الرياضية. يسير الفريق وراء المرشد، وعلى كل أن يخمن الواحة التي يقصدها، معتمدًا على ما حصَّل من معلومات عن الصحراء، ومَن يصدق تخمينه يحصل على الجائزة السنية. والجائزة لا تقسم، وينالها كل فائز وإن تعدد الفائزون. سرنا مع طلوع الشمس، يخيم علينا الصمت، نستذكر التعليمات حتى لا نخرج من السباق لهفوة عارضة، ونمارس ما أوتينا من قوة ملاحظة وفطنة ومعرفة يحدونا الأمل في الفوز. المنظر يتمادى، وتختفي من أبعاده المعالم، ويمضي على وتيرة واحدة تبعث على الملل. وقاومت الرمال أقدامنا، واقتضتنا جهدًا إضافيًّا. وثقُل الوقت، وتساءلنا ألا يوجد محطات للراحة؟ شعرنا بالحاجة إلى الكلام لولا أنه ممنوع، أما مخاطبة المرشد فتعتبر خطيئة. إنها رحلة ممتعة وواعدة، ولكنها شاقة أيضًا، بل شاقة فوق ما تصورنا، ولا يخبرها بحق إلا من يكابدها. وحدث أن تبادل زميلان كلمة بسبب لا ندريه وإذا بالمرشد يتوقف عن السير، ويلتفت نحوهما كأنما رآهما بعين ثالثة، وقال بحزم: إلى السيارة. قال أحدهما: سألته عود ثقاب لأدخن. فقال المرشد بصرامة: التدخين ممنوع أيضًا، اذهبا. ولاح القهر في وجهي الرفيقين، ولكنهما أذعنا لأمره مرغمين، فرجعا إلى السيارة يجران ذيول الخيبة. وقال بوضوح: واجبي لا يتضمن أي تساهل مع المتسيبين أو الكسالى أو المنحرفين. وعند الضحى أوشك أن ينهكنا التعب، وفترت قوانا في الملاحظة والمتابعة، ووضح لنا أنها رحلة شاقة بكل معنى الكلمة وامتحان قاسٍ للكرامة، وإن جرت في إطار الرياضة. وتراءت لكثيرين لهوًا ولعبًا. واشتد الوقت وغلظ، وتاقت أنفسنا إلى لمسة من الراحة، وإذا بالمرشد ينفخ في الصفارة ليشد الانتباه إليه، ثم يصيح بنا: عليكم أن تفعلوا مثلي. واندفع يجرى جريًا هادئًا مع رفع الساقين وتحريك الذراعين. حلمنا بدعوة إلى الراحة لا إلى مضاعفة الجهد. واضطررنا إلى محاكاته بقلوب حانقة ووجوه مكفهرة. وارتفعت الشمس نحو كبد السماء مرسلة أشعة ساخنة رغم عذوبة الهواء. وتعثر شاب فندت عنه آهة، وتوقف مغلوبًا على أمره، فصاح المرشد: إلى السيارة! هكذا خرج سيئ الحظ من السباق، وأمدنا خروجه بشيء من الصلابة والصبر، ولاحت عن بُعد صخرة عاتية كأنها صغيرة، تشبه إلى حد ما رأس أبي الهول من الخلف، فاتجه الرجل نحوها، ولما بلغها نفخ في الصفارة مرة أخرى ووقف، فوقفنا ونحن نلهث ونكاد نسقط إعياء، والتفت نحونا وقال: جلسة للراحة وتناول الغداء. افترشنا الرمال، ووزع علينا رجال السيارة لفافات وقارورة صغيرة من المياه. وفي صمت جعلنا نحل أربطة اللفافات، فوجدنا رغيفًا وبطاطس وقطعة من الطماطم وشريحة من اللحم البارد وبرتقالة. التهمنا الطعام بشهية عظيمة، وارتوينا ثم استلقينا على ظهورنا طلبًا للاسترخاء أو النوم، وسأل أحدنا المرشد ببراءة: هل يمكن أن أدخن سيجارة هنا؟ فقال الرجل بهدوء: اذهب إلى السيارة! وجم الشاب، وندت عن جارٍ له ضحكة ساخرة فقال المرشد للضاحك: وأنت معه فورًا! ونظر الرجل نحوهما بتحدٍّ فلم يجدا بدًّا من الإذعان لمشيئته. وقام قبل أن ننال كفايتنا من الراحة فنفخ في الصفارة، وعد ثلاثًا، ثم واصل السير. تبعناه ساخطين وصامتين. أيكون هذا الرجل مثاليًّا أم ساديًّا؟! وقلت لنفسي: صدق من قال إن السلطة تكشف في صاحبها عن أحسن ما فيه وأسوأ ما فيه معًا. وتذكرت مَن نصحوني بعدم الاشتراك في هذا السباق، ولكني لم أنسَ كيف يتباهى الفائز فيه بما أحرز على مدى العمر. وأعملت في الملاحظة والاستذكار جماع ما أملك من قوة ومعرفة. حقًّا إنه سباق يتطلب قوة في الملاحظة، وصلابة في الإرادة وصفاء في الذاكرة، وتألقًا في الذكاء، بالإضافة إلى ما يحتاجه من شدة الصبر والاحتمال والشجاعة وضبط النفس، وحسن السياسة مع مرشدنا الجبار. وسارع إلينا التعب، وساورتنا الهواجس، وتوقعنا من ناحية المرشد مفاجأة جديدة تفوق سابقتها في عنفها، ومع ميل الشمس نحو الأفق انخفضت درجة الحرارة ونضح الهواء ببرودة غير مؤذية، وزادت سرعته فأنذر بهبوب عاصفة، ووهنت عزيمة شابين فتخلفا عن السباق باختيارهما ولاذا بالسيارة في كآبة واضحة. وتساءلت فيما بيني وبين نفسي ألا يجوز على هذا الرجل ما يجوز علينا من التعب؟ لماذا يبدو وكأنما قُدَّ من عجينة غير عجينة بقية البشر؟! وحدث ما توقعناه فغير الرجل إيقاع السير، واندفع يجري بسرعة جديدة مضاعفة. بدأنا الجري والليل يهبط، وخضنا الظلام على ضوء النجوم الخافت، معرضين طوال الوقت لشيء نرتطم به أو شيء يرتطم بنا، أو حفرة نقع فيها أو منحدر ننزلق عليه، وتعذر علينا الاستمرار في الملاحظة والتفكير، حتى خيل إليَّ أن الحظ وحده كان وراء من فاز في هذا السباق في الأعوام السابقة. وأخيرًا وبعد الإشفاء على اليأس انطلقت الصفارة وارتفع صوت المرشد آمرًا بالوقوف. وقفنا ونحن من الإرهاق في حال. ولعلنا لم نعد نطمح إلى الجائزة مؤثرين السلامة. وقال الرجل: العشاء، ثم النوم، نستأنف السير عند منتصف الليل، وبعد مرور ساعتين من التحرك تجمع البطاقات مسجلة عليها الأجوبة، نبلغ هدفنا بمشيئة الله عند طلوع الشمس. وجيء بكلوب مُضاء فعُلق في طرف عمود وغُرز في الرمال؛ وجدنا أنفسنا على مبعدة يسيرة من تل كبير، ووُزع علينا العشاء وهو تكرار للغداء. كما وزعت علينا الأغطية والحشيات السفري، واقترب المرشد من أحدنا، ونحن نتناول طعامنا، وقال له بخشونة: معك قارورة خمر جرعت منها مرتين، اذهب إلى السيارة. وصرخ الشباب غاضبًا: بيننا جاسوس دنيء. فصاح به: هات القارورة واذهب إلى السيارة. فقال بتحدٍّ: ليس معي قارورة. – لا تعرض نفسك للتفتيش. – لن أسمح لأحد بتفتیشي. – لن تسمح؟! ومد نحوه يده؛ فدفعها الشباب بجرأة غريبة، عند ذاك لطمه على وجهه لطمه عنيفة طرحته على الأرض. وفجأة اشتعل غضبنا جميعًا، ولم نعُد نبالي بالسباق ولا بالتعاليم، وتطايرت أصواتنا الهادرة: أي إهانة؟! .. لا نقبل الإهانة. لكل شيء حدود! تصفح الرجل وجوهنا بهدوء منذر، ثم قال: هذا تمرد عام، وإني أعلن إلغاء الرحلة، سوف تحاكمون أمام مجلس إدارة الاتحاد، وسأنسحب فورًا ودون تردد. وذهب الرجل إلى السيارة يتبعه رجاله حاملين الكلوب، ولم تمضِ دقيقة حتى تصاعد هدير السيارة، وتحركت بمَن عليها حتى غابت في الظلام تاركة فريقنا بلا مرشد. وقفنا جميعًا في دائرة واحدة، ذاهلين من المفاجأة، حائرين أمام وحدتنا الضائعة، ثم تفجر الحوار بيننا: كيف يجرؤ على تركنا في الصحراء بلا مرشد؟ – سنرفع خصومتنا معه إلى اللجنة العليا. – ولكن علينا الآن أن نفكر في موقفنا. – نبقى في مكاننا حتى يطلع الصباح. – بل لا بد من التحرك، فكل دقيقة لها ثمنها. – في أي اتجاه يكون التحرك؟ – توجد ولا شك تخمينات شتى، نقترع عليها ونأخذ بالأغلبية. وتضاربت الآراء ولم يكد يتفق اثنان على رأي، وبعد مناقشات عنيفة تمخَّض النقاش عن خمس فرق. ورجعنا إلى الحوار تحت وطأة المسئولية الثقيلة: قد نتوه، فنموت عطشًا أو جوعًا. – أو نتعرض لوحش أو ثعبان أو قاطع طريق. – لا مفر من المغامرة. – ألا يحسن بنا أن نبقى في مكاننا حتى يعثروا علينا؟ – لا تعلل نفسك بأمانٍ قد تصدق أو لا تصدق. لم يبقَ لنا إلا الاعتماد على النفس. ومضت كل فرقة إلى وجهتها، واضعة ثقتها في رأيها، يحدوها الأمل في السلامة، ينبسط أمامها مصير مليء بكافة الاحتمالات في ذلك الليل البهيم، وكأنهم على موعد مع طلوع الشمس. | {
"chapter": "على ضوء النجوم",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "الفجر الكاذب",
"url": "https://www.hindawi.org/books/42814840/19/"
} |
لوحت للتاكسي بيدي فأقبل نحو موقفي فوق الطوار. جلست إلى جانب السواق وأنا أقول: «جريدة الفجر من فضلك». التفت الرجل إليَّ باهتمام حِرت في تفسيره. أيكون من الموظفين الذين يواجهون أعباء الحياة الجديدة بعمل إضافي؟ كلا، شكله يقطع بأنه ليس موظفًا. رجل ضخم كأنه من رافعي الأثقال، ريان الوجه، غليظ القسمات، تطل من عينيه الحادتين نظرة قوية متحدية، ويده القابضة على المقود تذكر بالسلحفاة حجمًا وصورة. هيئته مستفزة معدة للمعارك، وسألني بصوت خشن متهكم: جريدة الفجر؟ فقلت متجاهلًا تهكمه: نعم! فقال باستهانة وقحة: طظ! وقدر ردة الفعل السيئة في نفسي فاستدرك. – طظ في الجريدة لا مؤاخذة، أنت لا شأن لك بالموضوع. – أي موضوع؟ – عندكم كاتب اسمه الولد علي علام! فقلت مصححًا: الأستاذ علي علام من أنجح كتاب العمود اليومي. فدوَّى صوته وهو يقول: طظ وطظ وطظ! – لماذا؟ – ليتك تبلغه رأيي، خذ رقم التاكس، اسمي عتريس الغندور، وليته يغضب ويجيء لتأديبي، فأسوي به الأرض ببصقة واحدة، وعدٌ عليَّ ونذرٌ ألَّا أمد له يدًا أو رجلًا، بصقة تكفيه وزيادة. أسفت على عجزي عن الغضب الواجب للفارق غير المحدود بين ضعفي وقوته، وقلت: لا أفهم شيئًا، ولكني مقتنع تمامًا بأنه لا ضرورة لهذا الغضب. فقال وهو يزداد انفعالًا: حضرته كتب عمودًا عن السواقين الذين لا يشغِّلون العداد، ثم حرض علينا وزير الداخلية. فقلت بهدوء: هذا رأي، ولعله تلقى شكاوى كثيرة من الأهالي. – أهالي؟! وهل يهمه أمر الأهالي؟! لمحته مرة في سيارة قدِّ المترو، منتفشًا كالديك الرومي، ماذا يعرف عن همومنا ليشرع ويحرض، ابن القديمة؟! – لا .. لا .. من فضلك! ثم بنبرة واضحة: لو عرفته عن قرب؛ لغيرت رأيك في الحال. فصاح: لو قابلته لشوهت وجهه حتى لتجهله زوجته. – المسألة بسيطة، لماذا لا تكتب له بوجهة نظرك؟ فقال بصوت الرعد: وما قيمته في الدنيا إذا لم يعرف الحقائق بنفسه؟ هو صحفي أم سائح غريب؟ ألم يسمع عن الغلاء؟ وكيف تحدِّث رقيعًا عن الفول والطعمية وهو لا يهمه إلا الويسكي والسيجار؟ اللعنة على كتاب درب الأغوات! – الحق، والحق يقال، إنه من أصدق دعاة العدالة الاجتماعية. فأصدر صوتًا إسکندریًّا وضحك طويلًا ثم قال: يا حلاوة .. يا حلاوة .. عدالة تجار العملة والمخدرات! – عن كل شيء كتب. – هل كتب عن أبناء «فلان»، من أين لهم القصور والملايين؟ – لا تصدق كل إشاعة. – إشاعة؟! .. وعلان الذي نشرت الصحف أنه سرق منه خمسون ألفًا من الدولارات؟ – ما أكثر حملاته عن الانحراف والمنحرفين! ومضى يعد أسماء رجال ونساء، ثم قال: يا خبر أسود يا هوه .. ينسى كل هؤلاء ويتشطر على عداد التاكسي؟ وضاق صدري فقلت: اسكُت! لعله يسكت، ولكنه لم يسكت وواصل: إذا خاف الكاتب؛ فلا يصح أن يزعم أنه كاتب. عدت إلى الكلام مضطرًّا فقلت: توجد حدود .. أنواع من الرقابة الداخلية. – والرجولة؟ .. عليه أن يرفض! فكرت فيما يجب قوله، ولكنه سبقني قائلًا: ستقول الحياة .. المعيشة .. الأولاد؟! – أظن أنها هموم حقيقية. – عظيم .. سلمنا .. وإذن فلا يحق له أن يهاجم عداد التاكسي .. ويجب عليه أن يرتدي فستانًا وحجابًا وحذاء بكعبٍ عالٍ، ويقول: أنا مرَة! | {
"chapter": "وصية سواق تاكسي",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "الفجر الكاذب",
"url": "https://www.hindawi.org/books/42814840/21/"
} |
فَقْدُ الطعام سحرَه وجاذبيته ليست بالحال العارضة التي يُصبر عليها يومًا أو يومين. وعليه فيجب أن يستشير طبيبه. طالما عد نفسه من السعداء لاقتناصه ستين عامًا من الزمن، وهو على أتم ما يكون من الصحة والعافية. ورغم نشاطه المتواصل كرجل من رجال الأعمال، فلم يهمل جانب الأناقة والرياضة في حياته الثرية، يتبدى دائمًا في أجمل صورة، ويحسن السباحة والتنس ولا تفوته الرعاية الدقيقة لصحته. زار طبيبه بميدان الأزهار، وفحصه الرجل بعناية وعلى مهل. ثم قال: الكبد. ندت عن يده حركة كالاحتجاج، وخاطبه كصديق قائلًا: أنت تعلم أنني معتدل جدًّا في الشراب. – لا بد من أشعة. هذه الإجراءات هي ما تضايقه في الطب الحديث، ولكن لا سبيل إلى التراجع. وصعد إلى الدور السابع بنفس العمارة مسبوقًا بتوصية تليفونية؛ فالتقطت له صورة. ذهب بها إلى طبيبه في مساء اليوم التالي، وقرأها الطبيب ثم قال بإيجاز: لا بد من تحليل الدم. وساوره قلق جدي لأول مرة باعتباره ذا تجارب مأساوية سابقة في أسرته. فقال: في الأمر اشتباه. – سيسفر عن نتائج حميدة بإذن الله. ومضى إلى معمل التحليل مهمومًا مغتمًّا. وانغرزت الإبرة في كبده مصحوبة بآلام لم يتوقعها. وفي مساء اليوم التالي ذهب بالنتيجة إلى الطبيب، وقال للطبيب وهو يتفحصها: صارحني بالحقيقة الكاملة إني مستعدٌّ لذلك. فقال الرجل بجدية: هيهات أن يسهل خداعك. فقال متظاهرًا بالبساطة: إذن فهو ما كنا نخشاه؟ أجاب بإيماءة من رأسه فقال المريض: وإذن فلا شفاء ولا دواء، ولكن مجرد مسكنات! – بل يرجى إيقاف الورم، وليس هذا بالإنجاز القليل. – أتنصحني بالسفر إلى الخارج؟ – ما كنت لأتأخر عن اقتراحه عليك لو أفاد. وتفكر قليلًا ثم سأله: هل يمكن أن تحدد لي المدة الباقية من حياتي. فقال بعجلة: كلا! الأعمار بيد الله وحده. – ولو على وجه التقريب؟ – كلا! كلنا أمام الموت سواء. وقد يسبقك إليه جميع الأصحاء من أصحابك؟ فقال برجاء: جنبني الألم ما استطعت. – هذا متيسر. بين يوم وليلة، بل في غمضة عين، مذهل حقًّا مذهل، خاطب نفسه بقوة: «حذار من الانهيار». وقال لها أيضًا: «سلمي بهذا الواقع كأي واقع آخر». ومن أول لحظة قال له عقله كلامًا مليحًا، ولكنه لم يستطع أن يخلصه من قبضة الهزيمة والخوف والأسى. وقال له صديق: ليتك تستطيع أن تتناسى الموضوع. فقال: هذا ما أحاوله؛ وإلا فلن أنجز شيئًا. أجل، أمامه واجبات معقدة كثيرة، أو كما قال لنفسه: «لولا الأسرة لقمت بسباحة حول الأرض غير مبالٍ بشيء». وفكر أول ما فكر في عمله، فتراءى له لأول وهلة أن يتخلى عنه لنائب عنه، ولكنه سرعان ما استبعد الفكرة، ما دام أن العمل سيشغل وقته، وينقذه زمنًا لا يستهان به من الوحدة والأفكار المضادة. وانهمك في توزيع ثروته ومشاورة محاميه بما يحقق الاستقرار لأهله، وتوفير الضرائب التي يمكن توفيرها. ولم يبُحْ بسر مرضه إلا لزوجته، أما الأبناء فقد رسم خطة لإعدادهم للنهاية دون إزعاج لا ضرورة له قبل الأوان .. وواصل ترشيده لهم في الأمور التي تهمه كالجنس والمخدرات وشئون المال والعمل. والحق أن انهماكه في ذلك كله خفف من قسوة محنته، وبخاصة في إبان حدتها وشدتها. واستعاد شهيته للطعام ولم يشعر بأي ألم مما هجست به نفسه، ومارس رياضاته المحبوبة باعتدال. ووجد امتنانًا كبيرًا للعلم وما أبدعه من مسكنات، ولم ينقطع عن ناديه وأصحابه ولا عن شجون الحديث في الاقتصاد والسياسة. وكلما ألمت خاطرة سوداء ردد في باطنه قول طبيبه وصديقه: «كلنا أمام الموت سواء»، بل إنه مع مرور الزمن أخذ يؤمن بأن مرضه أتاح له فرصًا لم تكن مهيأة من قبل. ألم يستعد لأمور كثيرة كان يمكن أن تترك معلقة وأن يشقى بها أهله؟ واعترف أيضًا بأنه خفف من عبء الدنيا الذي حمله على كاهله طويلًا وفي معاناة مستمرة. حقًّا ما زال يواصل عمله، ولكن هان توتره العصبي الذي لم يرحمه جل حياته. إنه يعمل من أجل الدنيا ولكنه لم يعد أسيرًا في قبضتها. وانجابت عن وجدانه مخاوف كثيرة طالما ناوشته مع كل طلوع شمس. موت أول ابن له في عز الشباب، ماذا يعني الآن؟! حسده لأقران له لعبوا دورًا أكبر من دوره في تاريخ وطنه. تدبير الدولارات اللازمة لشراء مستلزمات الإنتاج. الركود الاقتصادي والخوف من العجز عن تسديد بعض الأقساط للبنوك. مستقبل البلد السياسي وما ينذر أمثاله من تقلبات مجهولة. أجل يصح له اليوم أن يتساءل عما ينتظره بعد الموت. إنه لم يدخل في حياته جامعًا إلا في مناسبة دُعي فيها ضمن من دعوا ليكونوا في شرف استقبال رئيس الجمهورية. لم يؤدِّ فريضة دينية قط ولا يعرف عن دينه شيئًا يذكر، ولكنه يعتبر نفسه من المؤمنين بالله ورسوله. ويؤمن بأن الله أرحم الراحمين بمخلوقاته. فضلًا عن أنه لم يرتكب في حياته إثمًا كبيرًا كما كان كريمًا مع الفقراء من أقاربه وأصدقائه. ولم يفكر في أن يعرف من شئون دينه ما فاته أن يعرفه؛ خشية أن تفتح له المعرفة أبوابًا تفسد عليه صفوه وطمأنينته إلى رحمة الله. أقنع نفسه بأن إيمانه البسيط سينقذه بلا حاجة إلى مزيد، ومرت له لحظات خيل إليه أنه اليوم أسعد مما كان أمس. وعجب لذلك عجبًا شديدًا. أكان يضمر كراهية لحياته الماضية رغم الصحة والنجاح؟ أكان يجاهد وهو لا يدري ليتحرر من قبضتها العاتية؟ هل ضاق بأن يعمل لدنياه كأنه يعيش أبدًا، وود أن يتعامل معها كأنه يموت غدا؟ وقال لصديقه يومًا وهما يتناجيان: المرض لقنني درسًا، وهو: أن الموت صديق في ثياب عدو. | {
"chapter": "غدًا تغرب الشمس",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "الفجر الكاذب",
"url": "https://www.hindawi.org/books/42814840/18/"
} |
أسير تحت العمارة الشاهقة بشارع شريف كل صباح وكل ظهر في ذهابي إلى العمل، ولدى عودتي منه إلى محطة الترام. كلما أسير تحتها يرتفع بصري بحركة تلقائية إلى الدور الخامس، حيث تطل على لافتة الجراح المعروف (…) لا لأنه من أبناء الحي القديم وأقران الصبا فحسب، ولكن — وهو الأهم — لأنه تزوج من الفتاة التي استحوذت على إعجابي وحبي عهدًا طويلًا. لا يبقى اليوم من ذلك الحب إلا الذكرى، حكاية قديمة لم يكد يفطن إليها أحد. أما العاطفة المتأججة فقد بردت وماتت، وأمست نشواتها وآلامها كأن لم تكن، أو كأنما عاناها شخص آخر تلاشى في تيار الزمن العجيب. ويومًا أرى الطبيب واقفًا في الشرفة وراء اللافتة وهو يخطب .. يخطب؟ إي والله وبصوت كالرعد ملوحًا بذراعيه يمنة ويسرة، كأنما ليهيمن على جمهوره المحتشد. ولكن أين الجمهور؟ العمائر في الصف المواجه له إما مغلقة النوافذ، أو تنظر إليه من خلال أفراد تجمعوا في الشرفات والنوافذ من موظفي الشركات. وعابرو الطريق وقفوا قليلًا؛ لينظروا ويسمعوا ويتبادلوا النظرات والابتسامات، ثم يمضي كل إلى سبيله إلا المتسكعين، فلم يبارحوا الطوار وتابعوه باهتمام. لا أتصور أن أحدًا ميز كلمة مما يقول؛ لارتفاع موقعه، ولتضارب أصوات الخلق والمركبات. وتدل النظرات والهمسات على اقتناعهم بأن الطبيب خرج عن وعيه أو حصل له لطف. رغم غرابة المنظر وشذوذه وإغرائه بالضحك إلا أن جانبه المأساوي غلب، وسلط الوجوم على الخلق كغبار منتشر. والحق أني تألمت وملكني الرثاء للزميل القديم الذي فرق العمر والعمل بيننا. وطارت خواطري محتدمة نحو شريكته في الحياة، لؤلؤة حيِّنا التي لا تنسى، فأسفت من أعماق القلب. ولم أحتمل البقاء طويلًا، خاصة بعد أن سمعت أن البعض اتصل بالإسعاف وشرطة النجدة، فغادرت المكان مغتمًّا، تتقدمني صورة الفتاة التي فتنتني في الزمان الأول، وأتساءل: ترى كيف آل إليه حالها اليوم؟ هل ما زالت متمتعة بجمالها الرائق؟ وكم أنجبت من الذرية؟ أما زالت تشتغل بالتدريس أم استغنت عنه بعد أن أغناها الله؟ وكيف تتعامل مع هذا البلاء الذي ستُمتحن به؟ وتظل الواقعة حديثي مع نفسي، ثم مع الأصدقاء في المقهى، حتى عرفت ختامها صباح اليوم التالي في جريدة الصباح، بالبنط العريض وفي أسفل الصفحة الأولى قرأت «انتحار الجراح المعروف (…) يلقي بنفسه من شرفة عيادته بالدور الخامس»، شد ما تأثرت لتلك النهاية، وكل صديق تأثر لها حينًا، رغم أن علاقتنا به انقطعت منذ التحاقه بكلية الطب. واختلطت التفسيرات؛ لعله مرض لا شفاء منه، أو نكسة مالية مفاجئة، أو خطأ في نطاق المهنة، حتى قال أحدنا: أو جُنَّ وكفى، ألا يجن الإنسان بلا سبب إلا الجنون نفسه؟! ومضينا ننسى المأساة كما ننسى كل شيء، ولكن صديقًا آخر فجرها قبل أن تموت. هو أيضًا طبيب من أقران الصبا، ويقيم في نفس الحي — الزمالك — الذي كان يقيم فيه المنتحر، ولم تنقطع صلته به قط، كما لم تنقطع بنفر منا. ولدى أول زيارة له في أعقاب الحادث توفر أكثر من سبب لإثارة الموضوع. قال لي: أنت تذكره لا شك، كان غاية في الاتزان والاجتهاد. فقلت مصدقًا: كل ما أذكره عنه حسن. – هو أيضًا قمة في مهنته، وأثرى ثراء واسعًا. – هذا مسلَّم به ولذلك تبدت مأساته لغزًا محيرًا! فهز صديقي رأسه وقال: الله لا يسامحها، زوجته! فهتفت بذهول: سميحة؟! فابتسم قائلًا: طبعًا تتذكرها. – حيُّنا كله يتذكرها، الجمال والكمال والأدب، المثل الأعلى للاستقامة والرزانة والحشمة في ذهابها إلى المدرسة وحين العودة منها، هي حصن منيع أمام أي عابث حتى شهد لها الجميع بالامتياز الخارق، وحق للمرحوم أن يغبط ويهنأ يوم وفق في طلب يدها. فأكمل الدكتور قائلًا: وأنجب منها ولدًا وبنتًا، الولد في كلية الطب والبنت في الثانوية العامة، ولكنها مع الأيام والمعاشرة تكشفت عن امرأة أخرى تمامًا. تابعته بانتباه فائق وذهول، فواصل: امرأة أخرى تمامًا، ولولا اختلاطي بهم ما صدقت ما أسمع وما أرى. – يا للعجب! – هي الحقيقة، وكم حاولت الإصلاح ولكن دون جدوى. – اعتبرناها ملاكًا من السماء. فارتسمت بسمة ساخرة على شفتيه، وقال: جبارة متسلطة ذات رأس صلب، تفرض رأيها بإصرار وبعنف، لا تقبل المناقشة، عصبية لحد الجنون، يذهلها الغضب عن كل شيءٍ فتحطم التحف والأواني، وتسب بلا تحفظ، ثم إنها مسرفة لدرجة جاوزت كل الحدود، ولم تكن تترك له إلَّا مصروف الجيب. وصمت لحظة ممتعضًا ثم قال: حتى العفة لم تسلم. فصمت على رغمي. – العفة؟! – إني واثق مما أقول. – يا للداهية! أكانت مجرد ممثلة ماهرة؟! – عسير عليَّ أن أتصور ذلك. – ولمَ لم يطلقها؟ فقال متمهلًا: كان أضعف من أن يتخذ قرارًا حاسمًا. فقلت وأنا من الانفعال في نهايته: مَن كان يتصور ذلك؟ – هو أيضًا سحره المظهر، ثم إن شكواه لم تقتصر عليها، ولكن امتدت إلى أمها وحتى إلى أبيها. هكذا انتهت قصة الطبيب، وقصتي أنا أيضًا. تقدمني في السباق لوفرة إمكاناته، ولولا ذلك لربما كنت أنا الضحية. ولكن كيف يمكن أن أنسى صورتك الملائكية يا سميحة؟! ولمَ أصدق ما يقال دون تحفظ؟ أليس من الجائز لو جمعتني بك الأيام يومًا أن ينقلب الحكم أو يتغير؟! | {
"chapter": "ذكرى امرأة",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "الفجر الكاذب",
"url": "https://www.hindawi.org/books/42814840/14/"
} |
تزوج علي الصناديقي من زينب رأفت بعد انقضاء عام كامل على مقتل زوجها السابق وابن عمها سليمان عيسى. أرعشتني قشعريرة وقلت لنفسي بحسرة: «سبقني». ولعل أكثر من شخص في شارعنا ردد ما قلت فيما بينه وبين نفسه. زينب وردة حيِّنا اليانعة، استبقنا جميعًا إلى طلب يدها ولكن أمها الشركسية المتعجرفة زوجتها ابن عمها سليمان. ساقط ابتدائية متخلف العقل، ومن ذوي الأملاك والدنيا حظوظ. يمين الله ما عرفنا الحزن الجماعي كما عرفناه في تلك الأيام. ومضى كلٌّ يضمد جراحه بالطريقة التي تناسبه. واكتشفت جثة الزوج ذات صباح بعطفة الحفناوي، واكتشفها أول ساعٍ للرزق، بياع اللبن. قتل وهو راجع إلى مسكنه آخر الليل. كانت الشوارع والحواري الفرعية تسبح في الظلام لم تدخلها الإنارة بعد، وكان الرجل من هواة السهر، ويعود كالعادة سكران أو مسطولًا. وجاءت التفاصيل — كما وردت في كوكب الشرق — مؤيدة مصرعه بضربة عصا غليظة أو آلة حادة على أم رأسه. ووضح أن الباعث على القتل هو السرقة فقد جرد من ساعته الذهبية وخاتمه الماسي ومحفظته. وزلزلت الجريمة الحي كله، وصارت حديث النساء والرجال في العباسية شرقيها وغربيها. وتنبأ أهل الخبرة بأن شيطان القتل لن يدعنا في سلام. وتبادلنا النظر في مقهى قشتمر في وجوم، معلنين الأسف، كاتمين أي بادرة ارتياح. وأرجعني نواح زينب إلى الماضي فاستثار المنسي من الذكريات. ولاحظ الفران أن عامله «بيضة» ينفق عن سعة، وأنه يبتاع الكونياك من خمارة الميدان بدلًا من الكحول الأحمر الذي كان يشتريه كل مساء من البقال، فسأله عن الخبر؛ فاعترف الرجل المدمن بأنه عثر على محفظة في عطفة الحفناوي، فاعتبرها رزقًا من الله. وبلَّغ الفران قسم الوايلي فقبض على بيضة، وحقق معه ثم حُول إلى المحاكمة بتهمة القتل والسرقة وقضي عليه بالأشغال الشاقة المؤبدة. هكذا انتهت قضية قتل سليمان عيسى. لا شك أن الحلم القديم استيقظ في قلوب كثيرة. واستيقظ في قلبي على وجه اليقين، ولكني انتظرت الوقت المناسب. كل عاشق قديم رسم خطة وانتظر الوقت المناسب طاويًا صدره على سره، وعلي الصناديقي فعل مثلنا ولكنه كان أقدر منا جميعًا على تدبير المناورة وانتهاز الفرصة كما كان — باعتراف الجميع — أجرأنا على الاقتحام، وفاز باللذة الجسور. كنا جميعًا من صغار الموظفين، أما هو فقد ورث عن أبيه محل مَني فاتورة بالغورية، فحاله المادية معدن بالإضافة إلى خبرة مبكرة بالحياة وتمتعه بإرادة صلبة وفحولة نادرة. في الوقت ذاته هدهدت أم زينب من عجرفتها؛ بسبب ترمل ابنتها الجميلة، واقتران اسمها بحكاية مصرع زوجها؛ فوافقت على الزوج الجديد مزدردة امتعاضها التقليدي. وكان من عادتي أن أعالج أحزاني بالمشي المنفرد في ميدان المستشفى الفرنسي وأرض المولد النبوي. ولما مررت بالبيت رقم ١٠ المكون من دورين على ناصية الميدان دهمتني ذكرى قديمة بعض الشيء، فدق قلبي دقة عنيفة انطلقت كإنذار مرعب. لا لأن علي الصنادیقي وعروسه يقيمان في الدور الأول، ولكن لمنظر تكرر مرتين قديمًا دون أن يثير ظنوني فمر بسلام. تذكرت أنني رأيت زينب في حياة زوجها السابق تدخل هذا البيت مرتين. يومها اعتقدت أنها تقوم بزيارة وانتهى الأمر. الساعة يلوح لي وجه آخر للمسألة. في ذلك الوقت كان الصناديقي يقيم في الدور الأول بمفرده بعد وفاة أبيه! قد يقال: إنها كانت تزور أسرة الشيخ محرم — أستاذنا القديم — المقيمة في الدور الأعلى، ولكن الشك يساورني في ذلك. لِمَ؟ إلام تريد هواجسي أن تقودني؟! أكان ثمة علاقة بين الصناديقي وزينب؟! الصنادیقي من ناحيته مثال للاستهتار والمجون، لا يرعوي عن فعل، ولا يعقله أدب أو خلق، وزينب من ناحيتها اعتُبرت في زمانها عصرية ولم يكن للدين ولا التقاليد أثر ملموس في بيتها، وحتى لو كان السبب المعلن للتردد على البيت هو زيارة آل محرم فهل يمنع ذلك من التسلل إلى مسكن الصنادیقي عند الذهاب أو الإياب؟! ليس شكًّا ما أتخيل ولكنه اليقين، وهي لم توافق على الزواج منه رغم كثرة المريدين إلا استجابة لتلك العلاقة الآثمة القديمة. لِمَ لا؟ يقينًا إنها لم تحب زوجها السابق ولم تحترمه، ولولا سطوة أبيها ما قبلت أن تتزوج منه. وقد انصرف عنها جميع عشاقها احترامًا لقدسية التقاليد المرعية، ولكن الصناديقي لم ينصرف ولم يسل، ولم يجد من قيمة ما يصده عن المغامرة. وأصر وألح حتى استجابت المرأة لعواطفه، ولبت نداءه. حاولت أن أنفض عن رأسي تلك الأفكار المحمومة ولكنني لم أستطع، وطاردتني كأنها حقيقة واقعة. وليتها وقفت عند ذلك الحد، ولكن ثمة فكرة سوداء انطلقت كما ينطلق عفريت من قمقم، وَسْوست لي بأن الصناديقي يكمن في قاع الجريمة التي أودت بحياة سليمان عيسى! لِمَ لا؟ إنه الوحيد بين أقراننا القادر على القتل. طالما عُرف بيننا بالانفعال الأهوج والعدوان، ومعاركه الشخصية لا تُحصى. ولا أنسى دهشتنا يوم وجه الاتهام إلى «بيضة» عامل الفرن، فإن أكثر من فرد قال: بيضة! .. مَن يتصور أن بيضة يمكن أن يَقتل؟ ولكن البعض تفلسف قائلًا: إن أبعد الناس عن شبهة القتل قد يقتل في لحظة جنون! كلا! بيضة لم يقتل ولكن سوء حظه ساقه للعثور على المحفظة التي تركها القاتل؛ لإيهام الشرطة بأن السرقة كانت الباعث على الجريمة لا الحب. دبر الشيطان فأحسن التدبير، ولكن هل شاركته زينب في مؤامرته؟ عند ذاك الفرض خذلني خيالي المحموم، أما جريمة الصناديقي فقد تمثلت إليَّ حقيقة واقعة. عبثًا .. عبثًا .. حاولت التملص من قبضتها. في الوقت نفسه لم أفاتح أحدًا بما يمور في أعماقي. أكره أن يسخر مني ساخر أو يتهمني بالجنون. وأسترق النظر إلى الصناديقي، ونحن بمجلسنا بمقهى قشتمر فأراه هادئًا أو ضاحكًا ينبض وجهه المتورد بحلاوة شهر العسل. أيمكن أن تمضي الجريمة بلا أثر تخلفه في القاتل؟! وأراه أحيانًا يسير في الشارع، وزينب تتأبط ذراعه كأكمل ما يكون الزوجان سعادة؛ فأذكر بأسًى بيضة الملقى في ظلمات التأبيدة بلا ذنب. وأتساءل أين العدل؟ وأين الرحمة؟ وأحاول مناقشة أخيلتي وتفتيتها فلا أستطيع، ولا أجد مَن أشركه في سرِّي لعله يخفف عني بعض ثقله. وقلت لنفسي منذرًا إني مريض، ولا بد من الشفاء قبل أن أتردى بلا أمل. وخطرت لي فكرة لم أتردد في تنفيذها. حررت إليه خطابًا غفلًا من الإمضاء، وسجلته على الآلة الكاتبة في الوزارة. في جمل برقية أكدت له أني على علم تام بجريمته، وبعلاقته الآثمة السابقة بزينب، وبكل خطوة خطاها في ارتكاب جريمته، وتهددته بالانتقام القريب. وعنونت المظروف بعنوان مقهى قشتمر وأودعته صندوق البريد بيدي. كنا نجتمع كل مساء بالمقهى، ومرة جاء النادل بالخطاب للصناديقي، وهو يقول: تسلمته من عامل البريد صباحًا. تناوله الشاب بدهشة قائلًا: أول خطاب يجيئني في المقهى. وعلى سبيل الاحتياط تنحى جانبًا ليقرأه؛ أثار الخطاب اهتمام الجماعة لحظة ثم انخرطت في السمر. وجعلت أنا أراقبه من وراء وراء ملهوفًا على رؤية رد الفعل. هل يضحك ساخرًا؟ هل ينفعل ويغضب؟ لا هذا ولا ذاك؛ وجم وسكن وانخطف لونه. غاض من وجهه التألق والعنفوان، جمد وخمد وكأنه نام، والتفت أحدنا نحوه متسائلًا: خير؟ فأجاب وهو يدس الخطاب في جيبه، ويرجع إلى مجلسه: ليست خيرًا على أي حال! – لِمَ والعياذ بالله؟ – مشكلة من مشكلات العمل، ولكن لا خطورة في الموضوع. ونظر في ساعته، ثم قام وهو يقول: يستحسن أن أقوم بزيارة عاجلة. وحيَّا وانصرف، لم يعد ثمة مجال للشك؛ انكشف المجرم ولم أخطئ في الحساب. ولكن ماذا بعد؟! لم يحضر في اليوم التالي ولا ما تلا ذلك من أيام، وسأل البعض عنه في بيته، فقيل لهم: إنه مشغول. وعلمنا بعد ذلك بأنه سافر في مهمة عاجلة إلى سوريا، ولكنه لم يعد من مهمته حتى اليوم! واضطرت زينب إلى الإقامة مع أمها في شارعنا. وعرفنا — كجيران — أنها مرضت بمرض عصبي، وأنها تعالج بالطب، وعولجت أيضًا بالزار ولكن دون جدوى. هكذا انتهت أسطورة زينب الجميلة وبدأت رحلة زينب المريضة إلى الأبد. لم أشعر بالنصر أو الارتياح إلا لحظات عابرة. اعتراني قلق وتطايرت برأسي الهواجس وخيَّم على قلبي هم ثقيل .. ماذا فعلت؟ .. ما جدوى ما فعلت؟ .. ما دور زينب الحقيقي في المأساة؟ وماذا أفاد ضحية الليمان من هذا كله؟ حقًّا تخيلت وحكمت على الآخرين، ولكن كيف يكون الحكم عليَّ أنا؟! | {
"chapter": "خيال العاشق",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "الفجر الكاذب",
"url": "https://www.hindawi.org/books/42814840/17/"
} |
أكابد الواقع، وهو يعاندني، يستوي في ذلك يومه وغده. لم أنل من عطايا الدهر إلا تكوين أسرة وإنجاب ذرية، وفي ذات الوقت عجزت عن إسعادها وبالتالي عن إسعاد نفسي. ولولا التطابق الفريد بين سوء حالي وسوء حال البلد ما فكرت في البلد، ولكنني وجدت أسرتي تعكس صورة البلد والبلد يعكس صورة أسرتي. كلتاهما يعاني من كثرة العدد وقلة الموارد واختلال التوازن بين الدخل والمنصرف وتكاثر الديون وتجهم المستقبل، غير أنني لم أخف عن ذوي حقيقة وضعنا، ولم أعد بشيء يفوق قدرتي. ولعجزي عن تحسين حالتي فضلًا عن عجزي عن تحسين البلد غشيتني الكآبة وبادرني الشيب قبل الأوان. ولم أجد ما أُروِّح به عن نفسي في خلوتي إلا الحلم، هو الذي شق لي طريقًا جديدة، ويسر لي رزقًا وافرًا، وهيأ لي صحة وعافية وعلاقات إنسانية حميمة، ورفعني إلى عالم جديد، وحقيقة سامية، وعدل شامل، وتطلع باهر إلى عالم الغيب. وفي أتون المعركة بين الحقيقة والخيال طال ليل الشقاء وامتد، وانكمشت تحت الغطاء بكل جوارحي المرتعدة، فقلقت زوجي واقترحت أكثر من وصفة للعلاج، ولكني تمنيت النوم باعتباره المنقذ من الاضطراب والألم. ولم أنم ولم تهدأ الثائرة وأصابتني في الأعماق ضربة رادعة، مفاجأة وأي مفاجأة. وارتفعت في جو الغرفة كأني طير يطير في هدوء ووقار، ولبثت معلقًا بسقفها، غير غائب عن خاطري ما خبرته من معلومات عن الهذيان والحمى. وأنظر فأرى جسدي مطروحًا على الفراش، والجميع يتطلعون إليه من خلال دموع منهمرة. هي الحمى ولا شك، وكل ما تموج به الغرفة من حركات وأصوات تبدو لي خالية من أي معنى. دعوتهم إلى التزام الهدوء والصمت فلم يسمعوا. راقبتُهم في سكينة كاملة، ومضى اهتمامي بما حلَّ بهم يضعف ويتلاشى رويدًا رويدًا، ومنظرهم يغوص في العمق ويتضاءل حتى اختفى تمامًا. وامتد أمامي ممر طويل مجوف غائم الأرض والجدران يلوح في طرفه القصي نور رائق. أتقدم فيه بخطوات ثقيلة متعثرة، ومترنحًا أحيانًا، وبقلب يفتقد الأمان. وفي مستقر النور يلوح لي وجها أبي وأمي، يرمقانني بحنان، فأهرع نحوهما متخففًا من مخاوفي. ثم أذكر حاجز الموت الذي يفصلهما عني، فأتوقف في حذر، وأهمس كالمعتذر: لعلي أحلم! فيجيء صوتاهما معًا كأنهما صوت واحد: بل تستيقظ. ويقبلان نحوي في ثوبين من السحاب، ويتأبط كلٌّ منهما ذراعًا، ويقولان: انتبه، أصبحت معنا بلا فاصل. وقلت لنفسي: إن الحلم لا يكون بهذا الوضوح، وهمست: نعم، إني منتبه تمامًا. – هذا حسن. – ولكني أشعر في داخلي بكابوس ثقيل. – سينقشع عندما تبرأ من أخطائك. قلت برجاء: سوف تساعدانني. فقالا معًا: بل تنتهي مهمتنا هنا، اعتمد على نفسك. وتلاشيا في لحظة خاطفة، وسرعان ما وجدتني في عالمي الجديد. عالم جديد حقًّا لا أملك أسماء لمفرداته. مكان وليس بمكان، ضوء وليس بضوء، ألوان وليست بألوان، أشجار وليست بأشجار، بيوت وليست ببيوت. أرضه وسماؤه مغطاة بالسحب، مترامٍ بلا حدود، بيوته من السحب أيضًا ممتدة في صفوف متوازية تفصل بينها مسافات شاسعة، أشجاره هائلة، ألوانها جديدة تمامًا وذات تأثير عميق في الحواس. ويغمره ضوء ثابت هادئ جديد أيضًا، فلا هو شفق ولا هو غسق. لأول وهلة خُيل إليَّ أنني وحيد في وجود لا متناهٍ. ولكن الوحشة لم تثقل عليَّ طويلًا ولم تدم. فهذا الوجود المحيط بي ينتفض بحياة غامضة. إنه حي وعاقل أيضًا ويرنو إليَّ باهتمام، وكأنما يتساءل عما سأفعل. وفي البيوت أحياء منشغلة بشئونها، تترامى إلى أذني الباطنة تسبيحاتها. هل أطرق بابًا لأسترشد بمن في الداخل؟ ولكن إذا كان والداي قد تخليا عني فكيف بالغرباء؟! لم يبقَ لي سوى أن أعتمد على نفسي، ولكن كيف أبدأ؟ وأين أتجه؟! ويقبل عليَّ شخص جليل يرفل في ثوبه السحابي، ويطالعني بوجه آية في الإشراق والجاذبية. وبنظرة من عينيه أمرني أن أتبعه، حتى وقف أمام بيت وهو يقول: بيتك. نظرت إلى بيتي بحب استطلاع فقال: انتظر، لن تدخل حتى تستحم. فأشرت إلى قلبي قائلًا: ثمة كابوس يجثم فوق صدري. – من أجل ذلك يجب أن تستحم أولًا. واندلعت فكرة في نفسي فقلت: أعتقد أن أمامي عملًا متواصلًا. – الطريق طويل، ومنازله كثيرة، وغايته ليس كمثلها شيء. – هل ترشدني ولو إلى الخطوة الأولى؟ – اعتمد على نفسك أولًا وأخيرًا. وأخذ بيدي فقادني إلى بحيرة من نور في خميلة، وأمرني بإسلام نفسي إلى أمواج أنوارها. وصدعت بالأمر، فطفوت ثواني، ومضيت أغوص على مهل ودون توقف، حتى استقررت في أعماق أعماقها. وتسربت الأمواج إلى باطني فاجتاحته .. وانبسطت أمام ناظري سلسلة الهفوات والأخطاء التي كابدتها في حياتي الأولى. وكلما تطهرت من هفوة أو خطأ تلاشت مصحوبة بآلام متفاوتة، ويخف وزني بمقدار فأرتفع عن مستقري قليلًا قليلًا. وتواصل الاستحمام ساعات أو أيامًا أو أعوامًا، حتى طفوت فوق سطح البحيرة. وانتقلت إلى الأرض في خفة وانشراح، ودخلت بيتي، وارتديت ثوبي من السحاب الرائق. وقررت ألا أضيع وقتًا بلا عمل، وفكرت وتأملت طويلًا، ثم عزمت أخيرًا على أن أبدأ بالهندسة لحاجة المسافر إلى إتقان الملاحة ورسم الخرائط. وانهمكت في العمل بعزيمة لا تعرف اللين أو التردد. وساعدني على ذلك جمال الجو وثباته، فهو معتدل دائمًا، لا يطرأ عليه ليل أو نهار، ولا تغيره الفصول. ولا تضعف المشكلات من قوة العزائم، ولا يعترينا الضجر أو اليأس. ومن صميم ذاتي ودون أي مساعدة من الخارج تراءى لي الطريق بطوله ومنازله؛ فاطمأن قلبي إلى اختياري الهندسة كمنطلق للعمل، وازداد شوقي إلى الغاية البعيدة التي راودت أحلامي الأرضية نفسها. غير أن طارقًا طرق بابي فقطع عليَّ العمل. دهشت حقًّا وأذنت له بالدخول، وإذا بها — هي هي — مقبلة نحوي بجمالها القديم، وسحرها النضير في ثوبها السحابي الجديد — ما تمالكت أن فتحت ذراعي فتلقيتها على صدري بحنان وشوق، وأنا أقول: ما كنت أتصور أننا سنجتمع مرة أخرى! فقالت بصوتها العذب: وما أتصور أن نفترق بعد الآن. فقلت بحماس: معًا .. معًا .. حتى منزل السجود. ونظرت إلى عملي ثم تساءلت: بمَ تبدأ؟ – بالهندسة! قالت بقلق: بدأت بالشعر. وتبادلنا نظرة مترقبة. وهمست بأسًى: لا نستطيع أن نمضي معًا. فتساءلت بحزن: هل نفترق باختيارنا بعد ما ذقنا من مرارة الفراق القديم؟ – لن نلتقي قبل الوصول إلى منزل الحب. – إنه بعيد في الطريق. ولكننا سنبلغه على أي حال. – ألا تستطيع أن تفعل شيئًا من أجلي؟ – لا يمكنني العمل إلا بالطريقة التي تناسبني، ولعلك أيضًا كذلك؟ – نعم. – رغبتي مثل رغبتك أو أشد، ولكن لا حيلة لنا. ولاذت بالصمت، فقلت بأسف: على أي حال؛ فاللقاء آتٍ لا ريب فيه، ولا قيمة للزمن هنا. ابتسمت ابتسامة لا تخلو من عتاب، وتراجعت على مهل حتى تلاشت. ولم أستسلم هذه المرة للحزن كما فعلت في عالمي الأول. وأشفقت من أن يصرفني الحزن عن العمل فضاعفت من اجتهادي وحماسي. ولم آبه لطول الطريق وكثرة مشكلاته. ولم أعد أخاف خيانة الزمن أو زحف الشيخوخة أو تهديد الموت. وإذا ببابي يدق مرة أخرى. توقعت بقلب خافق أن أرى وجهها، ولكن القادم كان رجلًا جديدًا غير المرشد الذي دلني على بيتي. قدَّم نفسه قائلًا: أنا همزة الوصل بين هذا العالم والعالم القديم. العالم القديم الذي نسيته تمامًا. وتطلعت إليه في تساؤل فقال: عطلت عملك، ولكنى أؤدي واجبي. ثم بنبرة حيادية: ثمة من يناديك من أهل الأرض. ماذا يريدون؟ وما شأني بهم؟ وكيف لا يدركون خطورة العمل الذي نكرس له حياتنا؟ وسألته: من الذي ينادي؟ – ابنك أحمد. آه .. الذي غادر الدنيا وهو في بطن أمه. وخفق قلبي على رغمي، غير أني سألته: هل تنصحني بتلبية ندائه؟ فقال بحياد وأدب: لا شأن لي بذلك، اتخذ قرارك بنفسك. نشب صراع في نفسي، ولكنني سرعان ما ملت إلى جانب مستسلمًا لهزيمة لم أتصورها من قبل. وهمست وأنا مثقل بشعور آثم: أرى أن ألبي النداء. وفي الحال وجدتني أطلع على حجرة محكمة الإغلاق تسبح في شبه ظلام، تنبسط أمامي نصف دائرة من المقاعد يجلس فوقها نفر من الرجال بينهم ابني أحمد — عرفته ببصيرة داخلية — يتخذ مجلسه في الطرف الأيمن، على حين استلقى الوسيط على فراش يفصله عن الحاضرين ستارة شفافة. همست بنعومة: أحمد. فانتفض قائلًا: أبي؟! – نعم، أنا أبوك. فسأل باهتمام ساخن: كيف حالك يا أبي؟ – الحمد لله. – كيف تجري الحياة عندكم؟ – لا لغة مشتركة تقرب واقعنا إليك، ولكن كل شيء حسن. فقال وهو يتنهد: الحياة هنا تبدو قاسية لا تعِدُ بخير. – عليكم أن تغيروها حتى تعد بكل خير. – ولكن كيف؟ – السؤال منك والجواب عندك، وكلٌّ يحيا قدرَ همته. – إنهم يتساءلون عما يخبئه لنا الغد؟ – الغد يعلمه الله، ويصنعه الإنسان. – ألا يمكن أن نأمل في معاونتك؟ – قد فعلت يا بني. قال متشكيًا: يتهمونني بأنني لا أحب إلا نفسي. فقلت وأنا أهم بالذهاب: إنك لا تدري كيف تحب نفسك. ورجعت إلى بيتي أسرع من البرق. وهناك غلبني شعور حاد بالأسف والندم. كيف هان عليَّ أن أقطع عملي النبيل، وأن أنشغل بهموم الدنيا التافهة؟ وما أدري إلا والمرشد الوقور يطالعني بوجهه المشرق. تضاعف شعور بالذنب وقلت: أعترف بأنني أخطأت، ولكني سأكفر عن ذنبي بمضاعفة العمل! لم يُعِرْ قولي أي اهتمام ولم تتغير نظرته الصافية. وكما جاء ذهب دون أن ينبس بكلمة، غير أنه خلف وراءه وردة لم أرَ مثلها من قبل، كبيرة الحجم، غزيرة الأوراق، فتانة اللون، ينتشر منها شذا طيب لم يصادفني شيء في مثل جماله وقوته. وخطر لي أنه لا يمكن أن تكون قد سقطت منه سهوًا، بل إنه يقينًا لم يحضر إلا ليهديَها إليَّ، وغمرتني سعادة صافية، وقلتُ لنفسي: لا شك أن رحلتي — بخلاف ما توهمت — قد حازت الرضا. | {
"chapter": "فوق السحاب",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "الفجر الكاذب",
"url": "https://www.hindawi.org/books/42814840/28/"
} |
في جلبابه الأبيض الفضفاض، جلس على أريكة تتوسط حجرة المعيشة، وتحت طاقيته البيضاء بدا وجهه متجهمًا. أما هي فلم تكن تستقر على حال، يتحرك جسمها الرشيق في فستان البيت الوردي بين مقعد وآخر، أو تنظر حينًا من النافذة المطلة على الطريق الصاخب. قالت بجدية: انتهيت إلى قرار أن أقيم مع خالتي. فلوح بيده محتجًا وهتف: تهجرين أخاك لتعيشي مع خالتنا! هذا لن يكون، لن تتركي هذا البيت إلا إلى بيت الزوجية. – ولكن الحياة أصبحت نقارًا مستمرًا. – كل شيء له سببه. – الخلاف بيننا لا يهدأ وهو يستفحل يومًا بعد يوم. – إن ما أقترحه هو عين العقل. – هذا رأيك، أما رأيي فشيء آخر. – أنا أخوك وأخبر منك بالدنيا. – لماذا؟ كلانا متعلم وله عمله، وأنا أكبرك بعامين. – ولكني رجل، وهذه ميزة لا حيلة لنا فيها. – لا تردد ذلك من فضلك. لعل انتقالي إلى بيت خالتي. قاطعها بحدة: لا، من فضلك، افترقنا ونحن على هذا الخلاف يهدد كلينا بكارثة. – ما العمل ما دمنا لا نتفق في شيء؟ – رأي واضح مثل ۱ + ۱ = ۲. فدارت ابتسامة طارئة، وهي تقول: الواضح عندي أن ۱ + ۱ = ۱. – ما أعذبك لو ألنت صلابة رأيك. – عندي كل شيء طيب. – ما أطالبك به يقره الناس والمنطق وطبائع الأشياء. – أستطيع أن أقول نفس الوصف لما أطالب به، ولكنك تقسو على نفسك، حتى الموسيقى الحلوة تعرض عنها. – يا لك من ظالمة، أليس لي أوقات فراغي أيضًا؟ – ولكنك طيلة الوقت مشغول بالهموم اليومية. – هي الحياة، لولا ذلك ما بقي لأسرتنا ما تعتز به. – فضلك مشكور. ولكن الحياة أوسع من ذلك كله. – لو طاوعتك لرمينا بالجنون. – دعني أصارحك بأن من الجنون ما يعجبني. – هكذا أنت، لا تفكرين أبدًا في العواقب. فحدجته بنظرة متحدية من عينيها السوداوين الشهلاوین، وقالت: غاية الحكمة ألا نفكر في العواقب. – الله .. الله .. خطوة واحدة تبقى، ثم يدركني اليأس من ناحيتك. – ما صبرت عليك إلَّا لإيماني بحسن نواياك. – تذكري عمتك، والعاقل من اتعظ بغيره. – عمتي! .. ما أروعها! فكبح غيظه، ولكن وجهه ازداد تجهمًا، وهتف: مناقشة لا تعد بنتيجة طيبة. – هكذا خلقت فدعني وشأني. – لا .. لا .. علينا أن نتدبر أمرنا طويلًا. – ما الفائدة؟ – المزيد من التفكير لا يضر. – إلا إذا جرَّ وراءه مزيدًا من التردد والخوف. – لعلك تهربين من المسئولية. – ليس في حياتي هروب، إنها سلسلة من المغامرات، وكل مغامرة تحمل في طياتها مسئولية هامة. – والخسائر ألا يدور لها في تقديرك حساب؟ – ما تظنه خسارة أعتبره ربحًا. – أتمنى ألا تترامى خواطرك إلى الناس! – الناس .. الناس .. الناس. – إنهم خطر مُدمِّر. – إنهم خطر على مَن يهتم بأمرهم. فقال بنبرة مرتفعة: معي المنطق ووصية أبينا رحمه الله. فانحرفت بعينيها عن عينيه، وقالت بهدوء: لي أيضًا منطقي، وهو لا يتفق مع وصية أبينا رحمه الله! – عجبًا، عرفتك دائمًا بارة بالوالدين. – هذا حق، ولكن لكل شيء حدوده. – أليس من الجحود الاستهانة بوصيته؟ – أبدًا، طالما أنني أفعل ذلك في سبيل الحياة التي أحبها، والتي علمني كيف أحبها وأحترمها. – هو أيضًا كان يحب الحياة. – الحياة التي أحبها غير الحياة التي أقبل عليها. وتبادلا نظرة مليئة بالانفعالات، وفصل بينهما صمت كئيب، حتى تساءل: والعمل؟ فقالت بأسًى: آسفة على الإزعاج. – لا يمكن أن أفرط فيك. – ولكننا لا يمكن أن نتفق. – الانفصال يعني كارثة لكلينا. – ليس الأمر كما تتصور. – يجب أن نستمر معًا، مهما كلفنا ذلك من عناء. – وهل نتحمل النقار ووجع الرأس إلى الأبد؟ – بل إلى أن نجد ملتقًى للاتفاق. – أخاف أن يكون ذلك وهمًا يا أخي. – أبدًا، المهم ألا تنفذي قرارك الأرعن بهجر بيتنا. – معذرة، لولا أزمة المساكن ما كان يجب أن نبقى فيه يومًا واحدًا. – هو اليوم نعمة كبرى إذا قيس بسُكنى المقابر. – أعترف أنه أحسن قليلًا. – لا تسخري يا جاحدة، أتنكرين أنه شهد أسعد أوقاتنا؟ – بلى، ولكن ماذا يشهد اليوم؟ – وبيت خالتك ليس بالجنة على أي حال، إنها تنظر إلينا من فوق! – ولكني أستطيع أن أتفاهم معها بسهولة. – إنها تحتقرنا، أشك أحيانًا أنها شقيقة أمنا، وهي في نظري مسئولة مسئولية كاملة عما حصل لعمتك. – عمتي! أين نحن من عمتي؟! – اسمعي، لا أبرئك من الانتهازية! فضحكت قائلة: الله يسامحك. – المهم ألا نفترق وألا نيأس من الاتفاق. فقالت بنبرة واضحة: لا تتوقع تنازلًا من ناحيتي. – ولا تتوقعي تنازلًا من ناحيتي. – إذن فلن نجني إلا تعب القلب ووجع الرأس. فقال بجدية ورجاء: وأيضًا الوفاق. | {
"chapter": "حوار",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "الفجر الكاذب",
"url": "https://www.hindawi.org/books/42814840/16/"
} |
الحياة ماضية بكل جلَبتها كأن شيئًا لم يكن، كل مخلوق ينطوي على سره وينفرد به. لا يمكن أن أكون الوحيد، لو تجسدت خواطر الباطن لنشرت جرائم وبطولات، بالنسبة لي انتهت التجربة من جراء حركة عمياء، لم تبقَ إلا جولة وداع عند مفترق الطرق تحتدم العواطف وتنبعث الذكريات. ما أشد اضطرابي! تلزمني قدرة خارقة للسيطرة على نفسي، وإلا تلاشت لحظات الوداع، انظر وتملَّ كل شيء، وانتقل من مكان إلى مكان، ففي كل ركن سعادة منسية يجب أن تذكر، يا لها من ضربة مفعمة بالحنق والغيظ والكراهية! اندفعت بقوة طائشة ونسيان تام للعواقب، تطايرت حياة لا بأس بها. انظر وتذكر واسعد ثم احزن. لأسباب لا وقت لإحصائها انقلب الملاك شيطانًا، شد ما يلحق الفساد بكل شيء طيب، واقتلع الحب من قلبي فتحجر. لنتناسَ ذلك في الوقت القصير الباقي، يا لها من ضربة قاضية! ما الأهمية؟ هذا شارع بورسعيد يتحرك تحت مظلة من سحب الخريف البيضاء. الأبخرة المتصاعدة من صدري تغبش جمال الأشياء، وغمزات الحنين من الماضي البعيد تطرق أبواب قلبي، قدماي تجرانني إلى زيارة أختي. وجهها الهادي الشاحب يطالعني من وراء شراعة الباب، يشيع فيه السرور وتقول: خطوة عزيزة على غير توقع، في هذا الوقت الباكر. ذهبت لتعد القهوة وجلستُ في حجرة المعيشة أنتظر، نظر إليَّ الوالدان والإخوة الراحلون من صورهم القائمة فوق المناضد. لم يبقَ لي إلا هذه الأخت الأرمل المحرومة من الذرية التي وهبت موفور حبها لي ولسميرة وجمال. هل جئت لأوصيها بابنتي وابني؟ رجعت بالقهوة ومن داخل روبها الأبيض تساءلت: لِمَ لم تذهب إلى الشركة؟ – إجازة لوعكة. – واضح ذلك من وجهك، نزلة برد؟ – نعم. – لا تهمل نفسك. بدأ وجهي يفضحني. ترى ماذا يجري في شقتي التعيسة الآن؟ – زارني أمس سميرة وجمال. – إنهما يحبانك كما تحبينهما. – وكيف حال سهام؟ يا له من سؤال بريء! – بخير. – ألم يتحسن الجو بينكما؟ – لا أظن. – دائمًا أنصحها وأشعر بأنها تضيق بي. غلبني القهر؛ فسكت، فقالت: زماننا يحتاج للصبر والحكمة. أود أن أوصيها بسميرة وجمال، ولكن كيف؟ سوف تدرك مغزى زيارتي فيما بعد. هل تغفر سميرة وجمال لي ما فعلت؟ ما أشد اضطرابي. – ما رأيك في أن أصحبك الآن إلى طبيب؟ – لا ضرورة لذلك يا صدِّيقة، سأذهب الآن؛ لإنجاز بعض الأعمال. – وكيف أطمئن عليك؟ – سأزورك غدًا! غدًا؟! ها هو الطريق من جديد. انظر وتملَّ وانتقل من مكان إلى مكان، شاطئ اسبورتنج وحيد أيضًا، خالٍ من البشر وأمواجه تصطفق منادية بلا مجيب. القلب يخفق تحت غلاف الهموم المحكم. ساعة خرجت من الماء بجسمها الرشيق، مخضبة الإهاب بلعاب الشمس. تلفعت بالبرنس وهرعت إلى الكابينة؛ لتجلس عند قدمي والديها، كنت أتمشى في بنطلون قصير فالتقت عينانا. غمرني ارتياح ابتهج له قلبي، وناداني صوت فلبيت فوجدتني في مجلسها، وكان المنادى خالها وزميلي في الشركة. وتعارفنا وجرى حديث عابر ولكن ما كان أمتعه! لحظات من السعادة الصافية لا تشوبها شائبة. لا تتكرر، تأبى أن تتكرر، تطوف بقلبي الآن على هيئة حنين طائر. له وجوده الدافع رغم تمزق الخيوط التي ربطته يومًا بالواقع. وقولها ذات يوم: قلبك طيب والقلب الطيب لا يقدر بثمن، حقًّا؟ مَن إذن القائلة لا يوجد من هو أخس أو أحقر منك، ومن القائلة ربنا خلقك لتعذيبي وتعاستي، كان على الحب أن يصمد أمام خلافات الأمزجة، ولكن الخلافات قضت على الحب. كلانا عنيد شعاره كل شيء أو لا شيء. أنت مجنونة بالمظاهر الفارغة. فتصرخ في وجهي: بل أنت متخلف. سميرة وجمال يلوذان بحجرتيهما مذعورين. شد ما أسأنا إليهما! عانى الحب بيننا ساعة بعد أخرى ويومًا بعد يوم حتى لفظ أنفاسه. اختنق في لجة الجدل والخصام المستمرین، والشتائم المتبادلة. ولكن في هذا الكازينو، في هذا الركن بالذات، كاشفت خالها بإعجابي بها. – إنها متعلمة، لم تدخل الجامعة. أبوها له سياسة خاصة، بعد التعليم الثانوي يعد الفتاة للبيت اكتفاء بدخل لا بأس به. قلت: هذا مناسب جدًّا، دعانا — أنا وهي — إلى عشاء في سانتالوشيا. التقينا في حديقة البجعة بعد ذلك، أيام الخطوبة والأحلام والسلوك المثالي أسمع نغمة جميلة تهيم رغم تقصُّف جميع الأوتار التي عزفتها. يا لها من ضربة قاضية! ماذا يحدث في الشقة الآن؟ لم لا تكون الحياة أيام خطوبة دائمة؟ آه يا أقنعة الأكاذيب التي نتوارى خلفها! لا غنى عن وسيلة ناجعة لمعرفة النفس. – أستاذ مصطفى إبراهيم؟ نظرت إلى المنادي، فإذا به مفتش بالشركة ماضيًا ولا شك إلى عمل. – أهلًا عمرو بك. – إجازة؟ – متوعك. – واضح جدًّا .. تحب أوصلك إلى أي مكان؟ – شكرًا. لعله أول شاهد، كلا. رآني جاري الدكتور وأنا أغادر الشقة، هل لاحظ شيئًا غير عادي؟ رآني البواب أيضًا. لا أهمية لذلك، لم أفكر في الهرب قط، في الانتظار حتى النهاية. لولا هيامي الأخير بالوداع لذهبت بنفسي، لم أسعَ إلى نبذ الحياة باختياري. انتزعت من بين يدي عنوة، ما قصدت هذه النهاية أبدًا، بيني وبين الخمسين خمس. ورغم المعاناة فالحياة حلوة، لم تستطع سهام أن تبغضها إليَّ، هل أزور سميرة وجمال بكلية العلوم؟ ذهبا دون أن أراهما ولم أكن أتوقع ما حدث، ولن أجد الشجاعة للنظر في عينيهما، ويعز عليَّ أن أتركهما لمصيرهما. أتصورهما يطرقان الباب دون أن تهرع ماما لفتحه. سيخلف هذا اليوم أثره حتى نهاية العمر، وإذا لعناني فلهما الحق. متى أتناسى كربتي وأخلص للوداع؟ انظر وتملَّ وانتقل من مكان إلى مكان. السوق .. يوم سرنا في السوق لنبتاع الدبلتين، ويشعر من يمتلك العروس أنه يتحفز لامتلاك الدنيا. ويشعر بأن السعادة قد تكون أي شيء إلا أن تكون كالكحول، وأقول لها بوجد: إلى سان جيوفاني. فتقول مشرقة: أتلفن لماما. الرقة والعذوبة والملائكية في أيامنا الأولى. متى وكيف ظهرت المرأة الجديدة؟ بعد الأمومة ولكن دون تحديد حاسم، كيف هيمن عليَّ شعورٌ بخيبة الأمل؟ قالت لي سميرة مرة: ما أشد غضبك يا بابا وما أسرعه! واعترفت لسهام مرة قائلًا: قد أنسى نفسي وقت الغضب، ولكنني لا أغضب إلا لسبب! – وبلا سبب .. إنه سوء الفهم. – تهدرين حياتنا في السفاسف. – السفاسف؟! إنك لا تفهم الحياة. – أنت مستبدة، لا وزن للعقل عندك، وما في رأسك يجب أن يتم دون اعتبار لأي شيء. – لو احترمت آراءك لحقت علينا اللعنة! أنظر وتملَّ وانتقل من مكان إلى مكان، أبو قير مصيف الفطرة. ليكن الغداء سمكًا، املأ بطنك، وحركه بشيء من النبيذ الأبيض، هذا المكان جلسنا فيه سويًّا، وعلمنا فيه سميرة وجمال السباحة وهما صغيران، اهدأ يا اضطرابي فاليأس إحدى الراحتين. ألم يكن الأفضل أن أطلقها؟ – طلقني وخلصني. – عز المنى لولا إشفاقي على سميرة وجمال. – بل تشفق على نفسك بعد أن وضح لك أنك شخص لا يُطاق. الحق أني تمنيت كثيرًا موتك، بيد الأقدار لا بيدي، أي متاعب تهون إلى جانب جحيم الكراهية، نتبادل الكراهية دون خفاء. بعد تبادل أقسى الألفاظ وأفظعها، كيف تناولت طعامي بشهية؟ حقًّا لليأس سعادة لا يستهان بها، وترامت من راديو أغنية «أنا والعذاب وهواك» فارتجف قلبي، أغنية أحببتها كثيرًا في ذلك الشهر المراوغ شهر العسل. كيف تتلاشى السعادة بعد أن تكون أقوى من الوجود نفسه؟ تتطاير من القلوب لتعلق بأجواء الأماكن بعد اندثار مصدرها، ثم تقع كالأطيار على الأرض الجافة، فتزخرفها بوشي أجنحتها ثواني من الزمن، أنا والعذاب وهواك وهذه الضربة القاضية، لعله اليوم الذي انقضضت فيه على سميرة بجنونك؛ ففزعت أدفعك عنها فسقطت على رأسك. يومها اشتعلت في عينيك نظرة غير إنسانية تمجُّ سمًّا: إني أكرهك. – في داهية. – أكرهك حتى الموت. – إلى الجحيم. – إذا تعكر قلبي، فهيهات أن يصفو. هي الحقيقة للأسف، يا ذات القلب الأسود، لم يُجْد اعتذار أو مجاملة أو توادد، ولم يجرِ بيننا حديث بعد ذلك إلا عن الواجبات والميزانية، واختلط الانتقام بتكاليف المعيشة. ونضب معين الرحمة، حامت أحلامي حول الهروب كالسجين أو الأسير. جفت رغبات قلبي وأطبقت عليه الوحشة، وراحت تتصرف تصرف المرأة الحرة، فتذهب وتجيء بلا إذن أو إخطار، يلفها الصمت فلا تندُّ عنها كلمة إلا للضرورة، وانطوت على سرها كبرياء، فلم تشكني إلا لأختي صِدِّيقة. ولما لم تقم بما توقعته منها، وقصدت التوفيق كرهتها بدورها. وقالت: إنه ليس بجنون رجل ولكنه جنون متوارث عن أسرة. وانتهزت فرصة انفرادي بسميرة وجمال، سألت عن رأيهما فيما يشهدان من أحوالنا. قال جمال: حالكما لا يسر يا بابا، كحال بلدنا أو أسوأ؛ لذلك فإني سأهاجر في أول فرصة. أعرف الكثير عن تمرده، أما سميرة فبنت عاقلة، متدينة وعصرية في آنٍ، ولكنها قالت: معذرة يا بابا، لا تسامح من ناحيتك أو ناحيتها. – كنت أدافع عنك يا سميرة. – ليتك ما فعلت، كانت ستصالحني بعد ساعة، لكنك سريع الغضب يا بابا. – لكنها غير معقولة. – بيتنا كله غير معقول! – اخترتك قاضية. – كلا .. لا يحق لي هذا أبدًا. – لم أجد عندكما أي عزاء. فقال جمال: لا عزاء عندنا ولا عزاء لنا. إذا لم يحبني هذان الاثنان كما أحبهما؛ فأي خير أرجو في هذا الوجود؟! آه! .. انظر وتمل وانتقل من مكان إلى مكان، بحق الحياة الضائعة، عش الساعة التي أنت فيها وانسَ الماضي تمامًا، املأ عينيك؛ فما تغادره لن تراه مرة أخرى، كل لحظة هي اللحظة الأخيرة، من دنيا لم أشبع منها ولم أزهد فيها، وانتُزعت من بين يدي في هوجة غضب. أي شارع من هذه الشوارع لم يشهدنا معًا؟ أو يشهد أسرتنا الكاملة وسميرة وجمال يتقدماننا. ألم تكن توجد وسيلة لإصلاح ذات البين؟ أقسى عقوبة أن تودع الإسكندرية في مجلى خريفها الأبيض، وفي عنفوان الرجولة والرشاد. وهذا هو البحر الصامت في الناحية الأخرى من أبو قير، ونغني معًا: «يا للنعيم اللي انت فيه يا قلبي»، في حوار غنائي بين قلبين يقظين، وسميرة وجمال مبهوران بعدِّ قوارب الصيد الراسية فوق شعاع القمر. هل يكفي يوم واحد للطواف بمعالم ربع قرن؟ لم لا نسجل الاعترافات العذبة في إبانها لعلها تنفعنا وقت الجفاف؟ الذكريات كثيرة مثل أوراق الشجر والمدة الباقية قصيرة مثل السعادة، السعادة تغيب الوعي حين حضورها وتراوغنا بعد زوالها، ومَن لي بمن يجمعني بدولت؟ لا سبيل إلى ذلك اليوم. ولو تيسر لزادني ارتباكًا وفضح أمري قبل الأوان. وما جدوى ادعاء حب لا وجود له؟ اليأس وراء انزلاقي فيه. ولم تكف أبدًا عن التلويح لي بالزواج دون اكتراث لمصير سميرة وجمال، ليس هو بحب ولكنه نزوة انتقام. ليتني وقفت عنده ولم أعبره للضربة القاضية. المساء يهبط والبحث عنى يشتد ولا شك، فلأنتظر في إستريا أحب أماكن المساء إليَّ، مجمع الأسر والعشاق والأحلام الوردية. الجعة والعشاء الخفيف والمرطبات، ربما أكون المنفرد بنفسه الوحيد. معذرة يا سميرة معذرة يا جمال، استقبلت الصباح بنية صافية، ولكنه الغضب يطوح بنا فوق المحاذير، ضرعت إلى الساعة أن تتأخر دقيقة واحدة. ولما تلاشت التوترات العنيفة لم يبقَ إلا اليأس بوجهه الثلجي الأبكم، وجلت جولة الوداع يتبعني الموت حينًا ويتقدمني حينًا آخر. أختزل العمر في ساعات، فعرفت الحياة أكثر من أي وقت مضى. ما أسعد الناس من حولي ولو وقفوا على سري لسعدوا أكثر، ويسألني النادل مجاملًا: أين الهانم؟ فأجيبه باكتئاب خفي: مسافرة. لم يعد في الوقت بقية. عما قريب سيقترب مني رجلان أو أكثر: حضرتك مصطفى إبراهيم؟ – نعم يا أفندم. – تسمح تتفضل معنا! أقول بهدوء كامل: كنت في انتظاركم. | {
"chapter": "يوم الوداع",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "الفجر الكاذب",
"url": "https://www.hindawi.org/books/42814840/11/"
} |
لدى خروجه من مملكة النوم الغامضة تلقى وحدته، أمس والآن وربما غدًا. بلورة الوعي المتثائب. وطاف حنينه بأجواء غريبة حبيبة، الولد في بلجيكا والبنت في سنغافورة، ورفيقة العمر تحت الثرى. لكنه يستقبل الصباح الباكر بارتياح وبشر. نوفمبر ذو برودة حانية، يغادر الفراش، يتناول الروب من فوق المشجب ويلتف به، ثم يذهب إلى حجرة السفرة؛ ليجد الشاي والجبن والشهد والتوست المحمص في انتظاره على أحسن صورة. عبده عجوز نشيط رغم طعونه في السن. وهو سعيد حقًّا بالجبن والعسل. الجبن الدمياطي الأبيض والعسل البائح بشذا البرتقال. يحب منظر إبريق الشاي الفضي وأوعية اللبن والسكر والأطباق الصغيرة المزخرفة. ويركب طاقم أسنانه ويقبل على الإفطار بشهية. لم يعد يضيق بالوحدة كما تعود على الحياة بعد السبعين. صحة لا بأس بها، بوسعها أن تهنأ بالهدية إذا جادت بها السماء على غير انتظار. هدية جميلة حقًّا قلبت موازين الزمن، وشحنت الدقائق والساعات بالوعود المسكرة، وعندما ارتدى ملابسه بدا في بدلته الصوفية نحيلًا طويلًا، أبيض الرأس والشارب، خفيف التجاعيد .. ووجد الشارع أمام العمارة مغسولًا متألقًا، ترى هل أمطرت بعذوبة في الليل؟ وانبسطت السماء بين هامات العمائر تسبح فيها السحب البيضاء في زرقة عميقة صافية. انشرح صدره وتحفز للهو رغم موعد الطبيب المضروب. وطبيبه أيضًا على المعاش ويستقبل مرضاه خلال ساعتين أو ثلاث في نصف النهار الأول. وبسبب من بعض الأمراض المزمنة — القلب مثلًا — تنشأ صداقة بين المريض والطبيب على مدى الزمن. تصافحا، جلس أمام مكتبه الحافل بالمراجع وقوارير العينات حتى تساءل الطبيب: خير؟ – وجبت الزيارة بعد غياب أشهر. وخلع جاكتته ومضى إلى الفراش وراء البرافان، ففك حزام البنطلون، واستلقى على ظهره، وفحصه الرجل بعناية مستعينًا بأصابعه المدربة ومقياس القلب والضغط، وفي أثناء ذلك جعل يعلق على الأحداث السياسية المثيرة، فضحك الرجل الراقد وتساءل: حتى متى يحل لأمثالنا الكلام في السياسة؟ فأجابه الطبيب، وهو لا يكف عن الفحص: حتى تختل الذاكرة فتعفينا من قرفها، كيف حال ذاكرتك؟ – نحمده، ولكنها فقدت مزايا لا يستهان بها. – على فكرة، الدواء الذي تواظب عليه ينفع أيضًا للذاكرة. وارتدى ملابسه وعاد إلى مجلسه الأول أمام المكتب، وأخرج من جيب الجاكتة الصغير مشطًا فسوى به شعره الأبيض الذي تشعث. وقال الطبيب: بصفة عامة الحالة طيبة لا تغيير في الدواء ولا إضافة، وعليك بتجنب الانفعال. – نصيحة ثمينة ومستحيلة. – لا أعني الانفعال وحده! – أفندم؟ ابتسم الطبيب ابتسامة ذات مغزًى وقال: أنت تزعم أنك ما زلت قادرًا على الحب؟ – ولكني عجوز أرمل! – عظيم، واظب على ذلك. فهز رأسه موافقًا أو متظاهرًا بذلك، فقال الطبيب ضاحكًا: صحتك أحسن من صحتي. غادر العيادة مطمئنًا، وقال لنفسه: إن نشوة رقيقة خير من حياة عامين بلا نشوة. وابتسم داخله. أحمق أم حكيم؟ رب أحمق حكيم ورب حكيم أحمق. مَن يرفض هدية سقطت من السماء سهوًا؟ وحام خياله وهو في السيارة حول التجربة الجديدة، تلك الجارة المحترمة في الأربعين أو جاوزتها بقليل، غاية في النضج والجاذبية. كيف ولماذا أثار اهتمامها؟ لن يجد عند المنطق جوابًا ولكنه اهتمام مذهل فلم يستطع أن يقاومه. يقاومه؟ هوَى من حصنِه دون أدنى مقاومة. وهبته نشوة فاقت جميع انتصارات الحياة. ذاق انتصارات المناصب والثراء والزواج الأرستقراطي الموفق والبنوة الفريدة، هذا الانتصار يفوق سابقيه جميعًا، ولعله لم يفقد حُسن إدراكه فهو يشعر بأنه لا يحب، إنه لا يحب كما أحب في الماضي البعيد. ما هو إلا تعلق بأهداب الحياة. آخر نظرة للشمس قبل الغروب، وهل نسي أنه نبذ فرصة متاحة، وهو في الخمسين رافضًا أن يخون رفيقة عمره؟ ولكن الاستهانة بالفرصة الأخيرة جنون، جنون لا يغتفر. وانزلق في رعونة إلى الحلم بتبادل الإشارات خلسة .. وينتظر في قلق .. ويسعد باللقاء .. ويتغنى بالعواطف كالأيام الخالية. بل افترض أيضًا أنها امرأة ذات خطة وغرض، ومكر ودهاء، فلم يثنه ذلك عن الاندفاع، ورأى العدل كل العدل في أن يؤدي ثمن ما ينال، غير أن الأيام تمر ولا تبدي هي إلا الود، وتهب الحرارة والصدق، دون أي مقابل. فليصدق إذن، أو فليصدق وليوطن نفسه على أي نكسة، ولو أنه كاشف طبيبه نفسه بما يفعل لاقتنع، بل ولربما حسده على جميل حظه؛ لذلك لم يكبح تحذيرُ الطبيب إصراره واندفاعه. وانطلق مساء اليوم نفسه إلى عشه، ونسي في رحابها هموم الحياة وهواجسها، وامتلأ فؤاده بالرضا والراحة والسرور. طيبة ورقيقة ومستجيبة ولله في خلقه شئون. يقول لها: توجد أماكن صباحية غاية في الأناقة والعزلة، فتقول: الستر أوجب. فيقول متمنيًا: ليتني أرجع إلى الوراء ثلاثين عامًا. فتقول باسمة: ولكني أحبك كما أنت! أحيانًا يصدق ولا يصدق أحيانًا. في فترة الجفاف تنبثق له وردة مشتعلة الأوراق. ويتوقع مفاجأة لا تريد أن تقع، ويتمادى في لهفة وراء النشوات. حتى شعر ذات صباح أنه في أشد الحاجة إلى لقاء طبيبه، لم يستطع أن يغادر فراشه وكان ذا خبرة سابقة، وجاء الطبيب وراح يفحصه بعناية وهو يقول: انقطعت عني مدة غير قصيرة. لاذ بالصمت أو أُجبر عليه، وفرغ الطبيب من فحصه فقال: أزمة بسيطة ولكن الأفضل أن تنتقل إلى المستشفى، ما رأيك؟ أجاب بصوت ضعيف: كما تشاء. – هناك ستجد كل ما يلزم وسوف أرتب كل شيء، وإن شاء الله تسترد صحتك في أقرب وقت. – أشك في هذا. – ليس الأمر بالخطورة التي تظن. – بل هو خطير حقًّا. – سوف أذكرك. وتردد الطبيب قليلًا ثم قال باسمًا: يبدو أنك لم تعمل بنصيحتي! فقال وهو يسدل جفنيه: ولست نادمًا على ذلك. | {
"chapter": "النشوة في نوفمبر",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "الفجر الكاذب",
"url": "https://www.hindawi.org/books/42814840/10/"
} |
نظر في مذكرته ليراجع رءوس المسائل المطلوب إنجازها؛ هالته كثرتها، كلما ألقى عليها نظرة غبط مَن يستخدمون السكرتيرين؛ لإنجاز الأعمال. ولكن موارده لا تسمح بهذا الترف. ارتدى بدلته ليزور ابنته بعد انقطاع طال في غمرة شواغله، ولما اقترب من باب الخروج رن الجرس، فعجب للطارق على غير موعد في هذه الساعة من الغروب. خاف أن يشغله عن زيارة ابنته التي تنتظره للعشاء، فمضى بخفة نحو العين السحرية ونظر فرأى وجهه واضحًا تحت ضوء السلم. انقبض صدره انقباضًا ثقيلًا، فتراجع إلى الصالة بنفس الخفة التي جاءه بها، عاقد العزم على إهماله، حتى يعتقد أن الشقة خالية فيذهب إلى حال سبيله. آخر مَن يود أن يلقاه وهو يعلم أن لقياه يعني اختلال المواعيد وانقلاب الموازين. الجرس يرن، ينقطع وقتًا ثم يعود إلى الرنين، متى يسلم بأن الشقة خالية؟ سيسأل البواب، سيقول البواب إنه في الداخل، أو إنه خرج دون أن ينتبه إليه. الجرس مستمر معلنًا تصميم صاحبه وعناده. ولكنه سيصمت عاجلًا أو آجلًا. وانتقل إلى حجرة المكتب المطلة على مدخل العمارة، وقف في الظلام وراء خصاص نافذة؛ ليراه عند ذهابه يائسًا. لاذ بالصبر حتى سكت الرنين تمامًا. لم يشهد خروجه ولكن يحتمل أنه غاب في زحمة الطريق. ذهب على أطراف أصابعه إلى العين السحرية ونظر، وخنقه الغيظ أن يراه واقفًا في هدوء. ماذا ينتظر؟! ولِمَ كفَّ عن دق الجرس؟ هل شكَّ فيه فتلفع بالصمت ليوقعه؟ ورجع إلى حجرة المكتب وهو من الحنق في نهاية. وطلب ابنته بالتليفون. – آلو. – أنا والدك. – ما زلت في البيت؟! – صاحبنا واقف أمام الباب. – أعوذ بالله! – سأتركه حتى ييأس، ربما تأخرت قليلًا. – أنا منتظراك ومعي الأولاد. – إلى اللقاء يا حبيبتي. وقف وراء الخصاص يراقب الطريق. ولم يطل انتظاره هذه المرة. رآه يغادر العمارة ويتوارى في الشارع الجانبي. تلقى دفقة منعشة من الارتياح والسرور، وتريث دقائق ليطمئن إلى ابتعاده تمامًا عن مجال تحركه، ومضى إلى الباب ففتحه، وإذا به يجده واقفًا ينتظر في صبر وتصميم. ذُهل! أدرك من فوره أنه خدعه وغلبه، وتمالك نفسه متظاهرًا بالدهشة. وتمتم: أهلًا. تساءل الآخر وهو يدخل قبل أن يؤذن له: ألم تسمع الجرس؟ – أبدًا، قمت من النوم متأخرًا فهرعت إلى الحمام، ثم ارتديت ملابسي بسرعة لموعد مهم. آسف! قال القادم: أزف الوقت، حسن أن أصادفك مستعدًّا. ولكن عليك أن تغير رباط الرقبة. فقال باهتمام: ابنتي تنتظرني الآن. – مهمتنا لا تقبل التأجيل. ارتبك، في الوقت نفسه تنبه إلى وقوفهما في المدخل، فقال: لا مؤاخذة .. تفضل بالجلوس في الداخل. – لا وقت لذلك يا عزیزي. – لكنها مفاجأة غير مسبوقة بميعاد. – من المتفق عليه أن أحضر في الوقت المناسب دون ميعاد. – يوجد أكثر من وسيلة لتنبيهی. – أنت أول من يعلم بشواغلي التي لا تترك لي فراغًا. فتساءل برجاء: ألا يمكن أن نؤجل المشوار للصباح؟ – حقًّا إني أبدو فظًّا، ولكن الأمر ليس بيدي كما تعلم. – البنت كبيرة الرجاء في أن ينهي محضري الحل المناسب لمشكلة طارئة. – يا سيدي، الفرص لا تنقطع وما أكثر المشكلات التي تحل بلا حلال. فقال برجاء أخير: لا شك أنك تعلم بمدى احترامي لك. – علم الله أنها عاطفة متبادلة ولكن العمل لا يرحم، فضلًا عن أنه ينجز لصالح الجميع. – طيب، جاري أنت تعرفه طبعًا، مشكلتنا واحدة، يمكن أن يحل محلي اليوم. – لا .. لا .. لا .. دوره أبعد مما تتصور. – هل يتغير نظام الكون إن لم نذهب هذا المساء؟ – بل في هذه الساعة أيضًا! – إنك تحب النظام لحد الإدمان، ولكن الحياة تتطلب المرونة أحيانًا. – إني أعرف واجبي تمامًا. – ألا ترى أنها مفاجأة لم أستعد لها؟ – مفاجأة! حسبتك تتوقعها في أي لحظة. هموم الحياة تُنسي: مثلك في الضغوط، ولكنني بفضل الله لا أنسى. – كل شيء يتغير إلَّاك. – أحمد الله على ذلك. رد قائلًا: يا لها من مأساة! – إنها أطيب فرصة تسنح. – أتسخر مني؟ – السخرية لا تتفق مع عملي! وفضلًا عن ذلك، فأنا أعرف أنك مقتنع بما نفعل. مقتنع أو مسلم به، ولكن لا حيلة لي فيه. – إنه قانون عام احترمته جميع الحكومات على اختلاف منازعها. – ما شككت في ذلك قط، ولكن ما أكثر الكوارث التي يجيء بها. – لو لم يكن لتعرضنا لكوارث أشد، لا تضيِّع الوقت. فقال بتسليم: دعني أتلفن لابنتي معتذرًا. – لا .. آسف .. ضاع وقت كثير. – دقيقة واحدة. فهز منكبيه ضجرًا، وقال: ما عليك إلا أن تغير رباط الرقبة. لما آنس منه ترددًا مد يده فحل عقدة رباط رقبته، وأخرج من جيبه رباطًا آخر مناسبًا، وفرد ياقة القميص وطوقه به، ثم راح يعقده برشاقة ومهارة، وثنى الياقة. ألقى عليه نظرة فاحصة وقال بارتياح: غاية في الأناقة. تأبط ذراعه، ومضى به، ثم أغلق الباب. | {
"chapter": "الجرس يرن",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "الفجر الكاذب",
"url": "https://www.hindawi.org/books/42814840/20/"
} |
ابن الأرض، من أسرة الأعشاب البرية، نشأ ونما وترعرع في البستان الذي توسط يومًا ميدان العتبة الخضراء القديم. من المجهول انبثق، لتربيه الأيدي القذرة، تطعمه لقمة وتلبسه جلبابًا وتسلبه إنسانيته. وذات يوم — وكان عوده قد اشتد وطال — أشار إليه عابر سبيل، وقال لصاحبه بصوت مرتفع ضاحك: انظر، كأنما هو الملك! الملك! يعرف أنه يوجد ملك، ورأى من بعيد موكبه. ماذا يعني الرجل؟ وتكررت الإشارة والنظرة المندهشة. أيشبه الملك حقًّا؟ أيمكن أن يحدث ذلك في هذا الوجود؟! وسعى إلى مرآة مصقولة معروضة عند مدخل محل لبيع الأثاث في أول شارع الأزهر ليرى صورته، ليرى الملك .. إذن فهذا هو الملك. لم تطمس شكله رثاثة الجلباب ولا قذارة الوجه، وراح يغسل وجهه ويمشط شعره، ويقطع الميدان بالطول والعرض فيحرز النجاح بعد النجاح، ويتلقى الإشارات والتعليقات، ويمضي باسمًا مزهوًّا بصورته النفيسة. وعُرف في المنطقة مع الأيام بمولانا، مولانا صاحب الجلالة. وفسرت الظنون الساخرة الشبه العجيب بما عرف عن الملك الراحل الأب من رمرمة جنسية، فمَن يدري؛ فلعله … وأليس من الجائز أن …؟! وما وجه الاستحالة في أن يكون …؟ هكذا ألحقته السخريات بالدم الأزرق المصون لأسرة محمد علي. وهو لا يعرف لنفسه أُمًّا ولا أبًا؛ فكل شيء محتمل. وُجد على الأرض، عاريًا أو في لفة، ونشأ في أحضان الطبيعة مثل أجداده الأول في العصور الغابرة. وحام مع الظنون حول أصله الرائع المجهول، وانتظر من وراء ذلك الشبه خيرًا وأي خير. والواقع أن فخامة منظره خففت عنه من بلاء التشرد وجنبته كثيرًا هراوات الشرطة، فكان أكرم المتشردين وآمن النشالين. وقال له أقرانه: إذا رفعك الحظ يومًا فلا تنسنا! فوعدهم بالخير والحماية، وتعلق أكثر بأحلامه الخرافية. وطرقت شهرته أخيرًا قسم الشرطة وذهب المخبرون ورجعوا قائلين: الطول والشكل واللون، إنه معجزة. وقرر المأمور أن يراه بنفسه، ولما مَثل بين يديه تفحصه بذهول، ولما صرفه وجد نفسه يفكر فيه كمشكلة حقيقية. أيمكن أن يتغاضى عنه كدعابة لا وزن لها؟ هل يأمر بمراقبته حتى يقبض عليه متلبسًا؟ لم يقنع بهذا الحل أو ذاك، ورأى أن يبلغ الخبر إلى أحد الرؤساء في الداخلية الذي تربطه به علاقة حميمة. وجرت التحريات من جديد، وارتبكت مراكز الأمن العليا، واعتبرت الموضوع بالغ الأهمية والخطورة. – قد يتكشف الأمر عن مضاعفات مجهولة، ونسأل عند ذاك أين كنتم أيها السادة؟ – والعمل؟ واستقر الرأي على اعتقاله ووضعه في الطور باعتباره من الخطيرين على الأمن الواجب استبعادهم، وتم التخلص من فاروق «الثاني»، واطمأنت القلوب وكاد ينسى تمامًا. وقامت ثورة يوليو، وانهالت المطارق على العهد البائد. وكتب أحد الصحافيين عن واقعة شبيه الملك المخلوع المنسي في المعتقل، فكانت كلمته إيذانًا بالإفراج عنه. رجع إلى تشرده، ولكن بلا حلم هذه المرة ولكنه حمد الله على نعمة الحرية .. ونشرت بعض المجلات صورته، فاكتسب شهرة لم تخطر له في بال. وقررت إحدى الشركات السينمائية أن تنتج فيلمًا يصور الفساد في عصر ما قبل الثورة، وكان الملك يظهر فيه في منظر هامشي فيما وراء الأحداث، واستدعت الشاب لتجربه في الدور، فأداه أداء مقبولًا لسهولته، وحاز سمعة لا بأس بها، ولكنها لم تفتح له طريق النجاح، ولم تكتشف فيه موهبة ذات شأن. ورأى المسئولون أن الحديث يتكرر عن الشاب، وأن صوره تنشر أكثر مما ينبغي … وإذا بمشكلة جديدة تنشأ من حيث لا يحتسب إنسان. وقال شخص بعيد النظر: شعبنا طيب، ولا يبعد أن يوجد فيه من يعطف على الملك رغم فساده، وسيكون وجود هذا الشاب محركًا لهذا العطف. – إذن يمنع نشر صوره. – بل الأوفق أن يختفي تمامًا! وظن الشاب أنه وُلد من جديد؛ ليستقبل عهدًا جديدًا. وأشعل الدور الصغير الذي قام به في الفيلم طموحه إلى أقصى حد، وتوقع الخير مع طلعة كل شمس. وكلما شعر بمرارة الانتظار قال: إن الله لم يخلقني في هذه الصورة إلا لحكمة بالغة. ولكنه اختفى بلا سبب ظاهر. لم يعد أحد يراه في أي من مظانه. اختفى تمامًا، بل يبدو أنه اختفى إلى الأبد. | {
"chapter": "مولانا",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "الفجر الكاذب",
"url": "https://www.hindawi.org/books/42814840/15/"
} |
أي أمل يمكن أن تجود به هذه الحياة؟ إنها من صميم الأسرة، ولكنها غريبة عنها تمامًا في الوقت نفسه، تمضي حياتها على الهامش، على حافة الهامش، رغم أنها المحور الذي يدور حوله كل شيء. أول مَن يستيقظ لتعد الإفطار، ولتمارس بعد ذلك خدمات متصلة، ختامها غسيل الأواني بعد العشاء، لا تشعر بانتمائها إلى الأسرة إلا حينما تجلس إلى مائدة الطعام معهم، أو عندما تتخذ مجلسها أمام التلفزيون بعد الفراغ من السخرة اليومية. وما إن تجاوز الساعة العاشرة حتى تقول لها تفيدة هانم — زوجة أبيها — بنبرة تجمع بين الحزم الصادق والعطف الكاذب: آن لك أن تنامي يا نعيمة؛ لتأخذي قسطك من الراحة. المرأة لا تهمها راحتها في شيء، ولكنها تحرص على استيقاظها المبكر. يشهد على ذلك ما يتبادلانه من كراهية عميقة الجذور، تتستر أحيانًا بالصمت وتتعرى أحيانًا بقوارص الكَلِم. هذه المرأة التي قضت عليها، وسدت طريق الأمل بجدار غليظ. وحوالي السابعة يغادر أبوها بكري أفندي مسكنه إلى عمله بالحكومة، ويتبعه أخواتها الثلاث إلى وظائفهن التي ألحقن بها حديثًا عقب إتمام دراساتهن الجامعية. وتأخذ نعيمة في عملها اليومي تحت إشراف تفيدة هانم. لم يعد من المستطاع اكتراء خادمة في هذا الزمن، وها هي تسد هذا الفراغ بلا أجر وبلا شكر، وكأنه واجب تؤديه نظير لقمتها وإقامتها في البيت المفترض أنه بيت أبيها. أذعنت لوضعها التعيس، كما يذعن أبوها لمشيئة زوجته، كلاهما يجد في الإذعان منجًى من الكدر. ألفت الخدمة، وكراهية تفيدة هانم، وألفت ملابسها الخشنة الرخيصة الشعبية وحظها التافه من التعليم، مذ أصرت المرأة على إبقائها في البيت للمعاونة مضحية بمستقبلها ومستسلمة لحقدها الدائم، ولم تلقَ عند أبيها الضعيف أي دفاع، لم تجد نصيرًا مذ فقدت أمها وهي بنت ثمانية أعوام، وها هي تعبر الثامنة والعشرين بلا أمل، ولا يكاد أحد يكتشف جمالها وراء غشاء الإهمال والقذارة، الإهمال والقذارة والجهل والسن والفقر. المستقبل لا يبتسم ابتسامته الشاحبة إلا في الحلم، والحلم لا يريد أن يتحقق، فهل تتجرع تعاستها حتى الثمالة؟! أبوها يهرِّب إليها العطف أحيانًا من زاوية عينه في غفلة من المرأة، ثم تطحنه الحياة بأعبائها فيُشغل عنها بهمومه، وتقول وهي تتنهد: نسيني كما نسي أمي من قبل. وكلما تحدَّتْ زوجةَ أبيها تحديًا عابرًا؛ ينقلب الجميع عليها، أخواتها وأبوها، فتنحصر في ركن وحيدة مغلوبة على أمرها. إنه بيت ظالم يستغلها بلا رحمة، وإنها تمقته من صميم قلبها الجريح. وحلمت كثيرًا في شبابها الأول بمعجزات الحظ السعيد، بمَقْدم رجل الأحلام الذي يضمها إلى قلبه رغم الفقر والجهل ويطير بها في سماوات السعادة، ولكنه لم يقدم ولم ينتظر الزمن، وصادفت أعينًا تتطلع بإعجاب، وهي تنشر الغسيل في الشرفة، أو تتسوق في الطريق، محض نظرات بلا فعل ولا أمل. وتنفذ امرأة أبيها إلى أعماقها أحيانًا، فتخاطب بناتها على مسمع منها: ادخرن واعتمدن على أنفسكن، أبوكن لا يملك إمكانية تجهيز بنت! الماكرة تخاطبها هي، وتخاطبها أيضًا وهي تقول لأبيها: الشاب اليوم في حاجة إلى زوجة تشاركه حمل الأعباء، والموظفة بمرتبها تماثل صاحبة الإيراد على أيامنا. ولم تستطع السكوت فقالت: لو لم أجبر على ترك المدرسة؛ لكنت اليوم موظفة! فقالت المرأة بصرامة: بل كنت ضعيفة في دراستك، فجعلت منك ست بيت، وشيء خير من لا شيء. فهتفت على رغمها: ربنا بيني وبينك! فصرخت المرأة: تدعين علي؟! وتدخل الأب والأخوات، وخسرت كالعادة القضية. وما جدوى الكلام؟ وما جدوى الخصام والشباب يتلاشى مع الأمل؟! بل ها هي تشهد مأساة من نوع جديد، فقد تقدم شاب لطلب يد درية كبرى الأخوات وفشلت الخطوبة؛ لعدم إمكان الحصول على شقة! وليلتها دار نقاش طويل أسيف في الأسرة عن تكاليف الزواج، أدركت نعيمة بعده أن أخواتها لَسْن أسعد حظًّا منها إلا قليلًا. حقًّا لقد تغيرت الدنيا، وها هي تمارس عقوباتها على مَن يستحقها ومَن لا يستحقها! ورجعت ذات صباح من أيام الشتاء الأخيرة من السوق في جلبابها الكستور متلفعة بشال رمادي، ويدها قابضة على سلة الخضار، فوقفت كالعادة تتبادل كلمتين مع زوجة البواب. وإذا بالمرأة تقول: عيني عليك، خادمة بلا أجر! فقطبت دون ارتياح وفي شيء من الكبرياء فقالت المرأة: أصبحت أكره أسرتك من أجل عيونك! فتمتمت نعيمة: ربنا موجود. فتساءلت المرأة بإغراء: ألديك فكرة عن مرتب الخادمة اليوم؟ ما زالت تعتبر نفسها — على الأقل أمام الآخرين — فتاة كريمة من أسرة! – وهل المرتب هو كل شيء؟ – طبعًا، لا تكوني عدوة لنفسك. لم تنم ليلتها من الفكر، ولم يكن المرتب هو الإغراء الوحيد، ولكن التحرير أيضًا من سطوة تفيدة وضعف أبيها وأنانية أخواتها. ولم ينقطع الحوار بينها وبين زوجة البواب. رفضت فكرة العمل في شقة مفروشة قائلة بإباء: إني بنت محترمة. فقالت المرأة: وعندي أسر محترمة أيضًا! وغادرت نعيمة البيت فلم تعُد. اشتغلت في أسرة بمدينة المهندسين بمائة جنيه، وتحسنت أحوالها في الملبس والصحة. وفي مجرى عامين تزوجت من كهربائي مناسب جدًّا. ووجدت من نفسها رغبة في زيارة أسرتها؛ ليعلم زوجها أنها بنت ناس من ناحية، وليعلم أهلها أي مصير حسن انتهت إليه بعد التحرر من ربقتهم. وكان يومًا من أسعد أيامها يوم رجعت إلى مسكنها القديم بوجهها الجديد وزيها الجميل بصحبة الزوج السعيد. | {
"chapter": "مِن تحت لفوق",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "الفجر الكاذب",
"url": "https://www.hindawi.org/books/42814840/7/"
} |
ثمة عدو خفي يتربص به؛ ليكدر صفوه ويقوض بنيانه. زحَف عليه زحْفَ سحابة ثقيلة متدنية غامقة السمرة، حجبت نور الشمس، وأطفأت ضياء النهار، وتسربت إلى أركان النفس بغشاوة من الكآبة؛ فمزقت الخيوط التي ربطته طويلًا بينابيع الحياة. وتهرب من إعلان حاله لعلها تكون عابرة، ولكنها لم تتزحزح، ولم تخفَ عن عيني شريكة حياته. – مالك؟ .. لا يمكن أن تكون الصحة، فأنت طبيب! – صحة أُحسد عليها، الزملاء فحصوني فحصًا شاملًا وتلقيت التهاني. – إذن طرأ طارئ! – إني أفتش عنه، فلا أعثر له على أثر. – لعله الفراغ بعد المعاش؟ – أين هذا الفراغ المزعوم؟ .. لدي النادي .. الصداقات .. الرياضة .. الموسيقى .. المطالعة .. بالإضافة إلى أن كل شيء تمام یا أفندم! عندما يُلقي نظرة على ماضيه ترتدُّ إليه بتقرير موجز وصريح أن ليس في الإمكان أبدع مما كان. ولد في بيت عز وجاه لأبٍ من تجار القطن، وكان وطنه بدأ يتعرض للعواصف والتقلبات، ولكنه وجد المنجى والمعتصم في نصيحة أبيه حين قال له: كن في نفسك تسلم، ولا شأن لك بالآخرين! ولإعجابه بأبيه وحبه له أخذ بنصيحته. تطوع لأن يكون امتدادًا له بمحض اختياره وحبه. ماج الوسط الطلابي بالزلازل، وهو قابع في ركن هادئ يراقب ويبتسم. لم يهمه إطلاقًا حتى أن يعرف فيم يختلفون أو لِمَ يثورون. وقال له أبوه أيضًا: الإنسان الكامل كامل دائمًا وأبدًا، والكمال هو الكمال سواء في بلد مستعمر أو في بلد مستقل. وعكف على ذاته ينميها ويصقلها بالعلم والرياضة والثقافة والفن، بل كان ضاربًا على البيانو بامتياز. ودرس الطب بكل جدارة، وكان بميراثه في غنًى عن الكسب والعيادة فتخصص في فرع نظري، وحصل فيه على الدكتوراه من إنجلترا، ثم شغَل وظيفة في وزارة الصحة. كره من بادئ الأمر فكرة الاتصال بالجمهور أو العمل في المستشفيات وتطلع إلى المراكز المرموقة. ولعل زواجه كان الإنجاز الوحيد الذي أقدم عليه بدوافع ذاتية، ولكن اختياره حظي بموافقة أبيه وبركاته، وكأنما هو الذي اختاره له. تزوج من كريمة الباشا وكيل الصحة، وكانت مستوفاة لشروط الجمال واللياقة والتعليم المناسب فضلًا عن الأخلاق الطيبة. وواصل حياة هادئة سعيدة ما بين البيت والعمل والنادي، وكأنما قد حقن بطعم واقٍ من هيجان العصر وتقلباته وعواصفه، وأنجب ولدين ممتازين وناجحين. أجل تعذر عليه أن يصبهما في قالبه كما فعل أبوه معه، ولكنهما أرضياه تمامًا في أحلامه الكبرى، فتخرجا طبيبين، وتزوجا من فتاتين لا يقلان في المستوى والأهلية عن أمهما. ما عدا ذلك فللزمن أيضًا مقتضياته. وبلغ هو في ترَقِّيه وكالةَ الوزارة. وقامت ثورة يوليو فلم تمسه بسوء؛ لبعده الطبيعي عن أي شبهة، وأحيل إلى المعاش في ميعاده القانوني؛ ليستقبل حياة جديدة مليئة بالعواطف والمسرات. إنه الرجل السعيد حقًّا، إنه فلتة من فلتات الحظ والطبيعة. طبعًا لم تخلُ تلك الحياة من أكدار روتينية عابرة كمرض عابر أو سوء تفاهم زوجي أو تمرد بنوي أو منافسة في العمل، ولكنها تتلاشى مثل تجعدات أمواج عارضة في محيط واسع من الاستقرار والسعادة. ماذا حدث بعد ذلك؟ لماذا يفقد كل جميل مذاقه الحلو؟ لماذا تتراكم أنات الشكوى ولا موضوع واحد للشكوى؟ الأدهى من ذلك أنه مضى يرفض العمد التي قامت عليها سعادته، النادي .. الصداقات .. الزوجة .. الطعام .. الرياضة. وقبل أن يسلم بالهزيمة ويستسلم لليأس ذهب شبه مرغم للطبيب النفسي. كان صديقًا حميمًا وزميلًا قديمًا، وأدركه أول ما أدركه بالعقاقير. وأحدثت العقاقير أثرًا طيبًا، فرجع إلى الشفاء وأفاق من إغماءته الطويلة. غير أنه لم يقنع بذلك وراح يتساءل: ولماذا يصيبني الاكتئاب في بحبوحة السعادة الشاملة؟ فضحك صديقه قائلًا: ربما بسبب من السعادة نفسها! فتبادلا نظرة كالإشارة الغنية بنفسها، فقال الرجل: إنك تسخر من نوعية السعادة التي قسمت لي. فابتسم الطبيب وقال متهربًا: ابناك مختلفان عنك فيما أرى؟ فقال بعفوية: من سوء الحظ! ولكنه استدرك ضاحكًا: أعني من حسن الحظ! | {
"chapter": "مرض السعادة",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "الفجر الكاذب",
"url": "https://www.hindawi.org/books/42814840/6/"
} |
كنا زميلين في العمل بسكرتارية وزير المعارف، كما كنا زميلين من قبل بكلية الحقوق. عمل هو — محمد العبلاوي — سكرتيرًا خاصًّا للوزير بحكم قرابته له، ولمرانه على لقاء كبار الزوار؛ اكتسابًا من نشأته في الطبقة العليا، وعملت أنا كاتبًا مختصًّا بشئون الصحافة. وسمعته يومًا يعلن قراره عن خوض معركة الانتخابات القادمة بعد وعد من عمه — نائب الدائرة — بتنحيه عنها له، وليس ذلك غالبًا إلا تمهيدًا لتوليه الوزارة في أول فرصة تسنح. وكانت علاقتنا طيبة جدًّا كما كانت علاقته بإخوانه على أتم ما يكون من المودة والمروءة، وقلت له يومًا: ستكون نائبًا، ثم وزيرًا، فعدني بألَّا تنساني. فابتسم مبتهجًا بوجهه الجامع بين الجمال والوقار رغم شبابه اليافع، وقال: لك مني وعد شرف بألَّا أنسى العهد أبدًا. ولكن لم يقدر له أن يخوض المعركة الانتخابية، ولا أن يتولى الوزارة فقد انسدَّ طريقه بغتة بقيام ثورة يوليو، وتبدى واجمًا من اليوم الأول، وسألني في حيرةٍ: هل سمعت شيئًا؟ فقلت ببراءة: إنها كما تعلم الخلافات المعروفة بين الملك والجيش، وسوف تسوى لحساب الجيش. فقال شاردًا: لا .. إنها أكبر مما تظن. واستقال صاحبي من وظيفته باختياره، واختفى من مجالي تمامًا. وسارت الثورة في طريقها المعروف، وتغير النظام الطبقي في مصر تغيرًا ملموسًا، وتفتحت دنيا الآمال أمام أمثالنا. لم تقع عيني على صديقي القديم زمنًا طويلًا، وكان يخطر ببالي في مناسبات كثيرة مثل الإصلاح الزراعي، التأميم، الحراسة، المصادرة. أحداث اتسمت بالحزم، واستجابت لها أنفس لا حصر لها بالارتياح وأحيانًا بالشماتة، ولم يكن من السهل لدى كثيرين نسيان القرون التي استعبد فيها الشعب لصالح قلة من المواطنين. فأي ظلم في أن يرتفع المظلومون ويهبط الطغاة؟! وكدت أنساه تمامًا حتى صادفته مقبلًا نحوي في شارع طلعت حرب في الستينات. من أول نظرة تم التعارف والتذكر، وكأنما لم نفترق إلا أمس، ولكنه شخص آخر تمامًا. وتساءلت: ترى هل أدركني نفس التغير وأنا لا أدري؟ كلا، ليس السن وحدها. تلاشت تمامًا الأناقة والرونق، وبرزت معالم شيخوخة قبل أوانها، فابيض شعره كله وتجلت عظام وجنتيه، وأفظع من ذلك كله نظرة العينين الخابية المنهزمة الضائعة، وصوته المنخفض، كأنه الخائف الأبدي أو المراقب أو المطارد. – كيف حالك؟ – الحمد لله. – أين أنت الآن؟ فأجبت متلعثمًا: مدير الإدارة القانونية. – مبارك. – وأنت؟ – كما ترى! ثم بصراحة غريبة: لولا حُليُّ زوجتي لهلكنا جوعًا! فارتبكت كأنني المسئول عما حل به، وقلت مجاملًا: غير معقول. – أصادف أحيانًا وزراء سابقين في سوق بيع الحُلي. – يؤسفني أن أسمع هذا يا عزیزي. وهمَّ بالانطلاق في الحديث، ولكنه عدل فجأة، وتحول به عن مجراه فسألني: هل أستطيع أن أعتمد على معاونتك في نشر بعض القطع المترجمة بأي ثمن؟ .. لا شك أنك تعرف صديقًا هنا أو هناك يمكن أن تُقبل شفاعته في ذلك. فقلت بصدق: أعدك ببذل أقصى ما لديَّ من جهد. وتصافحنا ومضى. ولم أقصر، فطرحت الموضوع على صحافي صديق، رحب من ناحية المبدأ، ولكنه عندما سمع اسم المترجم «العبلاوي»، هتف: يا خبر أسود، أسعى في الخير اليوم؛ لأجد نفسي غدًا في المعتقل! ولكنه لم يتصل بي مرة أخرى. وغاص من جديد في ظلمات الاختفاء، فأعفاني من الحرج. وتتابعت الأيام بأحداثها. رحل زعيم وتولى زعيم، وجاء عصر الانفتاح ساحبًا وراءه التضخم، ورجعنا نحن — الموظفين — إلى المعاناة والضيق والخوف من المستقبل، بل تهدَّدَنا الجوعُ نحن وأبناءنا. وذهلت يومًا وأنا أقرأ اسم صديقي القديم في مجلة ضمن أصحاب الملايين الجدد. وقرأت له في صحيفتي اليومية سلسلة من المقالات يهاجم فيها الزعيم الراحل وعصره، ويشيد بالزعيم الحالي ومآثره. وألتقي بصديق من كبار العهد الناصري، فيجول معي في أبعاد المواقع ثم يقول بحنق: أردناها ثورة بيضاء، وها نحن ندفع الثمن! غير أن انشغالي بلقمة العيش لم تترك لي فراغًا للكلام في السياسة. وفي حيرتي وعذابي تذكرت عهد الشرف الذي أعطانيه العبلاوي قبل الثورة إذا وليَ الوزارة. أجل إنه لم يلِ الوزارة، ولكنه على وجه اليقين أغنى من الوزراء مجتمعين. ولن يعجزه أن يجد لي عملًا في محيط نشاطه الحافل بالأعمال، وتحريت عن مكتبه حتى عرفت موقعه، ومضيت إليه كأمل أخير في حياتي العسيرة، والحق أنه استقبلني بحرارة نفت عني ارتباكي وحيرتي. وكان عليَّ أن أستغل الوقت أحسن استغلال بين رنين التليفونات والداخل والخارج، قلت: هل تذكر وعدك القديم؟ فضحك عاليًا ولم يتكلم، فقلت بإيجاز: لعلك تسمع عن معاناة ذوي المرتبات الثابتة. فقال ساخرًا: كما سمعت أنت عن ضحايا عبد الناصر. فقلت بسرعة: لم أقصر في حقك، ولكنك اختفيت عني تمامًا. فقال باسمًا: أدركت أنني أورطك فيما لا قبل لك به. ثم بلهجة جادة: أتريد عملًا في المكتب بعد الاستقالة من الحكومة؟ – كلا .. المعاش مهم أيضًا .. أريد عملًا إضافيًّا. – لا مجال عندي لبطالة مقنعة كما تعلم، ولكن توجد وظيفة إضافية لسواق سيارة! لطمة هوت على كرامتي فلم أدرِ ماذا أقول. – لن يقل المرتب عن مائة جنيه! تذكرت القبيلة الصغيرة التي تعاني في البيت، فقلت بتسليم: طبعًا في غير أوقات العمل الرسمية؟! فقال بهدوء وربما بشيء من البرود: مفهوم! | {
"chapter": "أحلام متضاربة",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "الفجر الكاذب",
"url": "https://www.hindawi.org/books/42814840/12/"
} |
يخطر لي أحيانًا أن الراحة الحقيقية لا توجد إلا بزوالهما معًا، هو وهي. ولكنه مجرد خاطر يعبر القلب إذا اشتد العنت أو ادلهم الخطب. خاطر لا وزن له في الواقع، حلم يقظة أخرق. وهل تصبح الحياة حياة إلا من خلال التعامل معهما معًا؟ وهل يمكن تخيل الوجود بدونهما؟ أما حيرة التردد بينهما؛ فهي قدره الذي لا مفر منه. في البدء تردد همسه بالمحاذير والدعوة إلى الاعتدال حيال بسماتها المغرية، فتحدت هي محاذيره، وهونت من ترشيداته. ويكفهر وجهه ويفجر إنذاراته. فتغضب هي وتغريني بتجاهله أو تشكك في جديته، وأنا لا غنى لي عنها ولا قدرة لي على تجاهله. في أيام البراءة لعبنا معًا — أنا وهي — في نور الشمس تحت السمع والبصر، ولكن همسه يقتحمني قائلًا: حافظ على نظافة ملابسك وسلامتها. ولكن اللعب يحب الحرية، أليس كذلك؟ فيهمس: اللعب الرشيد لا يتنافر مع النظام! وأمتعض وأتضايق. اللعب هو اللعب! لماذا يقيد لعبي بنواهيه؟ لماذا يفسد عليَّ مذاق الأيام الحلوة؟! فلتتسخ الملابس فثمة مَن يغسلها، ولتتمزق فالسوق مليئة بالجديد. وهو كبير ولديه ما يشغله نهاره وليله، فلِمَ يهدر وقته في تكدير صفوي، رغم حبنا المتين المتبادل؟ وترنو هي إليَّ بعينيها الصافيتين وتتساءل: أرأيت تعسفه؟ ثم تواصل بحدة: لِمَ لا يتركنا وشأننا؟ ولِمَ تعمل كل هذا الحساب لكلمة تصدر عنه؟ ولكنه قوي، والمالك الأوحد للبيت وأدوات اللعب وكل شيء. وعلمتني التجربة أن الاستهانة به غير محمودة العواقب. ها هو يهمس أيضًا: البنت ماكرة بقدر ما هي لطيفة، أنا أعرفها كما أعرفك، اسمع كلامي أنا، ولست أمانع في لعبك معها، العب معها ما شئت، ولكن عليك بالاعتدال والنظافة، وتذكَّر أنها تلعب مع آخرين أيضًا فعاملها بالمثل، ولا تجعل منها كل شيء؛ لأنك لست لها كل شيء، إني أعرف أكثر منك فاسمع كلامي. تمنيت أن ألعب دون قيد أو شرط ولكنني تعثرت في الخوف، ولم أنسَ ما سمعت عن غضبه إذا غضب أو عقوبته إذا عاقب. وتضاعف عنائي عندما حُملت إلى المدرسة. والتعليم مشقة تتحدى اللهو والمرح وتلتهم الساعات بلا رحمة، فهل قُضي عليَّ أن أنفق العمر في الصراع مع الجهل؟ أما هي فلم تكن تكترث إلا بالساعة التي هي فيها. ترمق انشغالي بازدراء واستنكار، وتقول: اختر لنفسك ما يحلو. لو خُيرت لاختَرت، ولكن همسه لا ينقطع عني فما حيلتي؟ ولأعترف بأنني كنت أنحرف عن الخط أحيانًا، أشرد عن الدرس لأفكر فيها، أو أخلو إليها في غفلة ونأخذ في اللعب. ويسألني دائمًا عن مواظبتي فأتورط في الكذب. ويكفهر وجهه ويكتشف كذبي. وقلت لها: إنه لا تخفى عليه خافية. فقالت: أنت ضعيف، فيتجلى الكذب في عينيك! ويقول هو لي مؤنبًا: الكذب أرذل من الجهل. يا له من رجل. أي ضرر يصيب العالم، إذا جهلت أن القاهرة هي عاصمة مصر؟ .. أو إذا لم أحفظ جدول الضرب؟ ويقرصني في أذني قائلًا: الرجل الحقيقي يجب أن يعرف السماوات والأرض. ليست الحياة لعبًا، انظر إلى النملة! هل يرضيك أن تكون أدنى مرتبة منها؟! ويغلبني الارتباك فأقول له معاتبًا: أنت الذي جئتني بها لألعب معها، فأبعدها عني. فيقول باسمًا: إنك أصغر من أن تشير عليَّ بما يجب، ولن أرتكب خطأ في حق الجيرة والقربى، وهي بمنزلة ابنتي، وليس بها من بأس كزميلة لك، فلا منع ولا إبعاد، ولكن عليك أن تعطي الدرس ما يستحقه، ولك أن تلاعبها في أوقات الفراغ. تلك أيام مزقها العذاب وإن بدت اليوم آية في الجمال بسحر الزمن. وكان أن تغير صوتي فقالوا: ناهز البلوغ. وهمس في أذني بحزم أن الآن حرم اللعب. يا للخبر! ما شعرت برغبة في اللعب معها كما أشعر الآن. وهي ترمقني من بعيد، ولكن جرأتها تلاشت. يتكلم لسانها بكلام، وعيناها بكلام آخر. أقول لها خلسة: لا يمكن أن نهدم في لحظة ما بنيناه في عمر مديد. فتقول في دلال: ولكنك لم تعد تقنع بلعب زمان! – اللعب يتغير بتغير العمر. – وله حدود لا يتعداها. من ناحية أخرى راح هو يحذرني من الأخطاء، ويخاطب فيَّ الرجل الناشئ. تمنيت ولو فراقًا مؤقتًا، ولكنه احتقر رغبتي وقال لي: الحياة اقتحام وحذر، ولا مجال فيها للهروب. الأمور تتعقد وتزداد عسرًا، بل أضحت عذابًا ومحنة. ولعله لم يبدُ لي منفرًا كما يبدو الآن. ارتفع صوته درجات. قلت: إنه هراء في هراء، وإنه يتدخل فيما لا يعنيه، كأنه لم يمر بالشباب يومًا، وكلما ظفرت معها بخلوة امَّحى وجوده تمامًا. أنا وهي كل شيء وهو لا شيء كأنه خرافة. غير أنها اعتصمت بحد لا تتعداه، حتى خيل إليَّ أن همسه قد انسرب إليها. وانفجر غضبي عليه فسخرت منه في كل مكان. واعتبرت نفسي ندًّا له أو أقوى. ولما تيقَّنَتْ من موقفي الجديد خافتني وهربت مني، لعل ذلك بوحيه وتأثيره. وهالتني وحدتي وتخبطت في الفراغ، وشحنت برغبة دکناء في الانتقام، فاندفعت في اقتراف أخطاء كثيرة بتشفٍّ واستهتار. أتحداهما معًا وأعبث بذكراهما معًا، ولكني لم أنجُ من غشاء الوحشة الذي وقعت في شرَكِه. وتوهمت أن الانفصال قد فرق بيني وبينه إلى الأبد، ولكن بدا أنه رغم صمته الظاهر لم يكفَّ عن الاهتمام بأمري. هكذا تبدل الحال فظفرت بوظيفة في المجتمع، وعُقد قراني بها في ليلة بيضاء. وحق عليَّ أن أشكر فضله إلى الأبد، وأن أقرَّ بأنه لولا هباته العديدة وإرثه القيم ما وسعني أن أسعد بما نلت. واستقللت بمسكن جديد، ومارست السيادة في مملكتي الصغيرة، انغمست في الحب والإنجاب والعمل. وكدت أنساه تمامًا لا تمردًا عليه هذه المرة، ولكن انشغالًا بالأعباء الجديدة. وبمرور الأيام تغيرت هي أيضًا، صارت زوجة لا حبيبة، وأُمًّا وشريكة. لا تمسك عن المحاسبة والمطالبة والشكوى. وأتساءل أين الدلال والبسمات والكلمات العذبة؟ وهالني العبء المتصاعد فانزلقت قدمي من جديد في طريق الخطأ. وربما تمادى الخطأ، فساقني إلى ما لا تحمد عقباه. وفجأة وبعد انقطاع طويل تلفَنَ لي في مكتبي، وذكرني بوصاياه القديمة قائلًا: إن فوائدها لم تنعدم بعد. يا للعجب! كدت أنسى أنه ما زال على قيد الحياة. ها هو يعيد الأسطوانة القديمة متناسيًا أنني لم أعد طفلًا، وأنني اليوم مثله تمامًا في الحرية واتخاذ القرار. ومضيت في سبيلي، ولكن شيئًا من الحذر خالط سلوكي وأهدافي، وأطرح كل ثمرات الجهد تحت أقدام الأسرة؛ فتتلقفها دون كلمة شكر أو تقدير. وأقول لها: الشكر لا يهم ولكنني أرجو شيئًا من الرحمة! فتقول: إني أتعب مثلك وأكثر، ولكنك أناني. وتبدَّى لي الزواج صيغة غريبة للتوفيق بين الحب والكراهية، بين حب الحياة وحب الموت، بين التضحية والرغبة في القتل. ولكن السفينة صارعت الأمواج حتى صرعتها ونجت من الغرق، ونال الآخرون استقلالهم كما نلنا يومًا استقلالنا. لم يعُد أحد منهم في حاجة إليَّ، ورجعت إليَّ الوحدة جارَّة معها أثقال العمر، ولكنني لم أستسلم للأسى. وطنت نفسي على تقبل قوانين الأشياء، وناجيت في وحدتي الرضا والسلام. ولم أقلل من قيمة المسرات الزائلة، ولا من سحر التحف والأغاني، ولا حتى من جمال الأطعمة الشعبية. وإذا بي أتذكره فجأة بعد طول نسيان. وكيف لا أتذكره ما دام على قيد الحياة؟! وهو من جيل معمر يُغبَط على طول عمره وسلامة صحته، ولو كان أصابه تلف لترامت إلينا أخباره في حينها، فلا شك أنه يمارس حياة طبيعية، وسيسعد برجوعي إليه مثل سعادتي وربما أكثر، وهيهات أن أنسى نواياه الطيبة ورحمته. أما عن رأيه فيَّ فلا أحسبه في صالحي، ولكن كان دائمًا أكبر من تقصيري وأعلى. اليوم يبدو لي على حقيقته أكثر من أي عهد مضى. ثم إنه أقام في القرية منذ عهد بعيد، وشد ما تهفو نفسي إلى الخضرة والهواء النقي. إنها أثمن في النهاية من أثاث بيتي وتحفه، وما جمعت من مالٍ وبنين. سأمضي إليه، وليس في نيتي أن أعتذر أو أن أصوغ من سحر البيان جملة واحدة. سأمثُل بين يديه باسمًا، وأقول هامسًا ها أنا قد رجعت، مدفوعًا بالشوق وحده، فاقضِ بما أنت قاض. | {
"chapter": "الهمس",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "الفجر الكاذب",
"url": "https://www.hindawi.org/books/42814840/4/"
} |
يستقبل يومه بزيارة الشارع الطويل، شارع الحرية، وهو صالح تمامًا لرياضته الصباحية بطواره السليم وأشجاره العتيقة الباسقة. يتمشى بقدر ما يستطيع ثم يرجع إلى شقته؛ فيجد خادمته العجوز قد أعدت له مجلسه في حجرة المعيشة؛ ليخلو إلى الصحف والإذاعة والتأمل الطويل. وقرأ ذات يوم العمود اليومي للأستاذ م. أ. فشد انتباهه بقوة غير عادية. قرأ: «لي جار من رجال الجيل الماضي المعروفين، يمشي كل صباح رغم شيخوخته في جولة رياضية يُغبط عليها، ولكنه يقضي شيخوخته في وحدة مطلقة، فقد شريكة العمر منذ أعوام، وهاجر أبناؤه الثلاثة إلى الولايات المتحدة، لم يجنِ من عمره الطويل إلا الذكريات بعد سطوع نجمه في الهندسة والسياسة، تُرى فيم يفكر في وحدته؟ وكيف يعالج كآبته؟ كيف نصنع من طول العمر نعمة لا نقمة؟!» وأكمل الأستاذ عموده عن العناية بالمسنين، وما يعد لأمثالهم في البلاد المتحضرة. وقال الرجل وهو يبتسم: «إنه يعنيني أنا دون سواي». فهو جاره على نحوٍ ما، وكثيرًا ما يراه وهو راجع من جولته الصباحية، لكنه تخيل فأخطأ، وما أكثر أوهام هؤلاء الكتاب. وعزم في نفسه على أمر غير أنه أجل تنفيذه إلى صباح اليوم التالي، وكما قدر تمامًا رأي — لدى عودته من جولة الصباح — الأستاذ وهو يتجه نحو سيارته الصغيرة؛ فتألقت عيناهما في ابتسام لأول مرة. وقال العجوز: قرأت عمودك أمس، إنه عني فيما أعتقد؟ فقال الأستاذ: أرجو أن تكون راضيًا! – شكرًا، ولكن ليس الواقع كما تتخيل! – حقًّا؟! – شرفني وقتما تشاء إذا كان يهمك أن تعرف الحقيقة. فقال الأستاذ متحمسًا: أعدك بذلك. وقد كان. وجالسه في شرفة مغلقة بالزجاج؛ اتقاء لجو الخريف حول مائدة شاي. عن قُرب تجلَّت شيخوخة الرجل في انتفاخ جفنيه وتجعدات فمه وذبول نظرته، رغم صحته الجيدة ونشاطه الموفور. وراح يقول وهو يشجعه على تناول الشاي والبسكوت: أشكر لك رقتك، وجميل رثائك لي، ولكنني لا أستحق الرثاء؛ لأنني فوق الرثاء، وصدقني فأنا راضٍ عن نفسي كل الرضا! – ما أجمل أن تقول ذلك! – إني قوي دائمًا ومنتصر دائمًا. فرمقه الأستاذ بإعجاب، وبنظرة تطالب بالمزيد، ربما التماسًا لليقين في الوقت نفسه. شعر العجوز برغبة ملحة في الإفصاح عن مكنون ذاته. – من أين جاءتني القوة؟ إنه أبي رحمه الله، كان مربيًا عظيمًا يعشق القوة ويجلها، شحذني بالرعاية والعناية والشدة الحميدة العاقلة، علمني كيف أهتم باللعب كما أهتم بالعمل؛ لأتطلع إلى الكمال في جميع الأحوال، ولن أحدثك عن تفوقي الدراسي، ولكني أحرزت في لعبة الكرة نفس الدرجة من التفوق، كنت قلب الهجوم بالمدرسة الخديوية، ولعل كنت اللاعب الوحيد الذي يحافظ على حماسه كله حتى اللحظة الأخيرة من المباراة، وبصرف النظر عن النتائج، وكان مدربنا يقول لفريقنا: إن اللعب أهم من النتيجة، وإن عليهم أن يحافظوا على روحهم العالية حتى الختام، وقال محددًا: ليكن لكم أسوة في زميلكم صفوت راجي. فقال الأستاذ منشرحًا: ولكنك طويل القامة بصورة ملحوظة، فهل أعتبر ذلك ميزة؟ – إنه ميزة لمن يحسن استغلاله، وقد برعت في اللعب حتى واتتني الفرصة للالتحاق بأحد النوادي المعروفة. – وهل صرت نجمًا شعبيًّا؟ – كلَّا، هجم عليَّ خصم هجمة غير قانونية، فأحدث بي عاهة في مفصل ساقي اليمني؛ فاضطررت إلى الانقطاع عن رياضتي المحبوبة. – يا للخسارة! وإذن لم تخلُ حياتك من منغصات! – الحياة لا تخلو أبدًا من منغصات، من حيث تتوقع أو لا تتوقع، المهم كيف تواجهها؟ كيف تستوعبها؟ كيف تطويها تحت جناحك ثم تمضي في سبيلك؟ أجل خيمت عليَّ الكآبة فترة طويلة حتى رمقني أبي بازدراء، وعاتبني بدلًا من أن يعزيني، وسرعان ما كرست طاقتي كلها للدراسة حتى تخرجت في الهندسة على رأس الناجحين. فقال الأستاذ بصدق: إنك مهندس غني عن التعريف. – وكنت من الرعيل الأول الذي زهد في الوظيفة الحكومية؛ فقدمت في امتحان عام لوظيفة خالية في شركة الكهرباء ونجحت .. وأثبت وجودي بين الخواجات. – برافو! – وثمة سوء حظ من نوع آخر أشد ضراوة مما أدركني في الكرة، كان ميدانه القلب، أحببت جارة لي حبًّا امتد من المراهقة إلى الشباب. في ذلك الزمان كانت وسائل الاتصال عسيرة جدًّا ومحدودة، لم تزد عن تفاهم بالأعين وتبادل للابتسام، وكان ذلك يعني حبًّا متبادلًا. وعرفت أن مدرستها الثانوية ستقوم برحلة إلى القناطر فسبقتها إليها. واختلسنا لقاءً سريعًا عابرًا بعيدًا عن أعين الرقباء، دقائق سريعة تحت خميلة، ماذا قلت لها؟ لعلي استعرت جملة عذبة من جمل المنفلوطي، ولكنها خرجت محملة بالصدق، وأفهمتها أن أبي لا يسمح بالكلام في العواطف قبل أن أستكمل دراستي، وسألتها أن تعتمد على شرفي ورجولتي، وأنني سأتقدم لطلب يدها في الوقت المناسب؛ فوافقت بابتسامة صامتة، وثملت بحلم السعادة فترة غير قصيرة، وإذا بها تختفي من النافذة متجنبة مجال الرؤية فكدت أفقد صوابي. وتلقيت منها رسالة تخبرني فيها بأن ابن عمها خطبها، وأنها لم تستطع أن تقنع أحدًا بالرفض، وأعربت عن أسفها سائلة إياي المعذرة. هل خبرت مثل ذلك الموقف؟ .. أو بالحري تلك المحنة؟! والظاهر أن الحب الحقيقي كان تجربة نادرة في تلك الأيام، وما كان يظن أنه الحب لم يكن إلا استعدادًا عامًّا للزواج، وكان سحر الزواج أقوى من سحر الحب وبخاصة إن بُشر بتوفيق وسعادة. لم أصدق أنها أحبتني حقًّا كما أحببتها، ولكنني كنت المرشح المفضل طالما لم يتقدم من هو أجدر بها مني. تمتم الأستاذ: كانت محنة كما قلت! – انغرز سن الألم المسموم في أعماقي حتى نهايته، وخيل إليَّ أني انتهيت تمامًا وأن الحديقة جفت وتساقطت ورودها، وتلاشت رغبتي في العمل. – ألم تقدم على أي محاولة جادة لاستردادها؟ – كلا، تعذر عليَّ ذلك، لم أستطع رؤيتها قط، وأقنعني سلوكها بأنها فتحت صفحة جديدة، لم يبقَ لي إلا ألم مجنون، وأوهام غريبة بأنني فقدت المرأة الوحيدة في دنياي، إنه ألم جهنمي لا يبدو غير معقول؛ إلا إذا فصل الزمان بيننا وبينه بالمدة الكافية للشفاء. – ولكنه قد يقتل قبل ذلك. – بلا شك. – وفشلت في الامتحان لأول مرة في حياتك؟ فابتسم العجوز قائلًا: كلا، تلقيت لكمة قاضية ولكنني نهضت مترنحًا قبل أن يبلغ الحكم في عده رقم عشرة، وبإرادة من صلب استخلصت الرغبة في النجاح والتفوق من حومة المأساة. كان نضالًا هائلًا. بين الألم والعمل، وعلى ضوئه تكشَّف لي جوهر عزيمتي لا يهزم ولا يستسلم. – مرة أخرى، برافو! ولم أكد أستقر في وظيفتي حتى صممت على الزواج، مؤثرًا هذه المرة السبيل التقليدي المعروف، أو الذي كان معروفًا على أيامنا، وتم كل شيء بحمد الله وفضله. – ونسيت الحب وأيامه؟! – ليس تمامًا، ربما بقيت منه رواسب معاندة كرائحة الوردة الذابلة، ولكني عايشت تجربة الزواج بكل أبعادها، وبنجاح أيضًا. أأنت متزوج؟ عظيم! حقًّا يوجد فارق كبير في السن ولكن الزواج هو الزواج، بمودته ونقاره، وأنغامه المنسجمة والنشاز، والرضا والغضب، والذرية ومسراتها ومتاعبها، وعند الحساب الختامي تجد أنه لا غنى لطرف عن الآخر، ماذا تريد أكثر من ذلك تعريفًا للزواج الموفق؟! بل من يضمن لي أنني كنت سأوفق مع الأولى كما وُفقت مع الأخرى؟! فضحك الأستاذ قائلًا: خفيف الروح بقدر ما أنت حكيم! وصمت العجوز قليلًا ثم واصل: لعلي لم أبرأ تمامًا حتى اليوم من فقد ابنين، ولكني أثبت صمودي أمام الموت نفسه! أنجبت خمسة أولاد مات منهم اثنان، الأول في وباء الكوليرا والثاني في حمام السباحة. تهدم بنيان زوجتي، وحنقت على صمودي. الصابر المتصبر متهم في هذا البلد. قيل عنى إني غليظ القلب وإني منهمك في عملي للدرجة التي تنسيني ما عداه. هذا خطأ. إني أعرف الحزن والألم، ولكني لا أعاند المَقادر. وأرى أن أكبر عار في هذه الدنيا هو عار الهزيمة. – هذا ما نتمناه ونعجز عنه. وتهلل وجهه الضامر دالًّا على أنه ما زال محبًّا للثناء وقال: وكما طُعنت أبوتي طُعن طموحي. إني رجل مخضرم، لم أكن مهندسًا ناجحًا فحسب، ولكنني كنت أيضًا ذا انتماء سياسي معروف، وآمال وطنية مترامية. وظفرت في انتخابات ١٩٥٠ بعضوية مجلس النواب، وتنبأ لي كثيرون بالوزارة. وإذا بثورة يوليو تقوم على غير توقع مني، وطُويت الأرض التي كنت أقف فوقها مثل المسلة، وقذفت بأحب الرجال إلى قلبي إلى مجاهل النسيان وأعماق السجون. أصابني من الأذى شيء قليل ولكني وجدت نفسي لأول مرة متهمًّا معزولًا. وقبَعت في كهف الضياع زمنًا ولكني لم أستسلم، كما أني لم أنطح الصخر. وتذكرت انتصاراتي السابقة؛ لأستمد منها الشجاعة، وقررت أن أكرس حياتي للعلم والعمل، ففتحت مكتبي الهندسي، وكان من أمري ما تعلم مما أشرت إليه في عمودك اليومي. – بعض رجال الثورة أنفسهم لم يكتموا إعجابهم بك. – ولم تخلُ حياتي الجديدة من هزائم وانتصارات كالعادة. زوجتي اضمحلت وماتت، وعقب هزيمة ٥ يونيو، اجتاح الزلزال أبنائي الثلاثة، ففقدوا انتماءهم وثقتهم في كل شيء، وهاجروا واحدًا في إثر واحد إلى الولايات المتحدة، ووجدت نفسي غريبًا كما كنت في البداية! – الهجرة تيار جامح لا ذنب عليك فيه. – ولكن توجد حقيقة مرة لا يجوز أن نغفلها، وهي أننا لم نكن على المستوى المنشود حيال الهزيمة كما كنا حيال النصر، وحاولت أن أغريهم بالرجوع بعد أن تغير المناخ العام كثيرًا ولكنهم أبوا ذلك بشدة. – من المحزن أن أفضلنا هم مَن يهاجرون. – واعتزلت العمل بحكم الشيخوخة؛ لأعاشر وحدتي حتى النهاية. فقال الأستاذ باسمًا: إذن فكلمتي لم تخلُ من حقيقة. فقال باسمًا بدوره: ولكنني لم أستسلم للوحدة. فرفع الأستاذ حاجبيه فوق حافتي نظارته لائذًا بالصمت، فواصل الآخر: عقدت العزم على الانتصار حتى النهاية، أن أنتصر على الكآبة كما انتصرت على الموت والثورة، ما زلت قادرًا على تذوق الأشياء الجميلة! – مثل ماذا؟ – المشي، الموسيقى، الكرواسان بالحليب، التأمل تأهبًا للمغامرة الأخيرة! فقال الأستاذ مقهقهًا: إنك صلب عنيد. – أتراني الآن مستحقًّا للرثاء كما كتبت؟! فقال الأستاذ بهدوء: اقرأ عمود الغد؛ لتعرف رأيي النهائي فيك. | {
"chapter": "رجل",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "الفجر الكاذب",
"url": "https://www.hindawi.org/books/42814840/8/"
} |
سرت إلى جانب أبي متعلقًا بيمناه، جريت لألحق بخطاه الواسعة. ملابسي كلها جديدة، الحذاء الأسود والمريلة الخضراء والطربوش الأحمر. غير أني لم أسعد بالملابس الجديدة سعادة صافية، فيَومي لم يكن يوم عيد، ولكنه أول يوم يلقى بي في المدرسة. وقفت أمي وراء النافذة تراقب موكبنا الصغير، فالتفت نحوها كالمستغيث بين حين وآخر. تقدمنا في شارع بين الجناين تحف به من الجانبين حقول مترامية مزروعة بالخضر والتين الشوكي وأشجار الحناء وبعض النخلات. قلت لأبي بحرارة: لماذا المدرسة؟ .. لن أفعل ما يضايقك أبدًا! فقال ضاحكًا: أنا لا أعاقبك، المدرسة ليست عقابًا، ولكنها المصنع الذي يخلق من الأولاد رجالًا نافعين، ألا تريد أن تصير مثل أبيك وإخوتك؟! لم أقتنع. لم أصدق أنه يوجد خير حقًّا في انتزاعي من بيتي الحميم، ورميي في هذا المبنى القائم في نهاية الطريق، مثل حصن هائل شديد الجدية والصرامة عالي الأسوار. ولما بلغنا البوابة المفتوحة تراءى لنا الفناء واسعًا ومكتظًّا بالأولاد والبنات. وقال أبي: ادخل بنفسك وانضم إليهم، ابسط وجهك وابتسم، وكن مثالًا طيبًا. ترددت وشددت أصابعي على راحته، ولكنه دفعني برفق وهو يقول: كن رجلًا، اليوم تبدأ الحياة حقًّا، ستجدني في انتظارك وقت الانصراف. مشيت خطوات ثم وقفت أنظر، أنظر ولا أرى. ثم أنظر، فتلوح لي وجوه الأولاد والبنات. لا أعرف أحدًا ولا أحد يعرفني. شعرت بأنني غريب ضائع. ولكن ثمة نظرات اتجهت نحوي بدافع من حب الاستطلاع، واقترب مني ولد وسألني: مَن الذي جاء بك؟ فهمست: أبي. فقال ببساطة: أبي ميت. لم أدرِ ماذا أقول له. وأغلقت البوابة مرسلة صريرًا مؤثرًا. أجهش البعض بالبكاء، دق الجرس، جاءت سيدة يتبعها نفر من الرجال، أخذ الرجال يرتبوننا صفوفًا، انتظمنا شكلًا دقيقًا في فناء واسع محاط بين ثلاث جهات بأبنية مرتفعة مكونة من طوابق، وبكل طابق شرفة طويلة مسقوفة بالخشب تطل علينا. وقالت المرأة: هذا بيتكم الجديد، هنا أيضا آباء وأمهات، هنا كل شيء يسرُّ أو يفيد من اللعب إلى العلم إلى الدين، جففوا الدموع واستقبلوا الحياة بالأفراح. استسلمنا للواقع، وسلمنا الاستسلام إلى نوع من الرضا .. وانجذبت أنفس إلى أنفس. ومنذ الدقائق الأولى صادق قلبي من الأولاد مَن صادق، وعشق من البنات مَن عشق، حتى خُيِّل إليَّ أن هواجسي لم تقم على أساس. لم أتصور قط أن المدرسة تموج بهذا الثراء كله. ولعبنا شتى الألعاب من أرجوحة وحصان وكرة. وفي غرفة الموسيقى ترنمنا بأول الأناشيد. وتم أول تعارف بيننا وبين اللغة. وشاهدنا الكرة الأرضية وهي تدور عارضة القارات والبلدان. وطرقنا باب العلم بادئين بالأرقام. وتليت علينا قصة خالق الأكوان بدنياه وآخرته، ومثال من كلامه. وتناولنا طعامًا لذيذًا، وغفونا قليلًا، وصحونا لنواصل الصداقة والحب واللعب والتعلم. وأسفر الطريق عن وجهه كله، فلم نجده صافيًا كامل الصفاء والعذوبة كما توهمنا. ربما تدهمه رياح صغيرة وحوادث غير متوقعة فهو يقتضي أن نكون على تمام اليقظة والاستعداد مع التحلي بالصبر. المسألة ليست لهوًا ولعبًا. ثمة منافسة قد تورث ألمًا وكراهية، أو تحدث ملاحاة وعراكًا. والسيدة كما تبتسم أحيانًا تقطب كثيرًا وتزجر. ويعترضنا أكثر من تهديد بالأذى والتأديب. بالإضافة إلى ذلك فإن زمان التراجع قد مضى وانقضى، ولا عودة إلى جنة المأوى أبدًا. وليس أمامنا إلَّا الاجتهاد والكفاح والصبر، وليقتنص من يقتنص ما يتاح له وسط الغيوم من فرص الفوز والسرور. ودق الجرس معلنًا انقضاء النهار وانتهاء العمل. وتدفقت الجموع نحو البوابة التي فتحت من جديد. ودعت الأصدقاء والأحبة وعبرت عتبة البوابة. نظرت نظرة باحثة شاملة، فلم أجد أثرًا لأبي كما وعد. انتحیت جانبًا أنتظر. طال الانتظار بلا جدوى فقررت العودة إلى بيتي بمفردي .. وبعد خطوات مر بي كهل أدركت من أول نظرة أنني أعرفه. هو أيضًا أقبل نحوي باسمًا، فصافحني قائلًا: زمن طويل مضى منذ تقابلنا آخر مرة، كيف حالك؟ فوافقته بانحناءة من رأسي وسألته بدوري: وكيف حالك أنت؟ – كما ترى، الحال من بعضه، سبحان مالك الملك! وصافحني مرة أخرى وذهب. تقدمت خطوات ثم توقفت ذاهلًا. رباه .. أين شارع بين الجناين؟ أين اختفى؟ .. ماذا حصل له؟ متى هجمت عليه جميع هذه المركبات؟ ومتى تلاطمت فوق أديمه هذه الجموع من البشر؟ وكيف غطت جوانبه هذه التلال من القمامة؟ وأين الحقول على الجانبين؟ قامت مكانها مدن من العمائر العالية، واكتظَّت طرقاتها بالأطفال والصبيان، وارتج جوها بالأصوات المزعجة. وفي أماكن متفرقة وقف الحواة يعرضون ألعابهم، ويبرزون من سلالهم الحيات والثعابين. وهذه فرقة موسيقية تمضي معلنة عن افتتاح سيرك يتقدمها المهرجون وحاملو الأثقال. وطابور من سيارات جنود الأمن المركزي يمر في جلال وعلى مهل، وعربة مطافئ تصرخ بسرينتها لا تدري كيف تشق طريقها لإطفاء حريق مندلع، ومعركة تدور بين سائق تاكسي وزبون، على حين راحت زوجة الزبون تستغيث ولا مغيث. رباه، ذهلت، دار رأسي، كدت أجن، كيف أمكن أن يحدث هذا كله في نصف يوم، ما بين الصباح الباكر والمغيب؟ سأجد الجواب في بيتي عند والدي. ولكن أين بيتي؟ لا أرى إلَّا عمائر وجموعًا. وحثثت خطاي حتى تقاطع شارعي بين الجناين وأبو خودة. كان عليَّ أن أعبر أبو خودة؛ لأصل إلى موقع بيتي، غير أن تيار السيارات لا يريد أن ينقطع. وظلت سارينا المطافئ تصرخ بأقصى قوتها، وهي تتحرك كالسلحفاة فقلت: لتهنأ النار بما تلتهم. وتساءلت بضيق شديد: متى يمكنني العبور؟ وطال وقوفي حتى اقترب مني صبي كوَّاء، يقوم دكانه على الناصية، فمد إليَّ ذراعه قائلًا بشهامة: يا حاج .. دعني أوصلك. | {
"chapter": "نصف يوم",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "الفجر الكاذب",
"url": "https://www.hindawi.org/books/42814840/2/"
} |
ما ظن يومًا أن زوال محنته يعني انزلاقه إلى محنة جديدة. من أجل ذلك لم يستمتع طويلًا بعطر الخريف وأماراته المشربة بالبياض الناعس التي تغازله في مجلسه بشرفة كافيتريا الجلوب. إلى جانبه وفي متناول مسِّ منكبه جلست رافعة بروفيل وجهها الأسمر الصافي الذي تفانى في حبه على مدى سنوات طويلة. هيأ نفسه منذ اللحظات الأولى للقاء — كالعادة — للتشاكي، ولنفث نسمات الحب في مناخ الإحباط المحدق، وللحومان حول هموم المسكن والخلو والجهاز والمهر، ثم كيفية مواجهة تحديات المعيشة. استقلا معًا قارب الحب منذ المرحلة الثانوية، وتلاعبت به أمواج الحياة المعاندة غير المواتية، ولكنهما ظلا مصممين على البقاء جنبًا لجنب قابضين بشدة كل على مجدافه، رافضين الانهزام أمام العقدة التي تطوقهما. هذا الصباح تطالعه عيناها بمرآة جلية الصفاء، لا ينضح بياضهما النقي بفتور. لم يخلُ قط جمال نظرتها من كآبة خفية تتجلى حينًا وحينًا تستشف. وتاق قلبه لسماع أي خبر حسن، واحتسيا قدحي الجوافة على مهل في صمت حتى خرقه قائلًا: الحلم يتضخم في رأسي، وغير بعيد أن يصبح واقعًا. فقالت بثقة جديدة كل الجدة: غير بعيد على الإطلاق. حقًّا؟! اقترح ذات يوم أن يتزوجا بالفعل، وليكن ما يكون. أجل سيظل في بيت والده بالقبيسي، كما ستظل في بيت أبيها بالوايلي، ثم يبحثان عن حل وهما حاملان معًا أمانة الزوجية. أبوه رغم كونه موظفًا صغيرًا ممن عجنهم الانفتاح؛ إلا أنه لم يرتح أبدًا لاختياره ابنة حلاق. لتكن جامعية وموظفة، فأي قيمة لذلك اليوم؟ ولكن الفتى نشأ رجلًا لا يتحول عن المطالبة بحقوقه الكاملة. تفرس في وجهها مأخوذًا بتعليقها القوي، وقال: ماذا وراءك؟ .. لديك شيء جديد! فقالت بثقة باسمة: أجل. – حقًّا؟ – تبخرت المشكلة وانحلت العقدة، هبط حل بارع من السماء! – ماذا عندك؟ فقالت بانفعال لم تستطع كبحه: اسمع، رجل أعمال عرض على أبي التنازل له عن دكانه نظير مبلغ خمسين ألفًا من الجنيهات. انعقد لسانه من طغيان الفرح. الخبر في ذاته خبر من الأخبار المتداولة في تلك الأيام، ولكنه لم يتصور أن يطرق بابه واقعًا حيًّا. – أرأيت يا عزیزي كيف تحل العقد بالسحر؟! – حكاية لا تصدق. – هي الحقيقة، وبعض زبائن أبي قدموا له نصائح ثمينة. – مثال ذلك؟ – أن يهجر حرفته ويعمل بالاستيراد، ودلوه على الطريق لفتح مكتب … – استثمار وثراء مضاعف. فنقرت على ظهر يده بأظافرها الأرجوانية، وقالت: أبي يجهل اللغات الأجنبية، سيسافر كثيرًا، أقترح أن نستقيل من بطالتنا المقنعة وأن نعمل في مكتبه بمرتب حسن، ونسبة في الأرباح. ضحك، ولبثت أساريره ضاحكة، ونسي هموم العمر كله، وقال: دخلٌ خيالي. – وتلاشت المشكلات دفعة واحدة. ونظرت إليه باسمة، وكأنما تدعوه لإعلان موافقته وشكره، فقال: توفيق ما بعده توفيق. وتاه في الحلم تحت مراقبة عينيها، مورَّدَ الخدين من الفرح غائصًا في لجة من الخواطر، ومسح بيده على شعر رأسه الغزير، وتنفس بعمق ثم قال، وكأنما يحاور نفسه: سنصبح منهم! مَن تعني؟ – أنتِ تعرفين ما أعني تمامًا. الماضي لا يمكن أن يُنسى. إنه ماضٍ حاضر، تجسد في حوار متواصل. انهال بألسنته المحمومة على الانحرافات والطفيليين من منطلق مثالية ناصعة، بل انتماء لا يخلو من تطرف. لكنها قالت: الصفقة مشروعة ولا غبار عليها. – أسلِّم بهذا، ولكنا لم نُعفِها من نقدنا المُر. فقالت محتجة: لا بد أن نفرق بين ما هو شرعي وما هو منحرف. – معك الحق. ولكن أصحابنا سيسخرون منا. – فليسخروا ما شاءوا، المهم أن عملنا لا غبار عليه. – العمل لا غبار عليه. – مَن منهم يُعرِض عن فرصة مماثلة إذا مُنحت له؟ – لا أحد فيما أتصور. – فلا يوجد سبب واحد يدعو للتردد. – هذا حق، المسألة … وتوقف متفكرًا فتساءلت بحدة: المسألة؟! – ماذا أقول؟ كنا نتكلم بين الأصحاب بحماس جاوز الحد. – حول المنحرفين، ودائمًا المنحرفين. – ألم نعتبر بعض أنواع الاستيراد انحرافًا؟ فقالت متجهمة: سنكون موظفين لا أكثر! – صاحب المكتب هو أبوك وحمُوي! – لن يكون مهرِّبًا أو خطافًا. – طبعًا .. طبعًا، ولن يمنعنا العمل الجديد من المحافظة على أفكارنا. – طبعًا .. طبعًا .. هل تتصور أن تضحيتنا بالفرصة هي التي ستصلح المجتمع؟ – طبعًا لا. – لا تبالِ إذن بأي قول متعسف. – هذا هو الرأي الصواب. – هل أعتبر الأمر منتهيًا؟! – أي نعم! هكذا تلاشت المشكلات وابتسمت الحياة. آمن بذلك تمامًا ولكنه شعر في الوقت نفسه بأن محنة جديدة تتربص به بين الأصحاب أو في أعماق ذاته. ومن الآن فصاعدًا ستكون السعادة هي المشكلة. ستكون المشكلة هي الدفاع عنها والمحافظة عليها للنهاية إن أمكن. | {
"chapter": "في غمضة عين",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "الفجر الكاذب",
"url": "https://www.hindawi.org/books/42814840/5/"
} |
مع الأساسيات الاقتصادية لتشغيل البيتكوين التي تمَّ شرحها في الفصل الثامن، ومع الحالات الرئيسية المحتمل استخدام البيتكوين فيها والتي تمَّت مناقشتها في الفصل التاسع، سيتم فحص ومناقشة مجموعة من الأسئلة البارزة حول عمل وتشغيل البيتكوين في هذا الفصل. فنظام إثبات العمل يجعل ثمن تدوين الكتلة باهظًا جدًّا، وثمن التحقُّق من صحتها زهيدًا جدًّا؛ ممَّا يكاد يقضي على الحافز لأي شخص لإنشاء تحويلات مزوَّرة. فإذا حاول أحدهم، فإنه سيقوم بإهدار الكهرباء وطاقة المعالجة دون الحصول على مكافأة الكتلة. لذلك، يمكن فهم البيتكوين على أنه تكنولوجيا تُحوِّل الكهرباء إلى سِجلات صحيحة عبر إنفاق طاقة المعالجة، ويتم مكافأة أولئك الذين يُنفقون هذه الكهرباء بعملات البيتكوين؛ ولذلك، يتولَّد لديهم دافع قوي للحفاظ على نزاهته. وكنتيجة لربط الصدق بحافز اقتصادي قوي، ظلَّ سجل البيتكوين عصيًّا على الإتلاف طوال فترة عمله حتى الآن؛ حيث إنه لم يشهد هجمة إنفاق مزدوج على تحويلة مؤكَّدة قط. وبهذا الأمر، تتحقَّق تلك النزاهة في سِجل البيتكوين دون الحاجة للاعتماد على صدق ونزاهة أي طرف في الشبكة. ومن خلال الاعتماد كليًّا على عملية التحقُّق والمصادقة، يَحكُم البيتكوين على التحويلات الاحتيالية والمزوَّرة بالفشل، ويتجنَّب الحاجة إلى الثقة في أي طرف لإتمام التحويلات. ولكي يتمكَّن مهاجم ما من إدخال تحويلات مزوَّرة إلى سِجل البيتكوين، فهو يحتاج لأن يمتلك غالبية طاقة المعالجة المستخدَمة في الشبكة لكي يتم قَبول احتياله، ولكن العُقَد الصادقة والنزيهة والتي هي جزء من الشبكة لا تملك أي دافع لتفعل ذلك؛ لأنها وإن فعلت، فستقلِّل من نزاهة البيتكوين، وستقلِّل من قيمة العوائد التي تحصل عليها؛ ممَّا يؤدِّي إلى إهدارها للكهرباء والموارد التي تمَّ صرفها. لهذا، إن أمَلَ المهاجم الوحيد هو أن يحشد أكثر من ٥٠٪ من كمية طاقة المعالجة المستخدمة في الشبكة لكي يتم تأكيد احتياله على أنه صادق ليتمكَّن من البناء عليه. لقد كان بالإمكان الإقدام على هذه الحركة في بدايات عصر البيتكوين عندما كان إجمالي طاقة المعالجة المصروفة في الشبكة قليلًا جدًّا، لكن ولأن القيمة الاقتصادية التي حملتها الشبكة في تلك الأيام كانت ضئيلةً جدًّا وغير مهمة، لم تتحقَّق أية هجمات. ومع استمرار نمو الشبكة وتزايد عدد الأعضاء الذين يجلبون معهم المزيد من طاقة المعالجة، ارتفع ثمن الهجوم على الشبكة. ولقد أثبتت مكافأة العُقَد، التي تؤكِّد صحة التحويلات، أنها استخدامٌ مربح لطاقة المعالجة؛ ففي يناير من عام ٢٠١٧م، كان حجم طاقة المعالجة لشبكة البيتكوين مساويًا ﻟ ٢ تريليون لابتوب، وهو أمر أكثر ﺑ ٢ مليون مرة من طاقة المعالجة لأقوى حاسوب عملاق في العالم، وأكثر من ٢٠٠٠٠٠ مرة من طاقة المعالجة لأقوى ٥٠٠ حاسوب عملاق في العالم مجتمعين. وقد أصبح البيتكوين عبر تحويل قيمة طاقة المعالجة بشكل مباشر أكبر شبكة حاسوبية بهدف موحَّد في العالم. وفي السنوات الأولى من عمل البيتكوين قام مستخدمو البيتكوين بتشغيل عُقَد، واستخدموها في إجراء تحويلاتهم الخاصة والتحقُّق من صحة تحويلات الآخرين في الشبكة؛ بحيث كانت كل عقدة تؤدِّي دور محفظة ومُوثِّق/مُعدِّن، لكن تمَّ فصل تلك العمليات مع مرور الوقت، فتخصَّصت الرُّقاقات المدمجة المحدَّدة برمجيًّا الآن في التوثيق والمُصادقة على التحويلات من أجل الحصول على مكافأة البيتكوين (لهذا السبب يُعرَفون بالمُعدِّنين). ويستطيع مشغِّلو العُقَد الآن إنشاء عدد غير محدود من المحافظ؛ ممَّا يسمح للشركات والأعمال والمشاريع التجارية بإتاحة محافظ مريحة ومناسبة للمستخدمين الذين سيستطيعون إرسال واستقبال البيتكوين دون الحاجة إلى إدارة عقدة التعدين أو إنفاق طاقة معالجة للمصادقة على التحويلات. وهذا الأمر، نقَلَ البيتكوين بعيدًا عن كونه شبكة نظير إلى نظير فقط بين عقد متطابقة، لكن رغم ذلك، يمكن القول إن الأهمية الوظيفية الرئيسية للطبيعة اللامركزية والمُوزَّعة للشبكة لا تزال قائمةً وسليمة؛ وذلك لأنه يوجد عدد كبير من العُقد التي ما تزال قائمة؛ بحيث لا يتم الاعتماد على أي طرف كي تعمل الشبكة. بالإضافة إلى ذلك، فقد سمح التخصُّص في التعدين بنمو طاقة المعالجة الداعمة للشبكة إلى الحجم المذهل الذي وصلت إليه. ففي بدايات البيتكوين عندما كانت قيمة العملة صغيرةً أو معدومة، كان من الممكن سرقة الشبكة وتدميرها من قِبل المهاجمين، ولكن بما أن القيمة الاقتصادية للشبكة كانت قليلة، لم يُتعِب أحد نفسه بهذا الأمر. الآن، ومع ازدياد حجم القيمة الاقتصادية للشبكة، قد يكون ازداد معها دافع سرقة الشبكة، لكن تكلفة فعل ذلك قد ازدادت بشكل كبير أيضًا، وبسبب ذلك، لم تتحقَّق أية هجمة. ومن المرجَّح أن يكون السبب الحقيقي وراء حصانة شبكة البيتكوين هو أن قيمة العملة تعتمد كليًّا على مصداقية ونزاهة الشبكة. فنجاح أي هجوم في تغيير سلسلة الكتل أو سرقة العملات، أو إنفاقها عدة مرات فيما يُعرف باسم الإنفاق المزدوج لن يعود بفائدة كبيرة على المهاجم؛ حيث سيتضح لجميع أعضاء الشبكة أنه من الممكن تقويض الشبكة؛ ممَّا سيقلِّل بشكل كبير من الطلب على استخدامها وعلى الاحتفاظ بالعملة، وسيؤدِّي هذا إلى انهيار سعرها. بتعبير آخر، لا تقتصر دفاعات شبكة البيتكوين على ارتفاع تكلفة الهجوم فحسب، بل إن نجاح الهجوم سيجعل الغنيمة بلا قيمة؛ فكونها نظامًا طوعيًّا تمامًا، لا يمكن لشبكة البيتكوين العمل إلا إذا كانت نزيهة؛ حيث يمكن للمستخدمين مغادرتها بسهولة إذا لم تكن كذلك. فتَوزُّع طاقة معالجة البيتكوين ومقاومته الكبيرة لتعديل شيفرته البرمجية، إضافةً إلى عناد سياسته النقدية، هي ما جعلت البيتكوين يستمر ويزداد في قيمته إلى الدرجة التي هو عليها الآن، ومن الصعب على الأشخاص الجدد على البيتكوين أن يُقدِّروا كمَّ التحديات اللوجستية والأمنية التي نجح البيتكوين بتخطيها كل هذه السنوات حتى وصل إلى ما هو عليه الآن. وعند الأخذ بالحسبان أن الإنترنت قد خلق فرصًا للمخترقين لمهاجمة كافة أنواع الشبكات والمواقع بهدف التسلية والربح، فسنرى أن هذا إنجاز مذهل؛ فالعدد المتزايد للخروقات الأمنية التي تحصل لشبكات الحاسوب وخوادم البريد الإلكتروني بشكل يومي حول العالم لا تتعدَّى غنيمتها سرقة بيانات، أو تحقيق فرص لتسجيل نقاط سياسية. وفي الجهة المقابلة، يحتوي البيتكوين على مليارات الدولارات من القيمة، ولا يزال يعمل بشكل آمن وموثوق؛ حيث إنه ومنذ بداية النظام كان قد تمَّ تصميمه ليعمل في بيئة عدائية ليكون مقاومًا للهجمات القاسية. وقد حاول المخترقون والمبرمجون من كافة أنحاء العالم أن يدمِّروا البيتكوين باستعمال سائر الوسائل التكنولوجية، لكنه مع ذلك، استمرَّ بالعمل بما يتناسب مع جوهر خصائصه. إن طبيعة البيتكوين هي طبيعة تعني أنه بمجرَّد إطلاق النسخة ٠٫١ منها، فسيعمل تصميمها الجوهري وللأبد. إن مناعة ومتانة البيتكوين لم تكن فقط سببًا في صد الهجمات على الشبكة، بل كانت قادرةً أيضًا على مقاومة كل محاولات تغييره أو تعديل خصائصه، ولكن لم يفهم معظم المشكِّكين عمقَ هذه الحقيقة وآثارها بعد. وإذا أردنا مقارنة البيتكوين ببنك مركزي، فسيكون أكثر بنك مستقل في العالم، وإذا أردنا مقارنته بدولة قومية، فسيكون أكثر دولة قومية ذات سيادة في العالم. بهذا، يمكن القول إن سيادة البيتكوين تُستمَد من الطريقة التي تعمل بها قوانين الإجماع بالرأي، جاعلةً إياه مقاومًا وبشكل كبير للتعديل من قِبل الأفراد. ولا نبالغ إن قلنا إنه لا أحد يتحكَّم بالبيتكوين، وإن الخيار الوحيد المتوفِّر أمام الأفراد هو إمَّا استخدامه كما هو أو عدم استخدامه. فهذا الثبات لا يُعدُّ من خصائص برمجية البيتكوين؛ حيث يمكن لأي شخص بارع بالبرمجة أن يغيِّر من برمجيته، لكن يمكن القول إن البيتكوين مُقيَّد بقيمة عملته وبشبكته وصعوبة إقناع كل الأعضاء في الشبكة بتبني نفس التغيير البرمجي؛ فالتطبيق البرمجي الذي يسمح للأفراد بتشغيل عقدة متصلة بشبكة البيتكوين هو تطبيق مفتوح المصدر، أطلقه في البداية «ساتوشي ناكاموتو» بالتعاون مع الراحل «هال فيني» وآخرين. ومنذ ذلك الوقت، أصبح لأي مستخدم كان، ذكرًا أم أنثى، إمكانية تنزيل واستخدام البرنامج كما يريد، وإجراء التغييرات التي يريدها عليه. إن هذا الأمر خلق سوقًا تنافسية حرة في تطبيقات البيتكوين بحيث يمكن لأي شخص المساهمة في إجراء التغييرات أو التحسينات والتطويرات على البرنامج وتقديمها للتبني من قِبل المستخدمين. لهذا السبب لا يمكن لمبرمجي البيتكوين مهما كانوا بارعين أن يتحكَّموا بالبيتكوين؛ حيث يتم عدُّهم فقط كمبرمجين للبيتكوين في حدود توفير البرمجيات التي يرغب مشغِّلو العُقد في تبنيها واستخدامها. وليس المبرمجون وحدهم من لا يستطيعون التحكم بالبيتكوين، فالمُعدِّنون أيضًا مع كل طاقة المعالجة التي يمكنهم حشدها، لا يمكنهم أيضًا التحكم بالبيتكوين. فلا يهم مقدار طاقة المعالجة المُنفَقة في معالجة الكتل غير الصالحة؛ وذلك لأنه لن يتم المصادقة عليها من قِبَل غالبية عُقد البيتكوين. لذلك، إن محاولات المُعدِّنين لتغيير قوانين الشبكة هي إهدار لمواردهم في حل المسائل الرياضية لإثبات العمل، ويكون هذا الإهدار مُمثَّلًا بعدم حصولهم على أي مكافأة. لهذا، فمُعدِّنو البيتكوين هم مُعدِّنون في حدود إنتاج كُتلٍ تتضمَّن تحويلات صالحة وفقًا لإجماع القوانين الحالية المُتفق عليها. من المغري القول هنا إن مدراء العُقد يتحكَّمون بالبيتكوين، وهذا صحيح بالمعنى الجمعي، لكن بالحقيقة، إن مدراء العُقد لا يمكنهم التحكم إلا بعقدهم الخاصة واختيار قوانين الشبكة المناسبة لهم والتي يريدون الانضمام إليها، وتحديد إذا ما كانت التحويلات التي يسجِّلونها على أنها صالحة أم غير صالحة. فالعُقد محدودة بشكل كبير في اختيارها للقوانين المتفق عليها؛ حيث إن تحويلاتها سيتم رفضها إذا قامت بفرض قوانين غير متوافقة مع ما هو متفق عليه في الشبكة. ولهذا السبب، يتولَّد لدى كل عُقدة دافع قوي جدًّا للمحافظة على تطبيق القوانين المتفق عليها والبقاء على توافق مع العقد الأخرى ضمن هذه القوانين المتفق عليها. فلا تستطيع العُقدة الفردية أن تفرض على العُقد الأخرى تغيير شيفرتها البرمجية، وهذا ما يخلق اتفاقًا وتحيُّزًا جماعيًّا للبقاء ضمن القوانين الحالية المتفق عليها. خلاصة القول، يملك مبرمجو البيتكوين دافعًا قويًّا للالتزام بالقوانين المتفق عليها لكي يتم تَبَني شيفرتهم البرمجية، كما يجب على المُعدِّنين أيضًا الالتزام بقوانين الشبكة المتفق عليها لكي يحصلوا على تعويض عن الموارد التي صرفوها على نظام إثبات العمل. وأعضاء الشبكة أيضًا يملكون دافعًا قويًّا للبقاء على تلك القوانين المتفق عليها لكي يتمكَّنوا من تصفية تحويلاتهم على الشبكة. يجب أن نُضيف هنا أنه من الممكن الاستغناء عن أي مُعدِّن أو مُبرمج، أو مدير عُقدة في الشبكة؛ حيث إنه إذا لم يلتزم أي أحد منهم بالقوانين المتفق عليها فالناتج المرجَّح هو خسارتهم لمواردهم. وطالما تُقدِّم الشبكة مكافآت إيجابيةً لمشتركيها، من المرجَّح أن يظهر مشتركون بُدلاء. لذلك، يمكن فهم معايير البيتكوين المتفق عليها بأنها ذات سيادة؛ فاستمرار وجود البيتكوين للدرجة التي يتواجد بها مرهون باستمرار وجود تلك المعايير والصفات. وهذا التحيُّز القوي للتمسُّك بالوضع الراهن في عمل البيتكوين يُصعِّب للغاية من عملية تغيير جدول العرض النقدي أو المعايير الاقتصادية المهمة. لهذا، يُعتبَر البيتكوين نقدًا سليمًا بسبب هذا التوازن المستقر فقط، وستَضعف قيمته كثيرًا كنقد سليم إذا انحاز عن ذلك الإجماع. فإن قرَّر بعض أعضاء شبكة البيتكوين القيام بتغيير معيارٍ في شيفرة البيتكوين البرمجية؛ وذلك عبر تقديم نسخة جديدة من البرنامج غير متوافقة مع بقية أعضاء الشبكة؛ فالنتيجة ستكون انقسامًا يُنشئ بشكل فعَّال عملتَين منفصلتَين وشبكتَين. وطالما بقي أعضاءٌ في الشبكة القديمة، فسيمكنهم الاستفادة من البنية التحتية للشبكة كما هي، ومن معدات التعدين، ومن مفعول تأثير الشبكة، وشهرة الاسم. وسيتطلَّب نجاح الانقسام الجديد هجرة الغالبية العظمى من المستخدمين، وقوى التعدين، وكل ما يتعلَّق بالبنى التحتية في نفس الوقت للعملة الجديدة. وإن لم تحصل على تلك الغالبية العظمى، فالنتيجة المتوقَّعة هي أن كلا العملتَين سيتم تبادلهما مقابل بعضهما البعض في البورصات. لهذا، إنْ أمَل الأفراد المسئولون عن الانقسام بأن ينجح انقسامهم، فسيكون عليهم بيع جميع عملاتهم القديمة على أمل أن يفعل الجميع الشيء ذاته؛ وذلك كي تنهار أسعار العملة القديمة وتصعد أسعار العملة الجديدة، جاذبةً كل طاقة التعدين والشبكة الاقتصادية إلى الشبكة الجديدة. لكن ولأن أي تغيير بأي معيار في عمل البيتكوين من المرجَّح أن يعود بمنافع على بعض أعضاء الشبكة على حساب الآخرين، فمن غير المرجَّح أن يحدث اتفاق جماعي للانتقال إلى العملة الأخرى؛ حيث إنه وبشكل عام، ينجذب غالبية حَمَلة البيتكوين إلى طبيعة قوانينه الآلية المُمانِعة لتوجيهه من قِبَل الأطراف الثالثة. ومن غير المرجَّح أن يُخاطر هؤلاء الأعضاء بمنح حرية إجراء تغييرات جوهرية بالشبكة لمجموعة جديدة تطرح شيفرةً برمجية أساسية غير متوافقة مع القوانين الحالية. ووجود هذه الغالبية أو عدم وجودها هو موضع جدل، ولكن ما يهم هو أنه دائمًا ما سيتواجد عدد كافٍ من الأعضاء، وسيستمرون باستخدام معايير النظام الحالي، إلا إذا تمَّ تقويض عملهم لأمر ما. ففي ما عدا وجود حالة فشل كارثي في التصميم الحالي، يمكننا ضمان أن تختار نسبة كبيرة من العُقَد استمرار استخدامها للتطبيق الحالي؛ ممَّا يجعل تلقائيًّا ذلك الخيار آمنًا أكثر لأي شخص يفكِّر باتخاذ القرار بالانقسام. والمشكلة بقرار الانقسام هي أن الطريقة الوحيدة لضمان نجاحه هي عبر بيع عملاتك في السلسلة القديمة، ولكن لا أحد يريد أن يبيع عملاته في الشبكة القديمة للانتقال إلى الشبكة الجديدة ليكتشف عدم انتقال أحد، ويكتشف هبوط قيمة العملة في الشبكة الجديدة. وبشكل إجمالي، لا يتم الانتقال إلى تطبيق قوانين جديدة إلا إذا أراد غالبية أعضاء الشبكة الانتقال سويةً بعد الاتفاق على هذه القوانين، وأي انتقال لا يتضمَّن غالبية الأعضاء هو بالتأكيد أمر كارثي اقتصاديًّا على أي شخص شارك بالعملية. وبما أن أي انتقال إلى أي تطبيق جديد غالبًا ما يمنح الطرف الذي اقترح الانتقال تحكُّمًا كبيرًا بمستقبل مسار البيتكوين، فإن حمَلة البيتكوين الضروريين لنجاح هذا الانتقال يرفضونه؛ وذلك لأنهم مختلفون فكريًّا بشكل كبير لأن يكون لأي مجموعة السلطة على البيتكوين. فغالبًا لن يدعم حملة البيتكوين حركة الانقسام هذه. إن وجود هذه المجموعات التي تدعم الانقسامات تشكِّل خطرًا على الآخرين. وربما يفسِّر هذا التحليل سبب مقاومة البيتكوين لجميع محاولات تغييره بشكل كبير حتى الآن. فمشكلة التنسيق لتنظيم انتقال متزامن بين أشخاص بمطامع عدائية، لدى كثير منهم إيمان راسخ بمبدأ عدم الثبات لهدف الثبات، هي أمر صعب جدًّا فيما عدا وجود سبب ضاغط يجبر الناس على الانتقال من التطبيق الحالي. بالنتيجة، يُظهِر البيتكوين تحيُّزًا كبيرًا للوضع الراهن؛ حيث إنه إلى الآن لم يتم تطبيق إلا التغيُّرات البسيطة وغير الجدلية على شيفرته البرمجية، وانتهت جميع محاولات إجراء تعديلات كبيرة على الشبكة بفشل ذريع، ليُسرَّ بذلك مستخدمو البيتكوين القدامى الذين أكثر ما يُسعدهم في عُملتهم هو ثباتها ومقاومتها للتغيير. وأهم وأبرز المحاولات كانت تلك المهتمة بزيادة حجم الكتل المنفردة وذلك لزيادة إجمالي التحويلات، وجمعت بعض المشاريع أسماءً من أشهر وأقدم مستخدمي البيتكوين والذين أنفقوا الكثير في محاولة كسب شهرة للعملة. ويُعدُّ «جافن أندرسن» واحدًا من أكثر الوجوه شُهرة؛ حيث ارتبط اسمه بالبيتكوين، وقد قام الأخير بعدة محاولات جاهدة لعمل انقسام بالبيتكوين وذلك لكي يحتوي على كتل أكبر، إضافةً إلى الكثير من أصحاب المصالح، ومنهم بعض المبرمجين المحترفين، ورياديين بأموال طائلة. وبعد فشل هذا الانقسام بتحدي مكانة البيتكوين الرئيسية، كان هناك محاولة أخرى تمَّ التفاوض بها على الانقسام لمضاعفة حجم الكتلة بين عدة شركات ناشئة نشطة في اقتصاد البيتكوين، وقد أُلغيت في منتصف نوفمبر لإدراك مروِّجيها أنهم لن يستطيعوا غالبًا تحقيق الإجماع على حركتهم، وأنه سينتهي بهم المطاف بعملة أخرى وشبكة أخرى. وقد تعلَّم القدامى في البيتكوين ألَّا يبالوا بمحاولات كهذه، متيقِّنين أنه مهما كان الحماس وقدر الضجة الإعلامية، فإن أي محاولة لتغيير قواعد الإجماع بالبيتكوين ستؤدِّي إلى إنتاج نسخة مُقلَّدة أخرى منه، كما كل العملات البديلة المنسوخة عن البيتكوين والتي تقلِّد التفاصيل الثانوية للبيتكوين لكنها لا تملك أهم صفاته (الثبات). نستنتج ممَّا سبق أنه من الواضح أن أفضلية البيتكوين لا تكمن في سرعته، أو سهولته أو تجربة المستخدم المريحة له، بل يمكن القول إن قيمة البيتكوين تأتي من خلال امتلاكه لسياسة نقدية ثابتة، ولا يمكن لأي فرد تغييرها بسهولة. لذلك، إن أي عملة تبدأ بمجموعة من الأفراد الذين يغيِّرون خواص البيتكوين فهي من بدايتها قد خسرت الخاصية أو الصفة الوحيدة التي تعطي البيتكوين قيمته. إن استعمال البيتكوين هو أمر سهل ومباشر، لكن تغييره مستحيل افتراضيًّا. وبما أن البيتكوين عملة طوعية، فإنه لا يتم إرغام أحدٍ على استخدامها، لكن أولئك الذين يريدون استخدامها ليس أمامهم خيار سوى اتباع قواعدها؛ فمحاولة تغيير البيتكوين بأية طريقة ليست ممكنةً فعليًّا، وإذا تمَّت المحاولة، فسينتهي الأمر بإنتاج عملة مُقلَّدة أخرى لا معنى لها تضاف إلى الآلاف من العملات الموجودة حاليًّا. لهذا، يجب أن يتم استخدام البيتكوين كما هو، ويجب قَبوله بما تقتضي قوانينه وبما يُقدَّم لنا. فالبيتكوين هو السيادة؛ وهو يعمل بقواعده الخاصة، ولا يمكن لأي دخيل خارجي تعديل قوانينه؛ ولهذا ربما من المفيد حتى أن نُفكِّر بمعايير البيتكوين على أنها مشابهة لدوران الأرض أو الشمس أو القمر أو النجوم، وهي قوًى تقع خارج سيطرتنا؛ بحيث يتوجَّب علينا أن نتقبَّلها كما هي ولا نحاول تغييرها أو تعديلها. إن البيتكوين هو تجسيد لفكرة الأنظمة المضادة للهشاشة، والتي تُعرف بأنها الكسب من المِحن والاضطرابات. فيمكن القول إن البيتكوين ليس عصيًّا على الهجمات فحسب، بل إنه أيضًا مضاد للهشاشة على الصعيدَين الاقتصادي والتقني. وبينما باءت محاولات قتل البيتكوين بالفشل حتى الآن، جعلته العديد من هذه المحاولات أقوى؛ ممَّا سمح للمبرمجين أن يحدِّدوا نقاط ضعفه ثم قاموا بإصلاحها. إضافةً إلى ذلك، فإن إحباط أي هجوم يشكِّل تهديدًا للبيتكوين هو نقطة إيجابية لصالحه؛ حيث إن هذا الأمر يشكِّل شهادةً ودعاية لأمن الشبكة أمام المشتركين بها وللناس خارجها. ولقد أخذ فريق عالمي من المبرمجين، والمراجعين، والمخترقين المتطوِّعين على مسئوليتهم اهتمامًا مهنيًّا، وماليًّا، وفكريًّا في العمل على تحسين وتقوية الشيفرة البرمجية للبيتكوين والشبكة، بحيث سيجذب وجود أي خطر أو نقاط ضعف في خواص الشيفرة البرمجية بعضًا من هؤلاء المبرمجين ليُقدِّموا حلولًا للمشكلة، ولتتم مناقشة تلك الحلول، واختبارها، ومن ثم عرضها على أعضاء الشبكة لكي يتم تبنيها. ويمكن القول إن التغييرات الوحيدة التي جرت على الشبكة حتى الآن كانت تغييرات تشغيليةً تسمح للشبكة بالعمل بفعالية أكبر، وليست تغييرات تعدِّل من جوهر عمل العملة. إضافةً لهذا، يمكن لأولئك المبرمجين أن يمتلكوا عملات بيتكوين؛ ممَّا يعطيهم الدافع المالي ليعملوا على التأكُّد من نجاحه ونموه. بالمقابل، يكافئ النجاح المستمر للبيتكوين المبرمجين ماليًّا، وبالتالي يسمح لهم بأن يكرِّسوا وقتًا أكثر وجهدًا أكبر لحماية وصَون البيتكوين. وبهذا، أصبح بعض المبرمجين البارزين الذين يعملون على حماية وصون البيتكوين أغنياء بما يكفي من استثمارهم في البيتكوين، حتى استطاعوا جعله حرفتهم الأساسية دون أن يستلموا أي مقابل من أي أحد. ولا يوجد سوى عدد قليل جدًّا من تلك المراكز في العالم؛ وهي تلك المراكز المستخدمة من قِبل الفيزا أو الماستر كارد، وبعض معالجات الدفع الأخرى. وإذا حاول البيتكوين معالجة سعة كهذه، فلن يتمكَّن من منافسة تلك الحلول المركزية وهو يمتلك آلاف المراكز الموزَّعة على مقياس مشابه، بل كان سيتوجَّب عليه أن يصبح مركزيًّا، وأن يوظِّف القليل من مراكز البيانات. ولكي يبقى البيتكوين موزَّعًا، يجب أن تكون تكلفة كل عقدة على الشبكة تكلفةً معقولة بالنسبة لآلاف الأفراد حتى تشغِّلها حواسيب شخصية متوفِّرة تجاريًّا، ويتوجَّب أن يكون تحويل البيانات بين العُقد على مستويات مدعومة من قِبَل سعة شبكة الاتصالات للمستهلكين العاديين. بعيدًا عن تلك الاحتمالات، إن القسم الأكبر من تحويلات البيتكوين اليوم تحصل خارج السلسلة، ويتم تسويتها داخل السلسلة فقط؛ حيث إن الأعمال القائمة على البيتكوين، كالبورصات، والكازينوهات، ومواقع الألعاب، لا تستخدم سلسلة كتل البيتكوين إلا لتسجيل إيداعات وسحوبات الزبائن، وتقوم بتسجيل كل التحويلات داخل منصاتهم على قواعد بياناتهم المحلية، والتي يتم تسعيرها بالبيتكوين. لهذا السبب، لا يمكن معرفة العدد الدقيق لتلك التحويلات بسبب عدد الأعمال الكبير جدًّا، وبسبب سرية بيانات التحويلات التي تجري على منصاتهم الحصرية، وبسبب التغيُّرات الديناميكية السريعة في اقتصاد البيتكوين. لكن قد يجعل تقدير مُحافظ عدد هذه التحويلات أكبر ﺑ ١٠ مرات من عدد التحويلات الحاصلة على سلسلة كتل البيتكوين. كنتيجة، يتم استخدام البيتكوين حاليًّا كأصول احتياطية في غالب التحويلات في اقتصاد البيتكوين، وإذا استمرَّ نمو البيتكوين، فمن الطبيعي أن نرى عدد التحويلات خارج السلسلة يزداد بشكل أسرع منه من التحويلات داخل السلسلة. قد يناقض هذا التحليل الخطاب الذي رافق ظهور البيتكوين والذي قام بترويجه على أنه سيضع حدًّا للمصارف والأعمال المصرفية. لكن الفكرة بأن الملايين أو حتى المليارات ستستطيع استعمال شبكة البيتكوين مباشرةً من أجل القيام بجميع تحويلاتهم، هي فكرة غير واقعية؛ وذلك لأنها تستلزم على كل عضو في الشبكة أن يسجِّل كل تحويل لكل عضو آخر فيها، ومع ازدياد العدد، سيزداد حجم التسجيلات وستصبح الشبكة حاملةً لثقل كبير من الحوسبة. على الجانب الآخر، سيستمر ازدياد الطلب على خواص البيتكوين الفريدة كمخزن للقيمة؛ ممَّا سيجعل الأمر صعبًا على البيتكوين أن ينجو كشبكة نظير إلى نظير نقية تمامًا، وستُصبح حلول معالجة الدفع التي تجري خارج سلسلة كتل البيتكوين أمرًا مفروضًا ليستمر البيتكوين بالنمو، وستظهر هذه الحلول من خلال منافسة الأسواق الحرة. فهناك سبب آخر هام لعدم التخلي عن المصارف كمؤسسة وهو أمان الوصاية المصرفية؛ فبينما يُقدِّر الأصوليون في البيتكوين قيمة الحرية الممنوحة لهم بقدرتهم على الاحتفاظ بنقودهم وعدم الاعتماد على أي مؤسسة مالية من أجل الوصول إليها، إلا أنه بالمقابل لا تريد الغالبية العظمى من الناس تلك الحرية، وتفضِّل ألَّا يكون مالها الخاص تحت مسئوليتها بسبب الخوف من السرقة أو الخطف؛ فمن السهل النسيان في هذه الأيام في خضم الخطابات الشائعة المشهورة المضادة للبنوك، وخاصةً في أوساط ودوائر حَمَلة البيتكوين، أن الإيداع المصرفي هو عمل شرعي طالب به الناس لمئات السنين حول العالم. فدفع الناس بسعادة مقابل تخزين أموالهم في مكان آمن كي يستطيعوا حمل كمية صغيرة من النقود ومواجهة خطورة فقدان كمية صغيرة منها وليس كميةً كبيرة. فاستعمال البطاقات البنكية بدلًا من النقود الحقيقية سمح للناس حَمْل مجموعات قليلة من هذه النقود معهم كل الوقت، وهو غالبًا ما جعل المجتمع الحديث أكثر أمانًا ممَّا إذا كان غير ذلك، حيث لا يتوقَّع المهاجمون المحتملون في هذه الأيام أن يقابلوا أحدًا ما يحمل معه كميةً كبيرة من النقود، لدرجة أن سرقة البطاقات البنكية أصبحت غير مثمرة لجني أرباح كبيرة؛ حيث إن الضحية ستحاول وقفها بأسرع وقت ممكن. ففي ٢٠١٦ و٢٠١٧م، وبينما كان البيتكوين يقترب من الحد الأقصى للتحويلات اليومية، استمرَّت الشبكة بالنمو كما هو واضح في بيانات الفصل الثامن؛ فسعة البيتكوين تزداد بزيادة قيمة التحويلات التي تُجرى داخل سلسلة الكتل، وليس بزيادة عدد تلك التحويلات. ولهذا، فالعديد من التحويلات يتم إجراؤها خارج سلسلة الكتل؛ بحيث يتم تسويتها على البورصات أو المواقع التي تستعمل البيتكوين؛ ممَّا يُحوِّل البيتكوين إلى شبكة تسوية أكثر من كونه شبكة دفع مباشر. هذا الأمر لا يمثِّل ابتعادًا عن عمل البيتكوين كعملة نقدية كما هو الاعتقاد الشائع؛ حيث إنه وبينما يتم استعمال مصطلح نقد (كاش) في أيامنا هذه ليدل على النقود التي تُستَعمل في تحويلات استهلاكية صغيرة، إلا أن المعنى الأصلي للمصطلح يُشير إلى النقود على أنها صكوك مالية يمكن لقيمتها أن تُحَوَّل مباشرةً دون اللجوء أو الاعتماد على ضمان الأطراف الثالثة. ففي القرن التاسع عشر، أشار المصطلح نقد لاحتياطي الذهب الخاص بالبنك المركزي، وكان معنى تسوية النقد هو النقل المادي للذهب بين المصارف. فإن صحَّ هذا التحليل، واستمرَّت قيمة البيتكوين بالنمو جنبًا إلى جنب مع التحويلات التي تتم خارج السلسلة، بينما لا تزداد التحويلات التي تجري داخل السلسلة بالنسبة ذاتها، فيمكننا فهم البيتكوين كالمصطلح القديم للنقد؛ أي بشكل مشابه للاحتياطي النقدي للذهب بدلًا من المصطلح الحديث للنقد وهو عملات ورقية تُستخدم للتحويلات الصغيرة. نستنتج ممَّا سبق أن هناك الكثير من الاحتمالات لزيادة عدد تحويلات البيتكوين دون الاضطرار لتعديل بنية البيتكوين كما هي، ودون حاجة جميع مُديري العُقَد الحاليين للقيام بالتحديث في وقت واحد متزامن. وحلول التوسعة ستأتي من مُديري العُقَد وهم يُطوِّرون الطريقة التي من خلالها يرسلون البيانات في تحويلات البيتكوين لأعضاء الشبكة الآخرين. وسيتم هذا من خلال تجميع التحويلات معًا، تلك التحويلات التي تُجرَى خارج سلسلة الكتل وقنوات الدفع. ومن المرجَّح أن حلول التوسعة داخل السلسلة لن تكون كافيةً لتواكب الطلب المستمر على البيتكوين مع مرور الزمن؛ لذا وغالبًا، ستستمر حلول الطبقات الثانية في النمو بأهميتها؛ ممَّا سيؤدِّي إلى ظهور نوع جديد من المؤسسات المالية مشابه للمصارف في يومنا الحالي تستخدم التشفير وتعمل على الإنترنت بشكل رئيسي. وكل هذا يعني أنه من أجل ارتكاب أي جريمة يوجد بها ضحية فعلية، فسيكون من غير العقلاني بالنسبة للمجرمين استخدام البيتكوين؛ فطبيعة الهُويات المستعارة تعني أنه من الممكن ربط العناوين بهُويات العالم الحقيقي حتى بعد سنوات كثيرة من ارتكاب الجريمة. فيمكن للشرطة أو الضحايا أو المحقِّقين الذين يتم توظيفهم أن يقوموا بإيجاد رابط يقودهم إلى هُويات أولئك المجرمين، حتى بعد مرور العديد من السنوات. لهذا، كان مسار مدفوعات البيتكوين بحد ذاته سببًا في كشف هُويات العديد من تُجَّار المخدرات على الشبكة والإمساك بهم لأنهم وقعوا في خدعة كون البيتكوين مجهول الهُوية بالكامل. إن البيتكوين تكنولوجيا خاصة بالنقد، والنقد هو شيء يمكن استعماله من قِبَل المجرمين طوال الوقت. لهذا، يمكن لأي شكل من أشكال النقد أن يتم استعماله من قِبَل المجرمين أو من أجل إتاحة الجريمة، لكن سِجل البيتكوين الثابت يجعله غير مناسب لهؤلاء المجرمين لارتكاب جرائم مع وجود ضحايا قد تكون لديهم نية في إجراء التحقيقات. فيمكن للبيتكوين أن يكون مفيدًا بشكل كبير في إتاحة «الجرائم التي لا تحتوي على ضحايا»؛ وذلك لأن غياب الضحية يعني ألَّا أحد سيحاول كشف هُوية «المجرم». في الواقع، وفي اللحظة التي يتجاوز بها الشخص الدعاية الضخمة لحكومات القرن العشرين، فسنجد أنه ليس هناك ما يُدعى بالجريمة التي لا تحتوي على ضحية؛ لأنه إن لم يحتوِ الفعل على ضحية، فهو ليس جريمةً بغض النظر عمَّا يعتقد بعض المُصوِّتين المُعتَدِّين بأنفسهم أو البيروقراطيين بشأن حقهم في سن وتشريع الأخلاق للآخرين. فيمكن للبيتكوين أن يكون مفيدًا في تلك الأعمال غير الشرعية لكن الأخلاقية بالكامل؛ لأنه لا يوجد هناك ضحايا يحاولون الإمساك بالمجرم. فتلك النشاطات غير المؤذية التي تمَّ ارتكابها ستظهر على سلسلة الكتل كتحويل فردي قد تتعدَّد أسبابه. لذلك، إن الجرائم التي لا تحتوي على ضحايا كالمقامرة على الشبكة والتهرُّب من الضوابط المفروضة على رأس المال، من الممكن للمرء أن يتوقَّع استخدام البيتكوين فيها، ولكن لن يُتوقَّع استخدام البيتكوين لجرائم القتل والإرهاب. لهذا، يبدو أنه يتم استخدام سلسلة كتل البيتكوين لتجارة المخدرات، كما دلَّتنا الأرقام الكبيرة من أعداد أولئك الذين يشترون المخدرات عبر البيتكوين والذين تمَّ التعرُّف عليهم من تطبيق القانون، مع العلم أن تلك التجارة غالبًا تَنتج عن شهوة المدمنين وليس عن قرار عقلاني. وفي حين أنه من الصعب إيجاد الإحصائيات الكافية حول هذا الموضوع، إلا أنني لن أتفاجأ إذا اكتشفت أن شراء المخدرات باستخدام البيتكوين أخطر بكثير منه باستخدام النقود الورقية المادية الحكومية. بكلمات أخرى، سيزيد البيتكوين غالبًا من حرية الأفراد، بينما ليس بالضرورة أن يُسهِّل عليهم ارتكاب الجرائم؛ فهو ليس أداةً لنخاف منها، بل أداة يتم تبنِّيها على أنها جزء متكامل من مستقبل مسالم ومزدهر. إن «المطالبة بفدية» هي واحدة من أكبر وأهم أنواع الجرائم التي تمَّ استخدام البيتكوين فيها بشكل كبير، وهي طريقة لدخولٍ غيرِ مصرَّح به إلى حواسيب الضحايا، وتُشفَّر ملفات الضحايا، ولا يُطلَق سراحها إلا في حال قيام الضحية بالدفع للمستلم غالبًا باستخدام عملات البيتكوين. وفي حين كانت تلك الأنواع من الجرائم موجودةً حتى قبل البيتكوين، إلا أن تنفيذها أصبح أكثر سهولةً منذ اختراعه، وهذا بلا شك أفضل مثال على استخدام البيتكوين لتسهيل وإتاحة الجريمة. مع هذا، يمكن للشخص ببساطة أن يفهم أن جرائم طلب الفدية تلك تستفيد وتستغل الحواسيب التي تفتقر للأمن والحماية. فالشركة التي يتم تشفير كامل نظام حوسبتها من قِبَل مجموعة من المخترِقين المجهولين الذين يطالبون ببضعة آلاف من الدولارات بعملة البيتكوين، هي شركة لديها مشاكل أكبر بكثير من أولئك المخترقين. وقد يكون دافع المخترقين هو بضعة آلاف من الدولارات، لكن قد يكون دافع الشركات المنافِسة أو العملاء أو حتى المُموِّلين في جمع بيانات تلك الشركة أكبر بكثير. بالنتيجة، سمحت جرائم المطالبة بالفدية عن طريق البيتكوين بتحديد وكشف العيوب في حماية وأمن الحواسيب، فأدَّت هذه العملية بالشركات لاتخاذ تدابير وقائية أفضل، وإلى زيادةٍ في نمو حماية الحواسيب كتجارة. بكلمات أخرى، يسمح البيتكوين بتسييل سوق حماية الحواسيب. وبينما يمكن للمخترقين حاليًّا الاستفادة من ذلك، إلا أنه على المدى البعيد، ستقوم الشركات المنتِجة بتحديد الموارد الفُضلى للحماية. إن مقاومة البيتكوين للهجمات متجذِّرة بثلاث خواص؛ بساطة أساسياته، وطاقة المعالجة الخاصة به والتي شغلها الشاغل هو ضمان أمن هذا التصميم البسيط، إضافةً إلى العُقَد الموزَّعة التي تحتاج إلى الوصول إلى اتفاق على أي تغيير كي يتم إجراؤه. ولرسم صورة عن درجة تحصين البيتكوين، تخيَّل المرادف الرقمي لوضع جميع مشاة الجيش الأمريكي وأسلحته حول ساحة مدرسة ما لحمايتها من الغزو، وستكون هذه هي درجة التحصين. ففي جوهره، البيتكوين هو دفتر وسِجل ملكية لعملات افتراضية بحيث إن هناك ٢١ مليونًا فقط من تلك العملات، بالإضافة إلى بضعة ملايين من العناوين التابعة له، وكل يوم يتم نقل بعض تلك العملات فيما لا يتعدَّى ٥٠٠ ألف تحويلة. وقوة الحوسبة اللازمة لإدارة نظام كهذا ضئيلة جدًّا، ويمكن لحاسوب محمول ﺑ ١٠٠$ إدارتها في نفس الوقت الذي يتم تصفُّح الإنترنت عليه، ولكن يرجع سبب عدم تشغيل البيتكوين على حاسوب واحد لأن ترتيبًا وعملًا كهذا سيتطلَّب ثقةً في مالك الحاسوب، وثقةً في عدم كون هذا الحاسوب سهل الاختراق نسبيًّا. فكل الشبكات الحاسوبية تعتمد في حمايتها على جعل بعض الحواسيب محصَّنةً ضد المهاجمين واستعمالها كمرجع نهائي، أمَّا البيتكوين فهو يأخذ خُطًى مختلفة تمامًا فيما يتعلَّق بالحماية الحاسوبية؛ فلا يأخذ البيتكوين على مسئوليته حماية جميع حواسيبه بشكل فردي، بل يعمل على افتراض أن حواسيب جميع العُقَد هي هجومية عدائية. فبدلًا من الثقة في أي من أعضاء الشبكة، يقوم البيتكوين بالتحقُّق من كل حركة يفعلها الأعضاء، وعملية التحقُّق هذه عبر نظام إثبات العمل هي ما يستهلك الكمية الكبيرة من طاقة المعالجة. وقد أثبت ذلك النظام فعاليته لأنه جعل حماية البيتكوين تعتمد على ضخامة طاقة المعالجة، وبذلك يكون منيعًا ضد مشاكل الدخول وتأكيد الهُوية. فإذا تمَّ الحكم على الجميع بعدم الصدق، فعلى الجميع أن يدفع ثمنًا باهظًا لإجراء التحويلات إلى السجل العام، وكل من يتم ضبطه محاولًا الخداع والتزوير سيخسر تلك الأثمان التي دفعها. بهذه الكيفية، ستجعل الحوافزُ الاقتصادية الخداعَ في البيتكوين أمرًا مكلِّفًا جدًّا، ومن غير المرجَّح له أن ينجح. فلكي يخترق البيتكوين عن طريق إفساد سِجل التحويلات من أجل النقل الكاذب للعملات إلى حساب معيَّن أو لجعل هذا الحساب غير قابل للاستعمال، فإن هذا سيتطلَّب من عقدة ما أن تُدخِل كتلةً غير صالحة إلى سلسلة الكتل، ويتطلَّب من الشبكة أن تتبنَّاها وتستمر بالبناء على أساسها. لكن من غير المرجَّح أن ينتصر المخترقون بتلك المعركة، بل وستتزايد صعوبة ذلك مع تزايد ثمن إضافة الكتل؛ وذلك لأن تكلفة الكشف عن احتيال ما هي تكلفة صغيرة جدًّا بالنسبة للعُقد، بينما تكلفة إضافة كتلة من التحويلات تتزايد بشكل مستمر. إضافةً إلى ذلك، تهتم معظم العُقَد في الشبكة باستمرار البيتكوين وبقائه. فهناك عدم تماثل جوهري في قلب تصميم البيتكوين بين تكلفة إضافة كتلة جديدة من التحويلات وتكلفة التأكُّد من صلاحية تلك التحويلات. هذا الأمر يعني أنه وفي حين أن تزوير السِّجل هو أمر ممكن تقنيًّا، إلا أن الحوافز الاقتصادية تتكدَّس ضد ذلك. ونتيجة لذلك، يُشكِّل سِجل التحويلات سِجلًا لا جدال فيه لكل التحويلات الصالحة التي تمَّ تأكيدها حتى الآن. إن هجمة اﻟ ٥١٪ هي طريقة يُستخدم فيها كميات كبيرة من طاقة المعالجة لإنتاج تحويلات احتيالية ومُزوَّرة وذلك عبر إنفاق العملة ذاتها مرتَين؛ ممَّا يؤدِّي إلى إلغاء أحد التحويلَين وسرقة المستلم. وهذا الأمر يعني أنه إذا استطاع مُعدِّن ما، لديه قدرة على التحكُّم بنسبة كبيرة من معدَّل الهاش، حلَّ مسائل نظام إثبات العمل بشكل سريع، فبإمكانه أن ينفق عملة بيتكوين على سلسلة الكتل العامة التي تحصل عليها التأكيدات، بينما وبالوقت نفسه، يقوم بتعدين سلسلة منقسمة موازية بتحويل آخر لعملة البيتكوين ذاتها لعنوان آخر يعود للمهاجم. فيحصل متلقِّي التحويل الأول على التأكيدات، لكن سيحاول المهاجم استخدام طاقة معالجته لجعل السلسلة الأخرى أطول. ويتكلَّل الهجوم بالنجاح إذا استطاع المهاجم جعل السلسلة الأخرى أطول من الأولى، وعندها سيرى مُستلم التحويل الأول أن العملات التي تلقَّاها قد اختفت. وكلما ازداد معدَّل الهاش الذي يسيطر عليه المهاجم، ازدادت قدرته على جعل السلسلة الاحتيالية أطول من السلسلة العامة، وبالتالي سيستطيع إلغاء تحويله وكسب الربح. وبينما يبدو ذلك سهلًا في مبدئه، إلا أنه صعب جدًّا عمليًّا؛ فكلما ازدادت مدة انتظار المتلقي للتأكيدات، قلَّت احتمالية نجاح المهاجم، وإذا كان الملتقي على استعداد للانتظار للحصول على ستة تأكيدات، فسيتقلَّص احتمال نجاح الهجوم بشكل كبير جدًّا. نظريًّا، تبدو هجمة اﻟ ٥١٪ قابلةً للتنفيذ من الناحية التقنية، لكن عمليًّا تقف الدوافع الاقتصادية عائقًا أمامها بشكل كبير. فإذا نفَّذَ مُعدِّن هجمة اﻟ ٥١٪ بنجاح، فإنه سيقلِّل بشدة من الدافع الاقتصادي لاستخدام البيتكوين، وبذلك سيقلِّل من الطلب على عملات البيتكوين. ومع تزايد تعدين البيتكوين ليصبح قطاعًا قائمًا على كثافة رأس المال باستثمارات كبيرة مكرَّسة لإنتاج العملات، ازداد معه اهتمام المُعدِّنين الطويل الأمد للمحافظة على نزاهة الشبكة؛ حيث تعتمد قيمة مكافآتهم على ذلك. كما أنه لم يتم تسجيل أي هجمة إنفاق مزدوج ناجحة على أيٍّ من تحويلات البيتكوين التي حصلت على توثيق واحد على الأقل. كنتيجة، يمكن تنفيذ هجمة اﻟ ٥١٪ نظريًّا إن لم ينتظر متلقي المدفوعات حتى يتم إنتاج كتل جديدة تؤكِّد مصداقية التحويل. أمَّا عمليًّا، فيقف الدافع الاقتصادي عائقًا وبشكل كبير أمام ممتلكي طاقة المعالجة الذين يستخدمون استثماراتهم في هذا الاتجاه. وبالنتيجة، لم يكن هناك أية هجمة ناجحة من هجمات اﻟ ٥١٪ على أي عضو من أعضاء العُقَد الذين انتظروا على الأقل توثيقًا واحدًا. فلن تكون هجمة اﻟ ٥١٪ ناجحةً غالبًا إن حدثت بهدف دافع ربحي، لكن قد تحدث هجمة كهذه دون الحاجة لوجود دافع ربحي بل بنية القضاء على البيتكوين. فقد تُقرِّر جهة حكومية أو خاصة أن تحصل على سعة تعدين البيتكوين للاستيلاء على غالبية شبكته، ومن ثم استخدام طاقة المعالجة تلك لإجراء هجمات إنفاق مزدوج، خادعةً بذلك العديد من المستخدمين، ومدمرةً أمان الشبكة، لكن الطبيعة الاقتصادية للتعدين ستقف بشكل كبير ضد حصول ذلك الحدث. فطاقة المعالجة هي سوقٌ عالمية تنافسيةٌ بشكل كبير، ويُعد تعدين البيتكوين في العالم واحدًا من أكبر استخدامات طاقة المعالجة، وأكثرها ربحًا، وأسرعها نموًّا. وقد يبحث المهاجم عن ثمن الاستيلاء على اﻟ ٥١٪ من طاقة المعالجة المستخدمة حاليًّا؛ ليقرِّر تخصيص هذا الثمن لشراء الأجهزة المطلوبة لذلك. لكن إذا تمَّ استخدام هذا القدر الكبير من الموارد لشراء معدات تعدين البيتكوين، فسيؤدِّي ذلك إلى صعود حاد في ثمن تلك المعدات؛ ممَّا سيكافئ المعدِّنين الحاليين وسيسمح لهم للاستثمار بشكل أكبر في شراء معدات تعدين أكثر، كما أنه سيؤدِّي أيضًا إلى استثمار رأس مال أكبر في إنتاج طاقة التعدين من قِبَل منتجي معدات التعدين؛ ممَّا سيؤدِّي إلى تقليل ثمن طاقة المعالجة، وسيزيد من سرعة نمو معدَّل طاقة المعالجة للبيتكوين. وكطرفٍ خارجي يدخل السوق، فإن المهاجم سيبقى بوضع لا يحصل فيه على أفضلية؛ حيث يؤدِّي شراؤه لمعدات التعدين المطلوبة إلى نمو سريع في طاقة المعالجة المستخدمة في التعدين التي لا يمكنه التحكُّم بها. بالمقابل، كلما ازدادت الموارد المصروفة على إنتاج طاقة المعالجة لمهاجمة البيتكوين، ازدادت سرعة نمو طاقة المعالجة فيه، وازدادت صعوبة مهاجمة البيتكوين. لذلك ومرةً أخرى، بينما يمكن تقنيًّا تنفيذ هذا النوع من الهجمات، إلا أن اقتصاد الشبكة سيجعل من نجاحه أمرًا غير مرجَّح الحدوث. فيمكن لمهاجم وخاصةً إذا كان حكوميًّا أن يحاول الهجوم على البيتكوين عبر الاستيلاء على البنية التحتية الخاصة بالتعدين واستخدامها بشكل غير ربحي؛ وذلك للتقليل من أمن وحماية الشبكة، لكن حقيقة أن عملية تعدين البيتكوين هي عملية موزَّعة جغرافيًّا بشكل كبير تجعل هذا الأمر احتمالًا صعبًا قد يحتاج تعاونًا من قِبل عدة حكومات عبر العالم. ولهذا أفضل طريقة لتنفيذ ذلك ربما لن تكون عبر الاستيلاء على معدات التعدين ماديًّا، بل عن طريق الاستيلاء عليها عبر الأبواب الخلفية للأجهزة. هناك احتمالية أخرى للتشويش على شبكة البيتكوين أو تدميرها، وهي عبر إفساد الأجهزة التي تشغِّل النظام البرمجي الخاص بالبيتكوين لكي تصبح متاحةً لأطراف خارجية. فعلى سبيل المثال، يمكن للعُقد التي تقوم بالتعدين أن يتم دس برمجيات خبيثة بها غير قابلة للرصد لتُمكِّن للأطراف الخارجية السيطرة على الأجهزة. وبهذا، يمكن أن يتم تعطيل تلك الأدوات أو التحكُّم بها عن بعد في الوقت الذي يتم به تنفيذ هجمة اﻟ ٥١٪. ولدينا مثال آخر على هذه الهجمات وتتم عبر تكنولوجيا التجسُّس والتي إذا تمَّ تنصيبها على حاسوب مُستخدم ما، فسيُسمح بالدخول إلى حساب البيتكوين الخاص به عبر الحصول على مفاتيحه الخاصة. ويمكن لهذا النوع من الهجمات إذا تمَّت على نطاق واسع أن تُقلِّل الثقة في البيتكوين كنوع من الأصول بشكل حاد جدًّا، ومن الطلب على البيتكوين أيضًا. ومن الممكن تنفيذ نوعَي الهجمات تلك تقنيًّا، ولكن على عكس نوعَي الهجمتَين السابقتَين، فليس من الضروري أن تنجح تلك الهجمات بشكل كامل كي تشكِّل قدرًا كافيًا من الارتباك والفوضى لتؤذي سُمعة البيتكوين ومن الطلب عليه. ومن المرجَّح أن ينجح هذا النوع من الهجمات على معدات التعدين إذا أخذنا بعين الاعتبار أنه يوجد عدد قليل من مُصنِّعي معدات التعدين؛ حيث إن هذا يُشكِّل واحدةً من أكثر النقاط الحرجة للبيتكوين، والتي من الممكن أن تقوده نحو الفشل. لكن مع نمو تعدين البيتكوين، من المرجَّح أن يبدأ هذا الأمر بجذب عدد أكبر من صانعي الأجهزة لصناعة معدات التعدين؛ ممَّا سيؤدِّي إلى تقليص الأثر الكارثي على الشبكة في حال تمَّ اختراق عمليات صانع أجهزة واحد. إن هذه الخطورة هي أقل تنظيميًّا على الشبكة مع وجود الحواسيب الشخصية؛ وذلك لأنه هناك نظريًّا عدد غير نهائي من صانعي هذه الأجهزة حول العالم، الذين لديهم معدات يمكنها الدخول إلى شبكة البيتكوين. فإذا كان أي مُنتِج لهذه الأجهزة مخترَقًا وتمَّ الكشف عن ذلك، فغالبًا سيؤدِّي ذلك إلى انتقال المستهلك إلى مُنتِج آخر. أضف إلى ذلك أنه يمكن للمستخدمين أن يُولِّدوا مفتاحًا خاصًّا لعناوينهم على الحواسيب غير المتصلة بالشبكة والتي لن يتصلوا عبرها بالشبكة أبدًا. وحتى بالنسبة للأفراد الأكثر قلقًا وارتيابًا، فيمكنهم توليد عناوينهم ومفاتيحهم الخاصة على حواسيب غير متصلة بالشبكة، ومن ثم تدميرها على الفور، وستنجو العملات المخزَّنة في تلك المفاتيح الافتراضية الخاصة من أي نوع من الهجمات التي تُشَن على الشبكة. إن أحد أكبر أشكال سوء الفهم حول البيتكوين هو أن إيقاف وتعطيل البنية التحتية للاتصالات التي يعتمد عليها البيتكوين قد يقوم بإيقاف البيتكوين تمامًا، أو أنه يمكن إيقافه بتعطيل عمل الإنترنت. إن المشكلة في هذا النوع من الحالات أنه يتم إساءة فهم البيتكوين على أنه شبكة بالمعنى التقليدي للكلمة باحتوائه على أجهزة متخصِّصة وبنًى تحتية لديها نقاط ضعف حرجة يمكن مهاجمتها وتعطيلها. لكن البيتكوين هو بروتوكول برمجي؛ فهو عملية داخلية يمكن تشغيلها على أي حاسوب من مليارات الحواسيب الموزَّعة حول العالم. لهذا، ليس للبيتكوين نقطة الفشل الواحدة، ولا يعتمد على أي جهاز أو بنية بحيث إنه لا يمكن التخلي عنهما في أي نقطة من العالم. فيمكن لأي حاسوب يُشغِّل برمجيات البيتكوين أن يتصل بالشبكة وأن يتم إجراء العمليات عليه. بهذا المنطق، إن البيتكوين يشبه الإنترنت على أنه برتوكول يسمح للحواسيب بالاتصال ببعضها البعض، وليست البنية التحتية هي التي تصل هذه الحواسيب ببعضها. كما أن كمية البيانات المطلوبة لنقل المعلومات حول البيتكوين ليست كبيرة، وتُقدَّر هذه الكمية بجزء صغير جدًّا من كمية تدفُّق المعلومات في الإنترنت. فلا يحتاج البيتكوين إلى الحجم الكبير ذاته من البنية التحتية التي يحتاجها باقي الإنترنت؛ وذلك لأن سلسلة كتل البيتكوين تبث ١ ميغابايت فقط من البيانات كل عشر دقائق تقريبًا. وبما أنه هناك عدد غير نهائي من التقنيات السلكية واللاسلكية التي تُستعمل في نقل البيانات حول العالم، فالمستخدم يحتاج إلى واحدة فقط من تلك التقنيات كي يستطيع الولوج إلى الشبكة. ومن أجل إنشاء عالَمٍ لا يمكن فيه لأي مستخدم بيتكوين أن يتصل مع أي مستخدم آخر، فإن ذلك سيتطلَّب إحداث كمية هائلة ومدمِّرة من الضرر على معلومات العالم وبياناته وعلى البنية التحتية للاتصالات. يجدر الإشارة إلى أن حياة المجتمع الحديث تعتمد بدرجة كبيرة على الاتصالات؛ وذلك لأن العديد من الخدمات الهامة والحيوية، إضافةً لأمور حياة أو موت تعتمد على استمرار البنية التحتية لهذه الاتصالات. لهذا، إن محاولة البدء بإيقاف وتعطيل عمل كل البنية التحتية للإنترنت بشكل متزامن ستتسبَّب على الأرجح بأذًى كبير لأي مجتمع يحاول ذلك، بينما من المرجَّح أن يفشل هذا في إيقاف تدفُّق البيتكوين؛ حيث إنه يمكن دائمًا للأجهزة المتفرِّقة والمنتشرة أن تتصل ببعضها البعض باستخدام برتوكولات واتصالات مشفَّرة. ببساطة، هناك عدد كبير جدًّا من الحواسيب والاتصالات الموزَّعة حول العالم والتي يتم استخدامها من قِبَل عدد كبير من الأفراد، لدرجة أنه لا توجد أية قوة تستطيع إيقافها بشكل متزامن. لذلك، إن الحالة الوحيدة المُتصوَّرة لفعل ما سبق ستكون نوعًا من أنواع الحالات المتعلِّقة بنهاية العالم، والتي لن يفكِّر خلالها أحد فيما إن كان البيتكوين يعمل أو لا يعمل. ومن بين كل التهديدات المحيطة بالبيتكوين أجد هذا التهديد بالذات أقلها مصداقيةً وأقلها معنًى. بدلًا من تخيُّل حالات خيال علمي تتضمَّن دمار البنية التحتية للاتصالات البشرية في محاولة فاشلة لاستئصال برنامج ما، هناك تهديدات أكثر واقعيةً على البيتكوين تأتي من مبادئ وأساسيات في تصميمه؛ فخواص البيتكوين كنقد سليم لا يمكن التلاعب بعرضه وكعملة نقدية رقمية لا يمكن إيقافها ومُصادرتها دون تدخُّل طرف ثالث، تعتمد على أن يكون تغيير القواعد المتفق عليها للشبكة أمرًا صعبًا وتحديدًا فيما يخص العرض النقدي. وما يحقِّق تلك الحالة المستقرة التي يحافظ عليها البيتكوين، كما هو مذكور سابقًا، هو أنه سيكون من الخطر لأي فرد أن يحاول العمل خارج القواعد المشتركة الحالية خصوصًا إذا لم يتبنَّ بقية الأفراد تلك القواعد الجديدة. لكن السبب الذي يجعل تلك الخطوة خطيرةً جدًّا وغير مرجحة هو أن عدد العُقَد التي تشغِّل البرنامج كبير جدًّا إلى حدٍّ يجعل عملية التنسيق بينها غير عملي. فإن ازداد ثمن إدارة العُقَد في البيتكوين بشكل كبير، فسيجعل ذلك الأمر من إدارة عقدة ما أصعب بكثير بالنسبة للعديد من الأعضاء، وبالنتيجة سيُقلِّل من عدد العُقد في الشبكة. وإن قل عدد العُقَد في الشبكة فسيتوقَّف البيتكوين عن كونه شبكةً غير مركزية فعَّالة؛ حيث سيصبح من السهل جدًّا على العقد التي تدير الشبكة أن تتواطأ لكي تُعيد صياغة القواعد في الشبكة بما يخدم مصالحها وحتى تخريبها. إن هذا الخطر برأيي هو الأخطر تقنيًّا؛ حيث إنه يشكِّل أكبر تهديد على البيتكوين في المدى المتوسط والبعيد. وبالحالة التي يتواجد عليها الآن، إن الأمر الوحيد الذي يحد من قدرة الأفراد على إدارة عُقَدهم الخاصة هو سعة اتصالهم بالإنترنت. فإن بقي حجم الكتل أقل من ١ ميغابايت، فإن ذلك عمليًّا سيكون ضمن قدرة واستطاعة الناس، لكن إن حدثت عملية انقسام كلية في الشبكة بغرض زيادة حجم الكتلة، فإن ذلك سيؤدِّي إلى زيادة تكلفة إدارة هذه العُقد ممَّا يُقلِّل عددها العامل على الشبكة. وكما في الأخطار السابقة، فهذا التهديد ممكن تقنيًّا، لكنه يبقى غير مرجَّح الحدوث؛ وذلك لأن الدافع الاقتصادي للنظام سيَحول دون تحقيق ذلك، والدليل على ذلك هو الرفض الواسع لمحاولات زيادة حجم الكتلة إلى الآن. بينما تركِّز معظم النقاشات على الكيفية التي من الممكن أن يفشل بها البيتكوين أو على كيفية تدميره عبر الهجمات التقنية، إلا أن هناك طريقة أكثر فعاليةً في مهاجمة البيتكوين ويتم ذلك عن طريق التقليل من الدافع الاقتصادي لاستخدامه. فليس من المرجَّح نجاح محاولة الهجوم على البيتكوين بأي من الطرق المذكورة سابقًا؛ وذلك لأنها تتعارض مع الدافع الاقتصادي لاستعماله. فالوضع هنا يشبه محاولة منع العجلة أو السكين. فطالما أن هذه التكنولوجيا مفيدة للناس، فستفشل محاولات منعها؛ وذلك لأن الناس ستستمر في إيجاد طرق لاستخدامها شرعيةً كانت أم غير شرعية. لهذا، إن الطريقة المُثلى لإيقاف تقنية ما لن تكون عبر حظرها، بل عبر اختراع بديل أفضل لها أو عبر إزالة الحاجة لاستخدامها. فمثلًا لم يكن ممكنًا حظر الآلة الكاتبة أو سن تشريعات لإخراجها من هذا العالم، لكن دخول الحواسيب الشخصية قام بالقضاء عليها بفعالية. فالطلب على البيتكوين يأتي من خلال حاجة الأفراد له حول العالم لتنفيذ تحويلاتهم وتجاوز القيود السياسية، وللحصول على مخزن للقيمة مضاد للتضخم. وفي حال استمرَّت السلطات السياسية بوضع حدود وقيود على الأفراد فيما يتعلَّق بعملية نقل الأموال، وفي حال بقيت النقود الحكومية عملةً سهلة يمكن لعرضها أن يتوسَّع بسهولة تبعًا لرغبات الحكومة، فإن الطلب على البيتكوين سيظل قائمًا. وسيؤدِّي النمو المتناقص في عرضه إلى ارتفاع قيمته مع مرور الوقت، الأمر الذي سيجذب عددًا متزايدًا من الأشخاص لاستخدامه كمخزن للقيمة. وإن افترضنا أنه قد تمَّ استبدال كامل النظام المصرفي العالمي والنظام النقدي بتلك الأنظمة التي كانت تعتمد المعيار الذهبي في أواخر القرن التاسع عشر؛ حيث كانت الحرية الفردية والعملة الصعبة أمرًا مهمًّا وأساسيًّا، عندها سينخفض الطلب على البيتكوين بشكل كبير جدًّا. إن أمرًا كهذا قد يكون كافيًا لخفض الطلب على البيتكوين بشكل كافٍ لينخفض سعره بشكل كبير أيضًا؛ ممَّا سيؤذي حَمَلة البيتكوين الحاليين بشكل كبير، وسيزيد من عدم ثبات وتقلُّب العملة، وسيُرجع تقدُّمها إلى سنوات عديدة للخلف. فمع وجود نقد صعب بمعيار نقدي عالمي بحيث يزداد هذا النقد ثباتًا واستقرارًا ليصبح موثوقًا به نسبيًّا، سينخفض الدافع لاستعمال البيتكوين بشكل كبير جدًّا. لكن في عالم تُقيَّد فيه ميول الحكومة التضخُّمية بمعيار الذهب، قد تكون القضية هي أن أفضلية الذهب المتمثِّلة بقدرته الشرائية الثابتة نسبيًّا ستشكِّل حاجزًا مستعصيًا لا يمكن للبيتكوين تخطيه؛ وذلك عبر حرمان البيتكوين من النمو السريع في عدد مستخدميه، ممَّا سيمنعه من الوصول إلى حجمٍ كافٍ مع شكل من الثبات في سعر عملته. عمليًّا، إن احتمالية حدوث عودة عالمية لنقد سليم ولحكومات ليبرالية غير مرجَّحة بشكل كبير؛ لأن تلك المفاهيم ستبدو غريبةً وخيالية للغالبية العظمى من السياسيين والمصوِّتين حول العالم، والذين تربَّوا لأجيال على فهم قيود الحكومة على المال والأخلاق كحاجة وكأمر ضروري لعمل أي مجتمع. إضافةً إلى ذلك، فحتى لو كان تحوُّلٌ نقدي وسياسي كهذا أمرًا محتملًا، فإن تضاؤل معدَّل نمو المخزون الخاص بالبيتكوين سيستمر بكونه رهانًا مضاربًا جذابًا للكثيرين، وهذا سيجعل البيتكوين ينمو أكثر ويكتسب دورًا نقديًّا أكبر. ففي تقديري، إن عودةً عالمية نقدية للذهب ستشكِّل أكبر تهديد للبيتكوين، ولكن من غير المرجَّح حدوثها، ومن غير المرجَّح أن تستطيع تدمير البيتكوين بشكل كلي. هناك احتمالية أخرى لتعطيل وعرقلة البيتكوين وهي عبر اختراع شكل جديد من النقد السليم يتفوَّق عليه. ويعتقد الكثيرون أنه قد تستطيع العملات الرقمية المُشفَّرة التي تحاكي وتُقلِّد البيتكوين تحقيق ذلك، لكنني أومن بشدة بأنه لا يمكن لأيٍّ من العملات التي تقلِّد تصميم البيتكوين أن تنافسه بكونها نقدًا سليمًا لأسباب سنناقشها بشكل مطوَّل في القسم التالي من الفصل. فبالمقام الأول، إن البيتكوين هو العملة الرقمية الوحيدة غير المركزية التي نمت بشكل عَفْوي بتوازن جيد بين المُعدِّنين والمبرمجين والمستخدمين، بحيث لا يمكن لأي أحد منهم التحكُّم بالبيتكوين. وتطوير عملة رقمية تعتمد على هذا التصميم هو أمر يحدث مرةً واحدة فقط، بحيث إن اتَّضح أن هذه الطريقة تعمل جيدًا، فكل محاولة أخرى لتقليدها ستكون محاوَلةً من الأعلى للأسفل؛ أي إنها ستكون مركزيةً يتم التحكم بها ولن تتخلَّص أبدًا من سيطرة منشئيها. لذلك عندما يعود الأمر إلى بنية البيتكوين والتكنولوجيا وراءه، فإن أي عملة تقوم بنسخه وتقليده من غير المرجَّح لها أن تستطيع استبداله؛ فقد يُنتِج تصميمٌ جديد وتقنية جديدة لتطبيقات النقد الرقمي والعملة الصعبة منافسًا للبيتكوين، ولكن لا يمكننا تنبُّؤ بروز هذا النوع من التكنولوجيا قبل أن يتم إنشاؤها، حيث إن معرفةً واطِّلاعًا على مشاكل النقود الرقمية طوال هذه السنوات ستوضِّح لنا أن هذا ليس اختراعًا يمكن ابتكاره بسهولة. وبينما هو شائع أن يتم الاعتقاد أن تلك العملات تشكِّل منافسًا للبيتكوين، وبأنه قد تتفوَّق واحدة منهن على البيتكوين في المستقبل، إلا أنه في الحقيقة إن هذه العملات ليست في مجال المنافسة مع البيتكوين؛ وذلك لأنها لا تملك الخواص التي يمتلكها البيتكوين والتي تجعله عملةً رقمية فعالة وتجعله نقدًا سليمًا. فلكي يعمل نظامٌ رقمي كنقد رقمي، يجب أن يكون خارجًا عن سيطرة أي طرف ثالث؛ فحسب البروتوكول يجب أن تتم عملياته بما يُرضي ويتفق مع مستخدميه دون وجود أي احتمال بتدخُّل طرف ثالث لإيقاف تلك المدفوعات. وبعد سنوات من مشاهدة العديد من العملات البديلة التي تمَّ إنشاؤها، يبدو أنه من المستحيل أن تستطيع أية عملة إعادة خلق المنافسة الشرسة بين الجهات المعنية بالبيتكوين وبين منع أي طرف خارجي من التحكم بمدفوعاته. استمرَّ البيتكوين في نموه وازدهاره بكل المقاييس التي تمَّ ذكرها في الفصل الثامن، بينما تضاءلت السلطة لأي جهة ولأي فرد بشكل كبير جدًّا. وبهذا، يمكن فهم البيتكوين على أنه قطعة برمجية ذات سيادة بسبب عدم وجود أي سلطة خارجية تستطيع التحكم بسلوكه. فلا يحكم البيتكوينَ إلا قوانينُ البيتكوين، وأصبح من غير العملي محاولة تغيير هذه القوانين بطريقة جوهرية؛ وذلك لأن التحيُّز للوضع الراهن للبيتكوين ما زال مستمرًّا بتشكيل الدوافع لأي شخص مشترك بهذا المشروع. فما يجعل البيتكوين حلًّا فعالًا وحقيقيًّا فيما يتعلَّق بمشاكل الإنفاق المزدوج، وما يجعله نقدًا رقميًّا ناجحًا هو سيادة شيفرته البرمجية المدعومة من نظام إثبات العمل، وما لا يمكن للعملات الرقمية الأخرى تقليده هو انعدام الثقة هذه؛ فمواجهة أي من العملات الرقمية التي تمَّ إنشاؤها بعد البيتكوين ستُشكِّل أزمةً وجودية لتلك العملات؛ فبما أن البيتكوين موجود أصلًا وبحماية أكبر، وطاقة معالجة أكثر، وقاعدة مستخدمين راسخة، فأي شخص يريد دخول العملات الرقمية سيُفضِّل البيتكوين على تلك العملات البديلة الأصغر والأقل حماية. وبما أن نَسخ الشيفرة البرمجية لإنتاج عملات جديدة هو أمر غير مكلِّف تقريبًا، وبسبب تكاثر العملات الرقمية عن طريق النسخ والتقليد، فلا يمكن لأي عملة أن تُطوِّر أي شكل من أشكال النمو أو الزخم إلا إن كان هناك فريق نشط يتفانى برعاية هذه العملة، وحمايتها، وتنميتها، وبرمجتها. وبما أن البيتكوين هو الأول في هذه الاختراعات، فقد كان استعراض البيتكوين لقيمته كنقد رقمي وعملة صعبة كافيًا لتأمين الطلب المتزايد عليه؛ ممَّا تسبَّب بنجاح البيتكوين الذي يقف وراءه شخص واحد وهو مبرمج مجهول الهُوية لم يقم بإنفاق المال لترويجه. فالعملات البديلة لا تتمتَّع برفاهية أن يكون عليها طلب في العالم الحقيقي؛ وذلك لأن تلك العملات البديلة هي نُسخٌ مقلدة وأقل قيمة بجوهرها ويمكن إنتاجها بسهولة، ويجب أن تطوِّر من نفسها وتزيد من الطلب عليها. لذلك، يوجد لجميع العملات البديلة تقريبًا فريق يديرها؛ فبدأ الفريق المشروع، وقام بتسويقه، وبتصميم مواد التسويق، وبنشرها في الصحف كما لو كانت أخبارًا، بينما كان لدى هذه الفرق الأفضلية في تعدين عدد كبير من العملات قبل أن تُعرف تلك العملات من قِبَل أحد. فتلك الفرق هي عبارة عن أفراد معروفين عالميًّا، ومهما حاولوا فلن يستطيعوا بشكل قابل للتصديق إظهار أنهم لا يملكون أي نوع من السيطرة على اتجاه العملة؛ ممَّا يُضعف أي ادعاء لأي عملة بأنها عملة رقمية لا يمكن تعديلها أو التحكم بها من قِبَل أي طرف ثالث خارجي. بكلمات أخرى، بعد خروج اختراع البيتكوين إلى النور، إن أراد أحد أن ينجح في بناء بديل للبيتكوين، فعليه أن يستثمر بشكل كبير في العملة؛ ممَّا يجعله متحكمًا بها بشكل كبير. وطالما تَواجد طرف ما لديه قوة التحكم والسيادة على العملة الرقمية، فلن يتم فهم هذه العملة كشكل من أشكال النقد الرقمي، بل كشكل من أشكال الوساطة للدفع، وحتى كشكل غير فعَّال. وهذا الأمر يشكِّل معضلةً تواجه مصممي العملات البديلة؛ فدون الإدارة النشطة من قِبَل فريقٍ من المطوِّرين والمُسوِّقين، لن تجذب أي عملة الاهتمام أو التركيز أو رأس المال في بحر ممَّا يزيد عن ألف عملة. ولكن مع الإدارة النشطة، والتطوير، والتسويق من قِبَل فريق معيَّن، لا يمكن للعملة إلا أن تظهر بمظهر تلك العملة التي يتم التحكم بها من قِبَل أولئك الأفراد. وعندما يتحكم مجموعة من المطوِّرين بغالبية العملات وبطاقة المعالجة وبمختصي البرمجة والتشفير، فستكون تلك العملات عمليًّا عملاتٍ مركزيةً يتم تحديد مسار تطوُّرها عن طريق اهتمامات الفريق العامل عليها. وليس هناك ما هو خاطئ في عُملة رقمية مركزية، وقد نحصل يومًا ما على منافسة في سوق حرة دون قيود حكومية، لكن هناك شيء جوهري عميق خاطئ بشأن العملات المركزية التي تتبنَّى تصاميم بطيئةً وغير فعالة بشكل كبير، والتي أفضليتها الوحيدة هي إزالة نقطة الفشل الواحدة. فإذا كان من الممكن تعديل سلسلة كتل ثاني أكبر شبكة من حيث طاقةُ المعالجة عندما لا تسري التحويلات بما يتناسب مع مصالح فريق المطوِّرين، فإنه لا يمكن قَبول الفكرة بأن أحدًا من العملات البديلة يتم تنظيمها عن طريق طاقة المعالجة. إذن فتركيز حَمَلة العملة وطاقة المعالجة ومهارات البرمجة بين أيدي مجموعة واحدة من الناس المشتركين في مشروع ما تتعارض مع الهدف الكامل لتوظيف بنية سلسلة الكتل. كما أنه من الصعب رؤية عملات تمَّ إصدارها بشكل خاص ترتقي لتصبح عملات عالميةً عندما يكون لدى هذه العملات فريق واضح مسئول عنها. فإن ارتفعت قيمة هذه العملات بشكل كبير، فسيصبح فريق صغير من المبتكرين غنيًّا جدًّا، وسيملك الطاقة الكافية لجمع رسوم صك العملة، وهو دَور مقصور للدول القومية في العالم الحديث. لذلك، لن تأخذ البنوك المركزية والحكومات الوطنية موضوع التقليل من سلطتها بشكل سهل، وسيكون من السهل نسبيًّا على البنوك المركزية أن تجد تلك الفرق التي تقف خلف العملات وتدمِّرها، أو حتى تعدِّل من عملياتها بطريقة تمنعها من المنافسة مع العملات الوطنية. ولم تُظهِر أية عملة بديلة صمودَ البيتكوين أمام التغيير الذي يُستمد من طبيعته اللامركزية ومن الدوافع القوية للجميع للالتزام بالقوانين الحالية المُجمع عليها للبيتكوين. وبهذا، يحق للبيتكوين الإدلاء بهذا التصريح بعد صموده ونموه في عالم الغاب بالإنترنت لمدة تسع سنوات دون أي سلطة تتحكَّم به، وبعد صدِّه باقتدار للحملات المُموَّلة والمُنسَّقة لتعديله. بينما وبالمقارنة، إن تلك العملات البديلة يوجد لديها ثقافة الصداقة الواضحة لمجموعة من الأشخاص اللطفاء الذين يعملون مع بعضهم البعض كفريق على مشروع معيَّن. وبينما يبدو ذلك رائعًا لشركة ناشئة جديدة، إلا أنه يُعد لعنةً بالنسبة لمشروع يريد أن يبرهن على التزامه بسياسة نقدية ثابتة. حيث إنه إذا قرَّرت الفِرق التي تقف خلف أي عملة بديلة تغيير سياستها النقدية، فلن يكون ذلك صعب التنفيذ. فعملة الإيثيروم مثلًا لا تملك إلى الآن رؤيةً واضحة عن الكيفية التي ستكون بها سياستها النقدية في المستقبل، تاركةً الموضوع لنقاش مجتمع الإيثيريوم. وبينما قد يفعل ذلك العجائب لروح مجتمع الإيثيريوم، إلا أن ذلك ليس طريقةً لبناء عملة عالمية صعبة، ولكي نكون عادلين، لا تَدَّعي عملة الإيثيريوم أنها تفعل ذلك. وسواء أكان ذلك لأنهم يدركون تلك النقطة، أو لأنهم يتجنَّبون الاصطدام بالسلطة السياسية، أو قد يكون خدعةً تسويقية، فإن معظم العملات البديلة لا تُسوِّق نفسها كمنافس للبيتكوين، ولكنها تُسوِّق نفسها كعملات تقوم بتنفيذ مهام مختلفة عن البيتكوين. وليس هناك أي شيء في تصميم البيتكوين يقترح أنه سيكون فعالًا للعديد من الاستعمالات كما تَدَّعي العملات البديلة أنها قادرة على فعله، بل ولم تقدِّم أي عملة غير البيتكوين قدرات مختلفةً أو مميزات لا يملكها البيتكوين حتى الآن. ومع ذلك، فإن جميعها تمتلك عملةً تُتَداول بحرية، وهو سبب بشكل ما أساسي بالنسبة لنظامهم المعقَّد لكي تعمل بعض التطبيقات المتصلة بالإنترنت. إن الفكرة بأن التطبيقات الشبكية الجديدة تتطلَّب وجود عملاتهم اللامركزية، هي فكرة وأمل ساذج بشكل كبير؛ لأنه وبطريقة ما، إن عدم حل مشاكل ندرة التطابق في الرغبات قد يكون مُربحًا اقتصاديًّا. فهناك سبب حقيقي وراء عدم إصدار الشركات في العالم الحقيقي عملاتها الخاصة، وهو عدم رغبة الناس بامتلاك عملة لا يمكن صرفها إلا في شركة واحدة. فالفكرة في حمل وامتلاك النقد هي حمل سيولة يمكن صرفها بأسهل ما يمكن، أمَّا حملُ أشكال من النقد يمكن صرفها عند باعة محدَّدين فقط، يعني أنها تعرض سيولةً قليلة جدًّا ولا تخدم أي هدف، وسيفضِّل الناس بالطبع أن يحملوا وسائط دفع ذي سيولة. وأي شركة تُصرُّ على مدفوعات بعملتها التجارية الخاصة، هي شركة تقوم بإدخال جانب من التكاليف العالية مع إنشاء مخاطر لزبائنها المحتمَلين. فحتى في الأعمال والمشاريع التجارية التي تحتاج نوعًا من أنواع العملات التشغيلية كمدينة الملاهي أو الكازينوهات، فدائمًا ما تكون تلك العملات التشغيلية ثابتةً في القيمة بمقارنتها مع أي نقد ذي سيولة. لذلك يستطيع الزبائن تحديد ما سيحصلون عليه بشكل دقيق إضافةً إلى قدرتهم على القيام بعمليات حسابية اقتصادية دقيقة. فإذا قامت أيٌّ من تلك العملات البديلة التي من المفترض أنها ثورية وغير مركزية بطرح أي تطبيق ذي قيمة في الحياة الحقيقية، فمن غير المتصوَّر أن يتم الدفع لهذا التطبيق بالعملة التجارية الحرة ذاتها. في الواقع وبعد دراسة هذا المجال لسنوات، لم أستطع تحديد ولو عملة رقمية واحدة تعرض أي مُنتَج أو خدمة عليها أي طلب من السوق؛ حيث يبدو أن تلك التطبيقات اللامركزية المتفاخرة التي تتبع المستقبل لن تصل إلينا. ولكن تلك العملات الرمزية التي من المفترض أنها أساسية لعملياتهم لا تزال مستمرةً بالازدياد بالمئات كل شهر، ولا يستطيع الفرد إلا أن يتساءل عمَّا إذا كان الاستعمال الوحيد لتلك العملات الثورية هو لإغناء أصحابها. فلا يمكن لأي عملة عدا البيتكوين أن تَدَّعي بشكل قابل للتصديق أنها خارج سيطرة أي شخص، وبهذا، فإن كامل موضوع استخدام البنية المعقَّدة جدًّا والتي يرتكز عليها البيتكوين هو مَوضِع نقاش. فليس هناك أي شيء مُبتَكر أو صعب في نسخ تصميم البيتكوين وإنتاج نسخة مختلفة قليلًا عنه؛ فقد قام الآلاف تقريبًا بهذا الشيء حتى الآن. ومع مرور الوقت، يمكننا أن نتوقَّع دخول المزيد من تلك العملات إلى السوق؛ ممَّا سيؤدِّي إلى التخفيف من شأن العملات البديلة الباقية. لهذا، تُعتبر جميع العملات الرقمية، عدا البيتكوين، عملات سهلة، ولا يمكن النظر إلى هذه العملات البديلة على حدة وفقًا لظروفها الخاصة؛ لأنه لا يمكن التمييز بينها من خلال كيفية عملها وماهية وظيفتها، وهو الأمر الذي يؤدِّيه البيتكوين، لكن يمكن تمييز هذه العملات عن البيتكوين بأن تصميمها وعرضها يمكن تعديلهما بسهولة، بينما سياسة البيتكوين النقدية بكل أهدافها ونواياها منقوشة في الحجر. والسؤال عمَّا إذا كانت تلك العملات ستنجح بطرح خدمة يطلبها السوق غير تلك التي يطرحها البيتكوين هو سؤال غير معروف إجابته إلى الآن، لكن يبدو بوضوح أنها لن تستطيع منافسة البيتكوين بكونها عملات رقميةً لا تعتمد على الثقة، خصوصًا أنها جميعًا اختارت تقليد طقوس البيتكوين، متظاهرةً بأنها تقوم بحل أشياء إضافية. ولكن هذا الأمر لا يزيد من الثقة بها؛ وذلك لأنها لا تنجز شيئًا سوى إغناء من صَنَعها. ومن الممكن أن تكون التصاميم التي تقلِّد تصميم ناكاموتو والتي تُقدَّر بالآلاف هي أكثر الأشكال صدقًا من أشكال الإطراء، لكن فشلها المستمر في عدم تحقيق أي شيء أكثر ممَّا قدَّمه تصميم ناكاموتو هو شهادة فخر وعظمة على هذا الإنجاز وعلى عظمة ناكاموتو. فالإضافات الوحيدة على تصميم البيتكوين والتي تستحق الاهتمام كانت من قِبَل المبرمجين البارعين المتطوِّعين الذين يكرِّسون أنفسهم بالمساهمات لساعات طويلة في جعل الشيفرة البرمجية للبيتكوين أفضل. والعديد من المبرمجين متوسطي البراعة نجحوا في الحصول على ثروة ضخمة عن طريق إعادة طرح تصميم ناكاموتو بالتسويق وبتعابير طنانة لا فائدة منها، ولكن فشل جميعهم بإضافة أي قدرات وظيفية لها أي طلب في العالم الحقيقي. لهذا، لا يمكن فهم نمو تلك العملات البديلة خارج إطار العملة الحكومية السهلة التي تبحث عن استثمار سهل؛ ممَّا يُشكِّل فقاعات كبيرةً باستثمارات ضخمة فاشلة. فالهوس والتركيز على تكنولوجيا سلسلة الكتل هو مثال رائع على «ادِّعاء العلم»، وهو فكرة تمَّ نشرها من قِبَل الفيزيائي «ريتشارد فاينمان». تقول القصة إن الجيش الأمريكي أنشأ مدرَّجات لهبوط الطائرات للمساعدة في العمليات العسكرية على جزيرةٍ في جنوب المحيط الهادئ خلال الحرب العالمية الثانية، وكانت الطائرات غالبًا تجلب هدايا للسكان الأصليين للجزيرة الذين كانوا يستمتعون بها بشكل كبير. وبعد انتهاء الحرب وتوقُّف الطائرات عن الهبوط على هذه المدرَّجات بالجزيرة، حاول السكان المحليون بكل جهدهم إعادة الطائرات وحمولتها إلى الجزيرة. وخلال يأسهم الشديد، كانوا يقلِّدون سلوك وحدات التحكم البرية التابعة للجيش الأمريكي الذي رحل منذ زمن، معتقدين أنه وبوضعهم رجلًا في كوخ مع هوائي وإشعال نار كما اعتادت وحدات تحكم الجيش فعله، فستعود طائرات الجيش الأمريكي حاملةً لهم الهدايا. بوضوح لم تكن استراتيجية كهذه لتعمل؛ وذلك لأن الإجراءات التي اتبعتها وحدات تحكم الجيش لم تكن تخلق تلك الطائرات من العدم، بل كانت هذه الوحدات جزءًا متكاملًا لعملية تقنية دقيقة، تبدأ بتصنيع الطائرات وإقلاعها من قواعدها، وهو أمر لم يستطِع سُكَّان جزيرة المحيط الهادئ فهمه. ومثل أولئك السكان، فالناس الذين يروِّجون تكنولوجيا سلسلة الكتل على أنها عملية يمكنها إنتاج منافع اقتصادية لوحدها، لا يفهمون العملية الكبرى، والتي تكون سلسلةُ الكتل جزءًا منها. فميكانيكية البيتكوين لترسيخ وتأسيس ثبات ومصداقية السجل هي عملية معقَّدة للغاية، لكنها تخدم هدفًا واضحًا؛ وهو إصدار عملة ونقل قيمة على الشبكة دون الحاجة لوجود طرف ثالث موثوق به. «فتكنولوجيا سلسلة الكتل»، إلى الحد التي هي موجودة به الآن، ليست طريقةً فعالة أو زهيدة الثمن أو حتى سريعةً في إجراء التحويلات على الشبكة. في الحقيقة، إنها غير فعالة بشكل كبير وبطيئة مقارنةً بالحلول المركزية، والأفضلية الوحيدة لهذه التكنولوجيا هي إلغاء الحاجة لوجود طرف ثالث موثوق به كوسيط؛ فالاستعمال الوحيد المحتمَل لهذه التكنولوجيا يكمن في المجالات التي ستنتج قيمةً مرتفعة جدًّا للمستخدمين النهائيين عند نزع توسط الطرف الثالث منها؛ ممَّا يبرِّر ارتفاع ثمنها وقلة فعاليتها. والطريقة الوحيدة التي يمكن من خلالها أن تنجح في إلغاء توسط الطرف الثالث هي عبر نقل العملات الأصلية للشبكة نفسها؛ وذلك لأنه لا يوجد للشيفرة البرمجية لسلسلة الكتل أي سيطرة مدمجة على أي شيء يحصل خارجها. وقد وضعت سلسلة كتل البيتكوين حدًّا على حجم كل كتلة يُقدَّر ﺑ ١ ميغابايت؛ ممَّا حدَّ من سرعة نمو سلسلة الكتل. لكن هذا الحد سيسمح للحواسيب البسيطة بإدارة العُقَد والإبقاء عليها. فإذا ازداد حجم كل كتلة، أو إذا تمَّ استعمال سلسلة الكتل لعمليات معقَّدة أكثر كتلك العمليات التي يتم الترويج لها من قِبَل أولئك المتحمِّسين لسلسلة الكتل، فإن ذلك سيجعلها أكبر حجمًا وأصعب من أن يتم إدارتها من قِبَل حواسيب شخصية؛ بحيث إن تركيز الشبكة في عدة عقد كبيرة تملكها وتُديرها مؤسسات كبيرة، سيهدم كامل فكرة اللامركزية. إن العملات النقدية الرقمية غير المبنية على الثقة حتى الآن كانت التطبيق الوحيد الناجح لتكنولوجيا سلسلة الكتل؛ وذلك لأن هذه التكنولوجيا سهلة وبسيطة التشغيل؛ ممَّا أدَّى إلى نمو بطيء نسبيًّا لسجلها على مدى الزمن. وهذا يعني أنه من الممكن لأي حاسوب محلي وأي شبكة اتصال في جميع أنحاء العالم أن يكون عضوًا في شبكة البيتكوين. فالتضخم المتوقَّع والمُسيطر عليه يحتاج أيضًا كميةً صغيرة من طاقة المعالجة، ولكنه عملية تَعرِض فيها اللامركزية وانعدام الثقة قيمةً هائلة للمستخدمين النهائيين، كما شُرح في الفصل الثامن. وكل وسائل الإعلام النقدية يتم التحكم بها في أيامنا هذه من قِبل أطراف يمكنها أن تقوم بتضخيم العرض من أجل الربح من الطلب المتزايد. وهذا الأمر صحيح بالنسبة للعملات الورقية والمعادن غير الثمينة، لكنه صحيح أيضًا بالنسبة للذهب، الذي تخزِّنه البنوك المركزية بكميات كبيرة مستعدين لبيعه في السوق لمنعه من الازدياد في القيمة بسرعة كبيرة وبهذا تَستبدل العملات الورقية. فلأول مرة منذ إلغاء المعيار الذهبي، استطاع البيتكوين جعل النقد السليم في متناول الجميع من مختلِف أنحاء العالم وبشكل سهل. وهذه التوافقية غير المتوقَّعة بين حِمْل خفيف من الحوسبة وقيمة اقتصادية كبيرة هي السبب في نمو حجم طاقة معالجة شبكة البيتكوين إلى أكبر شبكة في التاريخ. ولقد أثبت البيتكوين خلال الثماني سنوات التي مرَّ بها أنه من المستحيل إيجاد حالة قيِّمة أخرى للاستعمال قد تكفي لتبرير توزُّعه على آلاف العُقد الأعضاء، بينما يكون وبالوقت نفسه خفيفًا لدرجة تسمح بتلك اللامركزية التي يتصف بها. وأول أثر لهذا التحليل هو أنه من المرجَّح عدم نجاح أي تغيير في برتوكول البيتكوين إذا كان هدفه زيادة حجم سلسلة الكتل، ليس فقط بسبب الثبات المذكور سابقًا، ولكن لأن ذلك غالبًا سيمنع معظم مُديري العُقد من تشغيل عُقَدهم الخاصة. وبما أن هذه العُقَد هي من تقرِّر أي برنامج يتم تشغيله، فمن الآمن التنبُّؤ بأنه ستستمر أقلية متشدِّدة من العُقَد في العمل على النظام البرمجي الحالي، حاملين عملات البيتكوين الخاصة بهم؛ بحيث إن أي محاولة لتحديث برنامج البيتكوين ستُحوِّله إلى عملة بديلة بلا قيمة كمئات العملات الموجودة حاليًّا. الأثر الثاني هو أن جميع تطبيقات «تكنولوجيا سلسلة الكتل» التي يتم الترويج لها على أنها ثورة في عالم المعاملات المصرفية أو تكنولوجيا قواعد البيانات، هي تطبيقات محكوم عليها بالفشل في عدم تحقيق أكثر من نماذج تجريبية لن يتم نقلها أبدًا إلى العالم الحقيقي؛ وذلك لأنها ستبقى دائمًا طريقةً غير فعالة أبدًا للأطراف الثالثة الموثوقة التي تديرها لإجراء أعمالهم. فمن غير المنطقي أن تكنولوجيا صُمِّمت خصوصًا لإزالة وساطة الأطراف الثالثة أن ينتهي بها الأمر بتأدية هدف مفيد للجهات الوسيطة والتي تمَّ إنشاء تلك التكنولوجيا لاستبدالها. فهناك العديد من الطرق الأسهل والأسرع لتسجيل التحويلات، لكن هذه هي الطريقة الوحيدة لإزالة الحاجة لوجود طرف ثالث موثوق؛ حيث إنه يتم الالتزام بإجراء التحويل على سلسلة الكتل؛ وذلك لأن الكثير من الموثِّقين يتنافسون لتأكيد هذه التحويلات من أجل الربح. ومع هذا، لا يوجد واحد منهم يمكن الاعتماد عليه أو يمكن إعطاؤه الثقة لإقرار ما إذا كان ذلك التحويل سيسير أم لا. في الواقع، يتم كشف الاحتيال على الفور ثم يتم إلغاؤه من قِبَل أعضاء الشبكة الآخرين الذين يملكون دافعًا قويًّا للحفاظ على مصداقية ونزاهة الشبكة. بكلمات أخرى، إن البيتكوين هو نظام بُني بأكمله على التصديقات المرتفعة الثمن والبطيئة لكي يكون قادرًا على إزالة الحاجة لوجود كل من الثقة والمساءلة بين الأطراف؛ أي إنه ١٠٠٪ تأكيد و٠٪ ثقة. وعلى عكس الحماس والضجة الإعلامية المحيطة بالبيتكوين، فإن إزالة الحاجة للثقة في الأطراف الثالثة ليس أمرًا جيدًا بشكل مطلق في جميع مجالات الحياة والأعمال، وبعدما يفهم الشخص ميكانيكية عمليات البيتكوين، فسيكون واضحًا له أن هناك مقايضةً تتم عند الانتقال إلى نظام لا يعتمد على طرف ثالث موثوق. فالأفضلية بهذا الانتقال تكمن في السيادة الفردية على البروتوكول، ومقاومة والرقابة، وثبات نمو العرض النقدي، ووجود المعايير التقنية، أمَّا السلبيات فتتلخَّص في الحاجة لصرف طاقة معالجة كبيرة جدًّا لإتمام الكمية ذاتها من العمل. فليس هناك سبب خارج نطاق الدعاية والحماس المستقبلي الساذج للاعتقاد بأن تلك مقايضة مفيدة جدًّا. ومن المحتمل أن يكون المكان الوحيد الذي تكون فيه هذه المقايضة مفيدةً هو بإدارة نقد عالمي سليم وموحَّد لسببَين هامَّين للغاية؛ الأول: يمكن تعويض التكاليف الباهظة المدفوعة على تشغيل وإدارة النظام عن طريق الاستيلاء ببطء على أجزاء من سوق العملات العالمي، الذي يعمل بما يُقدَّر بقيمة ٨٠ ترليون دولار أمريكي. الثاني: إن طبيعة النقد السليم كما شُرح سابقًا تكمن وبشكل دقيق في حقيقة أنه لا يوجد إنسان قادر على التحكم بها، وبالتالي، فوجود خوارزمية ثابتة بشكل متوقَّع تتناسب بشكل كبير مع هذه المهمة. وبعد التفكير بهذا السؤال لعدة سنوات، لم أتمكَّن من إيجاد عملية مشابهة على درجة عالية من الأهمية في كل مجالات الأعمال والمشاريع الأخرى، لدرجةٍ تستحق القيمة الإضافية لقاء عدم وجود وسطاء موثوقين، وفي نفس الوقت تكون بسيطةً وشفافة بشكل كبير جدًّا؛ بحيث إن إزالة السلطة البشرية تكون ذات فائدة ومنفعة عظيمة. إن مثالًا مشابهًا بقطاع السيارات سيكون مفيدًا وتعليميًّا هنا؛ ففي عام ١٨٨٥م، أضاف «كارل بنز» محرك احتراق داخلي للعربة وذلك لإنتاج أول آلية تمد نفسها بالطاقة بشكل آلي، وكان الهدف الأساسي من ذلك هو إزالة الأحصنة من العربات وتحرير الناس من التعامل الدائم مع مفرزات الأحصنة. فلم يكن بنز يحاول جعل الأحصنة أسرع؛ حيث إن تحميل الحصان بمحرك حديدي ثقيل لن يجعل الأحصنة تركض بشكل أسرع؛ بل سيبطئها الأمر أكثر بينما لن يفعل شيئًا حيال الحد من كمية المفرزات التي تنتجها تلك الأحصنة. بشكل مشابه وكما شُرح في الفصل الثامن، إن طاقة المعالجة الهائلة المطلوبة لكي تعمل شبكة البيتكوين تقضي على الحاجة لوجود طرف ثالث موثوق لإجراء مدفوعاتها أو تُحدِّد العرض النقدي الخاص بها. فإن ظلَّ الطرف الثالث موجودًا، فإن كل طاقة المعالجة تلك لا هدف لها وتُعدُّ إهدارًا للكهرباء. والوقت وحده سيخبرنا عمَّا إذا كان هذا النموذج من البيتكوين سيستمر بالنمو في شعبيته ودرجة تبنيه؛ فمن الممكن أن ينمو البيتكوين ليستبدل الكثير من الوسطاء الماليين، لكن من الممكن أيضًا أن يظل ثابتًا في حالته الحالية أو حتى أن يفشل ويختفي، ولكن ما لا يمكن حدوثه أبدًا هو أن تَخدم سلسلة كتل البيتكوين وسطاء، صُمِّمت خصوصًا لاستبدالهم. فسلسلة الكتل بالنسبة لأي طرف ثالث موثوق يقوم بإجراء المدفوعات أو التجارة، أو يقوم بالحفاظ على السجلات، هي تكنولوجيا باهظة الثمن وغير فعالة للاستخدام. وبهذا، تجمع سلسلة الكتل لغير البيتكوين أسوأ ما في العالمَين؛ البنية الباهظة لسلسلة الكتل إضافةً للخطورة الأمنية المتعلِّقة بالأطراف الثالثة. فليس من الغريب بأنه بعد ثماني سنوات من ابتكارها، لم تستطع تكنولوجيا سلسلة الكتل أن تنتشر بنجاح أو أن تُطلق تطبيقات تجاريةً جاهزة للسوق عدا المجال الذي تمَّ ابتكاره خصوصًا من أجله؛ ألَا وهو البيتكوين. بالمقابل، كان هناك حماس وفير حول قدرات وإمكانيات تكنولوجيا سلسلة الكتل في كل من المؤتمرات، والنقاشات على مستوًى رفيع في وسائل الإعلام، والحكومات، والأكاديميات، والمؤسسات، ومنتدى الاقتصاد العالمي. وتمَّ استثمار ملايين الدولارات كرءوس أموال استثمارية، وفي الأبحاث والتسويق من قِبَل الحكومات والمؤسسات التي تمَّ إغراؤها في هذا الحماس، ولكن بلا أي نتيجة عملية تُذكر. بالمقابل، وُلدت شبكة البيتكوين من تصميم سلسلة الكتل بعد شهرَين من طرح ناكاموتو لتلك التقنية. وحتى يومنا هذا، لا تزال تعمل بشكل متواصل دون تقطُّعات، ونمت إلى ما يزيد على قيمة ١٥٠ مليار دولار من عملات البيتكوين. فسلسلة الكتل كانت هي الحل لمشكلة النقد الإلكتروني؛ فبسبب هذا ولأنها عملت، فقد نمت بسرعة في الوقت الذي عمل فيه ناكاموتو بشكل متخفٍّ حيث كان يتواصل عبر البريد الإلكتروني فقط وباقتضاب لِمَا يقارب السنتَين، ولم تحتَج إلى الاستثمارات، ورءوس الأموال الاستثمارية، والمؤتمرات، أو الدعاية. بهذا الشرح، أصبح واضحًا أن الادِّعاء القائل بأن «تكنولوجيا سلسلة الكتل» موجودة ويمكن نشرها وتوظيفها لحل أي مشكلة هو ادعاء مشبوه. وسيكون الأمر أكثر دقةً في حال تمَّ فهم بنية سلسلة الكتل كقسم أساسي ومتكامل من عملية البيتكوين ومن النُّسخ والتي تقلِّد البيتكوين والنُّسخ التي يتم التجربة عليها. مع هذا، يتم استخدام مصطلح تكنولوجيا سلسلة الكتل من أجل البساطة في التوضيح. والقسم التالي من الفصل سيبحث أشهر حالات استعمال تكنولوجيا سلسلة الكتل التي تمَّ الترويج لها، بينما يحدِّد القسم الذي يليه المصاعب الرئيسية التي تواجه تطبيق سلسلة الكتل لتلك المشاكل. من لمحة عامة على الشركات الناشئة ومشاريع البحث المتعلِّقة بتكنولوجيا سلسلة الكتل، يمكننا أن نصل للنتيجة أنه يمكن تقسيم تطبيقات سلسلة الكتل المحتمَلة إلى ثلاثة مجالات رئيسية: تعتمد الآليات التجارية الحالية لتصفية الدفعات على سجلات مركزية لكي تُسجِّل جميع التحويلات وتصون أرصدة الحسابات. وبشكل أساسي، يتم نقل التحويلات من أطراف المعاملة إلى الوسيط ثم يتم التأكُّد من صحتها، وبعدها يتم تعديل كلا الحسابَين وفقًا لذلك. أمَّا في سلسلة الكتل، فإنه يتم نقل التحويلة إلى كل عقد الشبكة التي تحتوي على الكثير من التحويلات وقوة المعالجة والوقت، بحيث تُصبح هذه التحويلة جزءًا من سلسلة الكتل ويتم نسخها إلى حواسيب كل الأعضاء. إن هذه العملية أبطأ وأغلى ثمنًا من التصفية المركزية، وهذا يساعدنا على فهم قدرة بطاقتَي فيزا وماستركارد على تصفية ٢٠٠٠ تحويلة في الثانية، في حين يُصفِّي البيتكوين أربعةً بأفضل الأحوال. فالبيتكوين لديه سلسلة كتل ليس لأنه يسمح بتحويلات أسرع وأرخص، بل لأنه يلغي الحاجة لأن نثق بوساطة الأطراف الثالثة، فيتم تصفية التحويلات بحيث تتنافس العُقد على تأكيدها وتوثيقها، ومع ذلك فإنه لا حاجة للوثوق بأية عقدة. لذلك، من غير العملي للأطراف الثالثة الوسيطة أن تتخيَّل أنه بإمكانها تطوير أدائها بتوظيف تقنية تُضحي بالفعالية والسرعة بالذات من أجل إزالة الأطراف الثالثة الوسيطة. ولهذا، بالنسبة إلى أية عملة يُسيطِر عليها طرف مركزي، فإن الأمر دائمًا سيكون أكثر فعاليةً إذا تمَّت عملية تسجيل التحويلات مركزيًّا. وما يُمكن رؤيته بوضوح هو أن تطبيقات تسديد الدفعات على سلسلة الكتل يجب أن تكون بعملة سلسلة الكتل ذاتها وغير المركزية، وليس بعملات يتم السيطرة عليها بشكل مركزي. يصيغ المحامون العقود حاليًّا، وتحكُم عليها المحاكم، وتفرض الشرطة تطبيقها. أمَّا في عالم النظام الرقمي، فتُشفِّر أنظمةُ تشفيرِ العقود الحديثة العقودَ مثل الإيثيروم وتضعها على سلسلة الكتل ليتم تنفيذها دون تدخُّل خارجي ودون إمكانية الاستئناف أو الإبطال؛ وبذلك تكون بعيدةً عن سلطة المحاكم والشرطة. «الشيفرة البرمجية هي القانون»، هذا هو الشعار الذي يستخدمه مبرمجو العقود الذكية. إن المشكلة في هذا المفهوم هي أن اللغة التي يستخدمها المحامون لصياغة العقود يفهمها عدد أكبر بكثير من الناس مقارَنةً بلغة الشيفرة البرمجية التي يستخدمها من يصيغون العقود الذكية. وعلى الأغلب، يوجد بضع مئات فقط من الأفراد في كل أنحاء العالم ممن يمتلكون الخبرات التقنية اللازمة لفهمٍ كاملٍ لأثر وتعقيدات العَقد الذكي، وحتى هم قد يرتكبون ويُفوِّتون أخطاءً برمجية فادحة؛ فرغم تزايد عدد الأفراد الذين يُتقنون لغات البرمجة الضرورية لتشغيل تلك العقود، إلا أن القلة الأكثر إتقانًا لهذه اللغات، وحسب التعريف، سيكون لهم أفضلية على البقية. فكفاءة كتابة الشيفرة البرمجية ستعطي دومًا أفضليةً استراتيجية لأولئك الأكثر إتقانًا لها على الآخرين. فسلسلة كتل الإيثيريوم هي ثاني أكبر سلسلة كتل بعد البيتكوين من ناحية قوة المعالجة الخاصة بها، وفي حين لا يمكن بشكل فعَّال التراجع وإلغاء العمليات في سلسلة كتل البيتكوين، إلا أن إمكانية التراجع في الإيثيريوم تعني أن كل سلسلة كتل أصغر من سلسلة كتل البيتكوين هي عبارة عن قواعد بيانات مركزية تقع تحت سيطرة مشغِّليها. فتبيَّن أن الشيفرة البرمجية ليست قانونًا حقًّا؛ وذلك لأن مشغلي تلك العقود يستطيعون تجاوز ما ينفِّذه العقد. وبهذا، لم تقم العقود الذكية باستبدال المحاكم بالشيفرة البرمجية، بل قامت باستبدال المحاكم بمطوِّري برمجيات قليلي الخبرة، والمعرفة، والمسئولية في التحكيم. والوقت وحده سيكشف لنا إن كانت المحاكم والمحامون سيبقَون على الحياد في هذا الشأن؛ حيث إننا ما زلنا نكتشف تداعيات تلك الانقسامات. فالمنظمة المستقلَّة واللامركزية كانت أول تطبيق مُعقَّد بعقد ذكي على سلسلة الكتل وحتى الآن الوحيد. وتُوحي التجربة أن التطبيقات على نطاق واسع لا تزال بعيدة، هذا إن حدثت. فالتطبيقات الحالية الأخرى جميعها موجودة على شكل نماذج فقط، وربما في مستقبل افتراضي يكون فيه تعليم الشيفرة البرمجية أكثر شيوعًا، وتكون الشيفرة البرمجية فيه قابلةً للتنبُّؤ وموثوقةً أكثر، قد تصبح تلك العقود أكثر شيوعًا. لكن إن كان تشغيل عقود كهذه لا يفعل شيئًا سوى زيادة متطلَّبات طاقة المعالجة في حين تبقى هذه العقود عرضةً للتعديل، والانقسام، والإلغاء، من قِبَل مهندسي سلسلة الكتل، فإن هذا العمل بأكمله لن يفيد في شيء سوى توليد الدعاية والتعابير الطنانة. ومن المحتمَل وبشكل كبير أن يكون مستقبل العقود الذكية بتواجدها على حواسيب مركزية محمية تُشغِّلها أطراف ثالثة موثوقة قادرة على التحكُّم فيها وإلغائها. إن هذا يُشكِّل واقع العقود الذكية على سلسلة الكتل بأن تكون قابلةً للتعديل، في حين يتم تقليل متطلَّبات طاقة المعالجة وتقليل القوى المهاجِمة المحتمَلة التي تُعرِّضها للخطر. ومن أجل تواجد سلاسل كتل تكون جاهزةً للعمل، فإن الطلب على العقود البسيطة سيكون على الأغلب بتلك العقود التي يمكن فهم شيفرتها البرمجية والتحقُّق منها بسهولة. والسبب المنطقي الوحيد لاستخدام هذه العقود على سلسلة الكتل بدلًا من نظام حاسوبي مركزي سيكون من أجل العقود التي تَستخدم عملة سلسلة الكتل الأصلية بشكل ما، بحيث يتم تطبيق كل العقود الأخرى والإشراف عليها بشكل أفضل دون وجود العبء الإضافي لنظام سلسلة الكتل الموزَّع. والتطبيق الوحيد الموجود والذي له معنًى لتطبيقات عقود سلسلة الكتل هو ذلك التطبيق الموجود من أجل تسديد الدفعات البسيطة المبرمجة حسب الوقت، ومن أجل المَحافظ العديدة التواقيع، التي تُجرى كلها باستخدام عملة سلسلة الكتل ذاتها، وغالبًا على شبكة البيتكوين. إن سلسلة الكتل هي عبارة عن قاعدة بيانات موثوقة ومنيعة ضد التزوير، وهي أيضًا سجل للأصول، ولكنها منيعة فقط بالنسبة لعملة سلسلة الكتل الأصلية. وينطبق هذا الأمر فقط إذا كانت العملة ذات قيمة كافية لتكون للشبكة طاقة معالجة قوية تكفي لمقاومة الهجمات. أمَّا بالنسبة إلى أي أصول أخرى مادية أو رقمية، فالثقة في سلسلة الكتل تكون على قدر الثقة بالمسئولين الذين يشكِّلون الصلة بين الأصول وما يشير إليها على سلسلة الكتل. ولن نحصل على فوائد من ناحية الفعالية أو الشفافية في استخدام سلسلة كتل مُرخَّصة هنا؛ حيث إن مدى الثقة بها تكمن في الثقة بالطرف الذي يمنح الإذن بالكتابة فيها. فإدراج سلسلة الكتل إلى أرشيف ذلك الطرف سيجعله أبطأ دون إضافة حماية أو ثبات، لعدم وجود إثبات عمل. وبهذا، يجب أن تبقى الثقة في وسطاء الأطراف الثالثة، بينما وبالوقت نفسه تزداد طاقة المعالجة ويزداد الوقت الذي يتطلَّبه تشغيل قاعدة البيانات. فيمكن استخدام سلسلة كتل محمية وعملتها كخدمة مُوثَّقة ومُصدَّقة، حيث تكون العقود والوثائق مدمجةً في كتلة تحويلات؛ ممَّا يسمح لأي طرف بالوصول إلى العَقد والتأكُّد من أن النسخة المعروضة هي فعلًا النسخة التي تمَّ دمجها في ذلك الوقت. إن خدمةً كهذه ستوفِّر سوقًا لمساحة قليلة من الكتلة، لكن لن تعمل مع أية سلسلة كتل دون وجود عملة. بالنظر إلى التطبيقات الثلاثة المحتمَلة السابقة لتكنولوجيا سلسلة الكتل، فإننا نستطيع تمييز خمسة عوائق أساسية أمام عملية تبنٍّ كبرى. إن تسجيل كل تحويل من قِبل كل عضو من أعضاء الشبكة هو تكرار مكلِّف جدًّا هدفه الوحيد هو إزالة الوساطة. وبالنسبة لأي وسيط مالي أو قانوني، لا يوجد منطق بإضافة مثل هذا التكرار مع الاستمرار بالبقاء وسيطًا. فليس هناك أي سبب مقنع لقيام مصرف ما بمشاركة السجل الخاص به لجميع تحويلاته المشتركة بينه وبين المصارف الأخرى، وليس هناك أي سبب مقنع لرغبة المصرف في صرف موارد هائلة على الكهرباء وطاقة المعالجة لتسجيل التحويلات الخاصة لمؤسسة مالية مع أخرى. وبالتالي، يؤدِّي هذا التكرار إلى زيادة التكلفة دون أي فائدة تُرتجى. إن شبكةً مُوزَّعة تُسجِّل فيها جميع العُقَد كل التحويلات هي شبكة سينمو سِجل تحويلاتها بشكل ضخم جدًّا وبشكل أسرع من نمو عدد أعضاء الشبكة. وبهذا، فإن ثقل وعبء العمليات الحاسوبية مع المساحة التخزينية بالنسبة لأعضاء الشبكة الموزَّعة، سيكون أكبر بكثير منه في شبكة مركزية بالحجم ذاته. فسلسلة الكتل ستواجه دائمًا هذا العائق الذي يمنع التوسع الناجح، وهذا يشرح لنا لماذا يتحرَّك مطوِّرو البيتكوين باتجاهٍ يتم فيه تصفية المدفوعات على طبقة ثانية، كما في «الشبكة البرق»، أو خارج سلسلة الكتل عبر وسطاء، خلال بحثهم عن حلول للتوسعة بعيدًا عن نموذج سلسلة كتل نقية غير مركزية. فهناك مقايَضة واضحة بين الحجم واللامركزية، وإذا أصبحت سلسلة الكتل قادرةً على استيعاب أحجام أكبر من التحويلات، فعندها يجب أن يزداد معها حجم الكتل؛ ممَّا سيرفع من تكلفة الانضمام للشبكة، الأمر الذي سيقلِّل من عدد العُقد، وكنتيجة، ستميل الشبكة باتجاه المركزية. الخلاصة، إن أكثر طريقة اقتصادية للحصول على حجم أكبر من التحويلات هو عن طريق المركزية في عقدة واحدة. فإذا كان من الممكن استبدال سجل ثاني أكبر شبكة من حيث طاقة المعالجة عندما لا تسير التحويلات في الطريق الذي يناسب مصالح فريق التطوير، فلا يمكن قَبول الاعتبار والفكرة القائلة بأنه يتم تنظيم سلاسل الكتل الأخرى عبر طاقة معالجتها. فتركيز حَمَلة العملة، وطاقة المعالجة ومهارات البرمجة في أيدي مجموعة من الناس الذين هم بالواقع زملاء في مشاريع خاصة يُقوِّض الهدف من تطبيق هذه البنية الدقيقة. إن تراجعًا وإلغاءً كهذا غير عملي أبدًا وغير مرجَّح الحدوث في البيتكوين للأسباب التي تمَّت مناقشتها في الفصل التاسع بشكل خاص؛ لأنه لا يتاح لأي طرف في شبكة البيتكوين الانضمام إلى الشبكة إلا إذا وافق على القوانين الموجودة والمتفق عليها. فالمصالح العدائية للأعضاء المختلفين للنظام المتكامل تعني وبشكل دائم أن الشبكة لن تنمو إلا عبر جذب المساهمات التطوُّعية للأفراد الراغبين في قَبول القواعد المتفق عليها. ففي البيتكوين، تبقى القواعد المشتركة ثابتة، أمَّا المستخدم فهو من يختار البقاء أو الذهاب. لكن تواجد دائمًا مجموعة واحدة مسئولة عن وضع قواعد أي مشروع سلسلة كتل آخر تمَّ تأسيسه بتقليد تصميم البيتكوين، وبالتالي كان لتلك المجموعة القدرة على تغيير تلك القواعد. فبينما نما البيتكوين تحت ظل القواعد المشتركة المُؤسَّسة عبر التصرُّفات البشرية، نمت جميع المشاريع الأخرى عبر التصاميم البشرية والإدارة البشرية النشِطة. لهذا، اكتسب البيتكوين سمعته عن طريق كونه ثابتًا بعد سنوات من مقاومته للتغيير، ولا يمكن لأي مشروع سلسلة كتل آخر أن يُدلي بهذا الادِّعاء. فسلسلة الكتل القابلة للتبديل تُعد تطبيقًا نافعًا عمليًّا في هندسة المغالطات والأمور السخيفة؛ فهي تستخدم طرقًا معقَّدة وباهظة الثمن من أجل إزالة الوساطة وتأسيس الثبات، لكنها بعد ذلك تمنح الوسيط القدرة على قلب وإلغاء ذلك الثبات. وأفضل التطبيقات الموجودة حاليًّا في هذه المجالات هي تلك التي لديها القدرة على التراجع والإلغاء بالإضافة إلى الرقابة من قِبل السلطات الشرعية والتنظيمية؛ حيث إن هذه السلطات توظِّف طرقًا أرخص، وأكثر سرعةً وفعالية. تعتمد حصانة قاعدة بيانات سلسلة الكتل بأكملها على إنفاق طاقة المعالجة لتصديق التحويلات ونظام إثبات العمل. ويمكن فهم تكنولوجيا سلسلة الكتل بشكل جيد على أنها تحويل الطاقة الكهربائية إلى سجلات موثَّقة بشكل قاطع تتضمَّن الملكية والتحويلات. ولكي يكون هذا النظام محميًّا، يجب أن يتم تعويض المُوثِّقين الذين يصرفون طاقة المعالجة بعملة نظام الدفع نفسه لضمان مواءمة دافعهم مع صحة ودوام الشبكة. لكن إذا تمَّ جعل مدفوعات طاقة المعالجة بعملة أخرى، فعندها سيتم اعتبار سلسلة الكتل على أنها سِجل خاص يُحافَظ عليها من قِبَل أي شخص يدفع ثمن طاقة المعالجة. وتعتمد حصانة النظام على حضانة الطرف المركزي الذي يدعم المُعدِّنين، لكنه سيكون محفوفًا بالمخاطر إذا عمل عبر سجل مشترك؛ لأنه يزيد من احتمال حدوث خروقات أمنية. فكلما ازداد انفتاح النظام وازداد عدد أعضاء الشبكة الذين يصرفون طاقة المعالجة على التأكيد والتوثيق، تزداد حصانة النظام المفتوح غير المركزي المبني على التصديق عبر طاقة المعالجة. أمَّا بالنسبة للنظام المركزي الذي يعتمد على نقطةٍ واحدة من الفشل، فإنه سيكون أقل حصانةً إذا كان لعدد كبير من أعضاء الشبكة القدرة على الكتابة على سلسلة الكتل. وفي كل مرة ينضم فيها عضو جديد للشبكة فإن ذلك سيشكِّل احتماليةً جديدة لحدوث خرق أمني. إن التطبيق التجاري الناجح الوحيد لتكنولوجيا سلسلة الكتل إلى حد الآن هو النقد الإلكتروني، وتحديدًا البيتكوين. ومعظم التطبيقات المحتمَلة التي تمَّ الترويج لها لتكنولوجيا سلسلة الكتل — كالمدفوعات، والعقود، وسجلات الأصول — ستعمل فقط إذا تمَّ استعمال العملة الرقمية غير المركزية الخاصة بسلسلة الكتل. لهذا، إن سلاسل الكتل جميعها التي لا تستند على عملات رقمية هي سلاسل لم تنتقل من مرحلة النموذج البدائي إلى التطبيق التجاري؛ وذلك لأنها لا تستطيع التنافس مع أفضل تطبيق حالي في سوقهم. فتصميم البيتكوين كان ولا يزال متوفِّرًا بشكل مجاني لمدة تسع سنوات الآن، ويمكن للمطوِّرين النَّسخ منه وتطويره لتقديم منتجات تجارية، لكن لم يظهر هذا النوع من المنتجات بعد. ويُظهر اختبار السوق أن تكرار تسجيل التحويلات ونظام إثبات العمل يمكن تبريرهما فقط بهدف إنتاج نقد إلكتروني وشبكة مدفوعات دون وجود وساطة طرف ثالث، بحيث يمكن التعامل مع ملكية النقد الإلكتروني والتحويلات عبر كميات صغيرة جدًّا من البيانات. لكن الحالات الاقتصادية الأخرى التي تحتاج متطلَّبات بيانات أكبر كالمدفوعات والعقود الكبيرة تصبح باهظة الثمن بشكل غير عملي في نموذج سلسلة الكتل. فبالنسبة لأي تطبيق يحتاج وجود الوسطاء، لن تُقدِّم سلسلة الكتل حلولًا منافسة، ولهذا لا يمكن أن يكون هناك تبنٍّ كبير لتكنولوجيا سلسلة الكتل في القطاعات المعتمدة على الثقة بالوسطاء؛ فتواجد الوسطاء ولو بشكل بسيط يجعل من جميع الأثمان المتعلِّقة بتشغيل سلسلة الكتل أمرًا غير ضروري. لهذا، لن يكون تطبيق تكنولوجيا سلسلة الكتل ذا معنًى إلا إذا كان عمله قائمًا على النقد الإلكتروني، وفقط إذا قدَّم النقد الإلكتروني غير القائم على الوساطة منافعَ اقتصاديةً تفوق تلك التي تأتي من استخدام العملات العادية وقنوات الدفع. فالهندسة الجيدة تبدأ بمشكلة واضحة محاوِلةً إيجاد الحل الأمثل لها؛ بحيث إن هذا الحل الأمثل لا يحل المشكلة فقط، بل وحسب التعريف لا يحمل أيَّ جهد إضافي غير ضروري. فمُنشئ البيتكوين كان متحفِّزًا لإنتاج شبكة «نقدٍ إلكتروني قائمة على نظام نظير إلى نظير»، وقد صنع تصميمًا لذلك، وليس هناك أي داعٍ، إلا الجهل بتقنية عمله، لتوقُّع أنه قد يناسب أعمالًا واحتياجات أخرى. فبعد تسع سنوات وملايين المستخدمين، يمكننا القول إن تصميمه قد نجح في إنتاج نقد رقمي، وكما هو متوقَّع لا شيء سواه. ويمكن أن يحتوي هذا النقد الإلكتروني على تطبيقات تجارية ورقمية، لكن قضية مناقشة تكنولوجيا سلسلة الكتل على أنها ابتكار تكنولوجي في حد ذاتها مع تطبيقات في مجالات وحقول مختلفة هي أمر لا يحمل أي معنًى. فيمكن فهم سلسلة الكتل بشكل أفضل على أنها جزء لا يتجزَّأ من الآلة التي تصنع نقدًا إلكترونيًّا مبنيًّا على نظام نظير إلى نظير بتضخم يمكن التنبؤ به. | {
"chapter": "أسئلة متعلِّقة بالبيتكوين",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "معيار البيتكوين : البديل اللامركزي للنظام المصرفي المركزي",
"url": "https://www.hindawi.org/books/79060903/10/"
} |
كأنما هو سباق بيني وبين قرص الشمس المائل نحو الغروب. بلغت شارع ابن ياسر المكلل بأشجار الأكاسيا على جانبيه. تستبق فوق أديمه السيارات في تيارات متدفقة، وتقوم في موقع من وسطه العمارة بمدخلها الواسع الممتد، وضوئها المشع من داخل الجدران الشفافة. رفعني المصعد إلى الدور الثامن. ضغطت على الجرس ففتحت الشراعة عن وجه الخادم. تقدمني إلى الثوي المكون من ثلاث حجرات متصلة، فجلست على مقعدي في الأعماق. أزاح الرجل ستارة وفتح نافذة، فتدفق هواء الخريف. وهلت سيدتي في فستان أزرق آية في البساطة والرقة، وشبشب أزرق مذهَّب السير، ترنو إليَّ بعينيها النجلاوين الثاقبتين، وأنا أتعجب من صفاء بشرتها. سألتني عما أحب أن أشرب، فطلبت القهوة فقالت إنها سلَّت بعض فراغها بصنع شيكولاتة بالبسكويت، قلت إذن أتناول واحدة. وأمرت لي بما طلبت. ونظرت في وجهي مليًّا، وقالت: واضح أنك لم تتقدم خطوة مفيدة. فقلت في تسليم: هذه هي الحقيقة. تساءلت ضاحكة: ترى أهو ذنب المشكلة أم ذنبك؟ – لا أدافع عن نفسي، ولكن لا يمكن أن أُتهم بالإهمال. – كأننا لم نبدأ بعد. – وهذا ما يؤرقني. وجاء الخادم دافعًا أمامه خوانًا، يحمل القهوة والشيكولاتة. وتركتني أحتسي القهوة في هدوء، ودون أن يزايلني التوتر. وقلت برجاء: لا تُسيئي بي الظن. – تهمني النتائج لا النوايا أو الأقوال. – نحن في زمن عجيب، شهدنا إنسانًا يهبط فوق سطح القمر، ونرى السوق ملأى بكتب عن القُوى الخفية. – لا يعني هذا أن يقف الإنسان مكتوفَ اليدين، وهو يعلم أنه عرضة للهلاك في أي لحظة. – لم أقف مكتوفَ اليدين، وطالما أتعبت سعادتك معي. – أمرك يهمني كما تعلم. فبسطت راحتي على صدري، وأحنيت رأسي شاكرًا، ثم قلت: طبعًا سمعت عن الذي قتل والديه؟ – والتي قتلت ابنها، وقديمًا سمعنا عن ريا وسكينة. ماذا تريد أن تقول؟ – يشعرني ذلك باقتراب القدر. فقامت لتغادر المكان، وهي تقول: سأحرر لك رسالةً للبك. وغابت حوالي ربع ساعة ثم رجعت، فسلمتني رسالة مطوية في مظروف مغلق، وتساءلت: هل تبقى للعشاء؟ فقمت بدوري شاكرًا، وغادرت الشقة. ليل الخريف هبط بسرعته المألوفة، وأضواء السيارات المبهرة اقتحمت الأعين. وذكريات متلاطمة تفعل بإحساسي ما تفعله أضواء السيارات المبهرة، ولكنها تختفي وتضيع قبل أن أقبض عليها. فالدنيا تبدو مراوغة مثيرة للحيرة والقلق. ومضيت من توِّي إلى شارع البورصة، إلى مشرب الزهرة الصغير الأنيق الذي لا يتلاشى الجالس فيه. طلبت من النادل سندوتش لحم بقري وقدح شاي، وقال لي الرجل قبل أن يذهب: سألَتْ عنك .. وستجيء لمقابلتك بعد قليل. سُررت بذلك وتناولت عشائي وانتظرت. ولم يطل بي الانتظار، فجاءت تخطر في بنطلونها بجسمها الرشيق الثري، ووجهها الأسمر الصافي المنمق، وقد ارتدت جاكتة من الجلد البني. وطلبت الشاي كالعادة وهي تنظر إليَّ في عتاب: لم أرَك منذ أيام. – آسف، أنا غريق في مشكلتي، وأمضي من وسيط إلى وسيط. – لم يمنعك ذلك من ملاحقتي كظلي في وقت مضى. – لا يمنعني عنك إلا عذر قاهر. – ولكنك تدور في حلقة مفرغة، لا ترى لها نهاية. – لولا أنه يوجد في الدنيا أمل كالذي تعدينني به؛ لانتهيت من زمن بعيد. استشعرَت شيئًا من الحياء وهي تتساءل: لماذا تصر على تأجيل زواجنا حتى تحل جميع مشکلاتك؟ – هذا هو التصور الطبيعي. – ولكن الزواج يهيئ لك نصف الأمان على الأقل؛ فأخي من كبار رجال الشرطة! فقلت وأنا أنظر في عينيها بإشفاق: خصمي شخص مجهول. – هو أيضًا لم يهتدِ إليك بعد، وقد يساعدك أخي على معرفته. – أتمنى أن أتزوج وأنا رائق البال. – لا عقبة في طريقنا إلا ما ينبثق من ذاتك. عاودتني عواطف صافية من زمن مضى، فرمقتها بحنان وحب وقلت: فلنجلس لنحلم في عذوبة وهدوء، وقريبًا سوف تنقشع الهموم. وتبادلنا حبًّا عميقًا بلا كلمة ولا حركة. وفي لحظات عابرة بدت الدنيا مراوغة، وتلاشت حبيبتي من مجلسها القريب. وعادت مرة أخرى مشرقة الوجه، فواصلنا الحب المتبادل الصامت. ولما تركتني تذكرت بزهو عنادي في مطاردتها، حتى انتزعت من صميم قلبها الاعتراف بالحب، وأمدني اللقاء بحماس جديد، فقمت لأقابل البك وأسلمه الرسالة. ذهبت إلى النادي بشارع الشط الأخضر، وجدته جالسًا مع نخبة من الأصدقاء في الشُّرفة المطلة على الحديقة الواسعة. ولما رآني مقتربًا قام مستأذنًا من صحبه، وصافحني إكرامًا طبعًا للهانم، ومضى بي إلى الثوي الأخضر. أجلسني قريبًا منه، ونظر إليَّ بعينيه الثقيلتين وبوجه لا يعبر عن شيء، وسألني: هل من جديد؟ فقلت بأسًى: أقابل أناسًا وأتلقى وعودًا. وتناول مني الرسالة وأبقاها في يده المنبسطة، وتساءل: ألا يقنعك هذا؟ – أريد أن يتحقق وعد. – لكلٍّ عمل يشغله، هذه أيام الصرف الصحي، والعدوان على تونس، وخطف السفينة الإيطالية، ثم خطف الطيارة المصرية … والدولار. – مشكلتي غاية في البساطة. – أنت تتصور ذلك، لا، انظر إلى الموضوع بعين محايدة. – لكن حياتي مهددة! – هل تعرف عدد الفلسطينيين الذين قتلهم الإسرائيليون؟ .. والفلسطينيين الذين قتلهم العرب؟ .. وضحايا العنصرية في جنوب أفريقيا .. والطائفية في لبنان، وضحايا الزلازل والبراكين، والسموم البيضاء، والمظاهرات؟ فقلت وأنا أنظر بين قدميَّ: ما عليَّ إذن إلا أن أستسلم للموت. – بل أعني أن تصبر وتعتمد على النفس. – أليس من الحكمة أن أستثمر علاقاتي بالرجال الكبار؟ – لن ينقذك إلا اعتمادك على نفسك، افعل ما فعله رمسيس الثاني عندما حاصره الحيثيون، وأوقعوه في الشرَك … فقلت وأنا أداري ابتسامة: سيدي، أنا لست رمسيس الثاني. – لتكن رمسيس المائة أو الألف. وتنبه للرسالة بين يديه، فقصَّ المظروف وقرأها بعناية. ونادى النادل فطلب رسالة ومظروفًا. وفي تلك الأثناء هفت إلى أنفي رائحة مسك فلم أستطع أن أخفي اضطرابي، فسألني عما ألمَّ بي، فكاشفته بما تردده الشائعات عن خصمي المجهول، قلت: إنه يتطيب عادة بالمسك. فقال الرجل بضجر: وغيره كثيرون، لا أظنه عضوًا في نادينا. وغرقت في مستنقع الهواجس على حين راح هو يكتب التوصية الجديدة، ثم سلمها إليَّ في مظروف مغلق. وغادرت النادي، ولما قرأت اسم الوسيط الجديد، رأيت أن أذهب إليه ضحى الغد. وذهبت إلى مسكني بشارع الجندي المجهول، غيرت ملابسي وجلست أمام التليفزيون أشاهد فيلمًا بطله سيارة تندفع ذاتيًّا، وتقتل من يصادفها من البشر. شقتي صغيرة بالية ولكن الزمن رفعها ألف درجة، وجعل منها درَّة لا يفوز بها إلَّا ذو حظ سعيد. وقد أقمت بها مع قريب على عهد التلمذة، ثم استقللت بها بعد انتهاء دراستي الجامعية وتعييني في الوزارة. ورن جرس الشقة فعاودني الشك الذي اجتاحني حين شممت رائحة المسك، ومضيت إلى العين السحرية فطالعني وجه جارتي المقيمة في الشقة المواجهة لشقتي. ماذا جاء بها دون طلب أو اتفاق؟ دخلت ملتفة في روب وردي مشرقة الوجه بالزواق، ولما رأت فتور وجهي، قالت: لا تحب أن تراني إلا وقت الحاجة؟! وجلست على مقعد قريب من مقعدي وهي تقول: لا يوجد زبائن، فقلت: أسلي وحدتي بجلسة بريئة! ثم بعد صمت: ماذا جرى للزبائن؟ فقلت دون أدنى اكتراث: لعلها الحالة الاقتصادية. – أنا لا أتعامل بالدولار. وتفحصتني قليلًا ثم قالت: ما زلت غارقًا في همومك؟ – طبعًا. – يوجد في قريتي من يصمم على قتلي، لو عثر عليَّ ولكني لا أفكر في الغد. فقلت بحيادٍ: كل شيخ وله طريقة. – لكلٍّ أجله وهو يعمل مستقلًّا عن الأسباب. فقلت وأنا أداري غيظي: فلسفة عظيمة، أنت امرأة سعيدة. – لا .. وزني ثقيل، وهو آخذ في الازدياد، وتسبب في حرماني من تعلم الرقص. – ولكن الشهرة ليست في صالحك، وقد تدل عليك من يريد قتلك. وانقطع حبل الحديث. ولم تجد من ناحيتي أي رغبة في وصله، فسلمت بفشل مهمتها، وانصرفت وهي تلوح لي مودعة. وأنا أهم بالنوم عاودني الإحساس بأن الدنيا تراوغني، فخيل إليَّ أن جارتي لم تأتِ لزيارتي، وخيل إليَّ حينًا آخر أنها ترقد إلى جانبي، وفي الصباح ذهبت إلى الوزارة. هي المكان الوحيد الذي ألقى فيه الاحترام وأسمع الثناء تلو الثناء. ولي زميل غاية في الدماثة والمودة. وهو يحثني دائمًا على أن أعيش حياتي، وأن أستهين بالظنون والأقاويل التي لا يقوم عليها دليل مادي .. يقول لي: مَن منَّا لا يتربص به الموت؟ ودعاني ذلك الصباح إلى الاشتراك في رحلة إلى جنوب سيناء، فوعدته بالتفكير في الأمر. وعند الساعة العاشرة استأذنت في الانصراف لعذر مهم، وغادرت المؤسسة إلى شارع الوادي الجديد، حيث توجد عيادة الوسيط الجديد الذي أحمل إليه الرسالة. ورجوت التمرجي أن يوصل الرسالة إلى الطبيب فذهب بها ثم عاد بعد دقائق؛ ليأذن لي في الدخول فورًا. وجدت الطبيب جالسًا وراء مكتبه يطالعني بشخصية قوية وعينين نافذتين، غير أنه توكد لدي ما يحظى به صاحب الرسالة من منزلة فريدة عنده. قلت: أعتقد أني قادم إلى سعادتك بصفتك الشخصية لا المهنية. فسألني بجدية: ما الذي حملك على هذا الاعتقاد؟ – مشكلتي، بل كل مشكلاتي، لا علاقة لها بالطب. لكن الطب له علاقة بكل مشكلة، على أي حال ظنك في محله، وما نريد إلَّا أن تمكث في مصحَّة لي بحلوان فترة من الزمن؛ حيث يتهيأ الأمان والأمن. – ولكني بعد خروجي، سأرجع إلى ما كنت فيه. – أو يكون الوسطاء قد تمكنوا من تصفية مشكلاتك في أثناء ذلك. – ولكن المصحة ستسيء إلى سمعتي! – مصحتنا تعيش في سرية كاملة. وترددت متفكرًا فتساءل: ألا يوجد في حياتك ما تخجل منه أو تندم عليه؟ – هذه مسألة أخرى. – بل لعل كثيرًا من المشكلات يرجع إليها. فقلت بيأس: إذن فأنا ذاهب للعلاج. – لن أفرض عليك شيئًا لا تريده. وقلت بمرارة وكأنما أخاطب نفسي: كيف أعيش بين مجانين؟! فتساءل متهكمًا: وهل تعتبر نفسك عائشًا بين عقلاء؟! وانفجر قلقي فقلت: معذرة يا سيدي، لن أذهب إلى المصحة. فقال بهدوء كريه: في هذه الحالة سأوصي إليك بأن يتركوك لشأنك، دون رعاية أو عناية. فقلبت النغمة قائلًا: أعطني مهلة قصيرة. فقال موافقًا: لك ذلك. أنفقت بقية النهار متسكعًا، وتجاذبتني طوال الوقت الحقائق والأحلام، ولم تبقَ إلا خطوة يسيرة؛ لأتساءل عمن أكون، وفي أي مكان أقيم، والزمان الذي أعاصره. ورجعت مساء إلى عمارتي، ولكني قصدت شقة الجارة لا شقتي. وخيل إلى أنها استقبلتني دون مبالاة، وربما بشيء من الجفاء، وكأنما تعاقبني على إعراضي عنها ليلة أمس. ولكن مسكنها يضفي عليَّ شعورًا بالألفة، ولا يخلو من فتور وضجر وإحساس شبه خفي بالخيبة. وهو بعيد كل البعد عما يجده الزائر المتسلل من التوتر والمغامرة. ولكيلا تتساءل عن سر غيابي الوشيك زعمت لها أني راحل إلى قريتي لمهمة طارئة. وفي الصباح أعددت حقيبتي وذهبت إلى المصحة بحلوان. وهي مبنى رائع يقع في أقصى المدينة، ويقوم على هضبة تطل على الصحراء. واخترقت حديقة واسعة لأصل إلى البناء في العمق، وقادوني إلى جناح يتكون من صف طويل من الحجرات، تفتح أبوابها على ممشًى طويل يتصل بالحديقة بسلم رخامي يشغل الوسط. وتبدت حجرتي بيضاء الجدران والسقف، بها ما يلزم من فراش وصوان وخِوان ومقعدين، ولبثت وحيدًا، حتى جاءتني ممرضة ناضجة الشخصية والأنوثة بالغداء. سألتها عن الطبيب فأجابت بأدب: سيجيء في وقته! وأعطتني قارورة صغيرة تشف عن أقراص بيضاء خالية من أي ملصقات، وقالت: حبة بعد كل وجبة. فقلت محتجًّا: ولكنني لست مريضًا. فقالت بهدوء وهي تغادرني: ليست مصحتنا للمرضى، ولكنها للراحة والأمان. وأخذت أشعر بالندم على المجيء، وأنتظر في مللٍ متصاعد. وفي تمام الخامسة مساءً، انفتح الباب ودخل الطبيب. جلس على المقعد الآخر أمامي وقال: بداية حسنة، فانعم بالأمن والأمان. فقلت بقلقٍ: ولكني أتعاطى دواء. – ما هو إلا مهدئ وفاتح للشهية. – ومتى يستحسن أن أذهب؟ – وقتما تشاء من ناحية المبدأ، أما إذا راعينا مصلحتك، فالأوفق أن تذهب بعد أن تؤدي الامتحان. – أي امتحان يا سيدي؟ – ما عليك إلا أن تسجل على الورق أكبر مشكلة مصرية، وأكبر مشكلة عالمية، ثم تفكر في الحل المناسب لكل منهما. فندَّت عني ضحكة عالية، وقلت: لا شك أنك تمزح يا سيدي. فقال بجدية وبرود: ليست مصحتي مسرحًا فكاهيًّا. فقلت متراجعًا: معنى هذا أني سأبقى هنا إلى الأبد. – إنها محاولة لمعرفة تصورك ليس إلا، وعقب ذلك تذهب بسلام. – ولكن ما علاقة ذلك بمشكلتي أنا؟ – إذا استطعت أن تقدم تصورًا لحل مشكلتَيْ مصر والعالم، فلا شك أنك تستطيع ذلك بالنسبة لمشكلتك الخاصة. – لكن مشكلتي من نوع خاص. – ولو، لن تكون أعقد من مشكلات العالم. – أنت تعلم، ولا شك أنني مهدد بالقتل في أي لحظة. – كلنا مهددون بالقتل في أي لحظة! وسكتُّ مغلوبًا على أمري، حتى همَّ بالذهاب فسألته: هل يشترط أن تكون الإجابة صحيحة؟ – لا أحد يزعم أنه يعرف الإجابة الصحيحة ليقيس عليها، حسبك أن تقدم تصورًا معقولًا. وعلى أثر ذهابه جاءتني الممرضة بورقة مسطرة وقلم رصاص، ووضعتهما على الخوان. جذبتني بقوة إلى أنوثتها ونضجها دون أن تتكلف كلمة أو حركة. وانبعثت فيَّ آمال عجيبة ملأتني جرأة، وفي الوقت نفسه محت صورتها من قلبي العالق من خطيبتي وجارتي. قلت لها: إني مدين لك بحسن الرعاية. فقالت بجدية وحياء: إني أؤدي واجبي. ونظرت إلى خاتم الزواج في يسراها، وتساءلت: سعيدة في زواجك؟ فقالت بدهشة: سؤال غريب! – لا مؤاخذة ولكنَّ لي هدفًا. – أي هدف؟ – إذا خطر لك أن تجربي حظك من جديد؛ فإنني على أتم الاستعداد للزواج منك. فغادرت الحجرة دون أن تنبس بكلمة. وسرت فيَّ قشعريرة إحباط وبرودة، وضقت بالحجرة، فخرجت إلى الممشى. بعض النزلاء يجلسون أمام الحجرات أو يتمشون. جاري رجل في الأربعين، حدجني باهتمام فتبادلنا التحية. واقترب مني وسألني عمَّا جاء بي، فلخصت له الموقف في شيء من التحفظ، ثم سألته بدوري عما جاء به، فقال: لعلي الوحيد بينكم الذي جاء بلا مشكلة! – ولكن كيف؟ – أنا رجل ميسور الحال، صاحب مزاج، أحب السرور والرحلات، ولا أحمل للدنيا همًّا. – عظيم .. عظيم. – لي صديق مشترك بيني وبين الطبيب، هاله أن يجدني بلا مشكلة، وأصرَّ على أن أعيش في المصحة مدة. – جئت؛ لأنك بلا مشكلة! – هذا هو الواقع. – وكيف قبلت؟ – قلت: لتكن تسلية جديدة. – وهل أديت الامتحان؟ – هذه هي مشكلتي الجديدة، فلا علم لي عن أي مشكلة في مصر أو العالم، ولا أقرأ من الصحيفة إلَّا الإعلانات والوفيات، وأين تذهب هذا المساء. – ما عليك إلَّا أن تقرأ الصحف، وستمدك بمشكلات لا حصر لها. فتساءل ضاحكًا: وكيف أقدم حلولًا لمشكلات لا تهمني ألبتة؟ والحق أنه امتصَّ مني توتري بغرابة مشكلته، وفتح نفسي للرجوع إلى حجرتي لأداء الامتحان المطلوب مني. وعند منتصف الليل آويت إلى فراشي ونمت نومًا عميقًا. وفي الصباح الباكر جاءتني الممرضة بالإفطار. وجاءت معها برائحة ما إن شممتها حتى ارتعدت أطرافي. ولما لاحظت تغيري سألتني عمَّا ألمَّ بي، فقلت بقلق لم أستطع أن أداريه: هذه الرائحة! فقالت بثقة: رائحة المسك أطيب الروائح. – من أين لك بها؟ – أهدانيها أحد زوار النزلاء. – هل يتردد على المصحة من زمن؟ – منذ أكثر من شهر، ألا تعجبك؟ فقلت متحفظًا: هي مرتبطة في حياتي بذكريات غير سارة! فقالت بمرح: فك الارتباط، وتناول إفطارك. ونضب إعجابي بالممرضة وتبخر. ولعلها شعرت بذلك على نحوٍ ما فتساءلت بجدية: هل فرغت من تسجيل المشكلات لآخذها إلى الدكتور؟ وفي الحال أعطيتها الورقة؛ لأتخلص منها في أقصر مدة. وجاءني الطبيب قبيل الظهر. دعاني إلى الجلوس أمامه واضعًا الخوان بيننا، وألقى على ورقتي نظرة جديدة، وقال: أنت ترى أن مشكلة مصر الأولى تتركز في عدد السكان؟ – هي أُم المشكلات كلها. – عظيم، أي حل تقترح لها؟ – يجب أن يهبط العدد إلى ما يتناسب مع الإمكانات المتاحة، فتحل جميع المشكلات دفعة واحدة. – وكيف نتخلص من الزائد؟ – بالهجرة الدائمة، وقتل الباقي بوسيلة رحيمة خالية من الألم! – يا لك من رجل رحيم! – كل عاقل يجب أن يعتبرني كذلك. – ومن حسن الحظ أنني عاقل .. والآن ننتقل إلى العالم، فأنت ترى أن الحرب النووية هي مشكلته الأولى؟ – نعم. – فكيف ترى العلاج؟ – أن تقوم الحرب وتقضي على العالم، وتخلصه من مخاوفه. – ولكن الإبادة ستلتهم المخاوف والخائفين معًا. – أو يبقى نفر كالذين نجوا من الطوفان. – الحق أن تفكيرك لا يخلو من رحمة وكمال دائمًا! وتبادلنا نظرة طويلة، ثم سألته بقلق: هل أستطيع أن أذهب الآن؟ فقال وهو يقوم تأهبًا للذهاب: بيدك وحدك أن تذهب وقتما تشاء. وفي الحال أعددت حقيبتي وذهبت. ذهبت أسوأ مما جئت، ولكن روح استهانة استحوذت عليَّ، وأملَتْ عليَّ أن أمضي في حياتي دون اعتبار لأي شيء إلا الحياة نفسها. ونازعتني نفسي إلى لقاء الهانم التي لولا عطفها؛ لهلكت من زمن بعيد. وعند العصر أقبلت عليَّ في ثوبها متلفعة بروب خفيف بنفسجي زادها جمالًا وصفاء. جلسنا حول إبريق الشاي وهي تقول: لم يفُتْني شيء من أخبارك، وإني مسرورة بما سمعت. فنظرت إليها بارتياب وقلت: تجربة المصحة تجربة غريبة، وفي جملتها غير سارة، وحتى هنا طاردتني رائحة المسك. فابتسمت عن لآلئها، وقالت: الطبيب مرتاح ومتفائل، ويجب أن تطمئن إلى حكمه فهو ثقة علَّامة. وترددت قليلًا ثم قلت: عَنَّ لي أن أزور قارئة الفنجان المشهورة. فابتسمت قائلة: كما تشاء، الحقيقة اتسعت في أيامنا هذه، حتى شملت كل شيء. وقبلت يدها، وغادرت مقامها إلى مصر القديمة، إلى مسكن المرأة التي شغل ذكرها صحفنا الكبرى. وجدت حجرة الانتظار مزدحمة، فطال انتظاري حتى أوشك صبري أن ينفد. ثم جلست أمامها على مقعد صغير مريح الوسادة، وحسوت فنجان القهوة، فلم تبقَ إلا الرواسب. وتناولت الفنجان وراحت تتأمله بعناية، وطال تأملها حتى قطبت كالحائرة. ثم قالت: لا أدري كيف أقرأ مستقبلك. فتساءلت منزعجًا: أهو غامض لهذه الدرجة؟ – المسألة أن نجاتك أو هلاكك بيدك أنت. فليس عندي ما أقوله. – لي خصم عنيد مجهول. – نعم، أنت مجهول أمامه أيضًا، وهو يخشاك كما تخشاه. – لم يعرفني بعد؟ – نعم، رغم أن الحياة جمعت بينكما أكثر من مرة! – جمعت بيننا؟ – هذا واضح. – أليس لديك معلومة إضافية تبل الريق؟ قلت ما عندي، والله معك. تركتها مشتت الخاطر ينهمر فوق رأسي القلق من سماء ملبَّدة بالغيوم. تقول: إن الحياة جمعت بيننا أكثر من مرة، اللعنة! فهو إذن أحد سكان العمارة أو زميل في الوزارة، وربما يكون البك أو طبيب المصحة! وذهبت إلى الزهرة؛ لأتناول لقمة وأتمالك أنفاسي. سرح بي الخيال إلى عهد الطمأنينة والسلام قبل أن أطلب يد خطيبتي. وكيف نما إلى علمي أن نفرًا من أهلها اقترحوا رفضي لهوان أصلي. ومع أن خطيبتي ذللت العقبات بقوة إرادتها إلا أن اقتراح الرفض آلمني جدًّا، ودفعني إلى النبش في الماضي؛ لعلي أعثر على أصل كريم غابر أخنى عليه دهر لا يَرحم. وأهلتني دراستي الجامعية للبحث فتوغلت فيه بإصرار، وما زلت أنتقل من جد فقير إلى آخر أجير حتى اهتديت إلى جد خطير في عصره. كيف تدهور ذلك الجد العظيم؟ لقد تمرد على أبيه فحرمه من الميراث، واستقبلت ذريته تاريخًا طويلًا من الفقر والذل، وعرفت من التاريخ سر النزاع القديم الذي اتخذ من الثأر المتوارث وسيلةً متجددة، ومقدسة فتك بها بأرواح لا تحصى من أبناء الأسرة جيلًا بعد جيل، لا يُعفى منها غني أو فقير. وقدرت بالحساب الدقيق أنني المرشح اليوم للقتل، لا يؤخر الأجل عني إلا أن الخصم لم يهتدِ إليَّ بعد. هكذا استوعبتني مشكلات الأصل والموت فلم تبقِ من حيويتي إلا القليل لمشكلات الحياة اليومية الملحة. وطبيب المصحة يرى أن تصوري لحل مشكلات مصر والعالم قادرٌ ضمنًا على حل مشكلتي المؤرقة، ولكن من يضمن لي الحياة حتى تحل مشكلات مصر والعالم؟! وتاقت نفسي للخروج من قصر التيه بأي ثمن، ولأن أحيا حياتي مهما كلفني الأمر. ودعوت خطيبتي إلى لقاء بالزهرة في أصيل اليوم التالي. ولبَّت كالعادة بكل حيويتها واستجابتها العذبة. وقصصت عليها حكايتي مع قارئة الفنجان منتظرًا تعليقها. قالت باسمة: هذا يعني أنه يحتمل أن أكون أنا خصمك المجهول! ثم بجدية: احذر أن تسيء الظن بالجميع، فتصبح وحيدًا منبوذًا. فقلت بنبرة واضحة وقوية: لا أودُّ أن أموت قبل أن أموت. – يسعدني أن أسمع ذلك. – وأودُّ أن نتزوج في الحال. فوهبتني الموافقة بنظرة عينيها ودون كلام. وإني على أتم استعداد والحمد الله. واتفقت مع مقاول من المترددين على الوزارة؛ لتجديد شقتي الصغيرة العتيقة، يغير أرضيتها ويصلح النوافذ ويدهن الجدران والأسقف، ويعيد بناء الحمام ودورة المياه والمطبخ. ولما انتهى العمل في الشقة مضوا يفرشونها بجهاز العروس تحت إشراف خطيبتي وأمها وأخيها ضابط الشرطة. ولما كلل التعب بحسن الختام إذا بحماتي تقول بنبرة ذات مغزى: لا بد من فرحة! لكن مدخراتي أوشكت على النفاد، وهمست بذلك، فقالت الست: لا نريد حفلًا في فندق، حسبنا عشاء لائق في مطعم خلوي، وبلا رقص أو غناء! ولبيت رغبتها على رغمي، واقتصرت الدعوة على الأهل. غير أني دعوت الهانم فشرفتنا مع هدية سعيدة متبرعة للاجتماع بفرقة «كان كان» الموسيقية. وجلسنا متواجهين حول مائدة طويلة، ورأيت بين المدعوين البك وطبيب المصحة، دون أن أدري كيف تم ذلك. وعاودني إحساسي الغريب بمراوغة الذكريات الغامضة، ولكن سعادتي بالعروس غلبت على كل شيء. وخطر لي في أثناء الطعام أن خصمي المجهول موجود حتمًا بين المدعوين، ولكني طردت الفكرة بإصرار وواصلت الأكل والشرب. ولما فرغنا من الطعام وقف رجل كان يجلس في الصف الآخر إلى يسار حماتي ليلقي كلمة فيما بدا. خُيل إليَّ لأول وهلة أنني أراه لأول مرة في حياتي، ثم خيل إليَّ مرة أخرى أنني سبق أن لمحت هذا الجبين البارز والحاجبين الغزيرين والفكين القويين، ولكن أين؟ ومتى؟ وملت نحو الهانم الجالسة إلى جانبي وسألتها عنه، فقالت: رجل طيب يقدم نفسه في الأفراح طلبًا للرزق! وركزت عليه بصري باهتمام لا يخلو من قلق، أما هو فراح يقول بصوت جهير: للفرح يوم واحد، لا يتكرر مهما تكرر، وهو من صنع الرحمن لا البشر، من أجل أسمى غاية وهي عمران الوجود، فالزواج طاعة، والحب عبادة، إذا حاد أحدهما عن طريقه ضلَّ إلى الأبد. وفي مثل هذا اليوم تسجل الحياة أحد انتصاراتها الرائعة، فلنهنئ العروسين، ولنُحي ذكرى ربَّيْ أسرتهما النبيلة آدم وحواء، اللذين دُفعا إلى دنيانا بسبب العصيان، ورُفعا منها بحكم الغفران، ولندعُ الله أن ينصرنا على إبليس، عدو الأسرة القديم الذي لا يكف عن طلب الثأر، والعقبى لكم في المسرات. وأحنى الرجل رأسه؛ شكرًا للتصفيق الذي أعقب كلمته ثم جلس. وكاد ذكر الثأر يفسد عليَّ ليلتي، لولا لباقة عروستي التي جذبتني لنَجواها. وانفضَّ الحفل الصغير على خير حال. ومضيت بعروسي إلى شقتي، ولكن استعصى عليَّ أن أُدخل المفتاح في عروة الباب. ماذا حدث؟! وفتحت شراعة الباب عن وجه لم أتبين معالمه. سألني قبل أن أفيق من ذهولي: مَن أنت؟ فصرخت فيه: مَن أدخلك شقتي؟ فصاح الرجل بغضب: سكران! .. مجنون! .. اذهب قبل أن أكسر دماغك. ادعى كل منا أن الشقة شقته، وأن الآخر معتدٍ أو معتدٍ ومجنون، ولم أجد بدًّا من الاستغاثة بالشرطة. ولكن أين عروسی؟ هل بادرت إلى أخيها؟ ولم أحب أن أضيع الوقت في البحث عنها، فذهبت إلى قسم الشرطة، واصطحبني ضابط إلى الشقة، واطلع على العقد، ثم صارحني بأنه لا يستطيع أن يتعرض للرجل بسوء، وأن الأمر يجب أن يُعرض على النيابة. وتكشَّف التحقيق عن غرائب وعجائب. أثبت الرجل أن الشقة شقته بعقد قديم، وشهد معه صاحب العمارة والبواب وكثرة من السكان. واستشهدت بعروسي وآلها الذين فرشوا الشقة بأيديهم، وأدلوا بشهادتهم القاطعة بأنهم لا يعرفونني، وأنني لم أتزوج من ابنتهم. وماذا يقول الذين لبوا دعوة العشاء وشهدوا الزفاف؟ .. ماذا تقول الهانم، والطبيب، والبك؟ .. أجمعوا على أن أقوالي ادعاءات باطلة لا أصل لها وأنهم لا يعرفونني، ولم توجد بينهم وبيني أي صلة. ولعل الوحيد الذي لم ينكرني، والذي جاء دون دعوة مني، هو صاحب الخطبة. سمعته يقول للمحقق إنه أخي الأكبر، ويرجو أن يذهب بي لأعالج من تلك الحالة الطارئة! ودخلت في شبه غيبوبة لا أدري كم غشيتني ولا متى انقشعت. ولكني أنتبه أحيانًا إلى وجود أخي إلى جانبي، وأحيانًا أخرى أعي إقامتي في مصلحة الطبيب بحلوان. وبعودتي إلى ذاتي أدركت أنني مريض وأنني أُعالَج، وأن الطبيب يعالجني بالعقاقير والكهرباء. ولما خاطبت أخي في شئوننا الخاصة هتف الرجل بسرور: الحمد لله، ها أنت تعود إلى الواقع. ولكن علاجي امتد طويلًا وجالسني الطبيب كثيرًا، حتى أنست إليه وأسرني بذكائه وإنسانيته. وفي آخر مرة قال لي: أعتقد أنك على أتم ما يكون من الشفاء الآن. فوافقته بتسليم وصبر. فسألني: ما حقيقة علاقتك بأخيك الأكبر؟ فأجبت بهدوء ويقظة ودون أي إرهاق: إني أقيم معه في شقته بالعمارة، وهو زوج وأب، وذو ميول دينية واضحة، ولا يكف عن حضي على الزواج رغم الظروف المعاكسة، ولم يرَ بأسًا من أن أتزوج بجارتنا الأرملة، على رغم أنها تكبرني بأعوام، ولكنها تملك الشقة وبعض المال، ولم أذعن لمشيئته؛ لنفور قلبي من المرأة ولارتيابي في استقامة سلوكها، لا أنكر عطفه عليَّ ونصاعة خلقه، ولكنه طالما وقف من سلوكي موقف الناقد طويلًا بل والرافض. ولما سألني عن عروسي ضحكت طويلًا، وقلت: كانت زميلتي في الكلية، أحببتها وكأنها كانت تزن مستقبلها بميزان العقل، فأثبتت لي بمنطق واضحٍ حادٍّ أنني غير صالح للزواج، أي غير قادر عليه. وفضلًا عن ذلك فقد صارحتني بأن أهلها يصرون على اختيار زوج لها من طبقتها. وسألني عن الهانم فقلت: عرفتها من خلال عملي بوزارة الشئون الاجتماعية كرئيسة لإحدى الجمعيات الخيرية، بهرني جلالها وقوة شخصيتها ورقة إنسانيتها، وأقررت لها بأنها تملك من المزايا ما يؤهلها لحكم أمة حكمًا عادلًا سعيدًا، ولم أجد بها من عيب إلَّا زواجها من «البك»، الذي كان أدنى منها كثيرًا في العلم والخلق. وقال الطبيب: أما أنا فلا شك أنك عرفتني عن طريق التليفزيون. – بالضبط، وأعجبت بأسلوبك في معاملة مرضاك باعتبارهم ضيوفًا. – تبقى مسألة القتل والثأر، فهل لك أعداء؟ فقلت ضاحكًا: بدأت المسألة بالمجاز، يقول أخي لي في شتى المناسبات إنني عدو نفسي وإنه يجب أن أحذر العدو الكامن بين جوانحي، وأقول له إنه يوجد أكثر من عدو يتربصون بنا الدوائر .. وإلَّا فكيف تفسر هذا الانهيار الشامل؟! وهز الطبيب رأسه وهو يبتسم، ثم قال: وفي حوارنا المتصل الطويل لمست انفعالك الشديد حول قيم كثيرة كالعلم والعمل والسعادة، أيرجع ذلك للأسباب التي ذكرتها؟ فقلت بحدة: ليس ذلك فحسب، لكني أذكر دائمًا دراستي الجامعية الضحلة العقيمة، وبطالتي التي أمارسها في الوزارة، والسعادة التي أحلم بها دون جدوى. – ورحت تكمل ما ينقصك بأحلام اليقظة، حتى أشرفت على الضياع الذي أُنقذت منه بمعجزة. فقلت خاشعًا: بفضلك يا سيدي. وخرج أخي عن صمته فقال: وبفضل الله قبل كل شيء. فقال الطبيب: حدثني الآن عن الدرس الذي أفدته من إقامتك القصيرة في مصحتي؟ فقلت بحماس: إن أحلام اليقظة غير مجدية! | {
"chapter": "الفجر الكاذب",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "الفجر الكاذب",
"url": "https://www.hindawi.org/books/42814840/1/"
} |
كأنما غادرها أمس. بمدخلها الضيق المتوج باسمها الرنان «فينكس، كافيتريا، بار»، وحجرتها المربعة المرصعة بموائدها الرخامية، وكراسيها الخرزانية ومقصفها المتصدر. وكالعادة مصابيحها مضاءة منذ الصباح لانزوائها في عمق بعيدًا عن نور الشمس. وجوه غريبة لزبائن جدد فيهم نفر من الأجانب. اختار كرسيًّا وجلس بجسمه الطويل النحيل المتهافت، وبنطلونه الرمادي وقميصه الأبيض نصف كم، ورأسه الكبير الموخوط بالشيب، ووجهه الغامق الموسوم بالعناء. نظر فيما حوله، وقلقت في عينيه الواسعتين نظرة حائرة. أقبل النادل، ولما رآه من قريب اتسعت عيناه دهشة وسرورًا، وهتف: مبارك يا أستاذ .. حمدًا لله على سلامتك. وتصافحا. وطلب فنجان قهوة زيادة، ولكن الرجل سأله قبل أن يذهب: كيف الصحة؟ – كما ترى. – ستعود كما كنت وأحسن. حقًّا! سبع سنوات عجاف، ولكنه قال: ربنا يسمع منك. وذهب الرجل ورجع بالقهوة؛ ثم صبها في الفنجان قائلًا: هذا الفنجان على حسابي! – تُشكر. – أسفنا جدًّا، ما باليد حيلة، على أي حال فأنت بطل! رشف رشفة وسأله: لماذا؟ – السجن في سبيل المبدأ. – عظيم، هل أنت مستعدٌّ لذلك؟ فضحك النادل الكهل قائلًا: لست بطلًا مثلك. وذهب يلبي طلبًا. أتى على الشراب فلم يبقَ إلا الرواسب في القعر والتصاوير في الجدران. وتذكر قول قارئة الفنجان في الزمان الأول: قدامك سكة سفر وسعادة. يستوي قول الأول والآخر في الكذب. خمس سنوات ضاعت، وأبوه قال له: «حذارِ من الجنون يا مجنون، البلد مختنقة مهزولة، ولا هم للفقير إلا اللقمة ولا للقوي إلا الثروة». الواضح أن الإيقاع يتضاعف والجنون يتفشى. وتفرس في الوجوه من حوله بدهشة وإنكار. ولما رجع النادل الكهل إليه قال له: لا أرى أحدًا من زبائن زمان! – لعلهم في البيوت، هؤلاء سماسرة ورجال أعمال وسياح، الانفتاح يا أستاذ. – والأصدقاء ألا يجيئون كالعادة؟ – أبدًا .. منذ سنوات طويلة. فعبس متسائلًا: كلهم؟ – ولا واحد يوحد الله. – عندك فكرة عنهم؟ – طبعًا، القاسم والأرملاوي ورضوان مدرسون في السعودية. – السعودية مرة واحدة؟ – خير وبركة. – والقائمة السوداء؟ – لا سوداء ولا بيضاء. وأدوا فريضة الحج أيضًا! ضحك على رغمه، فقال النادل: سيملكون الشقق والسيارات، لِمَ لا؟ – والسيوفي؟ – السيوفي وبدران ورزق الله في فرنسا، صحافة عربية، ثراء أيضًا، وقيل إن رزق الله اعتنق الإسلام! ضحك مرة ثانية وتساءل: وأكرم؟ – تاب، ويعمل في الصحافة القومية. – وجلال؟ – يعمل في الأهالي. فضحك للمرة الثالثة وقال: لعله جُن! – كلا، الذي جن هو الأستاذ البرديسي! – تعني أنه في المستشفى؟ – كلا، يُرى أحيانًا في الشوارع يحاور الهواء. – أفادك الله. – حتى زملائي في القهوة هاجروا إلى العراق، ولولا سني للحقت بهم. – ربنا يعوض عليك. فحدجه بنظرة باسمة ثم سأله: وأنت متى تهاجر؟ فلم يجب، وارتسمت على زاوية فمه ابتسامة ساخرة، فقال النادل بنبرة ودودة: زمن المبادئ مضى، وهذا زمن الهجرة. – كلامك كله حكمة. وتجهم وجهه، فبدا أكبر من سنه بعشر سنوات. أي ماضٍ وأي حاضر وأي مستقبل. أين ومتى يقابل جلال؟ وكيف يصارع العبث؟ وقال للنادل: فنجان قهوة آخر، بن زيادة وسكر زيادة. | {
"chapter": "تحت الشجرة",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "الفجر الكاذب",
"url": "https://www.hindawi.org/books/42814840/13/"
} |
إن ثورة تكنولوجيا الاتصالات العالمية التي بدأت بإنتاج أول حاسوب قابل للبرمجة بشكل كامل في خمسينيات القرن العشرين قد وصلت إلى عدد متزايد من الجوانب المادية للحياة، وقدَّمت حلولًا هندسية لمشاكل موجودة منذ زمن طويل. وفي حين زادت المصارف والشركات الناشئة من كمية استخدامها للحواسيب وتكنولوجيا الشبكات من أجل المدفوعات وحفظ السجلات، إلا أن الابتكارات التي نجحت لم تُقدِّم شكلًا جديدًا من النقد، وجميع الابتكارات التي حاولت تقديم شكل جديد من النقد باءت بالفشل. لهذا، يُمثِّل البيتكوين أول حل رقمي حقيقي لمشكلة النقد، وفيه نجد حلًّا محتملًا لمشاكل قابلية البيع وسلامة وسيادة النقد. فلقد عمل البيتكوين دون فشل خلال السنوات التسع الماضية، وإذا استمرَّ في العمل على هذا النحو في التسعين سنةً القادمة، فسيُمثِّل حلًّا مقنعًا لمشكلة النقد، مانحًا الأفراد ميزة السيادة على نقودهم؛ وذلك لأنه مقاوم للتضخم غير المتوقَّع، كما أنه قابل للبيع بشكل كبير على صعيد المكان والزمان والقياس. وإذا استمرَّ البيتكوين بالعمل كما يعمل حاليًّا، فإن جميع التقنيات السابقة التي وظَّفها البشر كنقد؛ مثل الأصداف، والملح، والماشية، والمعادن الثمينة والأوراق النقدية الحكومية، قد تبدو كتقنيات غريبة عفا عليها الزمن في عالمنا الحديث؛ مثل عدادات بجوار أجهزة الحواسيب الحديثة. ولقد رأينا كيف أن ظهور علم المعادن قد أنتج حلولًا لمشكلة النقد، حلولًا متفوِّقة على الخرز والمحَّار وغيرها من الأدوات، ورأينا كيف أن ظهور العملات المُنتَظمة قد سمح للعملات الذهبية والفضية بالظهور كأشكال نقدية متفوِّقة على الكتل المعدنية غير المنتظمة، كما ورأينا كيف أن المصارف المدعومة بالذهب قد سمحت للذهب بالهيمنة كمعيار نقدي عالمي؛ ممَّا أدَّى إلى إلغاء الصفة النقدية للفضة. وانطلاقًا من ضرورة إضفاء الطابع المركزي للذهب، انبثق النقد الحكومي المدعوم بهذا الذهب، والذي كان أكثر قابليةً للتداول من حيث القياسات، ولكن أتى مع ذلك الزيادة الحكومية للعرض النقدي والسيطرة القسرية اللذَين دمَّرا في نهاية المطاف سلامة وسيادة النقد. ففي كل خطوة على الطريق، شكَّلت الحقائق والتطوُّرات التكنولوجية المعاييرَ النقدية التي وظَّفها البشر، وكانت عواقب ذلك هائلةً على الاقتصادات والمجتمعات. فالمجتمعات والأفراد الذين اختاروا معيارًا نقديًّا سليمًا استفادوا بشكل كبير مثل الرومان تحت قيادة قيصر، والبيزنطيين تحت قيادة قسطنطين، والأوروبيين الذين كانوا جميعًا تحت حكم المعيار الذهبي. أمَّا أولئك الذين كانوا يملكون نقدًا غير سليم أو ضعيفًا من الناحية التكنولوجية مثل سكان جزيرة ياب مع وصول أوكييفي، أو سكان غرب أفريقيا الذين استخدموا الخرز الزجاجي، أو الصينيين الذين كانوا تحت حكم المعيار الفضي في القرن التاسع عشر؛ فقد دفعوا ثمنًا باهظًا. ويُمثِّل البيتكوين حلًّا تكنولوجيًّا جديدًا لمشكلة النقد، وُلِدَ من العصر الرقمي، مُستخدمًا العديد من الابتكارات التكنولوجية التي تمَّ تطويرها على مدى العقود القليلة الماضية، ومستفيدًا من التجارب العديدة لإنتاج نقد رقمي؛ وذلك لتقديم شيء كان من المستحيل تصوُّره قبل اختراعه. ولفهم الكيفية، سنقوم بالتركيز على الخصائص النقدية للبيتكوين بالإضافة إلى الأداء الاقتصادي للشبكة منذ إنشائها. لهذا السبب، إن هذا الفصل لن يتعمَّق كثيرًا في التفاصيل التقنية لعمليات شبكة البيتكوين، بل سيركِّز على الخصائص النقدية لعملة البيتكوين، تمامًا كما تُركِّز بعض الكتب على مناقشة معيار الذهب فقط ولا تقوم بمناقشة خواصه الكيميائية. المدفوعات النقدية: وهي التي تتم شخصيًّا بين طرفَين. وتتميَّز هذه المدفوعات بكونها فوريةً ونهائية، ولا تتطلَّب الثقة في أي طرف متعاقد، ولا يوجد أي تأخير في تنفيذ عملية الدفع، ولا يمكن لأي طرف ثالث التدخُّل بفعالية لوقف هذه المدفوعات. وتتمثَّل العقبة الرئيسية في هذه الطريقة بضرورة تواجد الطرفَين في نفس المكان في الوقت ذاته، وهي مشكلة تزداد حدة؛ وذلك لأن الاتصالات قد زادت من احتمالية رغبة الأفراد بالتعامل مع أشخاص ليسوا في مكان قريب منهم. فلدى كل من الطريقتَين ميزات وعيوب، ويلجأ معظم الناس إلى مزيج من الطريقتَين في تحويلاتهم المالية. وقبل اختراع البيتكوين، احتوت المدفوعات عبر وسيط جميع أشكال المدفوعات الرقمية. وطبيعة الأشياء الرقمية منذ اختراع أجهزة الحاسوب أنها ليست نادرةً أو شحيحة، حيث يمكن إعادة إنتاجها بشكل سهل، وبالتالي كان من المستحيل اتِّخاذ أحدها كعملة؛ وذلك لأن إرسالها لن يؤدي إلا إلى نسخها ومضاعفتها. لهذا السبب، وجب وجود وسيط لتنفيذ أي شكل من أشكال الدفع الإلكتروني بسبب خطر الإنفاق المزدوج؛ حيث إنه لم يكن هناك طريقة تضمن صدق ونزاهة الدافع بشأن نقوده وعدم استخدامه لها أكثر من مرة، ما لم يكن هناك طرف ثالث موثوق به يُشرف على الحساب، ويستطيع التحقُّق من سلامة ونزاهة التحويلات التي تمَّ إجراؤها. لهذا الأمر، اقتصرت التحويلات النقدية على عالَم الاتصال المباشر الفيزيائي، في حين أن أشكال المدفوعات الرقمية وجب أن يُشرف عليها طرف ثالث. لكن وبعد سنوات من التجرِبة المبتكرة وارتكاب الأخطاء من قِبل العديد من المبرمجين، ومن خلال الاعتماد على مجموعة واسعة من التقنيات، كان البيتكوين أول حل هندسي يسمح بإجراء مدفوعات رقمية دون الحاجة إلى الاعتماد على وسيط ثالث موثوق به. وبكونه أول كِيان رقمي محدود الكمية، أصبح البيتكوين أول مثال على «النقد الرقمي». بعبارات أخرى، إن المدفوعات عبر وسيط تسلب النقد جزءًا كبيرًا من خصائصه كوسيط تبادل يسيطر عليه مالكه، مع منحه سيولةً عالية لبيعه وقتما يشاء. فتاريخيًّا، أكثر خصائص النقد ثباتًا هي قابلية الاستبدال (أيُّ وحدة من النقد تعادل أي وحدة أخرى)، والسيولة (قُدرة المالك على البيع بسرعة بسعر السوق). وبهذا، يختار الأفراد نقدًا قابلًا للاستبدال وذا سيولة مرتفعة لأنهم يريدون تحقيق السيادة على نقودهم، حيث يحتوي النقد ذو صفة السيادة في طياته على كل الإذن اللازم لإنفاقه، والرغبة في احتفاظ الأفراد به تتعدَّى قدرة الآخرين على فرض ضوابط عليه. وفي حين أن المدفوعات عبر وسيط تقضي على بعض الميزات المرغوبة للنقد، إلا أن أوجه القصور هذه ليست موجودةً في التحويلات النقدية المادية. فبعد ازدياد كمية التجارة والتوظيف عبر مسافات طويلة بفضل الاتصالات الحديثة، أصبحت التحويلات النقدية المادية باهظةً بشكل غير عملي، كما أن التوجُّه نحو المدفوعات الرقمية قام بالتقليل من مقدار السيادة التي يمتلكها الناس على أموالهم الخاصة، تاركًا هؤلاء الناس خاضعين لأهواء الأطراف الثالثة التي لم يكن لديهم خيار سوى الثقة بهذه الأطراف. علاوةً على ذلك، إن الابتعاد عن الذهب، وهو النقد الذي لا يستطيع أي أحد طباعته، والاتجاه نحو العملات الورقية التي تُسيطر البنوك المركزية على المعروض منها، قد قلَّل من سيادة الأفراد على ثرواتهم، وتركهم عاجزين أمام التآكل البطيء لقيمة نقودهم بسبب تضخيم البنوك المركزية للعرض النقدي من أجل تمويل عمليات الحكومة. وبشكل متزايد، أصبح من غير العملي مراكمة رءوس المال والثروات دون الحصول على إذنٍ من الحكومة المُصدِرة لتلك النقود. إن هذه العملية تُدعى «التعدين»، مُستمَدة من تعدين المعادن الثمينة؛ ولهذا السبب، عُرفت العقد التي تحل نظام إثبات العمل باسم المُعَدِّنين، وتقوم مكافأة الكتل بتعويض هؤلاء المُعدِّنين عن الموارد التي أنفقوها على نظام إثبات العمل. وفي حين أنه في البنوك المركزية الحديثة يتم توظيف النقود المُنشَأة حديثًا لتمويل الإقراض والإنفاق الحكومي، إلا أنه في البيتكوين يتم تخصيص النقود الجديدة فقط إلى أولئك الذين يُنفقون مواردهم لتحديث السجل؛ فقد قام ناكاموتو ببرمجة البيتكوين لإنتاج كتلة جديدة كل عشر دقائق تقريبًا، بحيث تحتوي كل كتلة على مكافأة قدرها ٥٠ قطعةً نقدية في السنوات الأربع الأولى من عمل شبكة البيتكوين، لتُنصَّف بعد ذلك إلى ٢٥ قطعةً نقدية، ثم تُنصَّف مرةً أخرى بعد أربع سنوات، ويستمر هذا النمط. فكمية البيتكوين المُنشَأة قد تمَّ برمجتها مسبقًا ولا يمكن تغييرها بغض النظر عن مقدار الجهد والطاقة المستهلكة على نظام إثبات العمل، ويتم تحقيق هذا من خلال عملية تُدعى تعديل الصعوبة، والتي هي غالبًا أذكى جانب من جوانب تصميم البيتكوين. فمع اختيار المزيد من الناس الاحتفاظ بالبيتكوين، فإن هذا يؤدِّي إلى ارتفاع قيمته السوقية، وسيجعل من تعدين العُملات الجديدة أمرًا مربحًا بشكل أكثر؛ ممَّا سيدفع المزيد من المُعدِّنين إلى إنفاق المزيد من مواردهم لحل مسائل نظام إثبات العمل. والمزيد من المُعدِّنين يعني المزيد من قوة المعالجة، والتي من شأنها أن تؤدِّي إلى حلول لمسائل نظام إثبات العمل بشكل أسرع، وبالتالي زيادة مُعَدل إصدار عُملات جديدة من البيتكوين. لكن مع ازدياد قوة المعالجة، فإن البيتكوين سيزيد من صعوبة المسائل الرياضية اللازمة للحصول على مكافآت التعدين؛ وذلك لكي يضمن أن إنتاج كل كتلة جديدة سيتسمر باستغراقه لعشر دقائق تقريبًا. إن عملية تعديل الصعوبة في التكنولوجيا الأكثر موثوقيةً في صنع النقد الصعب والحد من ارتفاع نسبة المخزون إلى التدفُّق، كما أنها تجعل البيتكوين مختلفًا بشكل جوهري عن كل أنواع النقد الأخرى. ففي حين أن ارتفاع قيمة أي نقد يؤدِّي إلى تخصيص موارد أكثر لإنتاجه، وبالتالي يزيد من عرضه، إلا أنه عند ارتفاع قيمة البيتكوين، فإن زيادة الجهود المبذولة لإنتاجه لا تؤدِّي إلى إنتاج المزيد من عملات البيتكوين. وبدلًا من هذا، يؤدِّي ذلك فقط إلى زيادة طاقة المعالجة الضرورية لإيداع تحويلات صالحة إلى شبكة البيتكوين، والتي من شأنها أن تجعل الشبكة أكثر أمانًا وأكثر صعوبةً على الاختراق. لهذا، إن البيتكوين هو أصعب نقد تمَّ اختراعه على الإطلاق؛ فلا يمكن لارتفاع قيمته التسبُّب بزيادة عرضه، بل يؤدِّي ذلك إلى جعل الشبكة أكثر أمانًا ومناعة ضد الهجمات. فبالنسبة لكل أنواع النقد الأخرى، فإنه مع ارتفاع قيمتها، يبدأ كل من يستطيع إنتاجها بإنتاج المزيد منها، سواء أكانت حجارة الراي أو أصداف البحر أو الفضة أو الذهب أو النحاس أو النقود الحكومية؛ حيث إن الجميع سيكون لديهم الحافز لمحاولة إنتاج المزيد منها. وكلما ازدادت صعوبة إنتاج كميات جديدة من النقد كاستجابة لزيادات الأسعار، ازداد احتمال استخدامه وتبنيه على نطاق واسع، وازدهر المجتمع بشكل أكبر؛ لأن هذا يعني أن جهود الأفراد في إنتاج الثروة سيتم توظيفها في خدمة بعضهم، لا في إنتاج النقد، وهو نشاط لا قيمة له في المجتمع؛ وذلك لأن أي عرض نقدي يُعتبَر كافيًا لتشغيل أي اقتصاد. لهذا السبب، أصبح الذهب هو النقد الأساسي لكل مجتمع متحضِّر؛ تحديدًا لأن إنتاجه هو الأصعب، ولكن عملية تعديل صعوبة البيتكوين تجعل إنتاجه أكثر صعوبةً حتى من الذهب؛ فالزيادة الكبيرة في سعر الذهب على المدى الطويل ستقود إلى إنتاج كميات أكبر منه، لكن مهما ارتفع سعر البيتكوين، فإن عرضه سيبقى كما هو، ولكن ستزداد مناعة وأمن شبكته. إن أمن البيتكوين يكمن في عدم التماثل بين تكلفة حل نظام إثبات العمل الضروري لإيداع التحويل إلى السجل، وبين تكلفة التحقُّق من صحة هذا الحل. فتسجيل التحويلات يكلِّف كميات متزايدةً من الكهرباء وقوة المعالجة، لكن تكلفة التحقُّق من صلاحية التحويلات تقترب من الصفر، وستبقى عند ذلك المستوى بغض النظر عن المدى الذي سيصله نمو البيتكوين. لهذا، إن محاولة إيداع تحويلات احتيالية إلى سجل البيتكوين هو أشبه بالتعمُّد لإهدار الموارد على حل نظام إثبات العمل ليكون الناتج هو رفض هذه التحويلات ودون أي تكلفة تقريبًا، وبالتالي حجب مكافأة الكتلة عن المُعدِّن. وفي حين أن الثقل الفيزيائي لحجر الراي يجعل من قابليته للقسمة أمرًا غير عملي أبدًا، إلا أن البيتكوين لا يواجه هذه المشكلة؛ حيث إن عرض البيتكوين يتكوَّن من ٢١٠٠٠٠٠٠ عملة كحد أقصى، كل منها قابلة للقِسمة إلى ١٠٠٠٠٠٠٠٠ ساتوشي؛ ممَّا يجعلها قابلةً للبيع بشكل كبير على مختلِف القياسات. وفي حين أن حجارة جزيرة ياب كانت عمليةً لعدد قليل من التحويلات في جزيرة صغيرة ذات عدد صغير من السكان الذين يعرفون بعضهم البعض بشكل جيد للغاية، إلا أن البيتكوين يتمتَّع بقابلية بيع فائقة عبر المكان وذلك لأن سجله الرقمي مُتاح لأي شخص متصل بالإنترنت في أي مكان من العالم. وما يحافظ على صدق ونزاهة عُقد البيتكوين بشكل فردي، هو أنه إذا كان مالكها غير نزيه فسيتم اكتشافه على الفور؛ ممَّا يجعل عدم الأمانة مماثلًا بفعاليته لعدم القيام بأي شيء، لكنه يطرح تكلفةً باهظة. أمَّا على الصعيد الجماعي، فإن ما يمنع الأغلبية من التواطؤ والتآمر على التصرُّف بعدم أمانة هو أنها إذا نجحت في تقويض نزاهة سجل التحويلات، فستُدمَّر القيمة الكلية للبيتكوين وستنهار قيمته لتقترب من اللاشيء؛ فالتآمر يُكلِّف الكثير لكنه سيؤدِّي بحد ذاته إلى فقدان قيمة الغنيمة. بعبارة أخرى، يعتمد البيتكوين على الحوافز الاقتصادية ممَّا يجعل الاحتيال أكثر كلفةً من مكافآته. ولا يتم الاعتماد على كِيان واحد للحفاظ على السجل، ولا يمكن لفرد واحد تغيير هذا السجل دون موافقة غالبية أعضاء الشبكة؛ فصلاحية التحويلات ليست مرهونةً بقرار سلطة واحدة، بل بالبرنامج الذي يشغل العقد الفردية على الشبكة. إن البيتكوين هو المثال الأول لشكل جديد من أشكال الحياة، إنه يعيش ويتنفَّس على شبكة الإنترنت. يعيش لأنه يستطيع أن يدفع للأشخاص مقابل إبقائه حيًّا. يعيش لأنه يُقدِّم خدمةً مفيدة يدفع الناس له كي يقدِّمها. يعيش لأن أي شخص في أي مكان يمكنه تشغيل نسخة من شيفرته. يعيش لأن جميع النُّسخ العاملة منه تتحدَّث باستمرار مع بعضها البعض. يعيش لأنه إذا تمَّ إيجاد نسخة تالفة منه فسيتم التخلُّص منها بسرعة دون ضجة أو فوضى. يعيش لأنه يتسم بالشفافية بشكل جذري حيث إنه بإمكان أي شخص رؤية شيفرته وما الذي تفعله بالضبط هذه الشيفرة. لا يمكن تغييره، لا يمكن الجدال معه، لا يمكن التلاعب به، لا يمكن إتلافه، لا يمكن إيقافه، لا يمكن مقاطعته حتى. وإذا دمَّرَت حرب نووية نصف كوكبنا، فسيستمر بالعيش دون انقطاع، وسيستمر بتقديم خدماته، وسيستمر بالدفع للأشخاص من أجل إبقائه حيًّا. فالطريقة الوحيدة لإيقافه هي بقتل كل خادم يستضيفه، وهذا أمر صعب؛ وذلك لأن الكثير من الخوادم تستضيفه في الكثير من البلدان، كما أن الكثير من الناس يريدون استخدامه. وبشكل واقعي، إن الطريقة الوحيدة لقتله هي بجعل الخدمة التي يقدِّمها غير مفيدة وقديمة لدرجة أن لا أحد سيرغب في استخدامها، قديمة لدرجة أن لا أحد يريد دفع ثمنها، ولا أحد يريد استضافتها. فالبيتكوين هو تقنية تنجو لنفس سبب نجاة عجلة القيادة أو السكين أو الهاتف أو أي تقنية أخرى؛ فهو تقنية توفِّر لمستخدميها فوائد من استخدامها؛ بحيث يتم مكافأة المستخدمين والمُعدِّنين ومديري العقد اقتصاديًّا بسبب تفاعلهم مع البيتكوين، وهذا ما يبقيه مستمرًّا. ومن الجدير بالذكر أن جميع الأطراف التي تساهم بتشغيل البيتكوين قابلة للاستبدال؛ فلا أحد ضروري لعمل البيتكوين، وإذا أراد أي شخص تغيير البيتكوين، فإن البيتكوين قادر تمامًا على الاستمرار في العمل كما هو دون الاعتماد على أي مُدخَل قد يقوم به أي شخص عليه. وسيساعدنا هذا على فهم الطبيعة الثابتة للبيتكوين في الفصل العاشر، ولماذا ستؤدِّي محاولات إجراء تغييرات جدية في شيفرة البيتكوين إلى حتمية إنشاء نسخة بديلة منه أقل قيمة؛ حيث ستكون هذه النسخة عاجزةً على إعادة خلق التوازن الاقتصادي للحوافز التي تحافظ على البيتكوين وتجعله مستمرًّا وغير قابل للتغيير. كما يمكن فهم البيتكوين على أنه شركة ناشئة ومستقلة توفِّر شكلًا جديدًا من النقد وشبكة مدفوعات جديدة. فلا يوجد هيكل شركة أو مجلس إدارة لهذه الشركة؛ حيث إن جميع القرارات تكون تلقائيةً ومبرمجة مسبقًا. ويمكن للمبرمجين المتطوِّعين في مشروع مفتوح المصدر عرضُ تغييرات وتحسينات على الشيفرة، لكن القرار سيكون بأيادي المستخدمين للموافقة على اعتمادهما أم لا. والقيمة المقترَحة لهذه الشركة تتمثَّل في أن عرضها النقدي غير مرن بتاتًا كاستجابة لزيادة الطلب والسعر؛ بدلًا من ذلك، يؤدِّي الطلب المتزايد على البيتكوين إلى تكوين شبكة أكثر أمانًا بسبب تعديل صعوبة التعدين. فيستثمر المُعدِّنون الكهرباء وقوة المعالجة في البنية التحتية التعدينية التي تحمي الشبكة لأنهم يُكافئون على ذلك، ويدفع مستخدمو البيتكوين رسوم التحويلات ويشترون القطع النقدية من المُعدِّنين لأنهم يريدون استخدام النقود الرقمية والاستفادة من ارتفاع قيمة العملة مع مرور الوقت، وفي أثناء هذه العملية، فإنهم يموِّلون استثمار المُعدِّنين عبر تشغيل الشبكة؛ فالاستثمار في أدوات تعدين نظام إثبات العمل يجعل الشبكة أكثر أمانًا، ويمكن فهمه على أنه رأس مال الشركة. وكلما ازداد الطلب على الشبكة، ازدادت قيمة رسوم التحويلات ومكافآت المُعدِّنين، الأمر الذي يتطلَّب المزيد من طاقة المعالجة لتوليد عملات جديدة؛ ممَّا يزيد من رأس مال الشركة ويجعل الشبكة أكثر أمانًا، وإنتاج العملات أكثر صعوبة. إن هذا ترتيب اقتصادي منتِج ومربِح لكل المعنيين؛ ممَّا يؤدي بدوره إلى استمرار نمو هذه الشبكة بوتيرة مذهلة. فبهذا التصميم التكنولوجي، استطاع ناكاموتو اختراع «النُّدرة الرقمية». فالبيتكوين هو المثال الأول على السلعة الرقمية النادرة التي لا يمكن إعادة إنتاجها بشكل غير محدود. وعلى الرغم من بساطة إرسال شيء رقمي من موقع إلى آخر عبر شبكة رقمية، كما هو الحال في البريد الإلكتروني أو الرسائل النصية أو تنزيل الملفات، إلا أنه من الأدق وصف هذه العمليات ﮐ «نسخ» بدلًا من «إرسال»؛ وذلك لأن الأشياء الرقمية تبقى مع المرسل، ويمكن إعادة إنتاجها بلا حدود. لهذا، إن البيتكوين هو المثال الأول على السلعة الرقمية التي تزول فيها ملكية المرسل بعد الإرسال. وبعيدًا عن الندرة الرقمية، يُعتبر البيتكوين أيضًا المثال الأول على «الندرة المطلقة»، وهو السلعة الوحيدة ذات السيولة (الرقمية أو المادية) التي كميتها ثابتة مُحدَّدة لا يمكن زيادتها. فحتى اختراع البيتكوين، كانت الندرة دائمًا نسبية، ولم تكن مطلقةً أبدًا؛ فهناك اعتقاد خاطئ شائع بتصوُّر أن أي سلعة مادية هي محدودة أو نادرة بشكل مطلق، لكن يجدر الإشارة أن الحد الأقصى لكمية إنتاج أي سلعة لا يحدَّد مع مدى انتشارها في هذا الكوكب، وإنما يتم تحديده بالجهد والوقت المكرَّسَين لإنتاجها. فمع ندرته المطلقة، يحتفظ البيتكوين بقابليته الكبيرة للبيع عبر الزمن، وهذه نقطة أساسية سيتم شرحها بشكل أكبر في الفصل التاسع المتعلِّق بدور البيتكوين كمخزن للقيمة. وبما أن العملات الجديدة لا تُنتَج إلا بعد إصدار كتلة جديدة، وبما أن كل كتلة جديدة تتطلَّب حل مسائل نظام إثبات العمل، فهناك تكلفة حقيقية لإنتاج عملات بيتكوين جديدة. ومع ارتفاع سعر البيتكوين في السوق، تدخُل المزيد من العقد للتنافس على حل مسائل نظام إثبات العمل للحصول على مكافأة الكتلة؛ ممَّا يزيد من صعوبة حل هذه المسائل، الأمر الذي يجعل الحصول على المكافأة أكثر تكلفة، وبالتالي سترتفع تكلفة إنتاج البيتكوين بشكل عام مع سعر السوق. فبعد تحديد جدول نمو هذا العرض، قسَّم ساتوشي كل بيتكوين إلى ١٠٠ مليون وحدة، والتي سُميت فيما بعدُ باسم «ساتوشي» تقديرًا له. وتقسيم كل بيتكوين إلى ٨ خانات يعني أن العرض سيستمر في النمو بمعدَّل متناقص حتى عام ٢١٤٠م تقريبًا، وعندها ستمتلئ الخانات جميعها لتصل إلى ٢١ مليون قطعة نقدية. وتناقص معدَّل النمو يعني أنه سيتم تعدين أول ٢٠ مليون قطعة نقدية بحلول عام ٢٠٢٥م تقريبًا، بحيث تبقى مليون قطعة نقدية ليتم تعدينها على مدى قرن آخر. قد يساعدنا هذا الشرح في تقدير قابلية بيع البيتكوين وإدراك مدى تحقيقه لوظائف النقد؛ فمع انخفاض معدَّل نمو عرضه إلى ما دون مستوى الذهب بحلول عام ٢٠٢٥م، فإن قيود البيتكوين الموجودة به على عرضه قد تجعل عليه طلبًا كبيرًا كمخزن للقيمة. وبعبارة أخرى، قد يكون لديه صفة قابلية البيع عبر الزمن. فطبيعة البيتكوين الرقمية التي تجعل إرساله بشكل آمن في جميع أنحاء العالم أمرًا سهلًا، تجعله أيضًا قابلًا للبيع عبر المكان بطريقة لم يسبق رؤيتها في أشكال النقد الأخرى. في حين أن قابليته للقسمة إلى ١٠٠٠٠٠٠٠٠ ساتوشي تجعله قابلًا للبيع على صعيد القياسات. علاوةً على ذلك، إن قضاء البيتكوين على سيطرة وتحكُّم الوسطاء واستحالة تقويض أي حكومة له أو مصادرته، ستجعله خاليًا من العيوب الرئيسية للنقود الحكومية. ومع تقديم العصر الرقمي لنا الكثير من التحسينات والكفاءات في معظم جوانب حياتنا، يمثِّل البيتكوين قفزةً تكنولوجية هائلة إلى الأمام في الحل النقدي لمشكلة التبادل غير المباشر، قد تكون أهميتها مماثلةً لأهمية الانتقال من استخدام الماشية والملح إلى الذهب والفضة. وفي حين يزداد عرض العملات التقليدية باستمرار، وتنخفض قوتها الشرائية، إلا أنه حتى هذه اللحظة شهد البيتكوين ارتفاعًا ملحوظًا في قوته الشرائية بالرغم من الزيادة المعتدلة والمتناقصة والمحدودة في عرضه. فمكافأة المُعدِّنين، الذين يتحقَّقون من صحة التحويلات بعملات البيتكوين، تُولِّد لديهم اهتمامًا قويًّا بالحُفاظ على نزاهة الشبكة؛ ممَّا يؤدِّي بدوره إلى ارتفاع قيمة العملة. ولكي يرتفع سعر البيتكوين، يجب على الأشخاص الاحتفاظ به كمخزن للقيمة وليس إنفاقه فقط، وفي حال عدم وجود أشخاص راغبين في الاحتفاظ بالعملة لفترة زمنية طويلة، فإن الاستمرار في بيع العملة سيُبقي سعرها منخفضًا وسيمنعها من الارتفاع. فبحلول نوفمبر عام ٢٠١٧م، بلغت القيمة السوقية الإجمالية لجميع عملات البيتكوين المتداولة ما يقارب ١١٠ مليار دولار، معطيةً إياها قيمةً أكبر من عرض النقود بمعناه الواسع للعملات الوطنية لمعظم البلدان. فإذا كان البيتكوين بلدًا، فستحتل قيمة عملته المرتبة ٥٦ في قائمة أهم العملات الوطنية في جميع أنحاء العالم، وستساوي تقريبًا حجم العرض النقدي للكويت أو بنغلاديش، وستكون أكبر من حجم العرض في المغرب والبيرو، لكنها أقل من كولومبيا وباكستان. وإذا تمَّ مقارنتها مع عرض النقود بمعناه الضيق، فستكون قيمة عرض البيتكوين في المرتبة ٣٣ في العالم، مع قيمة مماثلة لعرض النقود بمعناه الضيق للبرازيل وتركيا وجنوب أفريقيا. وربما تكون واحدة من أبرز الإنجازات التي حقَّقتها شبكة الإنترنت أن اقتصادًا إلكترونيًّا قد نما في تسع سنوات بعد ظهوره بشكل عَفْوي وطوعي حول شبكة صمَّمها مبرمج مجهول، بل وأصبح يملك قيمةً أكبر ممَّا هو مُحتفَظ به في العرض النقدي لمعظم الدول القومية والعملات الوطنية. فتُعتبر هذه السياسة النقدية المحافظة والارتفاع في القيمة السوقية للبيتكوين أمرًا جوهريًّا لنجاح عمليات البيتكوين؛ وذلك لأنها هي السبب في إعطاء المُعدِّنين الحافز لإنفاق الكهرباء وقوة المعالجة للتحقُّق من صحة التحويلات بنزاهة. فلو تمَّ إنشاء البيتكوين وفق سياسة النقد السهل مثل ما يوصي به خبيرو الاقتصاد الكينزيون أو النقديون، فكان عرضه النقدي سيزداد بما يتناسب مع عدد المستخدمين أو التحويلات، ولكن في هذه الحالة كان سيظل تجرِبةً هامشية بين محبي التشفير على الإنترنت. وعندها، لم يكن سيتم تخصيص أي قدر كبير من قوة المعالجة لتعدينه؛ حيث إنه لن يكون هناك أي فائدة من الاستثمار بكثافة في التحقُّق من التحويلات، وحل مسائل نظام إثبات العمل من أجل الحصول على العملات الرمزية التي سيتم تخفيض قيمتها كلما ازداد عدد الأشخاص الذين يستخدمون النظام. لهذا، يمكن القول إن السياسات النقدية التوسعية للاقتصادات الحديثة ذات النقود الورقية والاقتصاديين التابعين لها، لم تجتَز مطلقًا اختبار السوق في تبنيها طواعيةً، لكن وبدلًا من ذلك، تمَّ فرضها عبر قوانين الحكومة، كما نوقش في السابق. وكنظام طوعي لا يوجد فيه آلية لإجبار الناس على استخدامه، كان البيتكوين سيفشل في جذب طلب كبير عليه، ونتيجةً لذلك كان لن يتم ضمان مكانته ومنزلته كنقد رقمي ناجح. وفي حين أنه يمكن إجراء التحويلات دون الحاجة إلى الثقة في طرف ثالث، إلا أن الشبكة ستكون عرضةً للهجوم من قِبَل أي جهة فاعلة خبيثة تحشد مقادير كبيرةً من قوة المعالجة. بعبارة أخرى، من دون اعتماد سياسة نقدية محافظة وآلية لتعديل الصعوبة، فإن البيتكوين كان سينجح نظريًّا كنقد رقمي، لكنه كان سيبقى غير آمن بشكل كبير، بحيث لا يمكن عمليًّا استخدامه على نطاق واسع. وفي هذه الحالة، إن أول منافس للبيتكوين سيعتمد سياسة النقد الصعب، فإنه سيجعل من عملية تحديث السجل وإنتاج الوحدات الجديدة أمرًا أكثر تكلفةً بشكل تدريجي. والتكلفة المرتفعة لتحديث السجل ستعطي المُعدِّنين الحافز ليكونوا نزيهين بتحديث هذا السجل؛ ممَّا سيجعل الشبكة أكثر أمانًا من المنافسين مُتَّبعي سياسة النقد السهل. إن تقلُّبات البيتكوين هذه تنبثق من حقيقة أن عرضه غير مرن بتاتًا ولا يستجيب لتغيُّرات الطلب عليه؛ وذلك لأنه قد تمَّ برمجته للنمو بمعدَّل مُحدَّد سلفًا. لكن بالنسبة لأي سلعة عادية، فإن الاختلاف في الطلب سيؤثِّر على قرارات الإنتاج لمنتجي هذه السلعة؛ بحيث تؤدِّي الزيادة في الطلب عليها إلى زيادة إنتاجها، وبالتالي تعديل الارتفاع في السعر؛ ممَّا سيسمح لمنتجيها بزيادة الأرباح. بينما انخفاض الطلب عليها سيؤدِّي إلى ميل المنتجين إلى تخفيض العرض؛ ممَّا يسمح لهم بتقليل الخسائر. توجد حالة مماثلة في العملات الوطنية من المتوقَّع فيها أن تحافظ البنوك المركزية على استقرار نسبي في القوة الشرائية لعملاتها من خلال وضع معايير لسياستها النقدية لمواجهة تقلُّبات السوق. فبوجود جدول للعرض غير متجاوب إطلاقًا مع الطلب، ومع عدم وجود بنك مركزي لإدارة هذا العرض، فمن المحتمل أن يكون هناك تقلُّبات خصوصًا في المراحل المبكِّرة عندما يتغيَّر الطلب بصورة غير منتظمة للغاية من يوم لآخر؛ وذلك لأن الأسواق المالية التي تستخدم البيتكوين ما تزال صغيرة. ولكن مع نمو حجم السوق إضافةً لتعقيد وعمق المؤسسات المالية التي تستخدم البيتكوين، فمن المرجَّح أن ينخفض هذا التقلُّب. ومع وجود سوق أكبر ذي سيولة أكثر، من المحتمل أن تصبح التغيُّرات اليومية في الطلب أصغر نسبيًّا؛ ممَّا يسمح لصُناع القرار في السوق كالتُّجار بالاستفادة من تقليل تغيُّرات الأسعار وتخفيف السعر. لكن لن يتحقَّق هذا إلا إن احتفظ عدد كبير من المشاركين في السوق بالبيتكوين بقصد التمسُّك به على المدى الطويل، الأمر الذي سيزيد من القيمة السوقية لعرضه بشكل كبير، ويجعل وجود سوق كبيرة ذات سيولة أمرًا ممكنًا عبر استخدام قسم صغير من العرض فقط. فإذا وصلت الشبكة إلى حجم مستقر في نقطة ما، فإن تدفُّق النقود منها وإليها سيكون متساويًّا نسبيًّا، ويمكن أن يستقر سعر البيتكوين عندها. وفي مثل هذه الحالة، سيكتسب البيتكوين مزيدًا من الثبات مع امتلاكه أيضًا لسيولة كافية لكي لا يتقلَّب بشكل كبير مع تحويلات السوق اليومية. لكن ما دام معدَّل تبني البيتكوين مستمرًّا بالزيادة، فإن ارتفاع قيمته سيجذب المزيد من الراغبين بامتلاكه، فينتج عن ذلك ارتفاع أكثر في القيمة؛ ممَّا سيجعل هذا الانخفاض في التقلُّب أمرًا بعيد المنال. وطالما أن البيتكوين بحالة نمو، فإن سعر عملاته الرمزية سيتصرَّف مثل سهم في شركة ناشئة يحقِّق نموًّا سريعًا للغاية، ولكن إذا توقَّف نمو البيتكوين واستقر، فإنه سيتوقَّف عن جذب تدفُّقات الاستثمار عالية الخطورة، وسيصبح مجرَّد أصل نقدي عادي يُتوقَّع أن ترتفع قيمته قليلًا في كل عام. فيما يلي وصف موجز لثلاث تقنيات يستخدمها البيتكوين: | {
"chapter": "النقد الرقمي",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "معيار البيتكوين : البديل اللامركزي للنظام المصرفي المركزي",
"url": "https://www.hindawi.org/books/79060903/8/"
} |
لم يتوقَّف الجميع عند سرِّ ارتداد شعاع الليزر، بل فكَّروا سريعًا في كيفيَّة الاستفادة من الوضع الحالي؛ ﻓ «زائيفي» قد اكتشف مراوغة الطائرة له، وهروبها من مسار الاختطاف الذي ساقها إليه. و«أحمد» تمكَّن من التعامل مع أشعَّة الليزر. وأيًّا ما تكون النتيجة، فهناك ضرورة حتميَّة الآن لأن يأخذ كابتن «أدهم» أقصى انحراف له؛ للعودة إلى مساره الطبيعي إلى «سويسرا»، وعدم إهدار الوقود أكثر من ذلك. وهذا ما حدث بالفعل؛ فقد مالت الطائرة ميلًا شديدًا، لكنَّه غير خطير … ولم يُؤثِّر ذلك على الرُّكَّاب؛ لأنَّ مَن قام به قائد ماهر. وكأنَّما كان هذا الميل وهذا الهروب مفاجأة أثارت أعصاب «زائيفي»؛ فقد انطلقت أشعَّة الليزر حول الطائرة، فتقاطعت في خطوط طوليَّة وعرضيَّة، ولشد ما أثار دهشة الشياطين أنَّها لم تُصِب الطائرة … غير أنَّهم ظلُّوا مترقِّبين في خوف؛ فلو أنَّ شعاعًا من هذه الأشعَّة أصاب الطائرة، لأسقطها سقوطًا مُدوِّيًا! بدأ انحراف الطائرة وميلها يقلُّ تدريجيًّا، غير أنَّ «أدهم» قال لهم في قلق: أنا غير متأكِّد الآن من صحَّة المسار الذي نتَّبعه. تمالك الجميع أعصابهم؛ فأيُّ إثارة للأعصاب الآن تُشتِّت تفكيرهم، وهم أشدُّ ما يحتاجون للتركيز الآن. وقال له «أحمد»: ألا يمكنك اختبار أجهزة الملاحة الإلكترونيَّة الآن؟! أدهم: إنَّني أحاول، ولكن بلا جدوى! وبرقت عينا «عثمان»، وضرب جبهته بكفِّه … وقال في لهجة المكتشف: أجهزة المحمول الخاصَّة بنا؛ لماذا لا نستخدمها؟ فقالت «ريما» ناسية: حتى لا تؤثِّر على أجهزة الملاحة. وفجأة تذكَّرت أنَّ أجهزة الملاحة مُعطَّلة بسبب الأشعَّة الكهرومغناطيسيَّة المُسلَّطة عليها من الخارج. وهنا قال «أحمد» في صوت مسموع: أنت رائعٌ يا «عثمان»! وقام بالاتصال برقمه الكوديِّ على القمر، فلم يُفلح؛ فأجهزة الاستقبال به لم تعُد تستجيب؛ فماذا حدث للقمر إذَن؟ هل ضاع حقًّا بعد تدمير أطباق التحكُّم الأرضيَّة؟! مرَّة أخرى حاول «عثمان»، ومرَّات حاولت «ريما»، وكثيرًا «إلهام»، غير أنَّ القمر لا يستجيب، وأشعَّة الليزر أصبحت أكثر ضراوة وأشعَّتها أكثر غِلظة … غير أنَّها لا تُصيب الطائرة؛ لماذا إذَن؟! وكان هذا سؤال «أدهم» ﻟ «أحمد»، فقال: كلُّ هذه الأشعَّة ولا تصيب الطائرة؟ هذا يعني أنَّ هناك خللًا في جهاز التوجيه! لم يوافق «أحمد» على كلامه، فقال: لو أنَّ هناك خللًا في جهاز التوجيه لأصابتنا أكثرُ هذه الأشعَّة؛ لأنَّها أمامنا والطائرة تتحرَّك. أدهم: إذَن لماذا لا تصيبنا؟ أحمد: لأنَّ مَن يُطلقها لا يريد هذا. أدهم: لا أفهم! أحمد: لا أستطيعُ أن أُصرِّح لك بأكثر من هذا، ولكن عليك أن تصل بنا إلى أقرب مطار يُمكننا الوصول إليه … ويمكنك الاستفادة من أجهزة المحمول الخاصَّة بنا. كان «عثمان» ينتظر نهاية الحديث بين «أحمد» و«أدهم»؛ لينفردَ ﺑ «أحمد» في ركن غير بعيد، ويسأله سؤالًا يُحيِّره قائلًا: كيف عرفت أنَّ «زائيفي» لا يريد قتلنا؟! «أحمد»: لسببين … الأوَّل؛ لأنَّه لو أراد تدمير الطائرة لفعل هذا منذ البداية وحتى الآن … الثاني؛ لأنَّ لنا ثمنًا، هذا الرجل يطمع فيه، أم نسيتَ المائة وخمسين مليون دولار التي فاوضَنا عليها؟! عثمان: تقصد أنَّه حتى الآن يطمع فيها؟! أحمد: نحن لم نُعلمه بالرفض حتى الآن. عثمان: إذن فلنلاعبه بحرِّيَّة. أحمد: لا نستطيع ذلك؛ فلو شعر بخطورتنا على حياته أو عمله سيقتلنا ويحصل على المائة مليون دولار، التي وعدته بها «سوبتك»! وفجأة ترك «عثمان»، واقترب من «أدهم» وقال له: ما رأيك في المُناورة؟! أدهم: لا أفهم. أحمد: أريد أن أُشعِره أنَّنا نضيع منه. أدهم: كيف؟ أحمد: أريد أن تتَّخذ وضع الهبوط، ثمَّ تهبط إلى أسفل نقطة يمكنك الهبوط إليها، ثمَّ العودة مرَّةً أخرى. في هذه اللحظة، ستعمل أجهزة الملاحة الإلكترونيَّة؛ لأنَّ أجهزة الشوشرة وقتها لن يمكنها رصدك. أدهم: تقصد أنَّك تريد الشوشرة على أجهزة الشوشرة؟! أحمد: نعم … وعلى عقل وتفكير هذا اﻟ «زائفي»؛ نريد أن نُلاعبه. وابتسم «أدهم»؛ فقد صرَّح «أحمد» بما كان يكتمه … وابتسم «أحمد» لهذه الزلَّة، غير أنَّه وجدها فرصة للاستفادة منه؛ فهو رجل عسكريٌّ، و«زائيفي» كذلك … سيكون أسلوب عملهما مفهومًا لهما. فقال له: كابتن «أدهم»، هذا الرجل الذي نلاعبه لواء جيش متقاعد، ودكتور في العلوم العسكريَّة، ويتعاون مع عصابة خطيرة وضعت تحت تصرُّفه قمرًا صناعيًّا للاتصالات، وقاعدة لإطلاق أشعَّة ليزر مداريَّة. أدهم: أهي التي تُمطرنا بهذا الوابل من الأشعَّة؟! أحمد: نعم. أدهم: أنا أرى أنَّ خُطَّتك هي الأفضل الآن. وفي حركة مفاجئة، مالت الطائرة لأسفل … وخرجت «إلهام» و«ريما» ليطلبا من الرُّكَّاب ربط الأحزمة والتزام الهدوء. حالة من الراحة والتفاؤل سَرَت بين الركاب جميعهم؛ فقد ظنُّوا أنَّهم وصلوا إلى «سويسرا»، وأنَّهم في طريقهم في ميلها … إنَّها أصبحت مثل الصقر الذي انقضَّ على فريسته … إنَّ شدَّة ميلها أصابت ركَّابها بحالة من الذُّعر. ونفس الذُّعر أصاب «زائيفي»؛ فقد شعر أنَّ الصيد يفرُّ منه، وأنَّه سينهزم في أوَّل مواجهة بينه وبينهم … لذلك، فقد آثَر أن يُحادثهم، فأوقف فيض الأشعَّة الكهرومغناطيسيَّة المُسلَّطة على الطائرة … ورأى «أدهم» لأوَّل مرَّةٍ منذ اتَّخذ قرار الهبوط أجهزة الملاحة تعمل بصورة طبيعيَّة … وشعروا أنَّ خُطَّة «أحمد» قد نجحت، إلا أنَّ «أحمد» لم يشعر بهذا النجاح إلا عندما رأى وجه «زائيفي» على شاشة جهاز توجيه الطائرة! نعم … ظهر وجه «زائيفي» على شاشة كمبيوتر الملاحة الإلكترونيَّة، وهو يقول لهم: ماذا تفعلون؟! ابتسم «أحمد» في زهوٍ، وقال: ليس أمامنا إلا هذا. ثار «زائيفي»، وانتفض جسده، وصرخ يقول في حِدَّة: إلى ماذا أيُّها المجنون؟ إنَّ معك مئات الأرواح! ضحك أحمد في سخرية، وقال له: أكنت تخطفنا من أجل هذه الأرواح؟! زائيفي: لقد كنت أريدكم أنتم فقط، ولم أكُن أنوي قتل أحد! كانت الطائرة تواصل الهبوط في سرعة مخيفة، ممَّا أثار «زائيفي» أكثر … فصرخ في هَلَع يقول: أوقفوا هذه المهزلة! فقال له «عثمان»: والثمن؟! همس «أدهم» ﻟ «أحمد» قائلًا: لم يعُد الوقت في صالحنا … لم يتبقَّ غير ثوان معدودة ونُعاود الصعود مرَّة أخرى … فقال له «أحمد» يُطمئنه: أمر قيادة الطائرة في يدك أنت، فاتَّخذ ما شئت فيه من قرارات. والتفت «عثمان» إلى إشارة لا سلكيَّة تحاول المرور بين موجات اتصال «زائيفي»، فنبَّه إليها «أدهم» الذي حملها على برنامج المؤازرة، وبعد ثوانٍ اتَّضحت الإشارة؛ إنَّها من برج مراقبة … وهنا صرخ كابتن «أدهم» رغم وقاره … صرخ من المفاجأة، وصرخ من الفرحة؛ فالأمل قد تضاعف عشرات المرَّات في النجاة. فالإشارات كانت من برج مراقبة مطار … أوه … إنَّه مطار «جنيف» الدولي يا «أحمد»! لم يُصدِّق «أحمد»، ولم يُصدِّق الشياطين … اعتدلت الطائرة بناءً على رغبة كابتن «أدهم»، اعتدلت بنعومة، بانسيابيَّة … اعتدلت بناءً على مهارة هذا القائد المحارب، وبناءً على رؤية هذا الزعيم المحارب «أحمد»، وأخذت في الهبوط وسط صيحات تهليل من الرُّكَّاب، وصيحات الغضب من «زائيفي» والتهديد والوعيد. وضحك الشياطين كثيرًا لهذه المصادفة؛ فعودة الطائرة من مسار الاختطاف كان في انحرافٍ وصل بها إلى «سويسرا». يا لكَ من تعيس يا «زائيفي»؛ فقد هُزمت من أوَّل نِزال بيننا … هكذا قال «عثمان». ويا لكَ من محظوظٍ يا كابتن «أدهم»؛ فقد وضعك هذا الاختبار في قلوب الشياطين وعقولهم. وعلى أرض المطار، هبطت الطائرة، وأرسل «أحمد» رسالةً إلى رقم «صفر» عَبْر ساعة يده يقول فيها: وصلنا إلى أرض العمليَّة بسلام. | {
"chapter": "مفاجأة مذهلة!",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "حرب الأقمار",
"url": "https://www.hindawi.org/books/15137531/6/"
} |
اليوم تنتهي إقامتي في مدينة نيس. اليوم أركب الطائرة متجهًا بها إلى أثينا عاصمة اليونان. استيقظتُ مبكرًا وأعددتُ حقائبي ثم خرجتُ أشاهد مدينة نيس في صحوة الصباح. حقًّا، ما أروعَكِ أيتها المرأة الفرنسية! وجدتُها في عملها مرتديةً أجمل الثياب وأبسطها. رأيتُها وهي تمشي متجهة إلى عملها، في غاية النشاط والقوة. رأيتُها راكبة الدراجة أو الموتوسيكل تُسابق بهما الريح في صرامةٍ وجديَّة غريبتَين مذهلتَين تُثيران الإعجاب. رأيتُها تقود سيارتها في هدوءٍ وثبات. كما رأيت الرجل أيضًا يحذو حَذْوها ويسعى سعيها. الجنسان أمام العمل عبيدٌ خدم. لم أجد حُبًّا وعناقًا. لم أجد غرامًا وعواطف، وإنما رأيتُ صورةً جديدة جديرة بكل احترام. رأيتُ فرنسا العاملة رائدة الحضارة. رأيت الجِد في أمتع صوره. فرنسا في الصباح، تختلف عنها في الليل تمام الاختلاف. إنهم يُعطون ما لقيصر لقيصر وما لله لله. إنهم بالنهار يجعلون السيطرة للعقل والفكر، وبالليل يرتعون مع الحب والخيال والعشق والهُيام. للعمل وقتٌ وللأهواء وقتٌ آخر. الساعة الآن السابعة صباحًا. الحركة قائمةٌ على قدَمٍ وساق. والسرعة سمةٌ من سمات حياة الصباح في فرنسا. لحياة العمل قدسيتُها واحترامُها. لم أجد تلكُّؤًا ولا تباطؤًا من أحد. لا من الرجل ولا من المرأة. بهذا حُقَّ لفرنسا أن تتقدَّم وتبلُغ ما بلغَتْه من مركزٍ مرموقٍ في الحضارة والرقي والقوة بين دول العالم. ليتك، يا سيدي القارئ، كنتَ معي لتنعم بما رأته عيناي. كنت وسط هذا الخِضَم من الحركة السريعة والسعي الدائب في دنيا العمل والإنتاج. انتهت التزاماتي قِبَل الفندق، وحملَني التاكسي بسرعة إلى المطار. كان المطار هادئًا، والحركة به ما زالت ضعيفة. وقفتُ أمام موظف الشركة. وزن الحقائب وقال: عندك عشرون كيلو زيادة في الوزن. قُلت: آسف يا سيدي. ولم أزد على هذه الجملة حرفًا واحدًا. كان هذا الموظف مهذبًا بصورة لا تصدَّق؛ فأنا شخصيًّا كِدتُ لا أصدِّق أُذني عندما قال: يمكنك أن تسافر. لم يطلب مني أجرًا إضافيًّا. والعجيب الغريب، أن مكتب هذا الموظف المتسامح والدمِث الأخلاق بمعنى الكلمة، ملاصقٌ لمكتب تلك الموظفة التي سبق أن أصرَّت على أن أدفع أجر الوزن الزائد، وغرَّمتني ٧١ فرنكًا ضاعت مني سُدًى. سبحان الله! النقيضان متجاوران يؤديان عملًا واحدًا لشركةٍ واحدة؛ أحدهما يُنفِّرك من التعامل مع الشركة، والآخر يُحبِّبك في نفس الشركة، ويُقرِّبك إليها، أو بمعنًى أصح يقرِّبها إلى قلبك ويشجِّعك على التعامل معها. والغريب أن الخشونة صدَرَت من الجنس اللطيف بينما صدَرَت الرقة من الجنس الخشن. هذا قلبٌ صارخٌ للأوضاع. على الأقل، كان هذا شعوري في كلتا الحالتَين. أنا الآن في قاعة الانتظار بالمطار. سألَتني عاملة النظافة إن كنتُ من الجزائر. قُلت: لا، بل من مصر. فقالت: أنا من الجزائر. فتحدَّثتُ إليها باللغة العربية، فسُرَّت كثيرًا. انضمَّت إليها زميلتُها الجزائرية أيضًا، وراحتا تتكلمان معي بضع دقائق، لا أكثر ولا أقل. وفجأة ظهَرَت رئيستهما الفرنسية، فقالت لهما: ما الخطب؟ قالتا: وجدنا رجلًا عربيًّا. قالت بصرامة، ولكن في هدوء: الكلام مع المسافرين محظور. هيَّا إلى العمل. وفي الحال تركتني العاملتان دون كلمة وداع. أنا الآن على متن الطائرة، أو على الأصح في جوف الطائرة، التي ستطير بي على متن الريح وتهبط بي في أثينا. الطائرة كاملة العدد. كلنا متجهون إلى أثينا أرض الأبطال والآلهة القدامى والأساطير الجميلة. مرةً أخرى أطير على متن طائرة كارافيل ذات مائة مقعد، من لونٍ بمبني جميل. كافة الركاب صامتون ما خلا مجموعةً من العرب العراقيين. لا تسمع إلا أصواتهم وأحاديثهم بلهجتهم العربية الحبيبة إلى النفس. هكذا العرب في كل مكان. لا يرضخون لقانون، ولا يُعيرون مشاعر الغير أي اهتمام. حتى المضيفات لا يتحدَّثن، وإن تحدَّثن فإنما بصوتٍ خفيض لا يسمعه إلا من يعنيه الحديث وحده. آداب الطائرات كآداب دور السينما والمسارح. من الضروري مراعاتها واحترامها والتمسك بها إلى أقصى الحدود. إننا نتصور أننا وحدنا نملك الكون، وبأموالنا نشتري حرية الناس. يحترم أهل الغرب حرية الغير ومشاعره، أولًا، ويحرصون كل الحرص على عدم الاعتداء عليها مهما كلَّفهم الأمر. والأمر لا يكلِّفهم شيئًا؛ فقد نشئوا على ذلك التقليد الحميد، وشبُّوا على هذا الخلق الكريم. غرَسَه الآباء في نفوس أولادهم، وساعدَتْهم المدرسة في غرس هذا المفهوم المشكور. لم يكتفوا بتعليمهم، منذ نعومة أظفارهم، آداب الحديث والسلوك في الملاهي ودور السينما، بل وعلَّموهم أيضًا آداب السير في الطريق وآداب المائدة، واحترام الشارع والحديقة والنبتة والحيوان، وغير ذلك الكثير العديد. تأخَّر قيام الطائرة عن موعدها المحدَّد، ولكن المضيفة لم يفُتها أن تُعلن لنا عن سبب التأخير قائلة: تأخَّرنا عن موعد القيام بسبب كثرة الحقائب التي ستحملها الطائرة. شحنُها في داخل الطائرة هو سبب التأخير. أرى المضيفات يعملن بلا توقف. العمل على متن الطائرة شاقٌّ مرهق جدًّا. على المضيفة أن تخدم عشراتٍ وعشراتٍ من الركاب. عليها أن تؤدي لهم كل ما يعمل على راحتهم وكل ما يطلبونه منها. هناك واجباتٌ محدَّدة رسمتها لها الشركة، غير أن هناك طوارئ وطلبات قد تُفاجأ بها المضيفة، وعليها أن تتصرف وتبُتَّ فيها بإجراءٍ مفيدٍ مقنع. تحرَّكَت الطائرة بعد أن تأخَّرَت نصف ساعة تقريبًا. يقف مضيف ومضيفة في الممر، ويحاولا أن يصفا لنا كيفية استخدام حُلَل النجاة في حالة تعرُّض الطائرة لخطر السقوط. هذه التعليمات لا بد منها متى ركب الإنسان طائرة. وأعتقد أن أحدًا لن يستفيد منها شيئًا؛ فلم نسمع قط أن أحدًا نجا من الموت في حادث سقوط طائرة لأنه استخدم هذه الحُلَّة. هي عادةً بلونٍ برتقالي وتنتفخُ تلقائيًّا متى جذَب الإنسان سلسلةً معيَّنة مثبَّتة بها. كما أن لها منفاخًا احتياطيًّا يمكن استخدامه بالفم عندما يتعطل المنفاخ الآلي «يا سلام على روقان البال وجمال الخيال، وجلائل الأعمال والأشغال …» نسيتُ أن أقول لك إن هذه الحُلَّة مثبتةٌ أسفل مقعد الراكب، وعملية إخراجها شاقةٌ ومعقَّدة، فما بال باقي الخطوات والعمليات والمهام الصالحات لسلامة الروح والحياة الممتلكات؟ ومن سيُفكِّر في ذلك وقتَ الفزع والهلع والصُّراخ والعويل عند الإحساس بسقوط الطائرة واختلاط الحابل بالنابل؟ وهل إذا سقطَت الطائرة سيكون هناك متسعٌ في الوقت لإخراج الحُلَّة وارتدائها ونفخها؟ وهل سيكون كل شخص وقتئذٍ في مكانه ليقوم بذلك؟ ما هي إلا بضع ثوانٍ معدودات وترتطم الطائرة بالأرض وتشتعل فيها النيران، وسيكون الركاب مكدَّسين بعضهم فوق بعض. هذا إجراء لم يفكِّر فيه المسئولون تفكيرًا سليمًا. قام بيني وبين راكبة فرنسية رقيقة ولطيفة المنظر والمعشر، حديثٌ خاطف سريع. فهمتُ منها أنها ستطير من نيس إلى جزيرة كورفو باليونان لقضاء يومٍ واحد لإنجاز بعض الأعمال. هكذا تُنجز الأعمال في الخارج، بالطائرات. صورةٌ أخرى من كفاح المرأة الفرنسية العاملة التي تركب الصعب حتى ولو كان في قلب الفضاء كي تنجز الأعمال. إن هذه الرحلة، بكل تكاليفها، ستعود عليها وعلى وطنها بالمال وبالخير والرخاء. جاءتنا المضيفاتُ بالطعام وكان لذيذًا شهيًّا، وبكميات وافرة؛ دجاج ولحوم وخضر وسلطة وجبن وزبد ومياه معدنية وقهوة. كان كل شيء مُعبَّأً بطريقةٍ جذابةٍ وفي نظافةٍ تامة. أكلنا جميعًا بشهية، وأحسَسْنا كلنا بأن شركة إير فرانس لا تني أو تدَّخر جهدًا في تقديم أفضل ما عندها لراحة ركَّابها وسرورهم. امتدَّ الحديث بيني وبين الراكبة اليونانية الرقيقة «كانوني فوتيني». إنها صورةٌ حية للدعة اليونانية والرقي في التعامل الإنساني. قالت: أنا الآن في الخامسة والعشرين من عمري، لا أفكِّر في الزواج، ولكنني أريد أن أعيش لنفسي، أرى الدنيا وأتعلم منها. إنني من عائلةٍ محافظة، قلما أختلط بالجنس الآخر. كنتُ في باريس أزور خالتي فمكثتُ معها شهرًا، وأنا الآن أعود إلى بيت والدي الذي يبعُد عن مدينة أثينا بمسافة خمسة عشر كيلومترًا. تتكلم فوتيني هذه، الإنجليزية والفرنسية بمنتهى الطلاقة. قالت: سأنتهي في العام القادم من دراستي وسأعمل في التدريس، ولكني لن أدخر وسعًا في الاستزادة في العلم والمعرفة بالقراءة والرحلات. ومن يدري؟ فقد أزور مصر في إحدى رحلاتي؛ فأنا كيونانية أعرف الرباط القوي الذي يربط أرضَ مصر بأرضِ اليونان منذ قديم الزمان؛ فتاريخانا مرتبطان وعقائدنا القديمة تكاد تكون متشابهة. كانت فوتيني صادقةً في كلماتها وعباراتها، فتبادلنا العناوين ونحن سعيدان. حان موعد الخروج من الطائرة. كانت الرحلة طيبةً هادئةً مطمئنة، فسلَّمتُ على فوتيني مُودِّعًا، كما سلَّمتُ على الفرنسية أودِّعها قبل مغادرتي الطائرة. وعلى أرض المطار ذهب كلٌّ منا إلى حال سبيله مُتجهًا وجهتَه التي يقصدها. ومن يدري؟ ربما التقيتُ بهما أو بإحداهما بدل المرة مرات؛ فالعالم اليوم وطن الجميع. وأنا كنابليون، لا أومن بالمستحيل. | {
"chapter": "إلى اليونان بقلبٍ فرحان عمران",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "حياتي في رحلاتي",
"url": "https://www.hindawi.org/books/94185305/14/"
} |
غادر التاكسي عند مدخل شارع حسن عيد. الضحى ارتفع والشمس تريق أشعة حامية من سماء باهتة، ودفقات متابعة من الخماسين، تزيد من الحرارة وتثير الغبار، وتنفث الضيق والكدر. تغير كل شيء بقوة تفوق الخيال. الطريق من محطة مصر حتى هنا يكشف قاهرة أخرى. أين ذهبت القاهرة التي عاش فيها منذ نيف وخمسين عامًا؟ جُنت بالزحام والسيارات والصراخ والدمامة. ليس وجهه وحده الذي عبث به الزمن. وهو متوسط القامة نحيلها، معروق الوجه، أصلع، شائب العذار والشارب. مطوق العينين والفم بالغضون، يتوكأ على عصًا، ويتمتع بنشاط يُحسد عليه بالقياس إلى سنِّه. ها هو قد رجع بعد عمر طويل فما الأمل؟ لم يرجعه عقل أو منطق، ولكن نداء خفي مُلحٌّ متعب مبدد للراحة، قال له: اذهب وانظر وافعل شيئًا ما، لعله يجعل نومك أعمق. وشارع حسن عيد يتراءى في تكوين جديد. حتى اسمه امحى من الوجود وحل محله اسم جديد هو الشهيد مصطفى إبراهيم، وعلى الجانبين قامت العمائر العالية، وتراصَّت في أسفلها الدكاكين، وماج الطريق بالزبائن. إنه سوق ولا أثر للبيوت القديمة والهدوء الشامل والذكريات المتلاشية كحلم. نداء عقيم، ساقه بلا وعي. وسيتمخض عن لا شيء. واتجه نحو العمارة الأخيرة في الجانب الأيمن، هنا قام يومًا البيت القديم. كأن الشارع لم يُكنس منذ جيل، والخماسين تشتد وتحمَى منذرة بالمزيد من الإرهاق. وحنَّ إلى متجره في الريف، والأولاد والبيت الذي اضطر إلى الابتعاد عنه بعد إقامة نصف قرن. بواب العمارة مشغول ببيع الفاكهة في مدخل العمارة معروضة على رف طويل تحت صناديق البريد ما بين برتقال وموز وليمون. وقعت عيناه على عينيه، فانتبه الرجل متوقعًا زبونًا جديدًا فحياه بسرعة وقال: هل تعرف عم محمد الشماع أو أي أحد من أسرته؟ فتر إقبال الرجل، وقال: لا أعرف أحدًا بهذا الاسم. – كان يقيم في البيت القديم الذي شُيدت هذه العمارة محله؟ – هذه العمارة قائمة منذ أربعين عامًا! – لعل أحدًا بهذا الاسم في عمارة أخرى؟ – لا أظن، وعليك أن تتأكد بنفسك بسؤال البوابين. دورة من العناء والضجر واليأس ولا أحد يعرف الشماع أو أسرته. كانوا أسرة كاملة مكونة من أب وأم وأخ وأخت. مَن رحل يا تُرى ومَن بقي؟! ونصف قرن — بل أكثر — ليس بالزمن القليل، عمر طويل دالت فيه دول وقامت دول. وهل تنسى أيام التعاسة الأولى، أيام القحط والأزمة؟ وإن يكن جيل مضى ألم يخلف جيلًا جديدًا؟ ألا توجد همزة وصل تصل ما بينه وبين ذلك الزمن الغابر؟ هل يرجع كما جاء؛ ليجد الذكريات فوق فراشه ترصده بنظراتها الباردة القاسية؟ ورجع إلى الشارع العمومي، فشعر بالعرق ينساب على جسده خطوطًا لاذعة تحت جلبابه المخطط، واشتدت الخماسين واكفهرت وأثارت مزيدًا من التراب فحجب الأفق عن الرؤية. لا مفر من الانتظار حتى المساء؛ ليعود مع قطار الصعيد. وقت طويل والتسكع لا يحلو في مثل هذا اليوم. تُرى أين أصحاب الشباب ومَن بقي منهم على قيد الحياة؟ لعل عند أحدهم نبأ عما يبحث عنه، ولكن أين هم؟ وهل ما زالوا يتذكرونه؟ لا. لا .. بحث عقيم عن أناس اقتُلعوا تمامًا من وجدانه، وكأنهم ماتوا وشبعوا موتًا. حتى أغاني ذلك الزمان لم تعد تُطرب أحدًا وتثير السخرية. وخطر له خاطر لا يدري من أين جاء، أن يزور المدفن القديم، ومِن توِّه مضى إلى باب النصر. وجد القرافة عامرة بالسكان كما قرأ في الصحف، أصبحت في موسم دائم. ولكن حوشهم نجا لصغره؛ إذ كان يحوي قبرًا واحدًا، وخاليًا من المرافق والمياه، ولا يكاد يتسع لواقفَين أو ثلاثة. وسأل عن التربي الذي نسِي اسمه تمامًا فجاء عجوز يسعى، في سن أبيه لو كان على قيد الحياة، ولعله ظن أنه استُدعيَ لرزق جديد. اطمأن إلى شيخوخة الرجل، وحدس أن يعرف من خلالها أشياء. وبعد تحيته سأله: حوش الشماع؟ – نعم. – إني أسأل عنه، أو عن أي فرد من أسرته. انطفأ وميض الأمل في عيني الرجل وسأله: مَن حضرتك؟ – صديق قديم، ويهمني جدًّا أن أهتدي إلى أي فرد من الأسرة. – كنت على معرفة وطيدة بعم محمد الشماع الله يرحمه. – مات؟! – ورقد في هذا القبر منذ أكثر من خمسين عامًا! – والست الكبيرة؟ – لحقت به بعد عام أو عامين. – وماذا عن الآخرين؟ – لم يُفتح القبر منذ وفاة الست … ولا علم لي عن الآخرين. – كان للمرحوم ابن وبنت. – كان له ابنان وبنت! خفق قلبه وهو يتساءل: ابنان؟! – الابن الأصغر، ربنا يجحمه حيث يكون. – لماذا؟ – ولد فاسد شرير، كان يعمل في الدكان مع أبيه وأخيه، وفي عز الأزمة سرق الخزانة وهرب، ولم يُسمع عنه خبر بعد ذلك. – أعوذ بالله، لا شك أنه تركهم لأيام عسيرة. – محنة وفقر وتسول، سرعان ما مات الرجل كمدًا، ولحقت به امرأته. أنجب شیطانًا، ولا شك في أن الله قد انتقم منه شر انتقام. نظر إلى القبر مليًّا، ثم رفع بصره إلى السماء المغبرة، وهمس: شكرًا. فقال الرجل: ربنا يدلك على ابن الحلال ليرشدك إلى ما تريد. وحيَّاه وانصرف. سار كالأعمى لا يرى ما بين يديه. | {
"chapter": "يرغب في النوم",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "الفجر الكاذب",
"url": "https://www.hindawi.org/books/42814840/3/"
} |
أثارت مخاوف «برقوق» ارتياح الشياطين … فقد أصبح متعاطفًا مع المنظمة وأهدافها ورسالتها. لقد طمأنه «أحمد» لأن كل الطرق المؤدية إلى المقر مراقبة عن بُعد … ولم تسجل أيًّا من أجهزة المراقبة أو الرصد اختراقًا لحدود المقر الأمنية. وعليهم الآن أن يتفرغوا للانتهاء من هذه المهمة … وتحديد هوية «حصان طروادة» الذي سيتسلل الشياطين عبره إلى الجبَّانة. كان «أحمد» يتابع «ريما» منذ وقت ليس بالقصير دون أن تلاحظ … أما هو فقد لاحظ أنها مكثت شاردةً لفترة طويلة وهو ما لا يحدث عادة … فظن بها خيرًا، وتمنى أن تكون عند حسن ظنه … فسألها سؤالًا مباغتًا بقوله: هل وصلت للحل؟! فانتبهت له وقالت: نعم الحل في المومياوات. انتفض «أحمد» واقفًا … وصاح في أصدقائه يطلب منهم الهدوء … ﻓ «ريما» تقول كلامًا غير تقليدي … وعاد يقول لها: أكملي يا «ريما». خرجت «ريما» من شرودها وأكملت قائلةً: إن «حصان طروادة» المناسب لنشاط هؤلاء الرجال … والمناسب للمكان المقيمين فيه هو المومياوات … وتماثيل الفراعنة. صاح «بو عمير» معترضًا فهو حل تعجيزي … فمَن ذلك الذي يستطيع الوصول إلى صُنع مومياء تخدع هؤلاء المتمرسين … وكيف سيُعطيها البُعد الزمني لمومياوات ما قبل التاريخ وعلَّق «عثمان» قائلًا: إنه حل خيالي للغاية يا صديقي «أحمد» … فهل عندك استعداد لأن تنام في إحدى هذه المومياوات لساعات طويلة أو قصيرة. لم يعلِّق «أحمد» … فقد شعر أن هذا الحل غير التقليدي … فجَّر عند زملائه طاقةً مُثمِرة … تبدأ بالاعتراض … وستنتهي لحل أكيد. ورغم تعاطف «إلهام» مع هذا الحل غير التقليدي ومع صاحبته، فإنها ترى أنه غير واقعي مع كل ما يثيره من مستحيلات، في براعة صنع هذه المومياوات وتقنية الوصول بظاهرها إلى عُمر زمني يجاوز الألفَي عام … حتى ولو كانت هذه الخدعة لساعات … مع خطورة النوم داخل تلك المومياوات مع صعوبة إقناع هؤلاء الرجال المتمرسين بأن جبَّانة واحدة خرج منها كلُّ ذلك العدد من المومياوات … وغيره الكثير. لم يلُمْ «أحمد» أحدًا من زملائه على عدم التحمُّس للفكرة … فهو نفسه حتى الآن لا يعرف كيف سيلملم كل هذه التفاصيل … غير أنه تعوَّد على أن كل فكرة عبقرية تستحق الخوض في تفاصيلها حتى ولو كانت نسبة معقوليتها ضئيلة للغاية. فقال لهم: هل يمكننا أن نناقش مدى معقولية الفكرة؟ اندفع «مصباح» يقول: ليس بها نسبة معقولية بالمرة. غير أن «باسم» قال: إنها لن تكون أغرب ولا أخطر من ارتداء حزام ناسف لتفجيره في موقع أمني للعدو. وهنا تدخل «أحمد» قائلًا: ونحن لا نحتاج لوقت طويل لإنهاء العملية … بل كلها بضع ساعات … لن يتمكنوا فيها من اكتشاف الخدعة. وكان ﻟ «قيس» ما يقوله … فتحدث قائلًا: أما عن النوم داخل المومياء واحتماله … فهذا ممكن … أولًا بتوفير تقنيات حديثة تُمكِّننا من التنفُّس والحصول على حاجتنا من السوائل في الطوارئ … وهنا تدخَّل «أحمد» قائلًا: يُمكن بسهولة توفير الأكسجين لفترة طويلة وكذلك درجة الحرارة المناسبة والتدليك المستمر لعضلات الجسم … كل هذا بواسطة أجهزة صغيرة للغاية. بدأت الفكرة تبدو أكثر معقولية للشياطين … وبدأت نبرة الاعتراض العالية تهدأ … وهنا طرح «أحمد» رؤيته في أن يعرضوا طلباتهم هذه على مركز بحوث المقر … وعليهم بعد ذلك انتظار النتيجة التي سيترتب عليها إما استكمال العملية للنهاية أو البحث عن «حصان طروادة» آخَر … أو إلغاء فكرة «حصان طروادة» هذه تمامًا. وبالفعل قام الشياطين جميعهم بإعداد تقرير وافٍ عن الفكرة … وأعدوا منه عدة نسخ … كان من نصيب إدارة الدراسات الأمنية نسخة … ومركز بحوث المقر نسخة … وأرسلوا إلى قيادة المنظمة نسخة. وفي الثامنة من مساء نفس اليوم … قام رقم «صفر» باستدعائهم عبر ساعاتهم فتوجهوا إلى قاعة الاجتماعات الصغرى … فوجدوا أجهزة الكمبيوتر دائرة وشاشاتها مُضاءة. وما إن جلسوا جميعًا خلفها … حتى أعطى «أحمد» التمام لرقم «صفر» فتغير لون الشاشة … وتحولت إلى مربعات متداخلة … بدأت ترسم وجه رقم «صفر» غير مُحدَّد الملامح … وسمعوا أخيرًا صوته يقول لهم: مساء الخير عليكم! لقد سبق ووعدتكم بأن الخطة العبقرية التي ستعرض عليَّ سأدعمها أنا والمنظمة بكل أنواع الدعم … ولن نبخل عليها بشيء. وقد حدث وعرضتم علينا فكرة غير تقليدية … ورغم نسبة المخاطرة العالية بها … فإنها قابلة للدراسة … والتأمين … وتقليل المخاطر. ونحن بدورنا سندعمكم فيها جيدًا … ويكفي أن تعرفوا أن قيادات أمنية وسياسية كبيرة في البلد تُقدِّر لكم هذا الجهد … وتقف خلفكم بكل قوة … وقد حصلنا على وعد ﻟ «برقوق» بإسقاط جميع التهم المنسوبة إليه … واستخراج صحيفة حالة جنائية له نظيفة تمامًا … بل والاستعانة به بعد ذلك كعميل للمنظمة. الآن عليكم استكمال الخطة … وغدًا مساءً سوف يُبلغكم مركز بحوث المقر والإدارة الهندسية بالنتيجة التي وصلوا إليها … وفقكم الله … إلى اللقاء! وهكذا أصبحت الفكرة العبقرية ﻟ «ريما» تحظى بحفاوة الجميع … وأصبحت «ريما» أكثر أعضاء الشياطين رقة وبراءة … ومحط أنظار زملائها وقياداتها في المنظمة وهذا دافع جيد للباقين للإجادة والإبداع. كانت الكاميرات في هذه الأثناء تنقل ما يدور في منطقة الجبَّانات المهجورة … فهذه المنطقة قد تم استخراج ما بها من آثار … وأُهملت منذ زمن بعيد، غيرَ أن نشاط مهرِّبي الآثار هناك يُنبئ عن أن هذه المنطقة ما زالت تعج بالآثار … وما زال بها الخير الكثير. ولفت نظر «أحمد» بعض الأوعية التي صُنعت من سعف النخيل وقد رآها تنتقل بين أيدي الرجال كثيرًا في هذه المنطقة. وقد أثاره تفاوت أحجامها تفاوتًا للاستفهام. والإجابة الوحيدة عن هذا الاستفهام … هي أنها تُصنع مناسبة لحجم التماثيل أو القلائد أو اللوحة الجدارية المراد تهريبها دون أن يدري أحد … فهذه الأوعية أو السلال … تُصنع خِصِّيصَى لتعبئة البلح … وأهل «مطروح» معتادون أن يروها. كانت هذه معلومة مُهمة تستحق الاتصال برقم «صفر» … وليُصبح المسرح مُعَدًّا إعدادًا جيدًا للانتهاء من هذه المجموعة التي تُعَدُّ أخطر عصابة لتجارة وتهريب الآثار. غير أنه آثَر أن ينتظر لحين اجتماع رقم «صفر» بهم في مساء اليوم التالي … فالأمر ليس بهذه العجلة. وفي اليوم التالي … تحدَّث «أحمد» كثيرًا مع «برقوق» عن طريقة هذه العصابات في نقل الآثار والتحرك بها … ونوع السيارة التي سيحتاجونها لذلك … وكيف سيتم الاتصال بهم لعرض الآثار عليهم. فقال «أحمد» مُعقِّبًا: هذا يعني بقاءنا تحت الرمل لفترة طويلة مما يُعرضنا لخطر الاختناق … فقد لا يكفي ما لدينا من أكسجين. برقوق: لن ينام أحد في التابوت إلا بعد الاتفاق على شرائه وتحديد موعد تسليمه. أحمد: ومَن سيعرض هذه التوابيت للبيع؟! وكانت مفاجأة سارة ﻟ «أحمد» حين قال له «برقوق»: أنا الذي سأعرضها. في مساء نفس اليوم قام رقم «صفر» بالاتصال ﺑ «أحمد» وأبلغه أنهم تمكنوا من صُنع تابوت لوزير فرعوني … اكتُشفَت جبَّانته فارغة منذ عشرات السنين … وقد زوده بكل التقنيات التي تساعد النائم بداخله على المكوث لأربع ساعات لا أكثر … ويتم فتحه من الداخل بقفل إلكتروني. واستجابةً لطلب «أحمد» تم إرسال أربع صور له بها أربعة توابيت كان «برقوق» قد طلبها منه لعرضها على التجار. وفي صبيحة اليوم التالي خرج «برقوق» وحده مصحوبًا بثقة الجميع … وبأنه لن يخون ويبيعهم لهؤلاء المهربين. خرج «برقوق» ومعه صور لبعض التوابيت ليعرضها على سماسرة يعرفهم هو … وهؤلاء السماسرة لهم علاقة بعصابة الجبَّانة. ومرت ساعة وساعتان … ولم يأتِ «برقوق» وانتصفت الشمس في السماء … ولم يأتِ «برقوق». فهل خانهم «برقوق»؟ ورغم أن «أحمد» يعرف كيف يتجنب التوتر … فإن زملاءه رأوه في هذا اليوم متوترًا للغاية … فكل ما يشغل الأجهزة الأمنية ومراكز بحوث المقر والمعامل والورش … يتوقف على مدى صدق وأمانة هذا الرجل … فهل سيصدق أم سيضع مستقبل «أحمد» في مهب الريح. لم يكن من الحكمة ترك «برقوق» يتحرك دون رقابة ومتابعة … أو تحييده إلكترونيًّا … بزرع شرائح لا يمكنه نزعها وحده تمكنهم من سماعه، هكذا ظل «أحمد» يلوم نفسه حتى اقتربت الشمس من المغيب … فقام بالاتصال برقم «صفر» وأخبره أن العملية كلها قد تتعرض للإلغاء … وحكى له عن سبب قلقه … وقبل أن يبدي رقم «صفر» رأيه فيما رواه له … كان «برقوق» يقف أمامه ويحييه تحية عسكرية شعر «أحمد» منها أنه نجح في إتمام مهمته … فأبلغ رقم «صفر» بذلك … فطلب منه إعادة الاتصال لاحقًا … وتمنى له التوفيق. اصطحب «أحمد» «برقوق» إلى غرفة خاصة شديدة الهدوء قليلة الأثاث … مُضاءة جيدًا … فأجلسه أمامه على مقعد مقابل لمقعده … وكانت بينهما مائدة وُضع عليها جهاز تسجيل إلكتروني في حجم عُلبة الكبريت … وقد ظنه «برقوق» محمولًا متطورًا. وبدأ يسأله «أحمد» قائلًا: هل قابلتهم؟ برقوق: نعم! أحمد: كم كان عددهم؟! برقوق: اثنان! أحمد: ولماذا تأخرت؟ برقوق: لأنهم كانوا في «القاهرة» ولم يحضروا إلا في منتصف النهار. أحمد: واتفقتم؟ برقوق: لا … فالاتفاق سيكون مع أحدكم … وسيكون الحديث عن ملايين الدولارات. | {
"chapter": "الفكرة العبقرية!",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "حصان طروادة",
"url": "https://www.hindawi.org/books/52759097/5/"
} |
إنَّ ما يُثير الطفل وهو مُقبل على ذلك البيت، التمساح المحنَّط المعلَّق بالجدار، فوق هامة الباب. تبع أمه وهي تدخل، ثم وهي تميل إلى الحجرة على يسار الداخل. حيَّت المرأة، وجلَستْ على كنبةٍ جاذبةً ابنها للجلوس إلى جانبها. ترتدي ملاءة لف وبُرقعًا ذا عروسٍ مذهبة، والطفل يرتدي جلبابًا، وجاكتة، وطاقية، وصندلًا. قالت بعد أن نزعَت بُرقعها: إن شاء الله تكونُ أحسن. ووقفَت قاطعة المسافة القصيرة بين الكنبة والفِراش المقابل لها في خطوتَين لتضع لفَّةً تحملها، ثم تمتمَت وهي تَرجعُ إلى مجلسها: جئتُكَ بالفطائر والبرتقال. أجاب في إعياء الرجل الراقد فوق الفِراش: ربنا لا يحرمني منك يا امرأة خالي. الحجرة صغيرة، مغطَّاة أرضها بكليمٍ مُزَرْكَش قديم، الفراش ذو أعمدةٍ نُحاسية، وإلى اليمين دولاب تستقر على سطحه نارجيلة وعود. الطفل مُعْجَب دائمًا بالنارجيلة، وزجاج قارورتها الملوَّن، كما يُذكِّره العود بالألحان؛ فهو يُحب الغناء على حداثة سنه. وثمَّة نافذةٌ نصف مفتوحة تُطِل على الطريق الضيِّق، ومن خلالها تُرى رءوس المارَّة. لم يَخفَ على المرأة تدهور صحة الرجل، تجلَّت عظام وجهه وشَحبَ لونه، وتوارى شبابه وراء غمامةٍ كئيبة. سأل الراقد: كيف حالكم يا امرأة خالي؟ – نحمده، شد حيلك أنت. فأسدلَ جفنَيه قائلًا: لا أمل في الشفاء یا امرأة خالي. – ربك كبير، ويأمر إذا أمر بالشفاء فلا رادَّ لأمره، وأم عبده .. ألا تواظب على المجيء؟ – تُنظِّف الحجرة، وتُعِدُّ اللُّقمة، ثم تتركُني لوحدتي، أمَّا أبي فنادرًا ما يزورني، غفر الله له، استعبدَته المرأة، وما كان كان، البركة في خالي وامرأته وأولاده. وانطلَق الطفل يقول بصوته المسرسع: كنتَ تزورنا وتضربُ على العود، وتُغنِّي، متی تزورنا؟ فتَر ثغر المريض عن ابتسامةٍ أخفى من السر، وقالت المرأة: إن شاء الله ترجع الأيام الطيِّبة. حتى الطفل لم يغب عنه الفارق الكبير بين الراقد أمامه، وبين القديم بشبابه ورونقه وضحكته العالية، وصوته وهو يغني: وحطَّ الصمت فترة، والمرأة تتلو في باطنها آياتٍ من القرآن الكريم، حتى قال المريض: ما زالت المرأة القاسية تتسلَّل من حينٍ لآخر إلى النافذة لتُلقي عليَّ نظرةً مُتلهفة على موتي! وهتفَت المرأة: لا حول ولا قوة إلا بالله، ولكن الحق على والدك، وربك كبير، ورحمته فوق كيد الكائدين. واستغرق الطفل في أفكاره فسألَه: متى تزورنا وتُغنِّي «يا ريت زماني مرة»؟! | {
"chapter": "العود والنارجيلة",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "القرار الأخير",
"url": "https://www.hindawi.org/books/37158095/23/"
} |
لم يحتدَّ الموقف بين «أحمد» والقبطان لأكثر من دقيقة … فقد سقطَت أمتعتُهم على سطح المركب … وبمجرد أن رآها القبطان … حتى أشار لبحَّارته … فأحاطوا بها وحملوها إليه … فتدخَّل الشياطين معترضين … فحاول البحارة منْعَهم … فكادوا يشتبكون معهم … فتدخَّل «شهيب» ليُقنعَهم بعدم الاحتكاك بالبحارة … فقال له «أحمد»: هل توافق على سرقة أمتعتنا؟ زمجر القبطان غاضبًا وقال له: إن لم تُحسن كلماتِك فسأُلقي بك في البحر … فتصدَّى «أحمد» في جرأة قائلًا: وبماذا تسمِّي ما تفعله أنت ورجالك؟! القبطان: إن لنا عندكم مائتي ألف دولار … أحمد: وهل تظنُّ أن لدينا في هذه الحقائب مائتي ألف دولار؟! القبطان: بالطبع لا … ولكني سآخُذ كلَّ ما له قيمة معكم. أحمد: لن نُعطيَك شيئًا … وبينك وبين هذا الرجل اتفاق يجب أن تحترمَه … وأشار إلى «شهيب» الذي أعطاهم ظهره … ولم يتدخل فيما يحدث … فقال القبطان: إن من حقي أن أعرف ماذا أحمل على ظهر سفينتي. نظر «أحمد» إلى زملائه ثم قال: نعم هذا حقك … فهل معنى هذا أنك ستفتشنا؟ القبطان: ألم تعترف أنه حقي؟! أحمد: إذا كنت مصرًّا … فدَعْنا نفتح لك الحقائب. أشار القبطان للبحارة بالابتعاد، وقال: لا مانع عندي … وقام «أحمد» بفتح حقيبته وأخرج منها ملابسه وأدوات النظافة والاستحمام، فقال القبطان معلقًا: أهذا كل شيء؟! نظر له «أحمد» وقال: هل كنت تنتظر شيئًا آخر … القبطان: ألم تأتوا للقبض على زعيم «فهود الصحراء»؟! أمسك «البيرق» ذراعَ «شهيب» في عنفٍ وقال له: مَن أخبر هذا الرجل بما يقوله؟ سحب «شهيب» ذراعَه من قبضة «البيرق» وذهب إلى القبطان وانتحى به جانبًا وتحدَّث معه كثيرًا … ثم تركه وعاد إلى الشياطين وقال له: القبطان يعتذر لكم. صرخ القبطان في وحشية قائلًا: أنا لا أعتذر لأحد أيها الأحمق. شعر «أحمد» أن «شهيب» ضائع بينهم … وأن الصراع الآن بينهم وبين هذا القبطان المغرور … وأن هذا الرجل قبض ثمنهم قبل أن يراهم … وأنه حتى لو كان قد حصل على المقابل الذي اتفقوا عليه … فإنه سيُسلِّمهم إلى «فهود الصحراء». معنى هذا أن «فهود الصحراء» قريبون منهم جدًّا … وقد يكون مقرُّ قيادتهم على بُعد أميال وأن هذه السفينة ترسو هناك … وتحمل لهم كلَّ سُبُلِ عيشهم، ولكبر حجم السفينة فقد تخيلَت «ريما» أن «فهود الصحراء» لهم على متنها مقرٌّ متحرك لا يمكن لأحد اكتشافه … ولا يمكن لأحد القبض عليهم … وبصعوبة استطاعَت «ريما» الانفراد بأُذُنِ «أحمد» وأسرَّت له بما تشكُّ فيه. وتغيَّرَت أولوياتُ «أحمد» عندما سَمِع ما تقول «ريما»؛ فقد رأى أنه احتمال معقول والدليل على ذلك ما يفعله هذا القبطان معهم … وفي قرارة نفسه اتخذ قرارًا بالمواجهة … ونظر إلى «بو عمير» مستفهمًا … فأشار له بأنه جاهز للاشتباك وكذلك «إلهام» و«ريما»، وكان لا بد أن يفهم «بو عمير» شيئًا ما … فاقترب من «ريما» وقال لها: هل هناك ما لا أعرفه؟! فقالت له «ريما»: نحن نشكُّ أن «فهود الصحراء» على ظهر السفينة. فَهِم «بو عمير» سببَ استعداد «أحمد» للمواجهة … وكان عليه أن يناور ليحصل على أسلحته من حقيبته المغلقة … فقال للقبطان: طبعًا حقيبتي ليس بها ما يريب؟ نظر له القبطان في شكٍّ وقال له: وكيف أعلم … فلَحِقَه «بو عمير» قائلًا: هل أفتحها لك؟ وفي استخفاف قال له: أرجوك! فتح «بو عمير» الحقيبة، وأخرج كلَّ ما بها ما عدا شيئًا واحدًا إذا تمَّ تركيبُه مع هذه الأجزاء المفككة والتي ظنَّها القبطان آلاتِ تدليك … لتحوَّلَت إلى سلاح فتاك. وعندما التفت القبطان إلى «إلهام» كان «بو عمير» قد جمع أجزاء سلاحه … وأصبح جاهزًا للاستعمال … وكذلك «أحمد» الذي رفع بندقيته النصف آلية إلى مستوى وسطه وصرخ في القبطان قائلًا: أيمكنك التنحِّي وترك القيادة لنا؟ لم يَبدُ على القبطان الانزعاج الشديد … وكأنه ينتظر النجدة من مكان قريب جدًّا … وفي استعلاء شديد واستخفاف بمن حوله قال ﻟ «أحمد»: اترك أيها الشاب اللعبة التي في يدك حتى لا تؤذيَ نفسك. لم تُعجب هذه اللهجة «أحمد» أو المفروض هذا … فأطلق في الهواء رصاصتَين لإخضاع القبطان، غير أنه كان يقصد نتيجةً أخرى تمامًا … لقد كان يقصد إخراجَ الدبابير من أعشاشها. وصرخ القبطان في «أحمد» قائلًا: سأقتلك نظيرَ ما فعلت! رفع «بو عمير» سلاحَه إلى مستوى وسطه أيضًا … وأطلق دفعةَ رصاصات إلى الحبل الذي يحمل قاربًا لنجاة غرقه … وسقط قارب النجاة في الماء. انطلقَت الرصاصات في كل اتجاه من الشياطين الأربعة … وهرول البحارة يجرون في اتجاه واحد … هو اتجاهِ سلَّمِ النزول إلى قاع السفينة. ولم يتوقف الأمر عند هذا … بل غادروا السفينة وتجمَّعوا كلهم في قارب النجاة الذي كان يسبح بجوارها … فخرج من القمرة المواجِهة لهم أحدُ «فهود الصحراء» ممسكًا ببندقية نصف آلية … ويأمرهم بالعودة إلى السفينة. ومن السطح العلوي للسفينة انطلقَت رصاصةٌ أسقطَت البندقية من يده، وعندما همَّ بالانحناءة لالتقاطها … عاجلَته رصاصة أخرى … فسقط في الماء. وفي هذه اللحظة خرج من أكثر من مكان على سطح السفينة جنودٌ يحملون البنادق … فاتخذ الشياطين سواترهم في أماكن مختلفة … وتبادلوا معهم إطلاقَ النار … وفجأة انطلقَت من مكان ما قنبلةٌ شديدة الانفجار قد تسقط أكثر من على سطح السفينة قتلى … إذن فمَن أطلقها يحتمي بقاع السفينة. وهنا سأل «أحمد» «بو عمير» عن قنبلة الغاز … فقال له: معي أكثر من واحدة … أحمد: فلنُطلقها كلها في تتابُع سريع. دحرج «بو عمير» قنبلةً لكل زميل من زملائه، وبإشارة من «أحمد» قاموا برمي القنابل تباعًا، وبعدها دحرجها لزملائه … ثم انتظروا إشارة «أحمد» وبعدها ألقوها كما ألقَوا ما قبلها. وانطلق دخانٌ كثيف في قاع السفينة وفي القمرات السفلية … أخرج كل من فيها … فمنهم مَن ألقى بنفسه في الماء … ومنهم من صعد إلى سطحها … فتلقَّفَته رصاصات الشياطين. وكان «أحمد» يقف أمام السور العلوي للسفينة … فلم يشعر إلا بمن جذبه من قدمِه وهوَى به إلى الماء. معركةٌ حامية دارَت بين أحمد والرجل … انتهَت بضربة قاسية على رأسه أفقدَته الوعي في الماء، وعبثًا حاول «أحمد» الخروج من الماء فلم يستطع. فقفز «بو عمير» وكانت هذه فرصة للقبطان أن يحاولَ اختطاف «إلهام» و«ريما»؛ فقد أمر البحارة بإدارة المحركات إلى أقصى سرعتها. وانطلقَت السفينة تشقُّ الماء وتبتعد عن «أحمد» و«بو عمير»، وقد فوجئا بما حدث، فحاولا اللحاق بها سباحة … وفي هذه الأثناء … خرج القبطان من مكمنه شاهرًا بندقيته من خلف «إلهام» و«ريما»، ولم تشعرَا به إلا وهو يُطلق النار على بنادقهم، فأطاح بهما … وأمرهما أن ترفعَا أيديَهما مستسلمتَين. فظهر في هذه اللحظة رجلٌ يُشبه «البيرق» … وقد أمسك به … وقال للقبطان … ماذا تفعل على ظهر السفينة؟ نظر له القبطان في احترام وقال يسأله: ماذا حدث يا سيدي؟ فقال الرجل: لقد حاول «البيرق» قتلي … وقبضتُ عليه وكان على وشكِ تنفيذ مهمته القذرة … فوجَّه القبطان ماسورةَ بندقيتِه إليه، وقال: هل أقتلُه يا سيدي؟ في هذه اللحظة رفع شابان رشيقان مفتولَا العضلات بندقيتَهما … وقالَا للقبطان ولزعيم «فهود الصحراء» اللعبة انتهَت … أنتم مقبوض عليكم … وكان يومًا مشهودًا في هذا البلد الشقيق يوم إعادة «البيرق» ومحاكمة زعيم المتمردين وقبطانه. وكان يومًا مشهودًا لرقم «صفر» الذي تلقَّى التهاني من كلِّ مكان، فقام بتهنئة الشياطين. | {
"chapter": "اصطياد الفهود!",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "فهود الصحراء",
"url": "https://www.hindawi.org/books/70626973/6/"
} |
لم يكن الأمر يحتاج لذكاء كي يفهم «أحمد» أن هناك اتفاقًا ضمنيًّا بين «منذر» وبين بقية الرجال على اقتسام هذه الأموال دون أن يقوموا بالمهمة المطلوبة منهم … إذن فالتمرُّد ليس سببه تعطيلهم عن الصيد … بل هدفه تعطيل السلطات عن أداء مهمتها. إذن فهؤلاء الرجال يعملون على مساعدة عصابة تهريب الأسلحة التي يعملون لصالحهم … ولم يعد هناك أمل في إتمام المهمة … فالوقت قد مرَّ سريعًا … ولم تتبقَ إلا ساعتان تقريبًا على طلوع الفجر … فقام «أحمد» بالاتصال ﺑ «عثمان» … والغريب أن «منذر» لم يمانع، ولكنه كان يراقب ما يقوله … وكان «أحمد» حذرًا فيما يقوله ﻟ «عثمان»، الذي تلقَّى اتصاله قائلًا له: أين أنت يا «أحمد»؟ أحمد: أنا في مهمة خطيرة … عثمان: ومهمتنا؟! أحمد: إنها لخدمة مهمتنا … عثمان: لقد اكتشفنا النفق الموصل إلى مخزن جبل «النرجس». أحمد: وأنا اكتشفت رجالهم. كان يقول هذا وهو ينقُل عينَيه بينهم ليحفظ أشكالهم. فقال له «عثمان»: وهل أنت بينهم الآن؟ أحمد: نعم! عثمان: هل تحتاج لتدخُّل من الخارج؟ أحمد: ليس الآن. وفي حركة مفاجئة … وجَّه «منذر» فُوَّهة المسدس إلى رأس «أحمد»، ثم سحب زر الأمان وقال له: أنهِ هذه المكالمة حالًا. رغبةً منه في أن يعيد «منذر» تهديده حتى يسمعه «عثمان» … أشار له برأسه قائلًا: ماذا تريد؟ منذر: أغلق التليفون وإلا فجَّرت رأسك. أغلق «أحمد» التليفون … مستسلمًا لأوامره … وفي نظرة عابرة بينه وبين الرائد «محمود» رفض أن يتدخَّل حفاظًا على أرواح الجميع … ليس هذا فقط … بل الأهم من ذلك … أن اللعبة انقلبت ضدهم … فقد تأكَّد «أحمد» أن هؤلاء الصيادين هم من رجال عصابة تهريب السلاح … وأنهم حماة المخزن الشهير بجبل «النرجس»، وأنهم صانعو نفق الشاطئ الموصل للمخزن … وهم مدربو الدلافين وحُراسها … وهم لا يعلمون الآن أن نفقهم قد اكتُشف … وأن مخزنهم سيتم فتحه وجرد ما به. ولكن وعلى الشاطئ كانت هناك مشكلة تحتاج إلى حل سريع … فهم يريدون أن يصلوا إلى مدخل النفق دون التعرُّض للغواصة … أو حتى لفت أنظار من بها … وكان هذا الأمر غير وارد الحدوث … فجسم النفق صخري ولا يمكن صنع فتحة به بعيدًا عن مدخله … لذلك قالت «إلهام»: وماذا سيضرنا إذا دخلنا من فتحته الرئيسية؟ عثمان: من بالغواصة لن يتركونا … فإما سيشتبكون معنا قبل دخوله … وإما يصطادوننا ونحن في منتصفه. خالد: لا يا «ريما» … هذا أيضًا خطر … فقنابل الغاز تعمل جيدًا في الأنفاق. وهنا صاح «رشيد» قائلًا: يجب أن يكون هناك حل. ريما: سنبدأ نحن بقنابل الغاز … عثمان: كيف؟ ريما: سيتسلَّل أحدنا إلى مدخل النفق … وقبل أن يكتشفوه يطلق خلفه قنبلة الغاز. أعجبت الفكرة «إلهام» فأكملتها قائلة: سندخل ونحن مرتدون الأقنعة الواقية من الغازات … أما هم فسيتحيَّرون بسبب إطلاق هذا الغاز. وأكمل «خالد» قائلًا: وبالتالي ستتعطَّل جميع أجهزة المراقبة عندهم … ولن يستطيعوا رصدنا. وابتسم «عثمان» في شقاوة وقال لها: يا لكِ من شيطان رقيق! ابتسمت «ريما» وانشغلت سريعًا في إحضار مهمات العملية العاجلة التي أطلقوا عليها عش الدبابير … ومعها بقية الزملاء … وخلال دقائق … كان الجميع عدا «أحمد» … يرتدي الأقنعة الواقية من الغازات … وبذلات الغوص … ويحملون ما يحتاجونه من أسلحة وأجهزة اتصال … وتقرَّر أن يبقى على الشاطئ كل من قيس و«بو عمير» و«هدى» لاصطياد من يفر منهم … أو من يحاول الالتفاف عليهم من مكان آخر … أما عند باب المخزن فيقف «باسم» و«زبيدة» لاصطياد من يخرج من رجال العصابة. أما بقية الزملاء فعليهم اقتحام النفق … وفي مقدمتهم «إلهام». وانطلقت إشارة البدء … وجرى كل منهم ليتخذ موقعه … أما المقتحمون فقد ساروا خلف بعضهم صفًّا … إلى أن وصلوا إلى نقطة الارتكاز فتفرَّقوا إلى صفَّين … حيث داروا حول هذه النقطة ثم عادوا ليلتقوا عند مدخل النفق الذي ما إن بلغوه … حتى رمى «عثمان» والذي كان في المقدمة … قنبلة غاز عن آخر يده … فانطلق منها دخان كثيف جعل من النفق أنبوبةً مدخنة … ووسط هذه الغلالة … انطلق الشياطين خلف بعضهم يقطعون النفق سيرًا في خطوات واسعة واثقة … ثابتة. وعند نهايته، خرج «عثمان» لتقابله ماسورة بندقية وقد التصقت بظهره وأمر خشن بالسير صامتًا … وتكرَّر هذا مع «ريما» وكذا «إلهام» … إلا أن «خالد» و«فهد» لمحا ظل رجل يسير خلف «إلهام»، فتوقَّفا بداخل النفق وأوقفا كلًّا من «مصباح» و«رشيد»، وبدأ الدخان ينقشع من النفق … فقد أدارت العصابة مراوح وشفاطات ضخمةً للتخلُّص منه … وكشف مجال الرؤيا داخل النفق. وشعر «خالد» أنهم في مأزق … فأسَر ﻟ «فهد» في أذنه بكلمات … تحرَّك بعدها «فهد» إلى أول النفق … ثم عاد سريعًا … وفي حركة مفاجئة جلس القرفصاء … فكشف من خلفه الرجل الذي يطارده، فتلقَّى هذا الرجل رصاصةً في رأسه من «خالد» ألقته على ظهره قتيلًا، ليوسع الطريق ﻟ «فهد» لكي يفعلها ثانية. إلا أن الذي ظهر بعد ذلك كان يحتمي ﺑ «ريما» … فقد قادها أمامه وهو يضع فُوهة المسدس في ظهرها … ومرةً أخرى فعلوها معهم … فقد أشار «خالد» لها بطرف عينه اليمنى … فسقطت جالسةً في الوقت الذي خرجت فيه الرصاصة لتثقب جبهته. حالة فزع أصابت الرجلَين الباقيَين في المخزن … فجريا ليغلقا بابه … فبقية الرجال على المركب في انتظار الشِّحنة القادمة … غير أن رصاصات «خالد» و«فهد» حالت دون ذلك، وقنبلة دخان أخرى رماها «رشيد» … جعلت المخزن جحيمًا … واشتدَّ سعال الرجلَين … ولولا رحمة قلوب الشياطين لتركوهما يعانيان، إلا أن «إلهام» قالت لهما: سأعطيكما كمامتَين على أن تتعاونا معي … اتفقنا. ومن بين سعالهما الممتد أشارا برأسَيهما موافقَين … فأعطتهما الكمامتَين … وقادهما «عثمان» إلى غرفة لمحها في آخر المخزن … وهناك كان تأثير القنبلة ضعيفًا، فأدارا جهاز التكييف … وأصبح جو الغرفة صالحًا لأن يتحادثوا … فتدفَّق بقية الشياطين على الغرفة، وبعدها أغلقوا بابها … وبدءوا يستجوبون الرجلَين … فقال «عثمان» لأحدهما: هل أنت مصري؟ الرجل: نعم … فنظر إلى الرجل الثاني وسأله نفس السؤال فأجابه قائلًا: لا … أنا روسي … وسألته «إلهام» سؤالًا مباشرًا لتُعجِّل من إنهاء هذه المهمة … فقالت له: هل أنت عضوا في تنظيم؟ فأجاب الرجل في عربية ركيكة: لا أنا تاجر سلاح. خالد: ومن الذي أنشأ هذا المخزن وهذا النفق؟ الرجل: التاجر المصري … ونحن عاوناه … ريما: ومن هو التاجر المصري؟ الرجل: لا أعرفه. وفي سؤال مباغت … قالت له «إلهام»: أين الغواصة؟ اضطرب الرجل وكاد أن يُجيبها، غير أنه تراجع عندما نظر للرجل الآخر … وكان لدى «عثمان» سؤال مباشر وحيوي، فقال لهما: هل يمكنني الخروج من هنا في أمان؟ اندفع الرجلان يقولان له في لهفة: نعم … نعم … شعر «عثمان» أنهما يورِّطانه … وأن الغواصة ما زالت تقف بالقرب من مدخل النفق … قال لهما: ستخرجان أمامي … وإذا وجدت عكس ما تقولان … ستموتان. وافق الرجلان على الخروج، ومن خلفهما سار «عثمان» و«خالد» و«رشيد»، وبقي بقية الشياطين ليتفقَّدوا المخزن. وبعد عدة دقائق … انطلقت رصاصتان من خارج النفق … أعادت الجميع إلى الداخل مرةً أخرى … فصاح «عثمان» يوبِّخه قائلًا: ستموت أيها الخائن الحقير. إلا أن «خالد» قال له: لا تظلمه يا «عثمان»؛ فالذي أطلق الرصاصات هو «قيس» … أنسيت أنه يحرسنا مع «بو عمير» و «هدى». لم يقتنع «عثمان» وقال له: ولماذا يكونون هم ولا يكونون رجال العصابة؟ وهنا تدخَّل «رشيد» قائلًا: لأننا لم نسمع من يبادلهم إطلاق النار … وكانت الوسيلة الأيسر والأضمن للتأكد من الاتصال عبر ساعة اليد بالزملاء خارج النفق … فعرفوا منهما أن الغواصة غادرت المكان وكذلك الدلافين … فخرجوا جميعًا … يسبقهم الرجلان المقبوض عليهما … وكانت فرحة الانتصار جميلةً لا ينقصها سوى «أحمد»، وإنهاء الموقف المتأزم على المركب، وقد قام «عثمان» بالاتصال به، وأبلغه بما حقَّقوه من اقتحام النفق والمخزن والقبض على رجال العصابة … وقتل بعضهم. وكان الرجل المُسلَّح سارقُ النقود … يتابع ملامح «أحمد» وهو يتلقَّى الاتصال، وأخيرًا قال له: الآن سأطلق سراحكم … وسأحتفظ معي بسيادة الضابط إلى أن أخرج من المياه الإقليمية ولا يكون لكما حق القبض علي … سأُطلق سراحه فورًا … فسأله «أحمد» في انزعاج قائلًا: تطلق سراحه أين؟ في المياه! منذر: أعدك أن يصلك سالمًا … فلدي قارب صغير على المركب سأهديه له مقابل النقود التي حصلت عليها منكم. وبإشارة خفية من عينه أخرج رجل آخر سلاحًا كان يخفيه وألصقه بظهر المقدِّم «حسام» الذي احتفظ بابتسامته وهدوئه. وبإشارة أخرى أخرج ثالث مسدسًا آخر ألصقه بمؤخرة رأس الريس «علي شرابي» وقاده إلى حافة المركب … فصاح «منذر» يقول: ماذا ستفعل يا غبي؟ … هذا الرجل لي أنا. فتركه الرجل وعاد ليستبدله ﺑ «أحمد» فوجدها الأخير فرصةً له … فأطاح بهما سويًّا بضربة قدم واحدة … وفي الوقت الذي أمسك فيه الرائد «محمود» برسغ حارسه، أداره دورةً كسرت عظام ذراعه، وعلا صراخ الرجل وهو مكدوم على سطح المركب … وأصبحت المسدسات الثلاثة في أيدي الرجال الثلاثة؛ «أحمد» والرائد «محمود» والريس «علي» الذي قاد المركب حتى عادوا إلى «البُرلس» مرةً أخرى، وكانت هناك بالميناء فرقة من القوات الخاصة قام «عثمان» باستدعائها … قامت فاقتياد كل رجال العصابة إلى نقطة البوليس تمهيدًا لترحيلهم إلى سراي النيابة. وهذه المرة أرسل رقم «صفر» للشياطين يخبرهم بنهاية المهمة بنجاح عبقري. | {
"chapter": "نهاية المهمة!",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "الغواصة الشبح",
"url": "https://www.hindawi.org/books/94913147/6/"
} |
مضيتُ أهبط درجات السلَّم العريض نحو الطريق، مُخلِّفًا ورائي العمارة الشاهقة. اعترض سبيلي عند نهاية السلَّم فتًی في الثلاثين من عمره، حدَّق في وجهي باسمًا. دُهِشتُ لغريبٍ يستوقفني، ولكنه لم يكتفِ بذلك، فمدَّ يده مُصَافحًا وقال: نحن أقارب! ابتسمتُ بدوري وقلتُ: حقًّا؟ الذنب ذنبُ زماننا الغريب. فقال برقَّة: أنا محمد ابن زينب صفوت! غَزَتْني فرحةٌ طاغية كادت تهتك سِتر الماضي العذب، شَددتُ على يده بحرارة، وتلقَّيتُ سيلًا من الذكريات النَّاعمة، وهتفتُ: أهلًا بك، فرصةٌ سعيدة حقًّا. وفارقَني كما فارقتُه، ولكن لم تُفارِقني الذكريات. | {
"chapter": "لقاءٌ خاطف",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "القرار الأخير",
"url": "https://www.hindawi.org/books/37158095/24/"
} |
هناك أشياء باقية في الأفغاني بالرغم من مرور مائة عام، أهمها: إدراكه الخطر الأول على الأمة، الاستعمار في الخارج والقهر في الداخل، وتجميعه قوى الشرق كلِّها باعتبارها قلبَ العالم الإسلامي في مواجهة قوى الغرب، حتى يقابل التحرُّر بالاستعمار، والثورة بالهيمنة دفاعًا عن الأوطان والأقاليم مع بؤر متعددة للوحدة ابتداءً من مصر، جنوبًا مع السودان، وشرقًا مع إيران والهند، وشمالًا مع الشام وتركيا، وغربًا مع المغرب العربي أو ابتداء من وحدة آسيوية، وحدة الفرس مع الأفغان. لا فرق بين الإسلام والوطن، بين الدفاع عن الإسلام والدفاع عن الأوطان قبل أن تظهر القومية بينها لإيقاع تناقض مفتعل بين الإسلام والقومية أو بين القومية والوطنية. فالإسلام في العصر ثورة، وليس مجردَ شعائر أو طقوس أو عقائد أو شرائع. وقد كان المسلمون القدماء ثوارًا على أوضاعهم الطبقية والقبلية، الإسلام يهدف إلى تغيير الأمر الواقع وليس تثبيته. هو جزء من الحراك الاجتماعي وليس الثبات الاجتماعي. هو رفض لأوضاع الاحتلال والقهر والفقر والتجزئة والتبعية والتغريب، واللامبالاة. وإذا كان في الخلق الكوني ليس في الإمكان أبدع مما كان فإنه في الإبداع الإنساني هناك باستمرار في الإمكان أبدع مما كان. الإسلام كما قال سيد قطب فيما بعد حركة إبداعية في الفن والحياة. ولا إبداع بلا تغيير ورفض ومقاومة واعتراض وغضب. وكأن الأفغاني يضع كوجيتو جديدًا ليس «أنا أفكر فأنا إذن موجود»، بل «أنا أثور فأنا إذن موجود». ومع ذلك، فالأفغاني بعد مائة عام في حاجة إلى تطوير على النحو الآتي: لا يكفي المدخل الأخلاقي لبناء الفرد والمجتمع ولإقامة النظم القانونية والسياسية. صحيح أن الأخلاق هي الأساس ولكن الاكتفاء بالفكر الأخلاقي كنظرية اجتماعية وسياسية في حاجة إلى تطوير، والتحول من الفكر الأخلاقي إلى البنية الاجتماعية والأيديولوجية السياسية. لا يكفي أن يقال إن محرك التاريخ ثلاث فضائل: الحياء، والصدق، والأمانة. فلماذا هذه دون غيرها؟ وأين العوامل المادية في تحريك التاريخ؟ ولا يمكن تفسير الظواهر بعامل واحد أخلاقي أو فردي دون باقي العوامل. ليست قائمةُ الفضائل مفتاحًا سحريًّا يحلُّ كلَّ مشاكل المجتمع وهي الرذائل؛ فالمشاكل الاجتماعية أكثر تعقيدًا وتحتاج إلى حلول أكثر تداخلًا وتباينًا. لا يكفي تصور الاستعمار على أنه انحلال يمكن مقاومته بالأخلاق، وأن المادية رذيلة يمكن مقاومتها بالفضيلة، وأنها تجعل الإنسان حيوانًا، وأن الاشتراكية اشتراك في الأموال والأبضاع وإباحية. فهي تصورات شائعة شعبية كانت رائجة في الصحف الدينية المحافظة. ولا تكفي كتحليل علمي وتاريخي دقيق للاستعمار كحركة تاريخية وللمذاهب السياسية كأيديولوجيات علمية. عبَّر الأفغاني عن التيارات الفكرية التي كانت موجودةً في القرن التاسع عشر في الغرب خاصة المادية والداروينية والاستشراق، فكان ضحيته، ولم يستطع تجاوزَه. فالمادية والداروينية إلحادٌ وانحلال. والاستشراق نموذجه رينان الذي يُنكر على العرب وعلى الساميِّين كلِّهم أصالتَهم العلمية طبقًا للنظرية العنصرية. فالمفكر ابنُ عصره، ولكنه أطلق الأحكام على المذاهب والتيارات دون أن يقيدَها بظروف عصرها. وربما كانت الدعوة إلى العلم «الوضعية» والقوة «نيتشه» والتطور «دارون» أخصَّ ما يميز روحَ القرن التاسع عشر. وتكون مهمة الأجيال التالية في الإصلاح نقل الأفغاني من الجو الفكري في القرن الماضي إلى الجو الفكري في هذا القرن بكل ما فيه من تحولات، من الاستعمار البريطاني القديم إلى الاستعمار الأمريكي الجديد، ونشأة الصهيونية وإقامة دولتها في فلسطين، وانهيار النظم الشرقية، وبزوغ أفريقيا وحركة تضامن شعوب آسيا وأفريقيا. إن الشعوب الآن تَعِي مصالحها، وانتهَت مرحلةُ اليقظة. ولكنها تبحث الآن عن وسائل التحقيق وطرق العمل، ومناهج للتفكير، ولأنواع جديدة من الخطاب السياسي والثقافي. فهل يستطيع الأفغاني بعد مائة عام أن يُبعث من جديد في أحفاده، وتُعاد صياغته بحيث تعود إلى حركة الإصلاح حيويتها الأولى من أجل تجاوز الاستقطاب الحالي بين الخطابَين السلفي والعلماني، وحشد الجماهير بثقافة جديدة، وتقوية الدولة برؤية جديدة لدورها في الداخل والخارج، وإكمال المشروع الإصلاحي التحرري الوطني المتحد مع المشروع التحرري القومي من أجل النهوض بالإصلاح بعد كبوته وإقالة حركة التحرر الوطني بعد عثرتها، وإدخال هذا الجيلِ كلِّه من جديد داخل حركة التاريخ؟ | {
"chapter": "الخاتمة",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "جمال الدين الأفغاني: المئوية الأولى ١٨٩٧–١٩٩٧",
"url": "https://www.hindawi.org/books/63060951/8/"
} |
كانت مشكلة الرعاع والمواطنين تُطرح قديمًا على صورة عبيد وأحرار. وإذا اختلف المعاصرون عن الأقدمين في التعبير عن مشكلة الرعاع والعبيد، فإن مرجع الاختلاف إلى تطبيق العوامل التي تشترك في رفع قدر الإنسان، ومن هذه العوامل العلم بصورة خاصة. كانت الأديان السماوية قد أقرَّت مبدأ الأخوة في الإيمان إلى جانب مبدأ الأخوة في النشأة (أسطورة آدم). وكانت الفلسفة قد اتخذت العقل صفةً أساسية للإنسان، خاصةً به ومميِّزةً له عن الأحياء الأخرى، وذلك ما يجعل الناس متساوين في المبدأ. وأمَّا العلم فقد جعل أمنية المصلحين والفلاسفة في إقامة مجتمع قوامه الأخوة الإنسانية فوق كل شبهة، وذلك بتقدُّمه الدائم في اكتساب الحقائق، وبانتشاره بين جميع الأوساط، مؤكِّدًا بهذا التقدُّم مبدأ أهلية الإنسان للحرية، حريته في تنظيم سلوكه، وحريته في الاشتراك مع إخوانه أعضاء المجتمع في تنظيم سلوك الدولة. ومع ذلك يتساءل المرء كيف اتخذ الإنسان ابن جنسه الإنسان الآخر كأداة، رغم ما جهَّزت به العناية البشر بعاطفتَي الرحمة والعدالة؟ ويتساءل المرء كيف تنازل أحد الناس للآخر عن كرامته وعن مقوِّمات إنسانية فأصبح له عبدًا ومطيةً لمشيئته؟ إن كلمتَي «عربي» و«عجمي» تدلَّاننا على بداية ظهور الكارثة في تاريخ بني الإنسان؛ فالكلمة الأولى تتضمَّن معنى الإفصاح، والكلمة الثانية معنى المغلق المبهم، أعرب المرء عن نفسه: أفصح عنها وأبان. وكلمة «عربي» نفسها مشتقة من أرومة «عر»، بمعنى صات عر الظبي صات. وكلمة «أعجمي» ترجع بالاشتقاق إلى «عج»، ومنها العجاج أي الغبار الذي تُثيره الماشية. وهكذا تُصبح كلمة «أعجمي» متقاربةً بالمعنى من كلمة بيهم المشتقة من الإبهام. وقد جهَّزت العناية الأحياء بالبوادر (العبارة) كأداة تتجسَّم بها المشاعر وتنتقل في حدود النوع، وتنتقل حيةً إلى الآخرين. والصوت هو بادرة من بوادر الشعور في الهيجان، فلو لم تبعث البادرة بمعناها وبالشعور الذي يكتنف المعنى؛ لما حصل تفاهم بين الإخوان، ولما حصل فيما بينهم تعاون على درء الحيف، بعضهم عن بعض، وهل لغة الكلام إلَّا امتداد للغة الظواهر الطبيعية في الهيجان؟ ولكن مبدأ موائمة الحياة لبيئة طبيعية متنوِّعة أدَّى إلى الاختلاف في العبارة بين الأحياء، بحيث استغلق على أحد الأنواع ما يجول في سريرة النوع الآخر. وكذلك الأمر بين بني الإنسان؛ يبقى وجه الزنجي مغلقًا على الصيني، كما تبقى اللغة الصينية مغلقةً على الذهن الزنجي. إن بُعد الشُّقَّة بين أداة للتفاهم وأخرى من دواعي انحجاب مشاعر الرحمة بين الأقوام. كما يُؤدِّي الاختلاف بين الأنواع الحيوانية إلى افتراس الأقوى للأضعف. فضلًا عن ذلك فإن الإنسان يتميَّز عن الحيوان بمزايا أهمُّها الحرية. فبعض الحِكَم تُفصح عن حدس الإنسان في إنسانيته، في مقوِّمات طبيعته الخاصة. ومن هذه الحِكَم وأكثر ثباتًا على الدهر هي: إن الإنسان قد خُلق على مثال باريه الإله، وإنه تاج الخليقة، وإنه خليفة الله في الأرض. والحدس مستوحًى من حقيقة هي أن الإنسان يبني عالمه، بينما الحيوان يعيش طبيعته، يتلقَّاها جاهزةً منذ الولادة. تقوم الحياة عند الحيوان على غرائز أغراضها معيَّنة محدَّدة، بحيث يبقى الكائن يدور في دائرة مغلقة، بينما الإنسان يتمثَّل الأشياء صوَرًا ذهنيةً تخضع لمشيئته، من حيث ظهورها في ساحة الوجدان أو أفولها عنه. وبإخضاع المرء التصوُّرات لإرادته، يُصبح هو ربًّا من الأرباب. وإذا هو ساير مقتضيات الحوادث الطبيعية في إنشائه الآلة؛ جعل البيئة طوع بنانه. وإذا هو راعى العناية في إنشائه التصوُّرات المتعلِّقة ببنيته؛ استجلى كنه ذاته أوضح فأوضح. هكذا ينفذ الإنسان بخيال ينسجه إلى صميم الطبيعة، فيُغيِّر مجرى حوادثها وفق غاياته. وهكذا يُعيِّن الإنسان بخيال ينسجه سلوكه، فيشترك مع العناية في مصيره. ولكن إذا كان الإنسان يرتفع بالإرادة الحرة إلى منزلة الرب السيد للبيئة، فإنه بهذه الإرادة الحرة يحجب التعاطف الرحماني بينه وبين إخوانه إذا هو شاء؛ وعندئذٍ يُعامل بني جلدته وكأنهم شيء من الأشياء. وميزة أخرى يتميَّز بها الإنسان عن الحيوان، وهي العقل. يتمثَّل الإنسان المستقبل في الحاضر، كتمثيل الغاية والوسائل المؤدِّية إليها في وحدة إدراك. في هذا التمثيل يُقدِّر الإنسان حدسًا الجهود المطالب بذلها من أجل بلوغ الغرض. في هذا التمثيل يكمن سر الاختلاف في البنية بين المروءة وبين التطفُّل على الآخرين، بين ذي الطبع الكريم وبين ذي الطبع اللئيم. فإذا كان الذهن ينزع إلى اقتحام الصعوبات وما يُرافقها من تعب وخطر في سبيل الهدف، فإن صاحب هذا الذهن امرؤ من بناة الوطن. وكلمة «امرؤ» المشتقة من المروءة هي الكلمة التي اتُّخذت بمعنى مواطن عند الشعوب اليونانية-الأوروبية. وأمَّا المتطفِّل فهو ذاك الذي تخور عزيمته أمام المصاعب والأخطار، فيلجأ إلى الآخرين في بلوغ الأرَب، وقد يبلغ المتطفِّل حد اللؤم إذا أغلق — عند اختيار الوسائل — قلبه دون التعاطف بينه وبين أخيه الإنسان، فاتخذه كأداة. حالة شاذة يشترك في مسئوليتها المستغِل والمستغَل، لؤم الأول ونذالة الثاني. وليس الاستغلال (الاستثمار) والعبودية إلَّا نتيجةً من النتائج المؤسفة للحالة الشاذة. وما الفرق بين العبيد والرعاع؟ كانت كلمة «عبد» تُقابل كلمة «حر». والكلمتان تُوحيان التضاد بين القيد والانطلاق؛ فالعبد مُقيَّد، مفروضة عليه قواعد الحياة. والحر منطلق على سجيته، يُمارس الحياة المنبعثة عن صميم كِيانه. في العبودية ضمور وتعاسة، وفي الحرية ازدهار ومسرَّة. ولكن المسئولية في العبودية لا ترجع بكُليتها إلى العبد؛ فقد يخون الحظ الحر فيُصبح عبدًا، كما وقع لأفلاطون قمة الفكر البشري حين أُسر فبيع عبدًا. ولمَّا كان للصدفة شأن في العبودية، فقد ثار عليها الوجدان البشري. وأمَّا الرعاع فيُقابلهم السيد. وكلمة «سيد» تعني معنى الحماية، حماية الحقوق. والصورة الحسية للسيد هي الأسد المشتقة هي والسيد من ذات المصدر؛ فالرجل سيد إذا حمى حقيقته (عشيرته)، والسبع أسد إذا حمى غابته. وإذا قصَّر الرجل عن حماية حقيقته أسود، أي اعتراه لون الحقد والحقارة. والرعاع هم أولئك الذين يتخلَّفون عن ممارسة حقوقهم، فيُصبحون كالوحل الذي يلتصق بأقدام السبَّاقين من المارَّة دون أن يُكلِّفوا أنفسهم عناء الإبداع. مثَل الرعاع في تخلُّفهم عن ثقافة أمتهم كمثَل حب العنب الذي يفرط من العنقود، فلا يصلح إلَّا للدوس بالأقدام. مثل الرعاع في ترديهم كمثَل الحيوانات التي تحوَّلت عن ذات الهيكل العظمي إلى القوقعية، إنهم يلبَسون لكل حالة لَبوسها. الحياة بأهدافها. على قدر ما يكون الهدف ساميًا تكتسب الحياة بهاءً وسناءً. إن كل امرئ تعرَّف على حياة المسيح أصبحت هذه الحياة قدوةً له ومثالًا. وقد نبَّه القرآن إلى حياة تنضب فيها معين المعرفة؛ تُصبح من سقط المتاع (أرذل العمر). وهكذا يلتقي قطبا دِيانتَي المسيحية والإسلام في إقرار هذه الحقيقة: إن الحياة لا تُقدَّر بعدد السنين من عمر صاحبها، بل بسمو أهدافها التي تسعى إلى تحقيقها. ولو ما تسعى إليه الحياة البقاء، حفظ التوازن في القوى؛ لظلَّت عاكفةً على الأشكال الابتدائية، حيث يُهيمن نوع ذي التوازن المستقر في علاقته مع البيئة، إلى النوع العالي المهددة علاقاته بالخطر بنسبة تشعُّبها، لو لم تتوخَّ الحياة في تطوُّرها الارتقاء من الغامض المبهم إلى الواضح الزاهي. وقد عبَّر شاعرنا المتنبي عن قصد الحياة بقوله: وكيف تخلَّى الإنسان عن شأنه فأصبح أداةً تتقاذفها الأهوال، بل كيف يتحوَّل عن سؤدده إلى مطية لمآرب غيره. تأتي العبودية من الخلل في نظام الحياة ذي الرتب، فانفلات الميول الدنيئة فيه من ولاية الميول الرفيعة؛ وعندئذٍ يُصبح الإنسان عبد شهواته. وتأتي العبودية من تحوُّل المجتمع عن رابطة الأخوة، حيث كلٌّ من الأعضاء تتجاوب نفسه مع ما يجول في نفوس الآخرين، إلى رابطة السيد بالمسود. تأتي العبودية من استحالة المجتمع استحالةً تُصبح فيها رابطة الأخوة التي تجعل كلًّا من الأعضاء تتجاوب نفسه بما يجول في نفوس الآخرين، علاقة الإنسان بالأشياء؛ وعندئذٍ يرى الإنسان في الإنسان أداةً يستعملها لمآربه الخاصة، لا أخًا تتحوَّل حاجاته إلى واجبات منبعثة من صميم الحياة. وعندئذٍ يجنح القوي إلى استخدام الضعيف، بل عندئذٍ يُصبح الضعيف عبدًا لمن هو أقوى منه. وسواء أكان الإنسان عبد شهواته أو كان عبدًا لغيره، فهو في الحالتَين دنيء متردٍّ. وكيف يتردَّى الإنسان؟ بإعراضه عن الحق الناظم للعلاقات الإنسانية بين الإخوان، وبإعراضه عن الحرية غاية مرتقى الأحياء. واشتقاق كلمة «حرية من الحرب» وكلمة «نبيل من النبال»، يشير إلى صعوبة الاحتفاظ بمستوى الإنسانية. هناك أسباب عديدة تُساعد على التدنِّي والانتكاس؛ منها الزواج المتدنِّي، والهجانة، وفساد التربية. إنها أسباب تُؤدِّي إلى تقلُّص الحياة إلى الغرائز الأولية، بحيث تتراخى الروابط بين أعضاء المجتمع، ويُصبح كلٌّ منهم مترديًا في قوقعته الخاصة، مُعرِضًا عن المثُل العليا المشتركة للجماعة. وعندئذٍ لا يقوى المجتمع على الصمود ضد عاديات الزمان، فتُصبح نذالة البعض سببًا في سقوط الآخرين فريسةً في أيدي المغيرين. إن اتخاذ امرئ مسئولًا عن خطيئة الآخرين لمن دواعي الثورة على نظام الرق. وممَّا كان يحض على الثورة على هذه الآفة الإنسانية، المثالية التي نشدها أديان الشعوب السامية، تلك المثالية الملخَّصة في عبارة يُردِّدها المسلمون من أعلى مآذنهم عند كل صلاة، وهي: أول خلق الله وآخر الرسل. عبارة تُميِّز بين الواقع وبين المثَل الأعلى. كمال الأخير وتقصير الأول عن هذا الكمال، على مثال تقصير الدائرة المرتسمة على اللوح عن الدائرة التي يبنيها العقل صِرفًا من كل شائبة. وهكذا صيغت غريزة الجنس البشري في صيغة مثالية، مستقلًّا عما تُحدثه البيئة من اختلاف بين الأقوام. وها هنا نعود إلى صدد العبيد والرعاع، عن الأسباب والنتائج للانحراف عن مقوِّمات الفطرة الإنسانية. | {
"chapter": "الانحراف في الدولة",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "الجمهورية المُثلى",
"url": "https://www.hindawi.org/books/37486931/11/"
} |
نبدأ بتحديد معنى كلمتَي «جمهورية» و«مثلى». فأمَّا كلمة «جمهورية»، فهي منحوتة من جم (الجم الغفير) جهر، فتعني المجتمع الذي يُفصح أعضاؤه عن رأيهم في إدارة الشئون العامة جهارة. وكلمة «جمهورية» مماثلة بالتكوين والمعنى لكلمة «ديمقراطية»؛ هذه منحوتة من كلمتَين يونانيتَين، فتُفيد المجتمع الذي يُدير شئونه بنفسه. والاختلاف في تلوُّن المعنى بين كلمتَي «جمهورية» و«ديمقراطية» يرجع إلى الاختلاف في البنية بين العرب واليونان؛ فهؤلاء يتصف تفكيرهم بالتأمُّل في الأشياء الطبيعية، وعندهم المعرفة تستقل عن العمل، وأولئك تتجه تأمُّلاتهم إلى الأمور الوجدانية، وعندهم المعارف الإنسانية تنزع حيةً إلى العمل. واتصاف مفكريهم بالأنبياء يُشير إلى سبر أغوار الوجدان، كما تُشير كلمة حكيم عند أعلام اليونان إلى التأمُّل في الطبيعة وفي مظاهرها. وكلمة «واجب» في اللغة العربية تدل باشتقاقها من «وج» على معنى الانبثاق، انبثاق الحالة الوجدانية من النفس نزَّاعة إلى استكمال شروط حقيقتها بالعمل. ونحن نعني بكلمة «مثالي» المعنى ورد في الآية: وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ، أي معنى الكمال وفق تكوين كلمة «كمال» نفسها. كمُل من كُم الزهر، وحرف «ل» الملحق ﺑ «كم» يُفيد هنا معنى النمو. فالكمال هو إذن مستوحًى من صورة بُرعم يستكمل شروط كِيانه بالزهرة. ونحن إذ نُفرِّق بين دائرة مرسومة على اللوح، وبين تعريف الدائرة الذي يبنيه العقل بناءً سليمًا، نُشير بهذا التفريق إلى الاختلاف بين الواقع وبين آيته المثلى. والمعنى المختار هذا للمثل الأعلى يُوفِّر على الذهن عناء حل مشكلات لا طائل للعقل من تحتها، ألا وهي المشكلات التي تنجم عن افتراض عالمَين، أحدهما عالم الوقائع، والآخر عالم المثل، كما فعل أفلاطون. وبناءً على ما تقدَّم، فالجمهورية المثلى هي دولة مستكملة شروط كِيانها، دولة قد بناها العقل متحرِّرة من كل شائبة، كما يبني تعريف الدائرة، وذلك بالاستجابة للعلاقات القائمة بين أعضاء الهيئة الاجتماعية. وفي الحقيقة أن الدولة صورة (مع ما تتضمَّن كلمة صورة من صيرورة) لآية مثلى، تنبثق من النفس كاستجابة للتعاطف الرحماني بين الإخوان (أعضاء المجتمع)، وبينهم وبين الأوضاع العامة. مثل آية الدولة كمثَل الرشيم (الخلية المولدة)، الذي يتضمَّن كاستعدادات مستقبل الكائن الحي. ونظرًا للشبه في التكوين بين الكائن وبين المجتمع، اشتق الذهن العربي كلمتَي «عقيدة» و«عقد الجنين» من ذات المصدر. فكأن الأمة في الحدس العربية بداية حياة جديدة، بل تجرِبة رحمانية من صميم الوجود. ولمَّا كانت التجارِب الرحمانية تتفاوت في العمق من قوم لآخر، فقد أصبحت الأمم مختلفة التكوين؛ بعضها يتميَّز عن بعض في الرفعة. ويُقاس عمق التجرِبة الرحمانية بوضوح المعارف المتعلِّقة بالشئون الإنسانية. والأمم في هذا المضمار يختلف بعضها عن بعض اختلاف الشباب عن الشيخوخة؛ فريق يتلمَّس طريق المثل الأعلى، وفريق يستقر فيه المثلى الأعلى. ومن هنا كان التفاوت في استقلال الأمم وفي شدة نزعتها إلى أداء رسالتها، شدة متناسبة مع عمق أغوارها. وليست الدولة إلَّا حقيقة الأمة مستفاضة أمنية، يدأب الأبناء على تحقيقها، حتى إذا ما غارت بتأثير الهجانة والإهمال قواعد ثقافة الأمة في بنية أبنائها؛ استحال المواطنون إلى رعاع يلبسون لكل حالة لِبوسها؛ وعندئذٍ يُصبح مَثَلُهم كمثَلِ الدواجن التي تُربَّى على المزابل، لنفاد القدرة التي كانت تُنبت ريشها، فترفع بها إلى الأجواء العالية، بل عندئذٍ يُصبح مَثَلُهم كمثَل حبَّات عنب قد انفرطت من عنقودها، فلم تعد تصلح إلَّا للدوس تحت الأقدام. وقد يُنشئ الرعاع قوقعةً تُعوِّض لهم عن الهيكل العظمي المتضائل في الصميم، حتى يُصبحوا كالديدان التي تبقى إلى ما بعد انقضاء دورها الجيولوجي إلى أدوار أخرى، ولكن الحياة تفقد فيهم حكمة وجودها. وفي الواقع إن الدولة جهاز من الوظائف، يتبلور كلٌّ منها في مؤسَّسة اجتماعية. والوظائف تتفاوت في الأهمية بالنسبة لما لها من تأثير على كِيان الأمة، كما أن كلًّا من مراتبها يستلزم شروطًا حياتيةً مناسبة، مع منزلتها من حيث إعداد المواطن للقيام بها، ومن حيث نمط المعاش الذي يُساعده على البقاء على مستوى المهمة. ولمَّا كان المجتمع يقوم على الأخوة وعلى نظام من الوظائف المختلفة في النوع والمتفاوتة في الرتب، فقد استلزم ذلك أمر إقامة شروط عامة متساوية بين الإخوة، يكفل بها كلٌّ منهم كرامته الإنسانية، وشروط خاصة تُساعده على إبلاغ مواهبه واستعداداته حد كمالها في خدمة الأمة. ولمَّا كانت الدولة ذات بنيان رحماني مثالي، فقد أصبح أفرادها متكافلين بالمصير تكافل أعضاء الجسد، يقوم كلٌّ منهم بالدلالة للآخرين في حدود علاقة اختصاصه بالمصلحة العامة. وبناءً على ذلك، فإن الدولة الصالحة تراعي مبدءَين؛ مبدأ تكافئ الفرص، ومبدأ العدالة الاجتماعية، أي إقامة شروط متساوية في إعداد المواطنين للحياة العامة. وخلق الانسجام بين الحقوق والواجبات، وذلك يستلزم أوَّلًا إعداد المواطنين على التعاون من أجل إنشاء البيئة بما يُساعد الحياة النمو والازدهار من جهة، وإعداد كلٍّ من الأعضاء لأن يستوفي شروط الحياة السياسية من جهة ثانية، وذلك جعله ذا بصيرة نيِّرة في الشئون الإنسانية، وذا شكيمة يشد بها أزر إرادته في إخضاع الميول والأهواء للحق وللمصلحة العامة. ولكن الدولة التاريخية تقصر عن مثلها كما يقصر الإنسان عن الأمنية التي يصبو إليها. وهل يستنفذ الواقع المثل الأعلى؟ فإذا كانت القصيدة وعناصرها في متناول الذهن لا تستوفي شروط إلهامها، مهما بلغ الشاعر من قوة البيان، فكيف بواقع الدولة وعناصرها خارجة عن إرادة الإنسان أن يُجيب بصدق كل الصدق على مثالها؟ إن الحياة تستعين بالصيرورة القائمة على ظرفَي المكان والزمان على استجلاء الحقيقة الخالدة (من خلد بمعنى استقر)، بينما الحقيقة ذاتها تتحدَّى بطابعها البذيء كل إيقاع في العبارة. إن الدولة كتجرِبة إنسانية تقوم بأعضائها الأفراد، ووسيلة إدراك الفرد للأوضاع العامة وللتعاطف بينه وبين أعضاء الهيئة الاجتماعية هي العبارة، فإذا زاغت العبارة أصبح الحدس في مقوِّمات الحياة العامة مبهمًا باهتًا، بل أصبح الذهن وكأنه يرى الحقائق مصدر الدولة من وراء ضباب. ومتى كان الحدس غامضًا تردَّدت الإرادة وتاهت عن قصدها. وأسطورة بابل تدل على تقصير الناس عن التفاهم والتعاون على إدارة الشئون العامة. وعندئذٍ تعصف الأهواء في المجتمع، كما تعصف الرمال في البراري التي جف نباتها. وبعد أن أسهبنا في الكلام عن الانحراف في الدولة، نتناول الناحية الإيجابية لموضوع بحثنا. كنت قد أشرت في مكان آخر من هذا الكتاب إلى أن الدولة هي شخصية الأمة الواعية. وكنت قد بيَّنت في كتابي: العروبة حرية ومروءة، أن الأمم على مثال الأحياء، تختلف فيما بينها من حيث العمق، بمعنى مقدرة أبنائها على سبر أغوار الوجود، ومن حيث الاستقلال عن ظروف البيئة، بمعنى مدى نفوذ أبنائها في نسيج الطبيعة واستخدامها لمآربهم في الحياة. وإن الأمة عقيدة تُفصح عن ذاتها بمؤسَّساتها (لغتها، وعرفها، وآدابها، وفنونها … إلخ). إخضاع الحياة المنعقدة على الرشيم بنموِّها جسدًا مؤلَّفًا من أعضاء ذات وظائف متمِّم بعضها لبعض. وكما أن الإلهام المنبعث من النفس يدعو الفنَّان إلى إنشاء الصورة (قصيدة، أو أنشودة فنية … إلخ)، يُفصح بها عن ذاته ويُحقِّقها، فكذلك الأمة كمعنًى تدعو أبناءها إلى إقامة دولة بها تتحقَّق. مَثَلُ الدولة في تطوُّرها من طور العرف العفْوي إلى طور الشريعة المتلورة في مؤسَّسات حكومية واعية لأغراضها ومراميها، كمثَلِ الإنسان في انتقاله من السليقة إلى الإرادة المستنيرة المالكة لزمام الميول والأهواء. وإذا ما انعقدت عليه الحياة تستفيض عند الإنسان أمنية يدأب على تحقيقها. وإذا هو يُنشئ من ذكرياته وآماله شخصيته على ضوء الأمنية، فإن الأمة هي أيضًا تتجلَّى في نفوس أبنائها عبقريةً تدعوهم إلى إيجاد الدولة التي بها تتحقَّق، وهم بهذا التحقُّق يرتقون إلى المثَل الأعلى. | {
"chapter": "الجمهورية المثلى",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "الجمهورية المُثلى",
"url": "https://www.hindawi.org/books/37486931/10/"
} |
بالأمس تحديات الجوع والصعلكة، واليوم تحديات الثراء الفاحش. بيت عتيق بنصف مليون، خُلق عصام البقلي من جديد، خلق من جديد وهو في السبعين من عمره. تملَّى صورته في المرآة القديمة. صورة بالية، تكالب عليها الزمن والجوع والحسرات. الوجه قالب من العظام البارزة والجلد المدبوغ الكريه، جبهة ضيقة غائرة وعينان ذابلتان ورموش قليلة باقية. أسنان سود بلا ضروس ولغد من التجاعيد. ماذا يبقى من الحياة بعد السبعين؟ ولكن بالرغم من كل شيء؛ فللثروة الهابطة سكرة لا تتبخر. أمور لا حصر لها يجب أن تنجز. المليونير عصام البقلي .. بعد الصعلوك المتسول عصام البقلي. كل مَن بقي على قيد الحياة من الأصدقاء القدامى هتف: «أما سمعتم بما حصل للبقلي؟» «ماذا حصل للصعلوك؟» .. «البيت القديم اشترته شركة من شركات الانفتاح بنصف مليون!» «نصف مليون!» «وكتاب الله». وينتشر الذهول ما بين السكاكيني والقبيسي والعباسية كإعصار. البيت كان يمتد بفنائه الواسع بشارع قشتمر، ورثه عن أمه، رحلت منذ عشر سنوات بعد أن حولها العمر إلى حطام، تعلقت بالحياة بإصرار حتى تهتكت الخيوط فهوت، لم يحزن عليها. عودته الحياة على ألا يحزن على شيء. لم يكن للأسرة إلا معاش أمه الصغير والمأوى، لم يحرز أي نجاح في المدرسة، لم يتعلم حرفة، لم يؤدِّ عملًا أبدًا. صعلوك ضائع، قد يربح قروشًا في النرد مع الغش بفضل تسامح الأصدقاء، أصدقاء كثيرون جادت بهم المدرسة والجوار على أيام الطفولة والصبا والشباب. في روحه خفة كفرت عن سيئات كثيرة وغفرت أخطاء، دائمًا يحظى بالعطف؛ لشدة بؤسه وانغلاق مستقبله. الأب كان موظفًا بالبريد وأمه ورثت بيت قشتمر بطابقه الواحد الصغير وفنائه الواسع المهمل، فحق له أن يقول إنه ابن ناس طيبين، ولكنه سيئ الحظ. الحقيقة أنه كان بليدًا تنبلًا، وقليل الأدب فسرعان ما طرد من المدرسة. عاش حياته تقريبًا في مقهى إيزيس مَدينًا أو مسددًا دينه بالغش وكرم الأصدقاء. فكر صديقه المحامي عثمان القلة أن يلحقه بمكتبه الكائن بميدان الجيش فأبى؛ لأنه كان يكره العمل كره العمى. وفي وحدته عندما يغيب الأصدقاء في أعمالهم يمضي وقته في الكسل وأحلام اليقظة. يبتل ريقه بشيء من اليسر في مواسم الانتخابات والأفراح والمآتم. عاش دهره بفضل خفة روحه وكرم أصدقائه، واحترف التهريج، يغني ويرقص؛ ليفوز بأكلة فول أو قطعة بسبوسة أو نفسين حشيش، وظلت غرائزه مكبوتة جائعة مجنونة. بيت قشتمر لا يعرف من ألوان الطعام إلا الفول والطعمية والباذنجان والعدس والبصارة والنابت. أما أحلامه فتهيم دائمًا في وديان من الولائم الغامضة والجنس المكبوت، وكانت له أساطيره عن غراميات مع أرامل ومطلقات ومتزوجات أيضًا، فلم يصدقه أحد ولم يكذبه أحد. طبع بصورة المتسول منذ شبابه الأول ببدلته المشتراة من سوق الكانتو وصلعته المبكرة وشحوبه الدائم. لم يصدق أساطيره أحد سوى مغامرة مع خادمة أرملة تكبره بعشر سنوات، سرعان ما انقلبت إلى شقاق ونزاع عندما تبين له أنها تروم الزواج منه. بل اشترطت أيضًا أن يجد لنفسه عملًا؛ لأن اليد البطالة نجسة، ووقع الانفصال من خلال معركة تبودلت فيها الضربات على الوجه والقفا. تلك كانت المغامرة الوحيدة الحقيقية، والتي شهدها جاره الأستاذ عثمان القلة فحدَّث في المقهى قائلًا: فاتكم مشهد ولا السيرك، امرأة مثل زكيبة الفحم، فرشت الملاية لعزيزنا البقلي في فناء بيته الكريم، على مسمع ومرأى من أمه الكريمة المذهولة، ولم تُفض المعركة إلا بطلوع الروح وتدخل أولاد الحلال، وسرعان ما نشِبت معركة جديدة مع أمه. عدا تلك التجربة الفاشلة جحظت عيناه من طول التطلع النهم إلى السائرات في الطريق، واحترق قلبه كما احترقت معدته من الجوع. ولم يجد إلا أمه ليصب عليها جام غضبه وإحباطه رغم حبها الشديد له، حب عجوز لابنها الوحيد، وكلما حثته على العمل أو الاستقامة سألها متحديًا: متى ترحلين عن هذه الدنيا؟ فتقول باسمة: الله يسامحك، وماذا تفعل إذا انقطع عنك معاشي؟ – أبيع البيت. – لن تجد من يشتريه بأكثر من خمسمائة جنيه تبددها في شهرين، ثم تحترف الشحاذة. لم يُسمعها كلمة طيبة قط، ونصحه أصدقاؤه بتغيير سياسته معها؛ حتى لا يقتلها همًّا وكمدًا ويعرض نفسه حقًّا للشحاذة، وذكروه بما قال الله وما قال الرسول، ولكن ضياعه اقتلع جذور الإيمان من قلبه المفعم بالجوع والحسرات، والتزم بموقفه الساخر الساخط من الأحداث التي تمر به كالمعارك الحزبية والحرب العالمية، بل دعا على الدنيا بالمزيد من الهلاك والفناء، وتمادى في السخرية والاستهتار. ويئست أمه منه تمامًا وسلمت أمرها لله، ويغلبها الأسى أحيانًا فتسأله: لماذا تقابل حبي بالعقوق؟ فيقول ساخرًا: من أسباب النحس في هذه الدنيا أن يمتد العمر بالبعض أكثر من الضروري! ومضت تكاليف الحياة في صعود. هل ثمة مزيد من الحرمان؟ واقترح على أمه أن يسكن فردًا أو أسرة في حجرة نومه، على أن ينام هو على الكنبة في حجرتها. فقالت المرأة في حيرة: نفتح بيتنا للأغراب؟! فصاح بها: خير من الموت جوعًا. – وألقى نظرة على فناء البيت وتمتم: كأنه ملعب كرة، ولكن لا خير فيه! وجاءه سمسار بطالب ريفي فاستأجر حجرته بجنيه. وتندر الأصدقاء بالواقعة فقالوا: إن بيت قشتمر أصبح بنسيونًا. وأطلقوا على أمه «مدام البقلي!» ولكن لم يكن يعتق نفسه من السخرية أمامهم، ويغني: وأيام تيجي على ابن الأصول ينذل. واستهان بالغارات الجوية بخلاف الكثيرين، لم يستجب لزمارة الإنذار أبدًا، ولم يغادر مجلسه بالمقهى ولا عرف طريق المخبأ. لا يهمه هذا، ما يهمه أن العمر يجري، وأنه يشارف الأربعين دون أن يهنأ بلقمة لذيذة أو امرأة جميلة. حتى الثورة لم يهتز لقيامها، وقال ساخرًا: يبدو أن هذه الثورة ضدنا نحن أصحاب الأملاك! وهو لم يقرأ في حياته جريدة، ويتلقى معلوماته دون اكتراث في مجالس الأصحاب. ويتقدم به العمر حتى يتجاوز الخمسين، وطعنت أمه في السن، وركبها الضعف وأخذت تفقد الاهتمام بالأشياء، ومرت بها أزمة فتطوع صديق طبيب بفحصها، وشخَّص علتها بالقلب ونصح بالراحة والدواء. كانت الراحة مستحيلة والدواء متعذرًا، ومضى يتساءل: كيف يتعامل مع الحياة إذا حرم من معاشها؟ وراحت تقترب من الموت ساعة بعد أخرى، حتى استيقظ ذات صباح فوجدها ميتة! نظر إليها طويلًا قبل أن يغطي وجهها. خُيل إليه أنه يتذكر قبسات من ماضٍ بعيد، وأنه يتوقف مرغمًا عن السخرية، وأن تلك اللحظة من الصباح كئيبة حزينة. وقصد من توِّه أغنى أصدقائه السيد نوح تاجر العمارات؛ فتكفل الرجل بتجهيز المرأة ودفنها. وحذره من بيع البيت أن يجد نفسه بعد حين مشردًا في الشارع. ترى، هل يكفي الغش في النرد وإيجار الحجرة؟! .. أوليس لكرم الأصدقاء حد؟! وغامر بتجربة الشحاذة في بعض أطراف المدينة، ولم تكن تجربة عقيمة، وتتابعت الأيام؛ فمات زعيم وتولى زعيم وجاء الانفتاح وهو يستقبل عامه السبعين، عامه السبعين من الضياع واليأس. تمادى الغلاء حقًّا وعربد، وزلزلت الموازين. لم يعد التسول بنافع وكرم الأصدقاء انحسر وتهاوى في بئر التلاشي، رحل منهم نفر وا أسفاه! وآوى الباقون إلى شيخوخة هادئة تقنع بالسمر. يا له من عجوز بائس يائس! وتنقشع ظلمات الوجود ذات يوم عن وجه السمسار، وهو يهبط بأجنحة ملائكية من كبد السماء! وفي حضرة صديقيه المحامي وتاجر العمارات تمت الصفقة، وأودع المبلغ الخرافي في البنك. وجلس الثلاثة في مقهًى بلدي بشارع الأزهر يتوافق تواضعه مع منظر المليونير التعيس. تنهد عصام البقلي في ارتياح عميق يُغني عن أي كلام. إنه سعيد سعادة كاملة لأول مرة في حياته، ولكنه قال في حيرة: لا تتركاني وحدي. فقال عثمان القلة المحامي ضاحكًا: لا حاجة بك لإنسان بعد اليوم. ولكن السيد نوح قال: إنه مجنون وفي حاجة إلى مرشد في كل خطوة. فقال البقلي بامتنان: وأنتما خير من عرفت في حياتي. فقال السيد نوح: هنالك أولويات قبل الشروع في أي عمل، غير قابلة للتأجيل، في مقدمتها أن تذهب إلى الحمام الهندي؛ لتزيل القذارة المتراكمة، وتكشف عن شخصك الأصلي. – أخاف ألا يعرفوني في البنك. – وتحلق رأسك وذقنك، وتشتري لك اليوم بدلة جاهزة وملابس؛ فيمكنك الإقامة في فندق محترم دون إثارة للريب. – هل أقيم في الفندق بصفة مستديمة؟ قال المحامي: إذا شئت، ستجد خدمة كاملة، وكل شيء. فقال السيد نوح: الشقة لها مزايا أيضًا. فهتف البقلي: والشقة لا تكتمل إلا بعروس! – عروس؟! – لِمَ لا؟ .. لست أول ولا آخر عريس في السبعين! – إنها مشكلة! – تذكر أن العريس مليونير. فقال المحامي ضاحكًا: إغراء شديد، ولكن لأولاد الحرام. فقال البقلي باستهانة: حرام أو حلال، كله واحد في النهاية! فقال نوح: لا … قد ترتد إلى التسول بأسرع مما تتصور. وقال عثمان المحامي: فلنؤجل ذلك إلى حين. فقال عصام البقلي: مسألة المرأة غير قابلة للتأجيل، هي أهم من البدلة الجاهزة. – الفرص كثيرة والملاهي أكثر من الهم على القلب. – حاجتي إليكما في هذا الطريق أشد. – ولكنا ودعنا زمن العربدة منذ أجيال. – وكيف أسير وحدي؟ – مَن ترافقه النقود لا يعرف الوحدة. وقال السيد نوح: لنا جلسة أخرى فيما بعد للتفكير في استثمار الثروة، فمن الحكمة أن تنفق من الريع لا من رأس المال. فقال البقلي محتجًّا: تذكر أنني في السبعين وبلا وريث! – ولو! فقال المحامي: المهم أن نبدأ. وعندما اجتمعوا مساء تبدى عصام البقلي في بشرة جديدة وبدلة جديدة، تلاشت القذارة ولكن بقيت تعاسة الكبر والبؤس القديم. وقال المحامي ضاحكًا: فالنتينو ورب الكعبة! ولما كان الأستاذ عثمان القلة على مودة وتعامل مع مدير فندق النيل؛ فقد استأجر له حجرة ممتازة بالفندق، وسرعان ما دعاهما البقلي للعشاء على مائدته، ودارت كئوس قليلة لفتح الشهية، وجلسوا معًا بعد العشاء يخططون للقاء الغد، وأوصلهما حتى سيارة السيد نوح، ولكنه لم يرجع إلى الفندق. استقل تاكسي إلى شارع محمد علي، ومضى من توِّه إلى محل الكوارع المعروف. لم يعترف بذلك العشاء المرهف فاعتبره فاتحًا للشهية، وطلب فتة ولحمة راس وأكل حتى استوفى المزاج، وغادر المحل ليرمرم ما بين البسيمة والكنافة والبسبوسة، وكأنما أصابه جنون الطعام، وعاد إلى الفندق قبيل منتصف الليل، وقد سكر بالطعام حتى كاد يفقد الوعي، وأغلق حجرته وثقل غير متوقع يزحف على روحه وأعضائه. خلع الجاكتة بمنتهى العناء ثم عجز عن الإتيان بأي حركة؛ استلقى فوق الفراش بالبنطلون والحذاء وحتى النور لم يطفئه. ماذا يجثم فوق بطنه وصدره وقلبه وروحه؟ ماذا يكتم أنفاسه؟ مَن يقبض على عنقه؟ يفكر أن يستغيث، أن ينادي أحدًا، أن يبحث عن موضع الجرس، أن يستعمل التليفون، ولكنه عاجز تمامًا عن أي حركة. كُبلت يداه وقدماه واختفى صوته. يوجد علاج، يوجد إسعاف، ولكن كيف السبيل إليهما؟ ما هذه الحال الغريبة التي تستل من الإنسان كل إرادة وكل قدرة وتتركه عدمًا في عدم؟ آه، إنه الموت، الموت يتقدم بلا مدافع ولا مقاوم، ونادى بخواطره المحمومة المدير .. نوح .. عثمان .. الثروة .. العروس .. المرأة .. الحلم .. لا شيء يريد أن يستجيب. لم كانت المعجزة إذن؟ .. غير معقول .. غير معقول يا رب! | {
"chapter": "خطة بعيدة المدى",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "الفجر الكاذب",
"url": "https://www.hindawi.org/books/42814840/9/"
} |
«نحن وحدنا لا نُعد الرجل الذي لا يهتم بالصالح العام غير ضار فقط، بل نُعدُّه أيضًا عُضوًا غير نافع. وإذا كان نفر قليل مِنَّا هو المبدع والمنتج، فإننا جميعًا قضاة عقلاء في الأمور السياسية …» «إن المواطن الأتيني لا تشغله أمور منزله عن الاهتمام بأمور الدولة، حتى أولئك الذين لا يقومون بالأعمال التجارية لديهم قسط لا بأس به من معنى السياسة. إننا قوم سياسيون، لا نُعد الرجل الذي لا يُشارك في ميدان السياسة شخصًا خطرًا على المجتمع فحسب، بل نُعدُّه أيضًا إنسانًا تافهًا في ذلك المجتمع. وكلنا مندمجون في تياراته السياسية. وحتى أولئك الذين تصرفهم مصالحهم عن الاشتغال بها لديهم فكرة واضحة عن سياسة الدولة وإلمام بالأمور السياسية. إن العقبة الكئود التي تعترض سبيلنا ليست هي عدم فهم المشروعات التي نكتسبها من جرَّاء المناقشة، والتي هي عنصر أساسي للعمل. ولدينا قدرة عظيمة على التفكير قبل العمل، ومقدرة هائلة على العمل أيضًا.» وصف عَلَم آخر من أعلام اليونان «أرسطو» المواطن بما يلي: «إن المواطن الطيب يجب أن يعرف على السواء أن يُطيع وأن يأمر.» وإليك ملخَّص رأي «بلوتارك» أحد حكماء اليونان لموضوع بحثنا: «أن نجعل من المواطنين أحرارًا في تفكيرهم معتمدين على أنفسهم كابحين لجماحها.» وللعرب الجاهليين رأيهم في العلاقة بين الفرد والجماعة، إلَّا أنهم آثروا رابطة النسب على رابطة الجوار، وذلك ما جعل العلاقة تحمل معنًى أخلاقيًّا (المروءة)، بدلًا ممَّا تحمل معنًى سياسيًّا كما كانت الحالة عند اليونان. وإليك بعضًا ممَّا ورد في هذا الصدد في مُعلَّقة أحد شعراء العهد، طرفة بن العبد: هاكَ وصفًا للصفات التي آثرها الشاعر طرفة: وتميُّزًا له عن المتقاعسين عن واجب المروءة يقول لبنت أخيه: وهل بقيَ الجاهليون عند حد الإعداد بالتربية للفتوَّة والسيادة؟ أم أنهم تعدَّوا التربية إلى الاصطفاء بالوراثة أيضًا؟ هاكَ قولًا مأثورًا لشاعر آخر من شعراء الجاهليين، السموءل الغسَّاني: هكذا كان العربي في الجاهلية، يحرص على جعل مقوِّمات الحياة الأخلاقية السياسية سليقةً بالوراثة، فيُوفِّر لأبنائه الجهود المبذولة في اكتساب الفضائل. وهل اختلف الجاهليون عن اليونان في إعداد الأجيال للذود عن حقيقة الجماعة؟ ألم تكن هنا وهناك الحرية أمنية الناس أجمعين؟ هاكَ أبلغ ما وُصفت به أمنية الإنسان على لسان طرفة: يتساءل المرء كيف تحوَّل العرب عمَّا كانوا عليه من سؤدُد إلى ما هم عليه من خضوع للأغيار، تتقاذفهم تيارات السياسة الدولية. هناك بعض من الأمثلة الشائعة عندنا تدل على مدى انحدار مجتمعنا: «العين لا تُلاطم مخرز»، «الأرض الواطئة تشرب ماءها وماء غيرها»، «من لا تقدر عليه، قبِّل يده وادعُ لها بالكسر»، «من أخذ أمي أدعوه عمي» … إلخ. إليك بعضًا ممَّا سبَّب الانحطاط: «فماذا ترون في من ليس مُتَّصِفًا بشروط القضاء، أيجب خلعه ومخالفته أم يجب طاعته؟ قلنا الذي نراه ونقطع به أنه يجب خلعه إن قُدر على أن يُستبدل عنه من هو موصوف بجميع الشروط من غير إثارة فتنة وتهيُّج قتال، وإن لم يكن ذلك إلا بتحريك قتال وجبت طاعته وحُكم بإمامته» (ابن جماعة الدمشقي، ١٣٣٣). «وأمَّا الطريق الثالث الذي تنعقد به البيعة القهرية، فهو قهر صاحب الشوكة؛ فإذا خلا الوقت من إمام، فتصدَّى لها من هو من أهلها وقهر الناس بشوكته وجنوده بغير بيعة أو استخلاف؛ انعقدت بيعته ولزمت طاعته، ولا يقدح في ذلك كونه جاهلًا أو فاسقًا. وإذا انعقدت الإمامة بالشوكة أو الغلبة لواحد، ثم قام آخر فقهر الأول بشوكته وجنوده وانعزل الأول وصار الثاني إمامًا، فنحن مع من غلب.» هكذا تحوَّل العربي من سيِّد إلى متفرِّج على مصيره. وأمَّا الأسباب العميقة للتحوُّل فهي أن لكل أمة وجهتها في الحياة، الوجهة التي تستوحي منها سُلَّم قيمها. وعلى قدر ما يقوم الزواج على اصطفاء الاستعدادات وفق جدول القيم، وتدعم التربية هذا الاصطفاء، يتم التفاهم والتعاون بين الإخوان، وتشتد عزيمة كلٍّ منهم على العمل. فلمَّا نشر العرب الإسلام حدثت ثلمة في جدول قيمهم، تحوَّلوا عن أسس التربية الجاهلية التي كانت تقوم على مبدأ المروءة، وأهملوا قاعدة اصطفاء الخصال الكريمة وتثبيتها بطريق الزواج. هذا وإن انتشارهم خارج الجزيرة سبب عودة إخوانهم وبني عمومتهم الملقبين بالشعوب السامية إلى حظيرة العروبة، ناقلين معهم إلى مصدر الفيض الانحرافات التي حصلت لهم من جرَّاء خضوعهم لحكم الأغيار. وكان التحوُّل في أداة بياننا الفصحى إلى لهجات عامية خير دليل على ما اعترى مقوِّمات حياتنا من انحراف. وعلاوة على ذلك فقد وقعت المصاهرة بطريق الأخوة في الدين بيننا وبين الأغيار، فدبَّ الخلل في صميم كِياننا. وما إن شاعت الهجانة وكثر الدخلاء حتى أصبح الجو غريبًا عن الطبع العربي، إذ ذاك أوى العرب إلى الريف منزوين عن مجرى التاريخ. أمَّا اليوم وقد استيقظنا بعد سبات مديد، يقظة أهل الكهف، فكيف نُعد العدة لمجابهة العالم؟ كلنا نُدرك حدسًا وجوب إقامة دولة عربية تُعيد إلينا المجد الغابر، ولكن كيف السبيل إلى ذلك؟ كان الناس في عهد الانحطاط يُمَنَّون أنفسهم على غرار الأجداد لتحقيق دولة الإسلام في العالم، وظل الجهاد خلال تلك الفترة شعارهم، ولكن إهمالهم مقوِّمات الحياة جعلت ديار المسلمين مرتعًا لنفوذ الأجانب. وبماذا نختلف اليوم عن عهد الانحطاط؟ نُمَنِّي النفس بالإمبراطورية العربية، ونُهمل الوسائل المؤدية إلى تحقيقها. نسمع الحديث عن الأماني ونُعاني العثرات في سبيلها. ولكي يكون الناس على مقياس الغاية نُقدِّم موجز رأينا في كيفية إعدادهم كمواطنين. تقوم فضيلة المواطن على أمرين معًا؛ بصيرة نيِّرة وعزيمة صادقة، والبصيرة تعني رؤية المفهومات في الذهن رؤيةً واضحة، كما يعني البصر وهو صورة البصيرة الحسية، رؤية الأشياء واضحةً في الطبيعة. وها نحن نعود مرةً أخرى إلى تمييز المفهومات المتعلِّقة بالشئون الاجتماعية السياسية، كالعدالة والرحمة مثلًا من المفهومات المتعلِّقة بالأشياء، كالسرير والموقد والبيت. فالمفهومات التي تتعلَّق بالشئون الإنسانية ككل الأحياء تنزع إلى استكمالها شروط ماهيتها، وتبدو نزعتها هذه واجبًا منبعثًا من صميم الوجدان. وفضلًا عن ذلك فإن الحقيقة الإنسانية تُزكِّي الإرادة بهالة رفعتها، فتُقوِّي بزكوتها العزم على التغلُّب على عنف الميول والأهواء. وإذن فوضوح البصيرة وبزوغ الحقائق الإنسانية من علٍ يقيان الذهن من التردُّد بين الحق والمصلحة الشخصية، ويشدَّان أزر الإرادة في تبنيها الخير والثبات عليه. وكيف تتحوَّل الحقيقة الإنسانية من حدس مبهم إلى بصيرة نيِّرة؟ إن الحياة نفسها تُقدِّم لنا أمثولةً حسيةً عن العلاقة بين نمو جسدها وبين ازدهارها. وتشمل هذه العلاقة البذرة في موسمها والحيوانات في بيئتها والإلهام في التحفة الفنية. وعلى صدق الصورة، أي وضوح بيانها يتوقَّف ازدهار المعنى، زكوته وتلوُّناته، ومن هنا يبدو لزوم التعاون بين المرء والجماعة على إنشاء الشخصية ذات معالم بيِّنة، ذات بصيرة نيِّرة، وذات شكيمة قوية. فإذا كان شأن الدولة أن تُنظِّم البيئة بما يُساعد على استجلاء المعاني في النفس وعلى وقاية الإرادة من الغواية. فإن عقد النية على الاختيار والإنشاء منوط بمهمَّة المواطن. فإن كانت النواة (البذرة) صورةً حيةً للنية، فإن النية تحتمل كل الدرجات في العمق، ويستلزم تحقيقها موقف الإرادة موقفًا حُرًّا بين الحق والحاجات، وذلك منوط بالهمة، بما تتضمَّن الهمة من جهد وتضحية. والناس إمَّا يتفاوتون فيما بينهم بالهمة التي انعقدت عليها النفوس من أجل النفوذ إلى الحقيقة الإنسانية، ومن أجل العمل على هداية الحقيقة المستجلية. ونحن نعتقد خير ما ورد من أجل حفز الناس بهمَّة متزايدة على تعيين موقفها من إنشاء كِيانها شخصيةً ذات معالم بينة، هي هذه الآيات: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ ، إنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ ، والأمانة هي أن يكون الإنسان خليفةً الله في الأرض، فيحتمل المسئولية التي تنجم عن الولاية. وأمَّا ما يترتب على الدولة من إعداد أعضائها مواطنين مؤهَّلين للاشتراك في وضع القوانين وفي مراقبة الحكام في تنفيذها، فهو أوَّلًا: تنظيم البيئة بما يصلح لنمو الحياة نموًّا سليمًا، وثانيًا: إزكاء الميل إلى المثَل الأعلى، إلى إبلاغ كل شيء حد كماله. يترتَّب على الدولة أن تمدَّ يد المساعدة لأعضائها في إيجاد العمل الذي يكفل لهم أمر المعيشة على مستوًى يقيهم شر الفاقة، على مستوى يبقَون فيه محتفظين بالكرامة. ويترتَّب عليها أن تُساعدهم على الكشف عن استعداداتهم ومواهبهم وإبلاغ كلٍّ من الاستعدادات والمواهب حد كمالها في خدمة المصلحة العامة. ولمَّا كانت الأمة في علاقتها مع المرحلة التاريخية على مثال البذرة في علاقتها مع الموسم، فقد وجب على الدولة أن تُنظِّم الشئون العامة بما يتفق مع مقوِّمات الحضارة المعاصرة. وصفوة القول إن مهمَّة الدولة في إعداد أعضائها مواطنين مؤهَّلين للقيام بالأعباء العامة هي أن تُعدهم بما يُساعدهم على استجلاء المثُل العليا واضحةً بينة. ومتى اتضحت الغاية دأب المرء على تحقيقها؛ وعندئذٍ تنمو الحياة وتزدهر، فتنبعث من ثنايا الحالات الزاهية مشاعر المسرَّة والغِبطة. الدولة هي شخص الأمة في طور التحقُّق وظل حقيقتها المثلى. الأمة قائمة في نفوس أبنائها، يتلمَّسها العوام ويُفصح عنها النوابغ، بحيث يُصبح هؤلاء من أولئك بمثابة الحواس من الجسد. وبناءً على وجهة النظر المتقدمة، فإن مهمَّة الدولة وإن بدت كحامية لحقيقة الأمة، لمجالها الحيوي ونظام قيمها، فهي في الأصل إعداد الوسائل التي تُؤدِّي إلى تحقيق هُويتها، إلى الكشف عن عبقريتها وتأدية رسالتها. مَثَلُ الدولة بذلك كمثَل الأحياء، هؤلاء يبدأ كلٌّ منهم بالمحافظة على قاعدة كِيانه الجسد، ويُحاول في نفس الوقت أن يكشف عمَّا انعقدت عليه حياته من إمكانيات. وثمة مهمَّة أخرى للدولة هي أن تدعم أعضاءها في موقفهم بين الحق والغريزة، في تأمين حاجاتهم، وفي تثبيتهم على الحرية، حرية إيثار الحق على المصلحة. ومع أن مهام الدولة الأساسية هي تنظيم قوى الأمة بما يُساعدها على تعيين مجرى تاريخ العالم وتوجيه المواطنين واستعداداتهم بما يُساعدهم على الاشتراك في تعيين المصير العام، نبدأ مقالنا بالحديث عن السيادة. لقد اشتق الذهن العربي كلمتَي «سؤدد» و«سيادة» من «ساد»، فمن «سد» التي هي الأرومة. وحرف «س» يُفيد بحسب حدوثه الحركة، وحرف «دال» يوحي بالصد بالوقفة. فكأني بالذهن العربي يدل باشتقاقها على معنى دفع الهجوم، دفع الاعتداء، وبتعبير آخر حماية المجال الحيوي للجماعة. وتقوم الدولة بمهمَّة السيادة إذا أعدَّت للطوارئ عُدَّتها، إذا درَّبت أعضاءها للقتال، وأمدَّتهم بالعتاد للحفاظ على النظام من العابثين بالعدالة. كان أجدادنا يتدربون على القتال، لا لحماية الحقيقة وحسب، بل لتحقيق أنبل المشاعر الإنسانية، حتى لقد بدت لهم الحياة نفسها مدرسةً للبطولة. وإليك ما قاله بصدد القتال شاعرنا الفارس عنترة: وهاك قولًا آخر في هذا الصدد لأحد شعرائنا حسان بن ثابت: ويقول في ذلك أحد أبطالنا عامر بن الطفيل: وقد ظلَّ أجدادنا أوفياء للتراث، حتى إن نظام الفروسية في العالم نظام اقتبسه الأغيار عنَّا، وهاك ملخَّص وجهة نظرهم على لسان شاعرنا المتنبي: وما دامت دولة الإسلام في أيدي أهلها العرب، كان جمهور المسلمين معسكرًا لحماية الحق، وبقيت وظيفة قائد الموقع وإمام المصلين في الجامع مجتمعَين في شخص واحد. وهل من عجب إن سلك أجدادنا هذا المسلك وقد اتخذوا لهم من الرسول قدوة؟ أفلم يتخذ بطلنا القومي ورسول العالم العقاب شعارًا والحسام وسيلةً في نشر العدل بين الأنام؟ إن قدوة المجاهدين الأبطال هو من قال: «أنا نبي الرحمة، أنا نبي الملحمة، أنا الضحوك القتال. الخيل معقود بنواصيها الخير. رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه.» والشهادة وهي الموت في سبيل الحق تُضفي على البطولة وهي صفة مشاهدة عالم الغيب، ولم يزل الشهيد على قيد الحياة. ونحن نرى صواب وجهة نظر أجدادنا، ونعتقد معهم بأن الحرب في سبيل الحق مشروعة، وأن المظلوم إذا تقاعس عن الدفاع عن حقِّه يكون قد اشترك مع الظالم في الإثم، إذ إنه بتقاعسه يجعل المعتدي يتمادى في غيِّه. وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ، كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ (قرآن كريم). وهل من وسيلة للحد من طغيان الطغاة غير القتال: وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ، وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا . ولئلا يلتبس القتال بدافع «مع» القتال من أجل إحقاق الحق، فتتوه الإرادة بهذا الالتباس، نرى من الواجب على الأمم ذات الرسالة أن تتعاون على جعل أجور العمَّال متعادلةً في جميع أنحاء العالم، ومتى تساوت الأمم في مستوى المعيشة خفَّ تكالبها على التجارة، وتضاءل التنافس بينها في مضمار الاستعمار. إن الحروب التي وقعت منذ فجر التاريخ حتى اليوم من أجل الحصول على ثمرة أتعاب الآخرين هي لصوصية، بل جريمة نحو الإنسانية، ودعاة لزيغَان التاريخ في سيره نحو مستوًى أعلى من الحرية. وكيف زالت دولة العرب عن مسرح التاريخ بعد أن امتدَّ سلطانها من بحر الصين إلى بحر الظلمات؟ زالت بزوال شعارها الملخَّص بقول أحد شعرائها: زالت بزوال التربية التي كانت تجعل المروءة قوامها، فقد فات العرب المسلمون أن العمل بالإيمان تتناسب قوته مع مقوِّمات الإرادة، فإذا لم يتمتَّع على ما يُؤهِّله للجهاد في سبيل الحق، فكيف يبقى على مقياس رسالة أمته؟ هذا وإن للجندية فوائد جمة، منها تحقيق ميلَي الإمرة والطاعة معًا، الميلين اللذين يقوم على انسجامهما كِيان الإنسان كعضو في الهيئة الاجتماعية، ومنها ضبط النزوات والتدريب على النظام، بحيث يُصبح المرء سيِّد نفسه ذا استعداد على التعاون مع الإخوان، ومنها الإقدام على جليل الأعمال والجلَد أمام الشدائد. وفضلًا عن أن الجندية تصقل الطبع وتساعد على تكوين الشخصية، فهي تُمهِّد السبيل إلى التجانس بين المواطنين، فإذا ما خفقت قلوب الجنود أمام الأحداث وفاضت المشاعر من الأعماق؛ انجرفت بالفيض الحواجز بين الإخوان. وكيف يقوى التعصُّب الطائفي وغير الطائفي على الصمود أمام المشاعر الفائضة من أعماق النفوس؟ وهل من وسيلة أبعد أثرًا من الجندية في نقل الجنود إلى مستوى المرحلة التاريخية الراهنة؟ إن الجندي إذا تدرَّب على القتال وعلى العتاد الحديث؛ أصبح ذا خبرة في استعمال الآلة، وأصبح ذا نزعة إلى تفهُّم المعارف العلمية التي شُيِّدت عليها الصناعة. ومتى استيقظ الجمهور على روح العصر اشترك في موكب الإنسانية، منتقلين نحو أهدافهم على موجة الحضارة. وكيف نُحقِّق نحن أبناءَ الجمهورية العربية السورية أمنيتنا بتحرير ديار العرب من الأغيار، وجمع شمل إخواننا في الأقطار الأخرى تحت راية العروبة، إذا لم نجعل خدمة العلم شرفًا يتشرَّف به كل مواطن؟ وهل من ضمانة ضد العابثين بالنظام وضد من تُسوِّل لهم نفسهم الاعتداء على حدود دولتنا من جعل كل مواطن مدرَّبًا على الجندية مستعدًّا لدرء الخطر؟ وهل كانت بلاد العرب شهدت ما تشهد اليوم من مآسٍ لو لم تبقَ قوى الأمن فيها بأيدي رعاع مرتزقة جلهم من الشعوبيين الدخلاء؟ وظيفة الأسرة الأولى هي إعداد أعضائها لمستوى الحرية، المستوى الذي يُصبح فيه كلٌّ منهم مؤهَّلًا لتعيين مصيره بإرادته، وللاشتراك مع الآخرين في تعيين مصير الدولة. إن الأسرة هي البيئة الاجتماعية الأساسية، التي تمد أعضاءها بمقوِّمات الإنسانية، وهي منهم بمثابة الطبيعة من الأحياء، تمدُّهم بالمشاعر التي على موجها يرتقي الوجدان إلى الحق حكمة وجود العدل والنظام، كما تمد الطبيعة الجسد بالقوت والغذاء. وهل من بيئة أخرى تتعاطف فيها النفوس تعاطفها في الأسرة؟ إن المماثلة في التكوين لهي السبيل الأوحد للتعاطف. وأي وسيلة أنجع من العاطفة لتثبيت المرء على حدود الواجب؟ المرء يُحقِّق في جو الأسرة المهمَّة الملقاة على عاتقه، وهي أن يكون لأبنائه مرشدًا وقدوة. والمرأة تُصبح في جو الأسرة مركزًا لإشعاع مشاعر الحنان والمحبة. وإن كلمة أُخوة لتدل بنشأتها من عبارة التوجُّع «أخ» على أنها السبب في التعاون على رفع الحَيف عن الإخوان، وأنها السبب أيضًا في التعاون على تحقيق الأماني المشتركة. وهل من وسيلة للتفاهم والتعاون أقرب من الإخاء قاعدة البنيان الرحماني المشترك؟ ذلك ما دعا العناية أن تتخذ الزواج وما يُرافقه من متعة وسيلةً لتحقيق أغراض عليا. إن أولياءنا إنما يرمزون إلى ما نصبو إليه من مثَل أعلى. إنهم لرمز قاعدته في القلب ومنتهى صبوته في إنسانية متعالية. وبعد ذلك فليس من عجب أن يكون شيوع المرأة مدعاةً لهدر الغاية في سبيل الوسيلة. إن الأسرة تُتمِّم عمل الطبيعة؛ فهي وإن قامت على غريزة بقاء الحياة واستمرارها، تُلزم أعضاءها إعالة بعضهم بعضًا أُسوةً بالأنواع الحيوانية الأخرى، إلَّا أنها تتعدَّى بمراميها حدود الميول وحاجاتها المغلقة هذه إلى جو من الأُنس يتدرَّب فيه الجميع على المكارم والفضائل. فإذا مثَّل الأولاد أكباد أبوَيهم تمشي على الأرض، فإن الأولياء يُمثِّلون لأولادهم المثَل الأعلى. وإذا أقام العرب في الجاهلية الأسرة على مبدأ الاصطفاء، وإذا جعلوا مكارم الأخلاق قوام هذا الاصطفاء، فإنهم كانوا يُؤمنون بأن الحياة قيمتها بأغراضها لا بذاتها. أفما كان أجدادنا أولاء يُلقِّبون ثمرة الزواج المتدني بالهجين والمقرف؟ أمَا كانوا يَصِمون من تخلَّف عن حماية حقيقته بالأسود؟ كان الأسود (العبد) والهجين إذ ذاك موقوفَين وقفًا لخدمة الأحرار، الذين هم حماة الحقيقة (المجال الحيوي وتراث الجماعة). والأسرة تُؤدِّي مهمَّتها إذا استكملت شروط ماهيَّتها التي أشارت إليها صيغة الضمير المثنى (ثنائية الزوج)، وأكَّدها المثَل المأثور: النساء شقائق الأقوام، وأيَّدتها الآية: خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا . إن كلًّا من المتحابين للآخر صورة روحه متجسِّدة، مثَل كلٍّ منهما للآخر كمثَل القصيدة من إلهامها. وإذا اشتق الذهن العربي صيغة ضمير المثنى أنتما وهما من جمع المذكر أنتم وهم. وإذا أيَّد القرآن حدس العربي هذا بالآية: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ ، فإن شأن الرجل هو السيادة، بالمعنى الأصلي للكلمة، وهو سد حِماه أو حِمى حقيقة الأسرة. مثَل الرجل بذلك كمثَل الأسد المشتق اسمه من نفس المصدر؛ الأول يقوم بحماية الحقيقة، والآخر يمنع الآخرين عن انتهاك حرمة الغابة. وأمَّا شأن المرأة فهو حفظ التراث، هذه المهمة تتم بالاستقرار. إنها لحقيقة تُشير إليها علامات التأنيث: ة، ا، ي، التي هي تحوُّلات لحركة الفتح التي تحصل من ركون اللسان عند خروج الصوت من الفم. وهكذا شاءت العناية أن تخصَّ المرأة بالمحافظة على الحياة والتراث، فتجعلها أقرب من الينبوع بقربها من الغريزة، وأن تمدَّ الرجال بخيال يُنشئ به الحضارة. وما دامت المرأة على حدود فطرتها يبقى شطط الخيال عند الرجل دون الأذى. ولو كانت المحبة والمرحمة هما غرضَي العناية من الحياة والمجتمع؛ لكانت المرأة طبعت بطابعها سَير حوادث العالم. وحينما كانت الأسرة تستكمل شروط ماهيَّتها في فجر تاريخنا، كانت تأخذ بيد كلٍّ من أعضائها إلى العبقرية كبصيرة وبطولة، وحينذاك كانت النفوس تنطوي على مقوِّماتها انطواء الجسد على الهيكل العظمي. ولكن إذا أخلَّت الأسرة بواجبها استعانت على الصمود في وجه عاديات الزمن بمقوِّمات برَّانية كروابط الجوار والمصلحة، كما تستعين الحياة المتردِّية العاجز هيكلها العظمي عن تثبيت قوامها، بقوقعةٍ تُنشئها من إفرازاتها. إن الأسرة على مثال عمادها الإنسان، فإذا ما أشرق في أفقها المثَل الأعلى؛ انحسرت أمام بهائه عصبية القرابة، كما تلتبس قطرات الندى بالأشعة المشرقة فتزيد من بهاء ألوانها! تختلف الحضارة الحديثة عن الحضارة القديمة في وجهة النظر إلى الأشياء، اختلافًا تترتَّب عليه أمور هامة، منها ما يتعلَّق بالتربية والإصلاح بصورة خاصة. كانت الحضارة القديمة تُقيم كل الوزن للعبقرية في تفسيرها للشئون الإنسانية. فإذا اعتقد الأقدمون بأن الإنسان هو الغاية التي من أجلها خُلقت الكائنات؛ فإنهم قد فطنوا للشبَه في القدرة على الإبداع بين البشر وبين باريهم الإله. هذا الرأي تُفصح عنه الحكمة المأثورة: «الإنسان تاج الخليقة»، الإنسان خليفة الله في الأرض، الإنسان مقياس كل شيء. ويدل عليه الحدس العربي المتضمَّن في كلمة عبقري المنحوتة من «قبق» و«قر»، فكان الزهرة الذي تنثر العطرة أبدًا رمز العبقرية. وتُؤيِّد الآية التي تُعرِّف الإله كمثال العبقرية: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ . إن الحياة نفسها توحي بنظرة الأقدمين، أفلا تسبق الغاية في التجلِّي الوسائل التي تُؤدِّي إليها؟ حتى لكأن الغاية هي حكمة وجود الوسائل. وكلمة «إله» تُشير باشتقاقها من أله يألهون إلى نفس المعنى، توحي بمصدرها أن الإله هو الغاية التي تتمثَّل بها أمانينا تمثيلًا يُصبح هو فيه لنا مثلًا أعلى. إلى هذا الحدس وذلك الرأي ترجع العبارتان: مشيئة الرب وسنة النبي، الأولى كدليل على الإحياء والإقوام في صعودها من الأشكال الابتدائية الخاضعة لأراجيف البيئة إلى العبقرية ذات التصرُّف في مصيرها، وفي أحوال البيئة. والثانية كرائد في تنظيم سلوك الناس تنظيمًا يُصبح فيه الفرد على مثال رائده عبقريةً مبدعة. وما دام الناس يعتقدون بأن العبقرية هبة من العناية يبقى أمر تحقيقها أمنية، ويبقى الرجاء في إصلاح الأحوال العامة معقودًا على قدوم المخلِّص (الرسول) من مقام أعلى. أمَّا الحضارة الحديثة فقد انتقلت فيها نبرة الإيقاع في التفسير من العبقرية إلى ظروف البيئة، بحيث قامت الوسائل مقام الغاية، بحيث قام الميكانيك مقام العناية. والحالة هذه، فليس للدولة إلَّا أن تقوم بتنظيم الشئون العامة حتى تستجيب على الحوافز المنتظمة استجابةً معيَّنة. وهكذا ساد الاعتقاد بأن الإصلاح الاجتماعي على مثال الصناعة، يقوم على معرفة الأسباب والعمل بمقتضاها. بل هكذا تحقَّقت أمنية لم يفتأ الناس يحلمون بها، وهي السحر، بمعنى استدراج المعنى من الملأ الأعلى، وذلك بإعداد الوسائل التي تُؤدِّي إلى تجلِّيه. كما كان الاعتقاد بأن المارد يظهر من عالم الخفاء عندما تُهيَّأ البيئة الملائمة لهذا الظهور. وهل في الأمر غرابة؟ ما دامت الحياة إمكانيات تتحقَّق باستجابتها لظروف البيئة، وما دام التأثير على ظروف البيئة في متناول الإنسان. ولكن إذا كانت الحياة تُجيب على حوافز البيئة إجابةً مباشرة، فإن الإنسانية تُجيب على رموز البيئة تبعًا لوعيها إياها ولتعيين موقفها منها بملء الحرية. هذا ولمَّا كانت الدولة شخصية الأمة الواعية، وكانت العلاقة بين الأمم على مثال العلاقة بين الأوعية المستطرقة، يملأ الأعلى مستوى منها فراغ الأدنى. فقد أصبح من بيدهم زمام الأمور مسئولين عن كل تقصير في إعداد الأفراد أعضاء المجتمع عن الاشتراك في إنشاء المصير العام وعن وقايته. ولكي نُزكِّي وعي القارئ لمقوِّمات المرحلة التاريخية الراهنة نُقيم المقارنة بين هذه الرحلة وبين سابقتها القرون الوسطى. كان مفهوم الدنيا ذا طابع فني (أخلاقي)، كانت الدنيا تبدو للإنسان صورةً حسيةً هو محورها؛ الأرض موطئ قدمَيه والنجوم تدور في قُبَّة السماء فتُنير له السبيل. وكانت التجرِبة في مظهرَيها الكوني (الفيزيائي) والوجداني تُثبِّت الإنسان على نظرته. أفلا تعظم الأشياء باقترابه منها وتتضاءل بابتعاده عنها؟ ألا تظهر الشمس والنجوم تدور حول موطئ قدمَيه (الأرض)؟ هكذا كان يعتقد الإنسان بأن الكائنات لوحة فنية هو منها بمثابة الغرَض والغاية. كان الاعتقاد بأن الكائنات على مثال القصيدة، تتساند مظاهرها لتحقيق حكمة وجودها، وتنسجم هذه المظاهر للتعبير عن مبدعها. تجلَّت له العناية في الانسجام بين وظائفه (الجسد)، وفي تعاون هذه الوظائف على تحقيق أغراض الحياة. وتجلَّت له أيضًا في تكوين الرجل والمرأة تكوينًا يجعل أحدهما مُتمِّمًا للآخر في إقامة صرح الأسرة. وتجلَّت في الاتفاق بين وجهة نظر الحياة في كلٍّ من الأحياء وبين مجمل العلاقة بين الكائنات. هذا، وما إن استمع الإنسان للوجدان حتى همس في أذنَيه معلنًا له نشأته من فوق المكان والزمان. هكذا كانت ثقافة القرون الوسطى، نظرة مبدؤها الوجدان وقوامها الفن والأخلاق. وأمَّا الحضارة الحديثة فقد بدأت بالتحوُّل عن الصورة الحسية للدنيا إلى مفهوم عقلي لها، بحيث أصبحت الأشياء قائمةً بذاتها خاضعةً للعقل في تقصِّيه للأسباب إلى ما ليس له نهاية. وما إن اتُّخذ المعقول مبدأً للتأمُّل بدلًا من سحر العلاقة بين الصورة والمعنى حتى بدا الإنسان كائنًا بين الكائنات، وبدت له الأرض التي تحمله جرمًا بين الأجرام؛ وعندئذٍ تحوَّل الذهن عن تفسير للحوادث شعاره الآية: «في البدء كان الكلمة»، يعني العبقري البطل، إلى تفسير قوامه مبدأ البيئة، وبتعبير آخر مستحدث ألا وهو مبدأ تأثير البيئة في تطوير الأحياء والمجتمعات، بحيث يقوم الميكانيك مقام العناية. وعندئذٍ أصبح ديدن العقل الكشف عن المناسبات الثابتة بين الحوادث، ثم استخدام هذه المعرفة بالأسباب بُغية جعل البيئة طوع مشيئة الإنسان، بدلًا من تقصِّي حكمة وجود الإنسان. ومع أن كلًّا من الحضارتين؛ القرون الوسطى والحديثة، قد اختلفت الأخرى في موقفها من الحقيقة، اتخذت الأولى التجرِبة الوجدانية مبدأ، واستندت في صبوتها إلى الفن والأخلاق، وقامت الثانية على التجرِبة الكونية (الفيزيائية)، متخذةً العلم والصناعة دعامةً في تقدُّمها. تبقى الحقيقة واحدةً في مبدأ ظهورها وفي غاية مرتقاها، في كل من حدا تطوُّرها؛ الأحياء الابتدائية والعبقرية، وإن افترق قطبا انكشافها؛ الحس والمحسوس، الوجدان والطبيعة. ويرمز إلى وحدة الحقيقة التوليد الذاتي في الأحياء الابتدائية وفي العبقرية، حيث تتجلَّى الحياة إبداعًا وحرية. وإن نمط النمو بين البداية والنهاية يتم بتجاوب بين الحياة وبين منبِّهات البيئة، ممَّا يوحي بأن الإنسان إذا تقدَّم في أسباب الحضارة تمكَّن من إخضاع الظروف لمشيئته، وجعلها صالحةً لنمو شخصيتها وازدهارها، وذلك ما يدعو الدولة وهي شخصية المجتمع الواعية إلى تنظيم معالم البيئة، بحيث يتيسَّر لكلٍّ من أعضائها أن يُحقِّق استعداداته ويُمارس مواهبه في حدود إمكانياتها. وأمَّا تحقيق ذلك فيستلزم أمرين معًا: تكافؤ الفرص بين المواطنين. وإيجاد الانسجام بين الجمهور وبين المرحلة التاريخية الراهنة. وأمَّا مبدأ تكافئ الفرص فله مظهران؛ مظهر فردي وآخر سياسي. فالمظهر الأول تُمليه حكمة وجود المجتمع، التي هي تجهيز الفرد بأسباب نمو شخصيته حتى حد كمالها. إن مبدأ الأخوة القومية يدعو إلى التعاون من أجل ممارسة كلٍّ منهم ما أهَّلته به العناية من استعدادات ومواهب. ولقد قدَّمت العناية نفسها الأسرة مثالًا ينسج على منواله رجل الدولة في تحقيق العدالة الاجتماعية. وأمَّا المظهر السياسي فتُلزمه طبيعة الدولة. إن الوظائف العامة تقوم على نظام ذي رتب، كلٌّ من مراتبه تطلب ممن يُمارسها مؤهِّلات متناسبة مع رفعة مقامها، وذلك يوجب اصطفاء الأكثر أهليةً من بين المواطنين للقيام بالمهام العامة. وكيف يتحقَّق هذا الغرض في مجتمع لم يُمنح فيه جميع أبناء الأمة شروطًا مماثلة؟ بل كيف يُؤدِّي المواطن وظيفته بتمامها إذا اقتصرت تربيته عن الغرض؟ وهل تكون المؤسَّسات العامة على مقياس الجماعة إذا لم يشترك كلٌّ حسب استعداداته في وضع الدولة؟ وبعد أن أوجزنا رأينا في العدالة الاجتماعية التي يقوم كِيانها على مبدأ تكافئ الفرص بين المواطنين، ننتقل إلى مبدأ آخر هو إيجاد الانسجام بين الجمهور والمرحلة التاريخية الراهنة. كنت لخَّصت رأيي في الأمور بصورة مجازية، فقلت: إن الأمة من المرحلة التاريخية كالبذرة من موسمها؛ فكما أن البذرة تنمو بملاءمتها للموسم، فكذلك الأمة يزهو أبناؤها بانسجامهم مع الحضارة القائمة، ونحن نعني بالانسجام فقه رموز البيئة واستقطاب تيَّارات الفكر فيها. ولمَّا كانت المرحلة التاريخية التي نحن بصددها تتلخَّص في العلوم والآداب، وتتبلور في الصناعة والاقتصاد، فقد أصبح انسجام الوجدان معها يقوم على التأمُّل في مقوِّماتها وإدراك كنهها. وما هي إذن مقوِّمات الحضارة التي تكتنفنا بسياستها وتغمرنا بمنتوجها؟ ولمَّا ظهر صلاح الفرضية المتقدِّمة؛ أصبح العقل رائد الثقافة الحديثة، وأصبح كل ما عداه يخضع لسلطانه، لتمحيصه ونقده. ولمَّا كانت خاصة العقل الأساسية هي الشعور المميز للحقيقية من الخطأ، وكان هذا الشعور ملازمًا للطبع البشري، كما يظهر في ملازمته للمبادئ الرياضية عند النوابغ والعوام سواءً بسواء، فقد نجم الاعتقاد بأن العقل موزَّع بصورة متساوية بين البشر. يا له من اعتقاد أعاد إلى الإنسان كرامته بعد أن سلبه إياها الإقطاعيون والرجعيون بحجة واهية، بتأثير نظرة قاصرة في الطبيعة الإنسانية! يا له من اعتقاد ثبت به صلاح بني آدم للحرية في تعيين كلٍّ منهم مصيرَه حسب مشيئته، ولمساواتهم في حق تعيين المصير العام! وما إن تحرَّر الإنسان من الاستبداد حتى تفتَّحت فيه الحياة من كوامنها، فبدت رابطة الأخوة تشمل جميع أبناء الأمة الواحدة، بداية دعا إيضاحها إلحاقَ الزمان بالمكان التطوُّرُ بالميكانيك. تلك هي الحضارة الحديثة، نظرة أصيلة في الوجود، قاعدتها مناسبة ثابتة بين الأشياء، وشعارها حرية خلَّاقة تتجلَّى في تطوُّر الأنواع والأقوام. لقد بيَّنَّا فيما سبق أن المرحلة التاريخية من الأمة بمثابة الموسم من البذرة، وأن التراب القومي هو المظهر الذي تتجلَّى فيه عبقرية الأمة. ولمَّا كان تراثنا يتلخَّص في لساننا، وكانت حياتنا الأدبية-الاجتماعية استجلاءً للمعاني المتضمنة في كلماتنا. فقد آثرنا العمل بأن نبدأ بالتنبيه إلى طابع هذا اللسان الخاص ومزاياه. وأولى مزايا اللسان العربي أنه بدائي، ونحن نعني بالبدائي أن الكلمات العربية ترجع بنشأتها إلى أصوات طبيعية، فإلى صوت «الأخ» مثلًا ترجع الكلمات: أخ وإخوة وإخاء … إلخ. لا يُستثنى من هذه القاعدة كلمة واحدة في لساننا. وإذا قورنت كلماتنا مع كلمات لغة أخرى كالفرنسية — مثلًا — تبيَّن الاختلاف بيننا وبين الآخرين؛ فالكلمات الفرنسية قد حصلت من تحوير كلمات لاتينية، والكلمات اللاتينية كانت قد حصلت بدورها من تحوير كلمات لغة أخرى هي الهندو-أوروبية. وهكذا تبقى اللغات المذكورة طافيةً في التاريخ ليس لها جذور في الطبيعة. إن الميزة المتقدِّم ذكرها تقوم عليها النتيجة التالية: للأمة العربية تكوين خاص بها وهو الأصالة؛ أي إن ظهور الأمة العربية على مسرح التاريخ بدأ مع ظهور الإنسانية. والأمة العربية تدلُّ بظهورها هذا على نقطة التحوُّل عن الحيوانية، عن عهدٍ كانت الألفاظ فيه تُعبِّر عن الهيَجان عبارةً طبيعية، إلى عهد أصبحت هذه الألفاظ فيه كلمات تُفصح عمَّا يجيش من معانٍ في النفس. وميزة أخرى للسان العربي؛ هي أنه بدئي، نسيج وحده من بين اللغات. والطابع البدئي لهذا اللسان يقوم على الخصائص التالية: (١) الصلة الاشتقاقية بين الكلمات، ورجوع هذه الكلمات إلى مصدر مشترك بينها يجعلان الكلمات المعبِّرة عن المحسوس منها تعريفًا بالإشارة لما يُعبِّر عن المجرَّد المعقول منها. فكلمة «ذكاء-الشمس» مثلًا تعريف بالمجاز للذكاء في النفس. والعلاقة الاشتقاقية في اللغة العربية لم تكن قد وُضعت من قِبل أحد الناس، فتحمل طابع اجتهاده الخاص من الإصابة والخطأ، بل إنها حدس أجابت الحياة به على انكشافها: المعنى والصورة، إجابةً عضويةً مباشرة. وكل ما في الأمر أن الأوضح حدسًا وأبلغ بيانًا كان رائدًا لجمهور العوام. وكلمتا «نابغ» و«عامي» تُشيران باشتقاقهما إلى أن العلاقة بين مدلولهما على مثال العلاقة بين الحواس وبين أنسجة الجسد الأخرى، اختلاف في وضوح الاستجابة وحسب. نتج عن الميزة المتقدِّمة أمر إنشاء ثقافة إنسانية دلَّت على الحياة ذاتها. وشأن الخيال هنا في استجلاء المعنى كشأن البيئة الطبيعية في استجلائها كوامن الحياة في بذور النبات. والميزة الثانية للسان العربي هي أن المعقول والمحسوس، وهما قطبا انكشاف النفس، يتبادلان التأثير فيما بينهما، فينمو الذهن من تبادلهما. وكأن الآية: السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا صورة تدل بالمجاز على نمط انكشاف الوجدان بتجاوبه بين قطبيه؛ الحس والمحسوس، الملأ الأعلى (السماوات)، والطبيعة (الأرض). فكلمة «حرية» مثلًا وجَّهت الذهن إلى الحرارة في الطبيعة، بطريق الشعور بحرارة الغيرة. هكذا ظل اللسان العربي محتفظًا بنمط نموِّه نحو أداة بيانية متكاملة، فضلًا عن احتفاظ كلماته بجذورها في الطبيعة. بل هكذا ظل محتفظًا بوجهة الحياة الأصيلة وبنهج تكوين الإنسانية. وميزة ثالثة يتميَّز بها لساننا عن غيره من اللغات؛ هي أن كلًّا من كلماته تتألَّف من صوت وخيال مرئي ومعنى قوام تألُّفهما. والصوت من المعنى بمثابة الجسد من الروح. والعلاقة بين الصوت والمعنى تظهر في الحركات، وفي الحروف، وفي نظام الحروف، وفي القواعد العامة للغة؛ ففي الإعراب تُعبِّر حركة الفتح عن المعنى الذي هو صدى حدوثها في الفم، أي عن معنى الركون، إذ إنها تحدث من ركون اللسان عند خروج الصوت، معنًى يُظهر الفعل الماضي تعبيرًا عن انقطاعه عن الفعَّالية فاندراجه في عالم الإمكان، ويظهر في المفعول تعبيرًا عن ركونه لكيما يحتمل وقوع الفعل عليه. والعلاقة بين الصوت والمعنى تشمل الحروف أيضًا؛ فحرف «غ» مثلًا يُعبِّر عن معنى حدوثه في الفم، وهو معنى الغيبوبة: غاب، غاص، غار، غرب … إلخ. ونظام الحروف في الكلمة هو أيضًا يوحي بالمعنى؛ فكلمة «نب» مثلًا توحي بمعنى الظهور، بمعنى الانتقال من الداخل نحو الخارج تبعًا لحدوث كلٍّ من حرفَيها «ن» و«باء»، الأول يُعبِّر عن الصميم، والآخر عن الخارج، كلٌّ بحسب حدوثه في الفم. هذا المعنى يسري على الكلمات المشتقة من «نب»: نبت، نبق، نبك، نبع، نبغ، نبأ، … إلخ. والقواعد النحْوية ذاتها تخضع لنفس المبدأ؛ فقاعدة التصغير مثلًا ضُمَّ فيها الحرف الأول إيذانًا بالفعَّالية، وجُزم الحرف الثاني على الفتحة مع الياء تعبيرًا عن التقلُّص، عن التراجع؛ ذلك لأن حركة الضم تحدث من تدافع الصوت، كما تُعبِّر الفتحة مع الياء على الجزم عن معنى التقلُّص. وكذلك الفعل المجهول تُفيد الضمة على الحرف معنى الفعَّالية، والكسرة على الحرف الثاني معنى تحمُّل الفاعلِ الفعلَ في الماضي، ومعنى حالة احتماله فعل الفاعل. فليس من عجب إن قيل «إن من البيان لسحرًا»، سحر تأثير الكلمة في إيحاء المعنى وبعثه حيًّا. وأمَّا الخيال المرئي فهو خيال الشيء الذي سبَّب حدوث الصوت. هذه الميزة تُضفي على الكلمة حُلَّةً من الشعر، فضلًا عن أنها تُنمِّي من قوتنا الإيحائية، وذلك لِما للون من وضوح ودقة. مثَل الخيال المرئي هنا كمثَل الصور بالمجاز في الشعر. فلمَّا قرع صوت خرير الماء الإذن، تمثَّل الذهن تأثير الماء في مجراه خربًا وخرقًا وخروجًا … إلخ، تمثيلًا نتج عنه أفعال خرب وخرق وخرج، نتج عن الميزة المتقدِّمة أمر هام في تكوين ثقافتنا وهو فقدان المترادفات، أي بروز المعاني واضحةً متميِّزة، وإليك مثالَين عن ذلك: أسد، سبع، غضنفر، كلٌّ من هذه الكلمات تُفيد حالةً متميِّزةً عن الأخرى؛ فالأسد أسد يحمي غابته (أسد من ساد فمن سد)، وهو سبع عندما يفترس فريسته، وهو غضنفر عندما يهجم فتنفر غضون وجهه. وكلمتا «ذكاء» و«عقل» تُفيد الأولى معنى اللمعة بحسب خيال نشأتها المتجلِّي في صورتها الحسية، ذكاء «الشمس». وتُفيد الثانية الربط بحسب خيال نشأتها المتجلِّي في صورتها الحسية (العقال). هناك مزايا أخرى للسان العربي لا تقل أهميةً عن مصير ثقافتنا عن المزايا التي تقدَّم ذكرها؛ منها أن العلاقة الاشتقاقية بين الكلمات العربية على مثال العلاقة بين الأنغام في الأنشودة، فكما أن الأنغام تحمل على موجها الذهن نحو الإلهام الذي هو معنى تجرِبة الفنان مبدع القصيدة، فكذلك الكلمات العربية تُوجِّه ذهن من يعيها في علاقتها المشتركة، نحو الحدس مصدر وجودها. ومنها أيضًا نزوع كلٍّ من الكلمات العربية إلى صيغة تستكمل بها شروط سلامتها. هذه النزعة المثالية تظهر في العلاقة الاشتقاقية بين كلمة «حَق» و«حِق» التي هي صورتها الحسية. فكان الذهن العربي يُدرك واقع الأمر في علاقته من المثل الأعلى الذي هو كماله «الحق» على مثال علاقة العظم من حقه، من جرنه. وكما أن العظم إذا زاغ بعث في نفس صاحبه الألم، فكذلك المجتمع يبعث القلق في نفوس أعضائه إذا زاغ الواقع فيه عن حقيقته. وإذا كانت كلمة «رحمان» تدل بصورتها الحسية «الرحم» على العلاقة بين الحقيقة وتجلياتها، فإن كلمة «شيطان» تدل باشتقاقها من «شط» على بلوغ التضاد أشدَّه في نفس العربي، بين الواقع المزوَّر وبين كمال المثل الأعلى. وبعد ذلك فهل من عجب أن أنجبت الأمة العربية الآلاف من الأنبياء؟ بل هل من عجب أن سبَر أبناؤها أغوار الوجدان، وأن نظَّموا الإنسانية على ضوء الحقائق المتجلية؟ وهل لسبب آخر يرجع خلود هذه الأمة؟ بقاؤها على مسرح التاريخ منذ أن استيقظ معنى الحياة، فتحوَّلت الأصوات الطبيعية إلى رموز ينتصر الإنسان على قيود المكان والزمان في إنشاء إنسانية جذورها في الطبيعة ورائدها المثل الأعلى. «بينما كانت الأمم تظهر على مسرح التاريخ ثم تتوارى عنه. بينما كان فريق من العرب يشترك في موكب الحضارة، كان فريق آخر يقبع في تراثه محتفظًا بمقوِّمات أمته، متربِّصًا لدوره في أداء رسالة العروبة نحو الإنسانية» (من رسالتنا في الحضارة). ونحن إذ نسوق الملاحظات على مقوِّمات الحضارة في وجهتَيها الطبيعية والإنسانية، نقصد من ذلك تنبيه المسئولين عن توجيه الناشئة إلى أهمية وعي المبادئ المنطوية عليها في تكوين شخصية المواطنين. إن وضوح المفاهيم من نمو الشخصية في انسجامها وعمقها بمثابة القوت في نمو الجسد. ووسيلة الوضوح هي أن يرتقي الذهن بالتأمُّل، من المعارف إلى المبادئ، ارتقاءً يتم به الانسجام والعمق معًا. ألا يحول الغموض في الآراء دون نمو الشخصية، ويجعل الصلة بين النظر والعمل منفصمة؟ أليس ذلك ما تشكو منه الناس جميعًا؟ إن المعاني المبثوثة في الرموز وإن كانت توحي بتضافرها بوجهة المرحلة التاريخية، إلَّا أن الإيحاء يبقى مبهمًا على حالة عرف ما لم يرتقِ الذهن إلى المبادئ. وإنما شأن الدولة في التعليم هو أن تُظهر مقوِّمات العصر في تنظيم البرامج وفي وضع الكتب، بحيث إنها تُمهِّد للناشئة سبيل الارتقاء من العرف (عهد الناموس) إلى مستوى رفعة المعاني متلألئةً (عهد روح القدس). الطبيعة هي موضوع العلم، والمعرفة العلمية هي قوام الحضارة الراهنة. وللمعرفة العلمية مزايا عديدة، أهمها أنها تجعل العقل مرجعًا في إقرار الحقيقة. ومتى تدرَّب العقل على العلم أصبح نزَّاعًا إلى اتخاذ نفسه حكمًا في الشئون الإنسانية، في قبولها أو في إنكارها. عن مزايا العلم هذه نتجت المفاهيم التي هي مقوِّمات الإنسانية الحديثة، كالكرامة الإنسانية، وقيمة الإنسان المطلقة، والحرية. مزية أخرى للمعرفة العلمية هي أنها ذات شمول مطلق، تتخطَّى الحدود المغلقة للأوطان والأديان، مؤكِّدة بتخطِّيها وحدة نوع بني الإنسان. إلى المزية هذه يرجع مفهوم المساواة، بمعنى تساوي الإنسان في قيمة الإنسان المطلقة. مزية نتج عنها تحريم استخدام الإنسان للإنسان كأداة. هكذا يُنمِّي العلم ميلَي الإنسان المتباينَين؛ ميله إلى التفرُّد والاستقلال، وميله إلى الانسجام مع الآخرين بني الإنسان. وفضلًا عن ذلك فإن لكل زمرة من العلوم شأنها في تنمية الشخصية الإنسانية. فأمَّا شأن العلوم الرياضية فهو نقل الذهن من المحسوس إلى المعقول، من صفة يشترك فيها مع الأحياء الأخرى، إلى صفة ينفرد بها بين المخلوقات، بحيث يُصبح تاج الخليقة. ولهذه الزمرة من العلوم تأثير آخر هو إظهار الفرق واضحًا بين الواقع المحسوس وبين المثل المعقول، بين دائرة مرسومة على اللوح، وبين تعريف الدائرة مثلًا. وأمَّا شأن العلوم الطبيعية فهو وضع حد بين الواقع والوهم؛ فنقل الذهن من أضغاث أحلام إلى البيئة مصدر قوت الإنسان. ولهذه الزمرة تأثير بالغ الأهمية في تكوين الثقافة، فلو فُهم مبدأ عدم التنافذ الذي هو أساس العلوم الطبيعية؛ لكان خير وقاية للإنسان من ضلالات الذهن في فهم الطبيعة على غرار الوجدان في فهمه إياها منطويةً على أرواح خفية انطواء الوجدان على إرادة حرة وميول نزَّاعة إلى التشخيص بالخيال. فإذا كان لكل حادثة طبيعية حيِّزها، فكيف تظهر الأرواح الخفية على مسرح الطبيعة، ما لم تُزِح الحادثة عن حيِّزها فتشغله هي؟ ومتى أشغلت الروح حيِّزًا؛ أصبحت هي والأشياء تخضع سواء بسواء لقوانين المادة. أوَليس مناقضًا لمبدأ آخر من مبادئ الطبيعة لمبدأ المساواة بين الفعل وردته، أن يُزيح الموزون (ذو الوزن) بما ليس له وزن؟ ولكن إذا بدا لك ذلك مناقضًا لمبدأ الحياة، فإن هذه تستعين بأعضاء أنشأت أدوات عناصرها مقتبسة، بطريق الغذاء من الطبيعة. وأمَّا شأن التاريخ فهو أن يكشف عن تضامن الأقوام في مصير الحضارة. ليس العلم والفن لوحدهما يُؤلِّفان التراث المشترك لبني الإنسان. إن المفاهيم التي هي قوام الحقيقة الإنسانية أيضًا تتجلَّى بتبادل الخبرة بين أمة وأمة، ولولا هذا التبادل لتعثَّرت الأقوام في صعودها نحو المثل الأعلى. وللتاريخ مهام أخرى لا تقل شأنًا عن الأولى؛ منها أنه يمدُّ الناشئة بأمثلة عن الأعلام كأبطال والعباقرة، فيُنير لهم سبيل إنشاء الشخصية. إن الناشئ إذ يتخذ أحد الأعلام مثالًا يُحذى حذوه يستجلي استعداداته ويكشف عنها، بحيث إذا بلغت شخصيته من النمو أشده استغنى عن القدوة. مثَل إنشاء الشخصية كمثَل إنشاء العمارة؛ يبدأ بإقامة الصقالة من الخشب، ولكنه سرعان ما يستغني عنها عندما تقوم أركان البناء من الحجارة. وعلى الدولة أن تهتم بأمرَين عندما يشترك المسئولون من رجالها في وضع الكتب التاريخية للناشئة؛ أوَّلًا: إظهار معالم شخصية أمتهم، بحيث يتيسَّر لكلٍّ منهم أن يستجلي كوامن حياته على ضوء المعالم المتجلية، فيحصل ممَّا تجلَّى من الصميم الانسجام بين الإخوان، ويظل الجميع منطويةً نفوسهم على مقوِّمات أمتهم كمثل أعلى. ثانيًا: تنظيم الحوادث التاريخية بحيث يُؤدِّي تقاربها بعضًا من بعض إلى جعل الأمة من العالم على مثال الأحياء من الأشياء، مركزًا تتفتَّح على إشراقه الأمور الإنسانية. وأمَّا الجغرافيا، وهي نقطة التقاء الإنسانية مع الطبيعة، فتتلخَّص فيها مقوِّمات الحضارة الحديثة. (١) تظهر الوجهة الميكانيكية في إيضاح سمة الأرض كنتيجة لعوامل طبيعية. (٢) تظهر الوجهة الديناميكية بإظهار التطوُّر ناشئًا عن تأثير متبادل بين الحياة والبيئة. (٣) تتشخَّص عبقرية الأمة في معالم البيئة، بحيث تُصبح هذه وطنًا هي منه بمثابة الروح من الجسد. (٤) يرتفع نجم الإنسان في الأفق بنمو التبادل المنتوج بين الأقوام. ولإشراك التاريخ والجغرافيا في التدريس أبلغ الأثر في نقل الناشئة من حدود بيئتهم الخاصة إلى أفق أمتهم، ومنه إلى آفاق الإنسانية المترامية في المكان والزمان. يا له من انتقال يُنمِّي الخيال ويُثبِّت معالم الشخصية! نُقدِّم فيما يلي بعضًا من تأمُّلاتنا في الأسباب التي تجعل أعضاء المجتمع مستكملين شروط مؤهِّلاتهم للقيام بواجبات الدولة: مهمة التربية أن ترفع بما نسجته الحياة سليقةً إلى مستوى الوعي، بحيث يتم للمرء أن يشترك مع العناية في تعيين مصيره. إن مثَل الشعور بالحقائق من نمو النفس كمثَل الغذاء من نمو الجسد. والمرء ينمو ذاتًا بنسبة تقدُّمه في إنشائه عادات يزداد بها موائمةً مع البيئة، وبنسبة تقدُّمه في تحديد المفهومات التي تجعل الحقيقة الإنسانية واضحةً بيِّنة، وكلا النهجَين يُؤدِّي إلى رسوخ الحياة قدمًا في الطبيعة، وإلى تماسك مقوِّمات الشخصية. وهكذا يقوم نمو المرء شخصيةً ذات معالم معيَّنة على تنسيق إمكانيات الحياة قيام القصيدة على الكلمة المسجلة في المعجم. تبدو الطبيعة للعقل المعاصر قائمةً بذاتها، مستقلةً عمَّا كان يُضفي الإنسان عليها من تصوُّراته واعتباراته الخاصة. تبدو له معقولةً في أجزائها وفي جملتها، خاضعةً لنزعته في تقصِّي الموجودات في اتجاهَي تطوُّرها نحو الحد الأصغر الممكن (الذرة، الجوهر، الشحنة الكهربائية)، والحد الأكبر الممكن، الأرض في المنظومة الشمسية، والمنظومة الشمسية في أفلاك هي بمثابة الجوهر من الذرة، هكذا كان العقل في نزعته إلى ما ليس له نهاية، يجد مقتضيات ماهيَّته محققةً في المادة. وكلمة «مادة» نفسها تدل باشتقاقها من «مدَّ» على الاتفاق في الرأي بين الحدس العربي وبين نظرة الحضارة الحديثة في الطبيعة، ولكن إذا كانت الحوادث الطبيعية تنزع بحكم مادتها إلى الانتشار في المكان، حتى يلتبس واقعها بالإمكان، فإن ظواهر أخرى تنزع إلى استكمال شروط ماهيَّتها كالأحياء والآيات. فلمَّا قام أرسطو يُوضِّح صورة الأفق المستديرة (الطبيعة) كما تبدو للناظر إليها، افترض مبدءَين معاكسَين تحصل الاستدارة من تعاكسهما: (١) مركز انجذاب (اليد المثبتة في أحد طرفَي الخيط)، (٢) الانطلاق (انطلاق الجسم المرتبط بالطرف الآخر من الخيط). وإذا حرَّر العلم الحديث مفهوم الطبيعة من الصورة، فإن استدارة الأفق تدل على بنية الإنسان نفسه في نزعتها إلى الاستقطاب، إلى جعل ذاتها محورًا للظواهر. إن التباس المنهجين؛ المنهج الرحماني في فهم الإنسان وشئونه، والمنهج الطبيعي في فهم الأشياء والحوادث، هو السبب الأول في تردِّي الأقوام. فإلى هذا الالتباس يرجع اعتقاد الأقوام الابتدائية بأن الحوادث الطبيعية منطوية على قوًى خفية تُحدثها كما نُحدث نحن بإرادتنا مظاهر حياتنا الإنسانية. وهل للسحر سبب آخر غير هذا الالتباس؟ وإلى الالتباس نفسه يرجع أمر تفسير الإبداع الفني والأخلاقي بالسلوك وبتوارد الخواطر. بيد أن سبيل المعرفة الرحمانية: المحبة، أي عقد النية على فهم الحقيقة والعطف عليها. إن المحبة تدعو إلى الاستسلام، لا إلى التمرُّد والعصيان. وأسطورة هبوط آدم تكشف عن الوجهة الإنسانية للمعرفة. وأمَّا الحوادث الطبيعية مهمَّتها اتخاذ موقف المستنطق منها، أي الاستقلال عنها والتمرُّد عليها، ولا سيَّما إذا كان الغرض من هذا الفهم الجانب العملي في المشكلة، كما تظهر الحالة في العلاقة بين العلم والصناعة. وهل من ضلالة أوغل في التردِّي من التباس الواجب بالمصلحة من إيثار الأنانية؟ نضرب مثلًا على التباس الأشياء بالأمور الإنسانية: «حي بن يقظان» بطل رواية ابن طفيل، حين كان يرفع الصخور من مجرى النهر المتعثِّر بها الماء ظنًّا منه أن الزبَد يُعبِّر عن حالة الغضب، كما تُعبِّر بوادر الغضب على الوجه الذي يُعيق المرء عن تحقيق أغراضه. ونضرب مثلًا آخر على التباس الأمور الإنسانية بالأشياء: الطفل الروماني الذي كان ينقر بالقَدُوم على ساق عبده سينيك الفيلسوف اليوناني، وكأنه كان يلهو بالضرب على عود من الحطب. ولمَّا انكسرت الساق قال سينيك لابن سيِّده: أمَا نهيتك وقلت لك إنك ستكسرها؟ ذات يوم سألني أحد تلاميذي عن رأيي في تلاميذ الصف الذي كنت ألقي الدرس فيه، فأجبت على السؤال بالقول: إنِّي أرى من الأفضل أن ننقل السؤال إلى صعيد نُظهر لكم سريرتكم على ما هي، وأن أترك لكم أمر الإفصاح عن رأيكم في أنفسكم ذاتها. مثَل النفس الكريمة من معتقداتها وأفكارها كمثَل الأم التي تجد هناءها في هناء أولادها، فتُوقف جهودها لتنشئهم النشأة التي يبلغون بها حد كمالهم. وأمَّا النفس العقيمة من الأفكار تُشبه القطة التي تعيش على أفراخها، تتقنَّع بالأمور الإنسانية من أجل الوصول إلى أغراضها. فمن أي الزمرتَين أنتم؟ أمن النفوس التي تجود بما لديها من أجل تحقيق المُثُل العليا الإنسانية، أم من زمرة النفوس الدنيئة الخسيسة التي تتقنَّع بمظاهر الإنسانية بُغية الوصول إلى أغراضها الخاصة؟ هناك منهجان تنهجهما الحياة في علاقتها بالأنام: الفن والمساومة؛ فهي في الحالة الأولى تُدرك الأشياء لذاتها، وفي الحالة الثانية تُدركها كأداة لمآرب أخرى. إن الفنان من بنات نفسه الآيات، كالأم من ثمرة فؤادها الولد، يدأب على إنشاء العبارة المحققة لها على أحسن وجه. إن النفس إذا عقدت النية على التعاطف مع الأنام، انبعثت منها المعاني المنطوية في صميم الآخرين، والمعاني المتضمنة في رموز البيئة، فالتزمت بما انبعث منها التزام الأم ببنيها. تلك هي التربية الفنية، مهمَّتها إعداد الأسباب التي تُؤدِّي إلى نمو الحياة كاملة. وكلمة كمال تُشير باشتقاقها من «كُم الزهر» إلى معنى الازدهار. وأمَّا التاجر فيؤثر مسلك المساومة، المسلك المؤدي إلى بلوغ المآرب بقطع النظر عن الوسائل المؤدية إليه، بدلًا من انكشاف الحياة لذاتها ببهائها في الفن والأخلاق. هكذا تتضافر الآداب والرياضيات على إزكاء الميل إلى الكمال، إلى حد بلوغه بالبصيرة وتقويم اعوجاج الحالة الراهنة على ضوء الآيات المشرقة. الجسد يستجلي بنموه كوامن الحياة، والبوادر (العبارات) تُزكي بانطلاقها المشاعر، وكذلك الاجتماع يجعل النفوس تفيض بالنشوة. وتمييزًا لحالة الاجتماع من حالة العزلة إنشاء الذهن العربي صيغة جمع السالم على صورة تفخيم المفرد في حالتَي المذكر والمؤنث، «مؤمن-مؤمنون»، «مؤمنة-مؤمنات». ومن هنا كان تفنُّن الأقوام في إيجاد المناسبات التي تتكرَّر فيها الأعياد، إذ ليس العيد إلَّا عودة الذكرى العظيمة الأثر في تاريخ الأمة، بل وإنها أيضًا مناسبة لاجتماع الإخوان. ومتى اجتمع الإخوان وفاضت قلوبهم بالنشوة؛ ارتقت النفوس إلى ينبوع الفيض، متخطيةً حدود الحواجز بين الأفراد، متحرِّرةً من شطَط الانفراد، كالضمور والجمود وما يُرافقهما من أثرة وزعر. فإن يأخذ القلق من النفس، فقد جفَّ النسغ. إن الحياة تجهل الموت، والاجتماعات العامة من الفكرة المنوي إيحائها للجمهور أشبه ما تكون بالأرض المعدَّة لزرع البذور. مثَل الخيال من المعاني كمثَل الجسد من الميول، فكما أن الجسد يكشف بنموِّه الميول الضامرة، فكذلك الخيال يستجلي المعاني، بأصالته وبفسحته. إن الخيال محل التقاء الصور المحقِّقة للمعاني ومحل انسجامها. وهو وسيلة الاتصال الرحماني بالآخرين، ووسيلة فقه رموز البيئة. فعلى فسحة الخيال تُقاس مراتب الناس كما تُقاس على مدى نمو الجسد، خِلوًا من التكرار، مراتب الأنواع الحيوانية. ألم يُشِر الذهن العربي إلى العلاقة بين اللؤم وضيق الخيال؟ كلمة «لئيم» من أرومة «لم». أولم يُكمل هذا الذهن حدسه في اللؤم باشتقاقه نقيض اللؤم الذي هو الحلم من أرومة «حل»، فكان الحليم هو الذي يتقمَّص بالخيال حالة الآخرين، فتنبعث من نفسه حاجاتهم كواجبات. ولمَّا كان المجتمع رموزًا تبدر معانيها في نفس من يعيها، وكانت النفس تلتزم بما يبدر عنها التزام الأم بمهجة فؤادها، فقد أصبح ارتباط الفرد بمصير الجماعة متناسبًا مع فُسحة الخيال، مع انتظام الرموز ذاتها. مثَل الخيال في جمع شتات مظاهر الحياة العامة، كمثَله في جمع أنغام الأنشودة الواحدة، وبنسبة ما تبدر المعاني المتمثِّلة الأوضاع العامة فيها، يُصبح الفرد في المجتمع بمثابة نبرة الإيقاع في الأنشودة. وجهة النظر التي نتبنَّاها تستند إلى المسلَّمات الآتية: (١) الأرض هي المجال الحيوي للأمة. (٢) تقوم الأمة بأبنائها، هؤلاء منها بمثابة الإخوة من الأسرة، يكفل بعضهم بعضًا في السؤدد والمحنة. (٣) الملكية الخاصة وظيفة اجتماعية، تُعيِّن حدودها بما يُساعد على درء الخطر عن الوطن، وعلى أداء رسالة الجماعة بالإفصاح عن شخصية الأمة. هذا وإن الإنسان ذو طبيعة متباينة البنيان، فهو متطفِّل كسول، ينزع إلى استثمار جهود الآخرين، وإلى اتخاذهم أداةً في بلوغ مآربه الخاصة. وهو في ذات الوقت غيور، تتجاوب نفسه مع الجماعة فتنبعث فيها — بهذا التجاوب — مشاعر اختلجت بها نفوس الآخرين، فيُجيب على ما تقتضيه طبيعة هذا الشعور من دعوة لرفع الحيف عنهم أو تقويم اعوجاج الأوضاع العامة. ولو لم يشترك الناس في هذا التكوين الرحماني ذي الصبوة المثالية، لما كان للكرم والجود من معنًى. وكلمتا «كرم» و«جود» تُشيران بنشأتهما اللغوية إلى أن الإنسان يتخطَّى حدود أنانيته المغلقة نحو إنسانية ذات آفاق متعالية. فكلمة «كرم» تُشير إلى الامتناع عن الكر، إلى امتناع الفارس عن الإجهاز على خصمه عندما يكر عليه. وحرف «م» الملحق ﺑ «كر» هو الذي يُعبِّر هنا عن معنى الامتناع، الإغلاق بحسب مخرجه، تلك حالة يرمز إليها المثل المأثور: «العفو عند المقدرة». وكلمة «جود» تُشير باشتقاقها من «جد» إلى معنى الجهد المبذول من أجل الآخرين: «والجود من الموجود». وإذا كان العربي يحرص على حيازة الأشياء، فإنه يتخذ منها وسيلةً يكشف بها عن مكارم الأخلاق، ومن هنا العلاقة بين الفيض والفضيلة. كذلك هو الإنسان، فإذا أغلق عن الآخرين باب الرحمة في نفسه، وقف منهم موقفه من الأشياء، وإذا تعاطف معهم مال إلى حمل أثقالهم. دعوة الأخوة هذه أعمق في نفسه من ميله إلى الحاجات، ولولا هذه الدعوة لما شاهد التاريخ إصلاحًا أو مصلحين. ومبدأ الأخوة يجعل الأسبق من الإخوان إلى إشغال الأرض أحق من سواه بحيازتها، غير أنه إذا تخلَّف عن استثمار حقه يكون قد أساء إلى الجماعة، باحتكاره مصدرًا من مصادر الخيرات العامة. والحالة هذه يحق للجماعة أن تستردَّ الأرض ممن قصَّر في واجبه نحو الثروة العامة: أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ، الذين هم أكثر صلاحًا لاستثمارها. إن العمل والملكية صنوان، بصرف النظر عن كل تشبُّث قام به علماء الاقتصاد من أجل تمييز القوى العضلية عن الذكاء. وهل يجوز فصل الذكاء عن القوى المبذولة في سبيل إنجاز العمل؟ إن الذهن العربي عرف العمل بالفعَّالية المقصودة، أي المستنيرة بالذكاء. وقد ذهب هذا الذهن في تعريف الملك والعملة نفس المذهب؛ إنه اشتق كلمة «ملك» من «ملة»: مل، ملا الثوب: خاطه خياطةً أولى إعدادية. والمليل من الطريق: المسلوك. وإنه اشتق كلمة «عملة» (النقد) من العمل. هكذا دلَّ الذهن العربي على وجهة نظره في مصدر الثروة. ونحن نستنتج ممَّا تقدَّم أن الأجير والمحتكر هما عالة على الجماعة؛ الأول بتقصيره عن حماية حقه، والآخر بتطاوله على حقوق الآخرين، وهما إذ يُخِلَّان بالاعتدال يُثيران الشعور بالقرف والنفرة؛ أولهما بضموره والآخر بانتفاخه. هذا وإن للملكية جذورًا عميقةً في الحياة، وهي والاستقلال عن أراجيف البيئة يتلازمان، ويدل على تلازمهما تطوُّر الأحياء عبر الزمان. أليست الأنواع الحيوانية الراقية أقل خضوعًا لأراجيف البيئة من الأحياء الابتدائية كالبراغش مثلًا؟ أيرجع اختلاف الأحياء في مراتب التطوُّر لسبب غير اختلافهما في قاعدة ارتكازها في الطبيعة، أي في الجسد الذي هو محل انكشاف الحياة؟ وإذا لُقِّب الإنسان بخليفة الله في الأرض، وبتاج الخليقة؛ فذلك لأنه ألحق الأرض بالجسد فجعلها امتدادًا له؟ أوَلا تُقاس الحضارة بمدى اتصال المجتمع بالطبيعة؟ وكما يستجلي الجسد بنموِّه الميول، تدعو الأرض أيضًا بنقاط اتصال المجتمع بها إلى تفتُّح الحياة العامة. وإذا كان للإنسانية تاريخ غير انكشاف ثقافة كلٍّ من الأقوام، فإنه تقدُّم الإنسان بمجاله في الطبيعة. وهكذا نتج عن الملكية الشروط اللازمة لظهور الإنسانية: الاستقرار، الاستقلال بالمصير عن البيئة، وانطلاق من القوى الكامنة في الحياة، وظهور الشخصية منفردةً في نموِّها عن أرومة الجماعة … إلخ. ولكن هل يبقى الإنسان على حدود الاعتدال؟ ألا تقتنصه بحكم طبيعته آفتان تجعلان من الملكية وبالًا عليه وعلى الجماعة، آفة الاستيلاء على الأرض وآفة ادِّخار الثروة؟ مستقِلًّا عمَّا تقتضيه حكمة وجود، في خلق الانسجام بين قطبَي كِيانه العمق والفسحة. وقد ترمز إلى شطط الحياة هذه الحيوانات المندثرة في الأدوار الجيولوجية، الحيوانات التي لم يتناسب في بنيتها الرأس مع كبر الجثة. وثمة آفة أخرى يهبط بها الطبع البشري إلى ما دون البهيمة، ألا وهي استخدام الإنسان لأخيه الإنسان كأداة. إن الأسرة تقي أعضاءها من الآفات التي تقدَّم ذكرها، بما يفيض في جوها من مشاعر، بتفوُّق رابطة الأخوة فيها على رابطة المصلحة، حتى إذا ذرت قرن المصلحة الخاصة في مجتمع يقوم كِيانه على مبدأ النسب؛ لجأ الوجدان العام للحدِّ من طغيان الأنانية إلى التهذيب والاصطفاء عن طريق الوراثة. وذُكر البيت التالي للأعشى كأهجى ما قيل في الجاهلية: ولكن الأسرة مع ذلك تجعل الفروق بين الإخوان في المزايا طامسة، بجعلها مبدأ شيوع الأشياء سائدًا بين الأقارب. مثَلها بذلك كمثَل خلية الحياة الأولى؛ حيث تطمس الفوارق بين الأعضاء والوظائف. غير أنه عندما يتحوَّل المجتمع عن رابطته النسب، إلى رابطة الجوار؛ تُصبح الملكية الخاصة فيه وسيلةً من وسائل ظهور الفردية فذَّة، ولكن إذا اختلط في مجتمع كهذا الدخيل بالأصيل، وكثر الهجناء؛ عندئذٍ تنحسر العاطفة الرحمانية، وتقتصر على حدود العائلة، وعندئذٍ يتحوَّل المواطنون إلى ذئاب يفترس بعضهم بعضًا، كما آل إليه عهد الإقطاع. وأمَّا المستبد المحتكر، فهو من المجتمع بمثابة السرطان في الجسد، يُقوِّض كِيان المجتمع بلؤمه وخيانته. وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا . كذلك هو الملك، إذا تحوَّل عن وظيفته الأساسية، التي هي صقل الشخصية وإظهار الفضائل الأخلاقية، إلى إفساد كِيان الأمة وجعلها قائمةً على تنازع الطبقات. استبداد وخنوع، كلاهما يُعمي البصيرة ويُضعف الهمة، وما انتهت إليه بلادنا من بؤس وخراب إنما يدل على مساوئ توزيع الملكية، فإذا كان الفساد في نظام التملُّك يبعث الشراهة عند المحتكرين، ويُسبِّب الزهد في الحياة عند المعوزين، فإن اعتدال هذا النظام يُحوِّل المملكة من صحراء تعبث بها التيارات، إلى غابة تثلم أشجارها حدة العواصف. وبعد أن أوضحنا وجهة نظرنا في الملكية، نتساءل بأي الأمرين نبدأ بالإصلاح؟ أبتحسين حالة الفلَّاح وبإعداده كمواطن، ورفعه إلى المستوى من الاستقلال في موارد حياته، بحيث يُصبح مؤهَّلًا للاشتراك في وضع القانون وفي الإشراف على تنفيذه، أم بتحسين أسلوب العمل في الزراعة؟ فما دُمنا نستوحي مشروع الإصلاح من مبدأ الأخوة القومية، ومن مبدأ إيجاد دولة عربية ذات سؤدد ومنَعة، نرى الوجهة السياسية الأخلاقية أكثر أهميةً من إنماء الثروة العامة. ولمَّا كان خمسة وثمانون في المائة من سُكَّان البلاد فلَّاحين، فإننا نرى أن يبدأ الإصلاح بتحديد الملكية الزراعية، بحيث يُصبح كلٌّ من الفلَّاحين مُلَّاكًا، يملك بيته الذي يأوى إليه، ومزرعته التي يستمد منها قوته. ونرتئي أن يتحقَّق هذا الغرض على الوجه التالي: أن تستصدر الحكومة قانونًا تمنع به دوائر التسجيل من تسجيل الملك باسم أي كان، إلَّا في حدود مقدرته على استثمار الأرض استثمارًا مباشرًا دون الاستعانة بآخرين كإجراء. وحدود المقدرة على الاستثمار يُعيِّنها مجلس المحافظة، آخذًا بنظر الاعتبار أمرَين معًا؛ قابلية الأرض للزراعة، وإعالة المزارع ذويه الذين يلتزم بهم بحكم الطبيعة. وللمزارع الحق في أن ينقل ملكيته لآخر على أن يُراعي المبدأ العام، وهو الاستثمار المباشر لا بواسطة الأجراء. الوساطة التي تُحوِّل المواطنين إلى رعاع، وبهذا التبدير يبقى الريف يمد المدينة بعناصر نشيطة قوية، فيقيها من التدنِّي والانتكاس. وأمَّا تطوُّر الزراعة وما يلزم لهذا التطوُّر من نفقات، فتقوم بها الجمعيات التعاونية مقام رأس المال الفردي. وللتعاونيات وجهة إنسانية يجب ألَّا نغفل عنها، ألا وهي تدريب الفلَّاحين على ممارسة الحياة السياسية، وعلى إنماء روح التعاون بين المواطنين. وما أحوجنا نحن العربَ إلى هذه الروح للحدِّ من نزعتنا الفردية، ومن أجل القيام مع الإخوان بالمشاريع الكبرى متعاونين! وهكذا تنتج عن تحديد الملكية الزراعية نتائج مباشرة سياسية وأخلاقية واقتصادية، وينتج عنها نتائج غير مباشرة، منها استثمار الأموال المجمَّدة في الملك، في الصناعة والعمران. وأمَّا أسلوب العمل في الزراعة، فأمر التقدُّم به منوط بتقدُّم الفلَّاحين بالخبرة العلمية، وفي مدى استخدامهم للآلة الحديثة. في الحقيقة إن المصلحة وإن كانت من دواعي المنافسة بين المواطنين، إلَّا أنها تُصبح إذا اتسقت وانتظمت، عامِلًا في شد أزر كِيان الجماعة، إلى جانب عامل القرابة. أفلا تبعث المصلحة اللذة وتُثير الاهتمام؟ أليس لها جاذبيتها كما للحق سحره؟ إنه لفي اتفاق المصالح بين المواطنين أخوة جديدة إلى جانب الأخوة التي تقوم على العلاقة الرحمانية، فإذا كُنَّا نُقيم — نحن العرب — في جاهليتنا العلاقات بيننا على مبدأ القرابة وعلى درجاتها، فإن بعضًا من الدول الحديثة تُقيم علاقاتها على مبدأ المصالح وانسجامها. حتى إن رابطة المصالح تتميَّز بميزتين؛ بتقدُّمها الدائم، وهي بذلك على خلاف رابطة النسب التي تتضاءل بصورة تتناسب مع اتساع دائرة القرابة، وبتحريرها العقل ممَّا يعوقه عن انطلاقه صرفًا من العواطف. ولكن إذا كان مبدأ المصلحة الخاصة وسيلةً من وسائل ظهور الفردية فذةً ذات معالم معيَّنة، وظهور مجتمعات تقدُّمية، فإن أمر الحد من شراهة وشراسة المتنافسين في ميدان العمل، وأمر الانسجام بين المصالح، يدعو إلى هيئة تتميَّز بوضوح البصيرة وبقوة الشكيمة، مهمَّتها الأولى بما تدرأ به الخطر عن حرية الفرد وعن استقلال الجماعة. هذا وإن مبدأ الأخوة القومية يضمن مساواة المواطنين في حق الاشتراك في تعيين المصير العام، فكيف يُمارس الإخوة هذا الحق إذا كانت مرافقة حياة بعضهم في حيازة الآخرين؟ إن البطولة نعمة تمد بها السماء المصطفَين من البشر، وأمَّا قانون الحياة فهو مسايرة الظروف من أجل البقاء. وهل يتفرَّغ للأمور العامة فيرتفع إلى مستوى معالجتها من لم يكن متملِّكًا بأسباب المعيشة؟ وكيف تستطيع الدولة أن تدرأ عنها الخطر إذا كان معظم أعضائها مشلولي الإرادة؟ بل كيف يتسنَّى للأمة أن تُفصح عن حقيقتها إذا لم يكن أبناؤها على مستوى الحرية، المستوى الذي يسمح لكل فرد أن يُعبِّر عن عبقريته من وجهة نظره الخاصة؟ إن الدولة تقوى بأعضائها، والأعضاء يقوَون إذا استكمل كلٌّ منهم شروط طبيعته الخاصة. ألم يُقدِّم لنا التاريخ عِبَرًا عن زوال الأمم عن مسرح العالم؟ فهل تقوى دولة أبناؤها مُوزَّعون بين ملك ورعية على الصمود بوجه دولة أبناؤها ملوك أحرار؟ ألم تدلَّنا عبقرية أجدادنا باشتقاقها كلمتَي مِلْك ومَلِك على أن الأمة التي تتألَّف من ملاكين، يُدافع كلٌّ منهم عن حياض الوطن دفاع الملك عن المملكة؟ ونتائج أخرى تنتج عن الخلل في نظام الملكية، منها خروج المواطنين عن حدود الفطرة الإنسانية، فإذا اغتصب أحد حق غيره بعث في نفسه شعور الحقد، وإذا قصَّر المظلوم عن حماية حقه ذلَّ وخنع. وهكذا يُصبح الوطن مسرحًا للتنازع بين طبقة من المستبدِّين وأخرى من الرعاع. ومتى انحدر الفلَّاح بدأ اختلاس ثمرة أتعابه خلسة، بحيث إنه يظهر في مظهر اللص السابق. وإذا هو قصَّر عن القيام بأود حياته لجأ إلى الكذب والنفاق وغيرها من الموبقات. كان سطيح الكاهن عرافةً من عرَّافات العرب في الجاهلية. كان مرهف الحس راجح العقل، يُفسِّر الرؤيا ويتنبأ بالمستقبل، ومع ذلك كان لا يتمكَّن من التأثير في سَيْر الحوادث، فيُبدِّل مجراها حسب مشيئته؛ وذلك لأن هيكله لم يستكمل شروط نموِّه فيتحوَّل من غضروف إلى جهاز عظمي ينفذ به في ظروف البيئة. تلك هي الأسطورة الجاهلية. ويا لها من أسطورة تصدق بالتعبير عن حالة كل أمة معاصرة لم تستوفِ شروط صناعتها! نحن أيضًا أخذنا نتجاوب مع المرحلة التاريخية الراهنة، نقتبس منها الآراء، ونستقطب تياراتها، ولكننا مع ذلك نشعر بالعجز عن تعيين مصيرنا وفق مشيئتنا، وعن الاشتراك مع الأمم الأخرى في مصير الإنسانية؛ وما ذلك إلَّا لأن صناعتنا لم تستكمل بعدُ شروط كِيانها. قيل إن الآلة من الأمم بمثابة الريش من الطير؛ تمدُّها بأسباب السير في موكب الحضارة. ومتى استكملت الأمة شروط صناعتها؛ ظهرت على مسرح العالم بمقياس عدد أبنائها. وللصناعة مزايا أخرى؛ منها تحويل الناس من الاتِّكال إلى السيطرة، سيطرة السائق (الشفور) على الآلة. وإليك ما قاله أحد مفكِّري العصر بخصوص الاختلاف بين الصناعة والزراعة من حيث تأثيرهما على من يمارسهما كمهنة. «ما دام الفلَّاح عاجزًا عن جلب الغيم واستدراره غيثًا يستنبت به الزرع، يبقى تحت رحمة القدر، متَّكِلًا على العناية، في حين أن السائق يتأكَّد بلوغ الغاية عندما تستوفي سيارته شروط وظيفتها؛ وهكذا تتحوَّل عقلية الجمهور من الاتِّكال إلى السيطرة بتحوُّلها عن الزراعة إلى الصناعة.» وللصناعة تأثير آخر في مصير الشعوب المعاصرة، وهو أنها ترفع من مستوى المعيشة، وهاك جدولًا ببعض الأرقام عن تطوُّر الإنتاج في العصر الأخير: «فقد قُدِّر إنتاج الفحم الحجري بعشرة ملايين طن في مطلع القرن التاسع عشر، وأصبح بعد مائة عام «١٢٠١٦»، وأنتج العالم أربعة ملايين طن من البترول والمحروقات لغاية عام ١٨٨٠م، و٢٨٠ مليون طن عام ١٩٢٧م. ولم يتجاوز الإنتاج للحديد والصلب والفولاذ ١٣٧٥ ألف طن عام ١٨٣٠م. وقد تصاعد عشر مرات تقريبًا خلال ٥٠ عامًا. ولم يُستعمل المطَّاط في الصناعة إلَّا منذ بداية القرن العشرين، ولا الألمنيوم إلَّا منذ عام ١٩٠٩م. ويُقدَّر إنتاج هذه المواد الأولية الرئيسية بملايين الأطنان. نفس التقدُّم في وسائل النقل، كان يوجد ٢٦٧٩ كم من الخطوط الحديدية عام ١٨٤٠م، فأصبح عام ١٩٢٠م مليونًا وثلاثمائة ألف كم. كانت الحمولة البحرية في العالم تسعة ملايين وأربعمائة ألف طن عام ١٨٤٠م، وأصبحت ٦٨ مليون طن. وكانت طوابع البريد المباعة في الولايات المتحدة عام ١٨٥٠م تُقدَّر بمليون ونصف، فارتفعت عام ١٩١٣م إلى ١١٢٣٦ مليون». وكان توزيع العمل أثرًا بلغ في قدرة العامل على الإنتاج ممَّا كان للصناعة الحديثة في تقدُّم إنتاج العالم. هاك جدولًا آخر يكشف لنا عن نمو ذلك: «بفضل توزيع العمل واستعمال الآلات الضخمة زادت قدرة العامل على الإنتاج زيادةً هائلة، غير متناسبة مع طاقته المحدودة الأولى؛ فعامل الآجُر مثلًا كان يصنع بواسطة الأدوات القديمة ٤٥٠ قرميدةً في اليوم، أمَّا الآن فقد بلغ إنتاجه بواسطة الآلة الحديثة ٢٢ ألف قرميدة يوميًّا. والعامل في صناعة الزجاج اليوم يقوم بعمل ٥٤٠ رجل في العصر القديم في ما يخص صناعة القوارير، وعمل ٥٣٣ رجلًا في صناعة الأوعية الغذائية. والآلات الحديثة تصنع ٢٥٠٠ لفافة من التبغ في الدقيقة، أمَّا الأدوات القديمة فما كان بوسعها أن تصنع من ٥٠٠، فإلى هذا التقدُّم في الإنتاج يرجع أمر تدنِّي أسعار الحاجيَّات وتحسين مستوى المعيشة في العالم». ولكي نُدرك تمام الإدراك التطوُّر الذي طرأ على حياة العمَّال، والتقدُّم في الإنتاج، نُقيم مقارنةً بين الحالة التي كانت عليها هذه الطبقة في مطلع القرن التاسع عشر حين ظهرت الصناعة الحديثة، وبين حالتها في هذا اليوم. يقول الدكتور غريان في هذا الصدد ما يلي: «لم يكن يُعوَّض على العامل شيء من ثمار جهوده؛ فالحياة عنده معناها أن لا يموت من الجوع، فأجره غير كاف، وغذاؤه الخبز والبطاطا، ومستوى معيشته أدنى من مستوى سائر طبقات الناس، معدَّل ساعات عمله اليومي ١٥ ساعة.» وأمَّا اليوم فقد تعيَّن الحد الأدنى للأجور، الحد الذي يحفظ به العامل كرامته الإنسانية، وقد أخذت ساعات العمل تتناقص حتى انتهت بأقل من نصف ما كان يعمل بها العامل قديمًا. والجهود تبذل عند جميع الأمم لإنزالها إلى الحد الذي يسمح للعامل كمواطن أن يتفرَّغ للشئون العامة ويعالجها. وعلاوة على ذلك نال العمَّال بفضل الصناعة الحديثة حقوقًا متعلِّقةً باستقرارهم، كالعقود الجماعية، وحقوقًا أخرى متعلِّقةً برفاهيتهم، لم يكونوا يحلمون بها من قبل. كان ذلك كله بفضل الصناعة الحديثة وما دعت إليه هذه الصناعة من تنظيمات يسَّرت به للعمَّال التعاون من أجل الحصول على مستقبل أحسن. وإذا اندلعت فعَّالية بعض الأمم واشتدَّت نزعتها إلى الانطلاق، حتى ظهرت بمظهر مختلف عن الأخرى؛ فليس ذلك إلَّا نتيجةً حتميةً للتقدُّم في الإنتاج، وليس القول: الغرب غرب والشرق شرق، إلَّا رمز الاختلاف في المعاش، أي في مستوى الإنتاج، وإلَّا فقد سبَق للعرب أيضًا أن تساءلوا على لسان أحد مفكريهم في القرون الوسطى عن أسباب الاختلاف بين نشاطهم وخمول الألمان. وكان التغيُّر للاختلاف بين الشرق والغرب، يُشبه ببساطته لتفسير المعاصرين، وهو إرجاع الأسباب إلى طبيعة البلاد، إلى برود الطقس في ألمانيا مثلًا. ولكن الشعب الألماني الذي عُرف بالبلادة من قِبَل أجدادنا، أصبح اليوم أكثر شعوب العالم فعَّالية. وكان التبدُّل الذي طرأ على مصير هذا الشعب بتأثير الصناعة في نمط معيشته، لا في بيئته الطبيعية، وهاك ما قاله «كزرلنك» أحد مفكري الألمان بصدد فعَّالية مواطنيه: «لقد بلغ الذهن الألماني النشاط بحيث أصبح كل فلَّاح يُؤلِّف في السنة روايتين على الأقل، يُفصح بهما عمَّا تختلج نفسه من نزعات. ولو رُصفت جنبًا إلى جنب صحائف ما يُؤلِّفه الألمان في كل سنة لكانت مُغلَّفًا حول الأرض.» هكذا كان تأثير الصناعة الحديثة على تحرير القوى الكامنة في الحياة. وأمَّا تأثير الصناعة على تحرير الجمهور ممَّا كان يُرهقه من قيود، فليس بأقل وزنًا من تأثيره على نمو الرفاهية. لقد مهَّدت الصناعة السبيل لتنظيم العمَّال وتنسيق جهودهم من أجل مستقبل أفضل، ولولا هذا التمهيد لظلت الديمقراطية حلمًا يُداعب النفوس الكريمة فحسب. فإذا انتقلت الشعوب الحديثة من نظام الطبقات إلى المساواة، ومن استبدال الملوك والأمراء إلى الحرية، فإن الانتقال قد تمَّ بفضل الصناعة الحديثة. إن الصناعة والعلم اللذين هما مقوِّما وجهة نظر الحضارة الراهنة في الكائنات، أخذا يُزيلان بمبدأ شيوعهما أو بإجماع الرأي على مسلَّماتهما. ما كانت تتعثَّر به حتى الآن الإنسانية، فتجعلان ما كانت تُبشِّر به الأديان حقيقةً راهنة، وهي أن الإنسان تاج الخليقة، وهو خليفة الله في الأرض. وهكذا كان نضال العمَّال من أجل المصلحة سببًا في تثبيت الإنسانية الجديدة على مبدأ الأخوة، وفي خلق مجتمعات ذات تكوين تام على مثال الأحياء نفسها. وما وجه الغرابة في الأمر؟ أفلم ترفق العناية اللذة بغريزة الأمومة؟ وإنها هي أيضًا تجعل تقدُّم الحضارة مقترنًا بالمصلحة الشخصية. وهل كانت الحياة تغلَّبت على الصعوبات التي تعتري سبيلها لو لم تكافئ الفرد باللذة على جهوده المبذولة في سبيل إدامة الحياة ونشر الحضارة؟ ولمَّا انتصر العمَّال في نضالهم فتثبت الأخوة على دعائم المصلحة، أصبح شعار المجتمعات الحديثة مبدأ تكافئ الفرص، المبدأ الذي يتضمَّن تلازم الإخوان بالمصير، بتعاونهم جميعًا على تحقيق رسالة أمتهم بالإفصاح عن حقيقتها وبالاشتراك مع الأمم الأخرى على إيجاد عالم هي فيه بمثابة النغمة في الأنشودة. تحقيقًا لهذه الأمنية تشترك الدولة مع العمَّال وأرباب العمل في تعيين مستوى معيشة المواطنين، المستوى الذي يكفل لكلٍّ منهم المحافظة على كرامته وعلى خدمة المصلحة العامة في حدود مواهبه واستعداداته الخاصة. وتحقيقًا لهذه الأمنية تعيَّنت حدود أجرة العامل وتأمَّنت له شروط الضمانة: المرض والبطالة. وتحقيقًا لهذه الأمنية وجَّهت العناية للحد من توزيع العمل المساوئ التي تُضيِّق على الإنسان مرافق حياته، فتجعل منه أداةً ملحقةً بالآلة. وإذا أصبح التعليم إلزاميًّا ومجَّانًا من الحضانة إلى العالي، فالفضل يرجع إلى ما أحدثته الصناعة من انقلاب في شروط الحياة العامة. أمِنَ المستغرب أن يكون الأمر كذلك؟ فقد طلعت الحضارة الحديثة نفسها مطلعًا ميكانيكيًّا أسفرت فيه الأفلاك والذرة في الخضوع لقوانين حتمية. أوَلم تظهر في هذه الحضارة العلاقة بين العقل والطبيعة ثابتة؟ فما يبني العقل تُحقِّقه التجرِبة، والتجرِبة معيار لصدق المعرفة. وما مفهوم القانون في هذه الحضارة إذا لم يكن رابطةً نسبيةً بين العلة والمعلول، علاقةً يُصبح كل تحوير في الأول تحويرًا معادلًا في الآخر؟ أفليس يمكن في هذا المطلع سر الصناعة؟ سر التدخُّل في الحوادث الطبيعية وتحويل مجراها بحسب مشيئة الإنسان. حتى إن أمر التسليم بمبدأ شيوع الذوق السليم بين البشر، أي مبدأ شيوع العقل، يرجع إلى ذلك التلازم بين المعرفة والعمل. حتى إن رسوخ قواعد الأخلاق كالإخلاص وأداء الواجب والتعاون على تحقيق الأهداف المشتركة … كل ذلك يرجع إلى تدرُّب الناس على العلم والصناعة. وهكذا أصبحت الصناعة من الأمم بمثابة «الإكسير» من الحياة. ولمَّا كان استقلالنا قد حصل مجاراةً لظروف تاريخيةٍ معيَّنة، فقد أصبح من الواجب علينا أن نُبقي والحالة هذه تدخُّل الدولة مقتصرًا على حدود حماية الصناعة، أي على حدود تنظيم الضرائب بما يُشجِّع على نموِّها وازدهارها. أفلم نكن بالأمس نخضع للأجنبي تحت ستار الوصاية؟ ولم يزل نفوذ الاستعمار معشعشًا في قلوب بعض السياسيين عندنا؟ فإذا تُرك للحكومة — وهو متروك لها بالفعل — حق التدخُّل في شئوننا الصناعية، استخدمه هؤلاء لمصلحة الأجنبي، أي لعرقلة تطوُّرنا؟ وأمَّا العامل فهو ككل مواطن يتطلَّب اشتراكه في المصير العام أمرين: مستوًى من الرفاهية تُعيِّنه ظروف المرحلة التاريخية، مع مراعاة المصلحة والكرامة. فراغًا من الوقت يتصرَّف فيه للتأمُّل في القضايا العامة وللعمل من أجلها. وريثما تتكشَّف بلادنا عن إمكانياتها الصناعية، وريثما يتم تدريب أبنائها على التعاون بعضًا مع بعض في شركات تقوم بالمشاريع العظيمة، يقع على عاتق الدولة أمر تنظيم شروط الحياة للعمَّال، الشروط التي تكفل لهم الحرية والكرامة؛ وبذلك تكون الدولة قد خفَّفت من وطأة الانقلاب في العلاقة بين العامل والإنتاج، من علاقته مباشرةً إلى غير مباشرة يسود في جوِّها التخصُّص والتبادل بالمنتوج بين المتخصِّصين، وتكون أيضًا قد درأت عن العامل مساوئ الصناعة الحديثة، تلك المساوئ التي تُعرقل عليه نمو فرديته نموًّا طبيعيًّا. إن ما يكفل الانسجام بين مصلحة الفرد الخاصة وبين مصالح الآخرين، أو بينها وبين مصلحة الجماعة، هو نمو الشعور الاجتماعي ورسوخ الواجب، وكلٌّ من الأمرَين يفتقر إلى تربية ترعاه، وإلى اصطفاء في الزواج يثبته بطريق الوراثة. ومع ذلك فإن التعاون على تحقيق الأهداف المشتركة والإخلاص للمصلحة المشتركة، يتناسبان مع مثول مفهومَي الحق والواجب، واضحَين في أذهان الشركاء. وإن الغرض من الثروة ليس سد الحاجات فحسب، بل إزكاء الحس البديع بإتقان العمل وتأكيد الشعور الأخلاقي بحمل أثقال المجتمع أيضًا. وهكذا يتحوَّل الإنسان بالعمل من شبح مسترسل لأحلامه، إلى شخصية ذات معالم بيِّنة. | {
"chapter": "مهام الدولة",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "الجمهورية المُثلى",
"url": "https://www.hindawi.org/books/37486931/8/"
} |
شعارات الدولة هي مُثُلها العليا، المُثُل التي تسعى إلى تحقيقها باستكمال شوط طبيعتها. وأهم هذه الشعارات: الأخوة والمساواة والحرية. سُئل أعرابي عن أي من أولاده أحب إليه، فأجاب على السؤال بقوله: الصغير إلى أن يكبر، والغائب إلى أن يحضر، والمريض إلى أن يُشفى. أي إن أحب إليه من هو بحاجة إلى عطفه وحنانه. وكلمة «أخ» نفسها تُشير بنشأتها من صوت «أخ» الذي هو العبارة الطبيعية للتوجُّع، إلى أن المظهر الأول للأخوة هو الاشتراك مع الآخرين في الوجع. ولكن إذا كان المظهر الأول للأخوة هو اشتراك بعضهم مع بعض في الوجع، فإن جذور الأخوة أبعد غورًا في طبيعة الحياة. وإن كان الانتباه إلى الألم (الناحية السلبية) أسبق، أليس التفاهم الرحماني قوام المجتمع؟ ألا تبعث الصورة بمعناها في نفس من يعيها، تبعث المشاعر المنطوية عليها؟ وإلَّا فكيف يتم التفاهم بين المرء وعشرائه؟ إن الذهن لا يُدرك بطريق الحواس إلَّا الإحساسات والصورة التي تتألَّف من الإحساسات، وأمَّا المعنى وما يُرافقه من مشاعر فيبقيان مغلقَين على الأغيار. وليس من سبيل للاطِّلاع على سريرة الأنام غير البنيان الرحماني المشترك، غير انبعاث المشاعر عن الجميع لدى تمثُّلهم نفس الموقف. فقد توخَّت العناية من جعلها البوادر والمشاعر مقترنتين في الهيجان، تجسيم المعنى ونقله حيًّا إلى ذوي القربى. وهكذا كان الجسد لغةً حية، يوحي فيه الشكل (العبارة) بالمعنى. والمعنى المنبعث من النفس التي عقدت النية على التعاطف مع الآخرين هو وسيلة الفهم، وسيلة الاطِّلاع على سريرة الإخوان، فالاشتراك معهم في السراء والضراء. وإنما نعني بالتجاوب الرحماني التعاطف وما ينتج عن التعاطف من تفاهم بين الأقارب ذوي البنيان الرحماني المشترك. ولكن إذا كان التفاهم الرحماني ينتهي باشتراك الإخوة في ذات الحالة النفسية، أفلا يُؤدِّي هذا الاشتراك إلى رفع الحيف عن المظلوم من بين الإخوة؟ ألا ينتاب القلق نفس من تخلَّف عن واجب الأخوة؟ إلى الحقيقة هذه يرجع تقدُّم الواجب على المصلحة، وإليها يرجع أيضًا سمو الفكر بالمبدأ على التفكير بالنتيجة. هذا المبدأ يظهر في تعاون أفراد النوع الحيواني الواحد على رفع الأذى بعضهم عن بعض عندما يُجابهون الخطر المشترك، حتى لتبدو غريزة الجنس هذه في هدر مصلحة الفرد من أجل مبدأ أسمى، ألا وهو مبدأ الحياة نفسها. وإذا اقتصرت غريزة التعاون على رفع الأذى عن الأفراد من الجنس الواحد، فإن العبارة التي هي وسيلة التفاهم تختلف من نوع إلى آخر، وكان ذلك بسبب ضرورة الملاءمة مع ظروف البيئة. وإلى الاختلاف في أداة البيان التي هي اللغة يرجع تقصير الأقوام عن التفاهم والتعاون من أجل عالم أكمل. وأسطورة بابل تدل على مصير المجتمع ذي التكوين الهجين، حيث تتنافر النزعات وتختلف اللهجات. وهل يرجع لسبب آخر غير التقصير في التجاوب الرحماني أمر استعمال الإنسان من قبل أخيه الإنسان كأداة إلى أمر ظهور الرق في تاريخ الإنسانية؟ بل هل يرجع أمر ظهور الطبقات المتميِّزة في المجتمع الواحد لغير سبب التخلُّف في التفاهم؟ وإن الآفة التي يعانيها العالم اليوم وهي آفة الاستعمار ترجع أيضًا لذات السبب. ومن مستلزمات الأخوة المساواة في المعاملة، في الشروط التي تُؤدِّي إلى نمو الحياة وازدهارها، حتى لقد جعلت العناية الإيثارَ قاعدةً بين ذوي القربى. وهل يعني سمو الواجب وتقديمه على المصلحة الشخصية شيئًا غير إيثار حق الآخرين على مصلحة الفرد صاحب الحاجة؟ وكلمة «إنصاف» المتضمِّنة معنى النصف تُفيد نظام حياة قاعدته المساواة «فمن جعلك مساويًا لنفسه لم يظلمك». ولم تزَل كلمة «إنصاف» تحتفظ بطابع نشأتها الاجتماعي، بطابع الحنان والرحمة. ولكن إذا كانت الأخوة تستلزم المساواة، فهل يقوم المجتمع على التسوية بين أعضائه؟ وهل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون؟ إن الله ذاته يحب البصر النافذ. وهنا يبدو الاختلاف بين العرب أولاد السماء بحسب أسطورة نشأتهم «آدم»، وبين الشعوب الآرية التي ظل رائدها السيطرة على الأرض. كان العرب والأقوام التي تشعَّبت عنهم (الشعوب السامية) يرون في البطل الطريق المؤدي إلى السماء. كان لكل امرئ قدره في سُلَّم المراتب يتبع قدرته في الصعود إلى هذا المرتقى. وقد أبلغ المسيح عن ذلك إذ قال: أنا الطريق. وليست السُّنَّة في الإسلام بشيء آخر. غير أن شعوب أوروبا الحديثة وقد تكوَّنت ثقافتها من التقاءٍ بين المسيحية والبرابرة الجرمان، بدأت نهضتها بالثورة على التمايز. وهل في الأمر غرابة بعد أن همدت وثبة المسيحية إلى الملأ الأعلى باستحالتها إلى نظام إقطاعي رجعي منافٍ للطبع البشري، أرهق به الجرمان الفاتحون الشعوب المتضعضعة. هذا وقد لقيت نهضة الأقوام الحديثة في ثورتها على التحايز دعامةً في اكتشاف القانون في الطبيعة. أفلا تخضع الكائنات من الذرة إلى الأجرام السماوية في عليائها إلى شروط متساوية؟ ولمَّا أخذت الصناعة تقوم على معرفة القوانين الطبيعية، أصبحت هذه المعرفة موضوع دراسة جميع الناس من الطفولة إلى الكهولة. هكذا تضافر العلم والصناعة، وهو طابع المرحلة التاريخية على تأييد النهضة الحديثة في ثورتها على التمايز، وعلى جعل المساواة أمنيةً يسعى المصلحون إلى تحقيقها في الحياة الإنسانية. وهكذا أصبح القانون يعني التساوي في الشروط في الحوادث الطبيعية وفي الشئون الإنسانية. وكلمة قانون نفسها تعني باستعمالها في العلوم الطبيعية وفي دراسة الشئون الإنسانية معنًى مرادفًا. ومع ذلك فإن المساواة مبدأ من مبادئ العقل الأساسية. وإذا اتخذت الرياضيات صيغًا تُسكب فيها خبرات الإنسان في الطبيعة والوجدان، فما ذلك إلَّا مسايرة العلم لمقتضيات العقل في نزعة إلى التسوية. وأي مجال يتحقَّق فيه المساواة تحقُّقها في الإعداد؟ إلَّا أنه لو كانت المساواة من مبدأ الأشياء لاستحال علينا تمييز شيء من شيء آخر، كما يستحيل علينا تمييز عدد من عدد. هنا افترض العقل المساواة، فالتزم بما افترض. غير أن إلزام الكائنات بالمساواة أمر ينتهي بمبدأ العينية، بحالة يلتبس فيها الوجود بالعدم. وهناك مهمَّات من نوع آخر تقوم عليها محاكماتنا في الأمور الإنسانية؛ منها قيمة الإنسان المطلقة، فما دام الناس يتخطَّون دائرة الغرائز والحاجات إلى الواجب والحرية يتلقَّون من مبدأ سلوكهم، لمبدأ الذي يتميَّزون به عن الأحياء الأخرى وعن أن يكونوا أشياء تخضع لدائرة القوى في الطبيعة. وما دام هذا المبدأ قوام إنسانيتهم، فإنهم متساوون فيه كما تتساوى الحوادث الطبيعية في خضوعها لقانون الجاذبية. وينتج عن تساوي الناس في مبدأ الإنسانية تساويهم في حدس الخير وفي حدس الحقيقة، ولو أنهم اختلفوا في الإخلاص لما يوجب الخير وفي استجلاء الحقيقة والتعبير عنها بصدق وأمانة. ولكن إذا كان الناس متساوين في مقوِّمات الإنسانية، فإنهم يتفاوتون في الأهلية للقيام بوظائف المجتمع، وذلك ممَّا يدعو للنظر إلى الإنسان من ناحيتَين؛ من حيث هو ذو جذور في الملأ الأعلى، ومن حيث هو عضو مندمج في مؤسَّسة إنسانية وظائفها متنوعة ومتفاوتة في التأثير على فلَّاح الجماعة بحسب وجهتهم في الدنيا. وذلك ممَّا يجعل للإنسان قيمتَين؛ إحداهما مطلقة والأخرى إضافية (فالأولى تستلزم حدًّا من مستوى المعيشة يضمن لكل مواطن شروطًا ضروريةً للمحافظة على صحته وعلى كرامته كأخ من الإخوان، وكعضو عامل في تشييد الدولة). ولمَّا كان المجتمع نظامًا من الوظائف، وكانت الوظائف متفاوتةً في التأثير على مصير الجماعة، فقد أصبحت المشكلة الأساسية بعد تأمين الحاجات الضرورية التي تكفل الصحة والكرامة، تعيين جدول من القيم الإضافية تستلزمه الاستعدادات الخاصة للقيام بالمهام العامة. وإيضاحًا لوجهه النظر المقترحة نسوق المثال الآتي: للتعليم درجات، منها الابتدائي والثانوي والعالي. والمعلم في الحلقة الأولى يبدأ بمهمَّته في سن مبكر عند تخرُّجه من دار المعلِّمين الابتدائية، وهو يحتاج قليلًا من الإعداد العلمي لممارسة مهنته التي هي توجيهية أكثر ما هي علمية. والمعلم في الحلقة الثانوية يبذل جهدًا أكثر من المعلم الابتدائي للحصول على الإجازة التي تُجيز له القيام بالتعليم الثانوي، ويبقى مدةً أطول للتفرُّغ للدراسة. هذا وتُلزمه مهنته استئناف الجهود بصورة دائمة؛ من أجل البقاء على مستوى المهمَّة. والمدرس في الحلقة العالية تتطلَّب مهنته جهودًا أكثر وإعدادًا أطول من التعليم في الحلقة الثانوية. وسواء أكان التفوُّق في الاستعداد للانتباه أم كان في المواهب، فإن شروط القيام بالمهمَّة في الحلقات المذكورة يتطلَّب كما هو مقرَّر في جميع الأنظمة أن تكون ساعات العمل في الجامعة أقل من ساعات العمل في التجهيز والابتدائي، وأن يكون الراتب أكثر ممَّا هو في كليهما. والعدل في الأمر أن تُقام النسبة صادقةً بين الاستعدادات للعمل، وبين الشروط الضرورية للقيام به من حيث الأجرة، ومن حيث مدة العمل. ونحن نستخلص ممَّا سبق من القول أن قوة المجتمع تتناسب مع مراعاته لمبدءين؛ مبدأ تكافئ الفرص، ومبدأ العدالة الاجتماعية. إن الأول يُمهِّد السبيل لظهور مواهب المواطنين، وإن الثاني يجعل التوافق بين المواهب والوظائف محقَّقًا. وإذا كان للمساواة من معنًى في الحياة الإنسانية، فإنه إخضاع الإخوان أعضاء المجتمع لشروط مماثلة في تطبيق المبدأ بين اللذين تقدَّم ذكرهما. ما من كلمة تُوحي بمعانٍ متنوعةٍ بقدر ما تُوحي كلمة حرية. إنها تعني أول ما تعني أرومتها حرف «ر» معنى الحركة، يظهر معنى الحركة هذا في الكلمات التي استُحدثت من صوت «ر»، نحو: أم، راح، راد … إلخ. تلك قاعدة في العلاقة بين الصوت ومعناه، الذي هو هنا صدى حركة اللسان عند حدوث الحرف، ولحرف «ر» نفس المعنى في أم اللغات الهندية الأوروبية. يظهر هذا المعنى عندما تُقام المقارنة بين الحر المشتق من الحرية وبين ضدَّيه؛ الأسير والعبد. لباس الحر هو الحرير، ومن صفاته الحرارة، أي الغيرة على الحقيقة. وأمَّا الحرارة بمعنى ضد البرودة (السخونة) فهي حالة الانفعال عن ذي المروءة، حالة انتقلت بطريق المجاز إلى الأشياء. ومن هنا التقاء بين الحر والعبد، وبين من يغار على الحق فتدب إليه الحرارة، وبين من يتوانى في الدفاع عنه. نجد معاني أخرى للحرية منها الخلوص والشرف، حرية القوم أشرافهم، والحر من كل شيء خياره وأعتقه وأطيبه، ويُقال «فرس حر» أي عتيق الأصل، طين حر أي لا رمل فيه، حر الدار وسطها، حر الأرض أطيبها، حر الوجه ما بدا من الوجنة. هناك مصادر استُحدثت من كلمة الحرية، يُبرز كلٌّ منها منحًى من مناحي حدس الحرية؛ فمصدر حرب مثلًا يُشير إلى مهام الأحرار في الذود عن الحقيقة، إلى امتشاقهم الحسام في الفصل بين الحق والباطل. ومصدر حراثة يُفيد أن الإبداع في التراث وفي الزراعة هو من أعمال الأحرار. وكذلك المصادر: حرس، حرج، حرم، كلٌّ منها يتضمَّن معنى الحرية من وجهة نظر معيَّنة. وبعد أن تتبَّعنا تشعُّبات الحدس المتضمنة في كلمة حرية، نتناول تجليات هذا الحدس المختلفة؛ الحرية هي ضد التقيُّد. إن العلم الحديث يقوم على مبدأ التقيُّد، مبدأ ربط النتائج بالأسباب، بحيث تُصبح الحوادث مندرجةً في حدود ظرفَي المكان والزمان. ووجهة نظر العلم هذه في تقيُّد الكائنات تتفق مع العقل وتُؤيدها الصناعة، بيد أننا نشعر بأن ثمة أعمالًا تصدر مباشرةً عن إرادتنا مستقلةً عن الأسباب والنتائج. وكلمة «إرادة» تدل بصوغها اللغوي على مبادهة الأعمال الأخلاقية الفنية، فكأن العبقرية العربية إذ عبَّرت عن الإرادة بكلمة مشتقة من «راد» بمعنى طاف على القيم المتمثِّلة في الذهن، موضوعة في صيغة أورق، أزهر، أثمر، بمعنى دخل في الحالة (تبنَّاها)؛ أدركت أن الإنسان ذو موهبة مستثناة، يتقمَّص بها القيم من الداخل، فيُحوِّلها بهذا التقمُّص من إمكانية إلى حقيقة تتدرَّج في نسيج الحوادث الكونية، هذه الموهبة تُذكِّر بالحديث: إن الله خلق الإنسان على صورته. وأي صورة إذا جاز لنا أن نستعمل هنا كلمة صورة، غير الحرية نشترك فيها مع الباري دون أن نقترف إثم الحلولية. الحرية في الحدس العربي هي إذن ما يُثبت به المرء ذاته في وجه القدر، ما يستقل به عن أن يكون شيئًا من الأشياء، خاضعًا لسلسلة الأسباب في ظرفَي المكان والزمان. الحرية في هذا الحدس هي بداية أعمال ذات طابع بديء، يُقابل بها القدر الحاصل من تفاعل الحوادث تفاعُلًا متحرِّرًا من كل قصد ونية. ألا تبدو الحرية في سريرتنا مصداقًا للحدس العربي؟ ألا تبدو بداية إبداع وتوجيه إلى جانب القدر الغاشم؟ إلامَ تستند قيمة الإنسان المطلقة إذا لم تستند إلى حريته في تعيين موقفه عند مفترق الخير والشر؟ علامَ يقوم أمر تأرجح الإنسان بين الرفعة والحضيض، بين رفعة يبلغ بها المستوى الذي يؤهِّله أن يكون ذاتًا، وبين انحدار ينتهي به إلى أن يكون مسخًا، إذا لم يقم على حرية الإنسان في الإقبال على ينبوع الخيرات أو في الإعراض عنه؟ ومع أن الحرية بداية مطلقة، فهي اختيار — من الخير — واصطفاء، وذلك يعني انتخابًا مع دفع الفضول. فكأن الإنسان يُتمِّم بالحرية ما بدأت به العناية؛ هذه أمدَّته بمقوِّمات جسده وبعناصر شخصيته، وهو ينشئ بالحرية على مسئوليته ممَّا تلقَّى هبة شخصيته ذات معالم معيَّنة. فما له إلَّا أن يُريد حتى تتحقَّق مشيئته فينفذ بهذا التحقيق في نسيج الطبيعة وفي مجرى تاريخ العالم، مثَله من تجلياته كمثل الشمس من الأحياء، يُزكِّيها بإقباله عليها، ويُحوِّلها إلى سبات فضمور بإعراضه عنها. فالحرية إذن حكمة وجود الإنسان، السبب في ارتقائه من ظاهرة بين الظواهر إلى ذات وأذن، فحقه في تعيين مصيره حسب مشيئته هو أساس حقوقه الأخرى. ولكن هل يستقل الإنسان بمصيره عن الآخرين؟ ألا يقتبس قوته من الطبيعة؟ أوَلا يستجلي كوامن حياته بتفسيره رموز الهيئة الاجتماعية ويصقل شخصيته بقيامه بالواجب نحو الآخرين؟ ذلك ما يجعل حرية تعيين المصير ملازمةً لتحرير كل من ارتبط بهذا المصير، ذلك ما يلزم الإخوان بالتعاون على إقامة دولة تُعد البيئة الطبيعية وتُنظِّم الهيئة الاجتماعية بما يُساعد على ازدهار الحياة واستجلاء كوامنها أعمق فأعمق. هكذا يرتبط حق الإنسان في إنشاء شخصيته وبحقه في الاشتراك مع إخوانه في إنشاء الدولة. والإخوان كأعضاء في الهيئة الاجتماعية، وإن كانوا متفاوتين في نفوذ البصيرة إلى بنيان المجتمع، وفي العمل بما تُلزمهم واجباتهم إزاء المصلحة العامة، فإنهم متساوون في حدس الخير وفي حرية الاختيار. والمجتمع وإن بدا قائمًا بذاته، فإن روحه تنبعث من نفوس أعضائه، فما لهؤلاء إلَّا أن يتمثَّلوا ظواهره حتى تنبثق معاني هذه الظواهر من صميم كِيانهم، ومن هنا التكوين العضوي لكل مجتمع، ومن هنا تُحوَّل بصيرة النوابغ في الشئون العامة إلى قواعد (عُرف وقوانين) تسلك عليها العامة. ولمَّا كان الإخوان متساوين في المبدأ، أصبح كلٌّ منهم يتمتَّع بحق تمثيل الآخرين، وللجمهور وحده حق الاصطفاء الأحسن إفصاحًا عن إرادة الجماعة والأقوى شكيمةً في القيام بالواجبات العامة. وذلك ما يلزم حرية تبادل الخبرة في القضايا العامة بين أعضاء المجتمع، وحرية اختيار الأنسب من بين الإخوان في تمثيل المهام العامة. | {
"chapter": "شعارات الدولة",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "الجمهورية المُثلى",
"url": "https://www.hindawi.org/books/37486931/7/"
} |
في صبيحة ذلك اليوم الحاسم … كان المقر السري الكبير في الصحراء الغربية في حالة نشاط زائد … فقد تم الانتهاء من إعداد أربعة توابيت لثلاثة رجال وامرأة … وقد قام «برقوق» بالاتفاق مع تجار الآثار على ميعاد يُعاينون فيه التوابيت النائمة في الرمال. ومن مكان ما في الصحراء الغربية … تحركت سيارة مصفَّحة ليس فيها نوافذ يمكن للمرء أن يرى منها الطريق … وبعدت كثيرًا عن حرم المقر السري الكبير … وعند مكان ما في الصحراء الغربية … ترك ثلاثة رجال سيارتهم الجيب الفارهة وركبوا مع «برقوق» السيارة المصفَّحة … وأُغلقت عليهم الأبواب … ولم يعُد لهم علاقة بالعالم الخارجي … حتى إن السائق يفصلهم عن كابينته حائط معدني … وبعد مسيرة حوالي نصف الساعة … تم إنزال «برقوق» من السيارة … ولم يعُد فيها غيرهم والسائق … وتاجر الآثار الخطير «أحمد» … الذي كان يجلس بجوار السائق. وبعد عشر دقائق أخرى من السير في عمق الصحراء … توقفت السيارة … ونزل «أحمد» وفتح الباب الخلفي للسيارة … وعاون الثلاثة رجال على النزول … ثم عرَّفهم بنفسه … أنه «عارف المجدوع» رجل لا يراه الناس كثيرًا … وأنهم محظوظون لأنهم رأوه … وسار السيد «عارف» عددًا من الخطوات ثم توقف وأمر السائق بالنزول والحفر في المكان الذي توقف فيه … ولم يحفر السائق كثيرًا وبعدها أزاح الرمال عن التابوت الأول … وما إن رآه الرجال الثلاثة … حتى طاشت عقولهم … وانحنوا يفحصونه بينهم لدقائق … دفع بعدها السيد «عارف» الرمال بقدمه فردم بها التابوت مرة أخرى، وكذلك فعل مع بقية التوابيت … وبعدها ركب السيارة المُصفَّحة معهم من الباب الخلفي … ودار بينه وبينهم حوارٌ وصلوا بعده إلى اتفاق على أن يدفعوا له خمسة ملايين دولار، مقابل الأربعة توابيت … وعليه هو محاسبة «برقوق». هل بهذا كملت الخدعة … وكيف وافق الرجال بهذه السرعة على شراء التوابيت؟ وهل السيد «عارف» مُطمئن لهؤلاء الرجال؟ وقد أجاب السيد «عارف» عن هذا التساؤل قائلًا: إن الآثار لا يتم العبث بها أو فحصها باليد قبل شرائها … بل يكتفي بالفحص بالعين المجردة … والاستعانة بالعدسات المكبرة … أما المومياوات التي نبيعها … فلها مظهر يحرص أكثر التجار مهارة على شرائها … وهو ما قد تم والبقية الآن هي إعداد الشياطين ليكونوا جاهزين قبل ميعاد الاستلام والتسلم. وفي نفس اليوم … تلقى «أحمد» اتصالًا هاتفيًّا منهم … حددوا فيه ميعاد تسليم الدولارات … وقد اتفقوا على أن تكون أوراق فئة المائة دولار. وفي الميعاد المحدد … حملت السيارة المصفَّحة ثلاثة رجال ومعهم سَلَّة من سِلال البلح إلى مكان آخَر … كانوا قد نقلوا إليه التوابيت … ولم يكتشف الرجال ذلك لأن الصحراء واحدة في كل بقعة منها رمال. وهناك … تم تسليم السلة ﻟ «أحمد» الذي سلمها لرجلين كانا بصحبته … فقاما بعَدِّ النقود قبل أن يزيحا الرمال عن التوابيت … ويسلموها لهم. ثم عاونوهم في نقلها إلى السيارة المصفَّحة … ووضعوا بدلًا منها سَلَّة الدولارات وأعادوهم مرة أخرى إلى المكان الذي اصطحبوهم منه … وهناك تم نقل التوابيت الأربعة إلى الأربع سيارات «فان» كبيرة كانت تقف في انتظارهم … وقاموا بتحية السيد «عارف» بحرارة … ورجوه ألا يتوقفَ عن التعامل معهم. وظلت سيارتهم متوقفة … ولم تتحرك إلا بعد أن تحركت المصفَّحة واختفت عن أنظارهم. فهم لا يريدون أن يتبعهم أحد … ولم يكونوا يعرفون … أن هناك على بداية الطريق إلى الجبَّانة ثلاثة جمال يركبها ثلاثة أعراب من البدو هم «خالد» و«رشيد» و«قيس» … تقف في انتظارهم. وحول الجبَّانة انتشر عدد من الرجال وعلى الطريق الوحيد غير المؤهل والموصل إليهم … وقف بعضهم أيضًا في انتظار السيارات الفان الأربع وكأنه موكبًا للاحتفال بأصحاب هذه التوابيت. وأمام الجبَّانة … وقفت أول سيارة … فتقدم مجموعة من الرجال … وقاموا بفتح الباب الخلفي … ثم في حرص شديد قاموا بحمل التابوت … وساروا به دهاليز الجبَّانة الخارجية إلى أن هبط بهم الطريق إلى داخلها. وبعد عدة دقائق كانت الفان الأخرى قد حلت مكان الأولى التي انصرفت وهكذا حدث مع بقية التوابيت. ولاحظ «أحمد» على شاشة كمبيوتر السيارة … أن حفلًا ساهرًا يتم الإعداد له احتفالًا بقدوم المومياوات … وليتهم يعرفون ماذا تُخبئ لهم هذه التوابيت … إنها تُخبئ لهم أربعة شياطين يُجيدون فنون القتال والقنص. وأُعِدَّت حلبة الرقص … وذُبحت «الذبائح» … وأُطلقت الأعيرة في الهواء … وتوافدت الجمال تحمل المزيد من الرجال. وشعر «أحمد» بالقلق على النائمين في التوابيت … وقام بالاتصال بهم … وفي كلمات موجَزة جدًّا … عرف أن الأمور عندهم جيدة … فقرر الاستفادة من هذا الاحتفال … وطلب من رقم «صفر» أن يُرسل له المزيد من الرجال على المزيد من الجمال … وكأنهم من رجال القبائل المحيطة بهم. ومع أن الرجال الذين أرسلهم رقم «صفر» لم يكونوا غرباء عن أهل المنطقة … فإن رجال العصابة شعروا بالقلق وبدأت حركتهم تتسم بالعصبية، وكان «أحمد» يرى هذا على شاشة كمبيوتر السيارة … وبجواره كانت تجلس «ريما» العبقرية فقال لها: الوضع لن يستمر في صالحنا طويلًا. ريما: لماذا؟ أحمد: رجال العصابة بدءوا يقلقون لرؤية رجالنا … وهم لم يدعونهم، ولا يعرفونهم … وهذا سيدفعهم للتصرف بحماقة وهذا ما لا نريده! ريما: وما العمل؟ أحمد: سأُعجِّل بالمواجهة! ثم أُعطي الإشارة لسكان التوابيت للاستعداد … وكذلك بقية الرجال راكبي الجمال والسيارات. وشعر رجال العصابة بحركة مريبة بين ضيوفهم … فخرجوا من مكمنهم يستطلعون الأمر … فرأوا الْتحامًا بالأسلحة البيضاء … وبنادق أُلصقت فوهاتها بظهور الرجال وقد وُضعت في أيديهم القيود. فأطلقوا الأعيرة النارية في كل مكان بشكل عشوائي … مما دفع كل مَن كان بالجبَّانة إلى الخروج من منافذ مختلفة للمعاونة. وكانت هذه الفرصة التي ينتظرها «أحمد» فأعطى إشارةَ الخروج للنائمين في التوابيت. وكان منظرًا مرعبًا حين فُتِحَت التوابيت وخرج منها الشياطين … ثم أعادوا إغلاقها مرة أخرى … وأعطوا إشارة لاسلكية ﻟ «أحمد» عن طريق ساعتهم الإلكترونية … فأبلغ بقية الرجال بذلك … فالتحموا مباشرة برجال العصابة … الذين كانوا يترددون على الجبَّانة من الداخل للحصول على السلاح والذخيرة … فكانت تُقابلهم أقدام الشياطين كالقذائف … تصطدم بصدورهم فتُلقيهم على ظهورهم أرضًا. وتكون فرصتهم لوضع القيود في أيديهم. لقد أُصيب رجال العصابة بالفزع عندما رأوا الشياطين يخرجون من داخل الجبَّانة، فأخذوا يصرخون قائلين: لعنةُ الفراعنة! وصدَّقهم بقيةُ الرجال وفروا هاربين، وكانت فرصة لرجال البوليس فقد كانوا صيدًا سهلًا … والفضل كله يرجع ﻟ «حصان طروادة». | {
"chapter": "الخدعة!",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "حصان طروادة",
"url": "https://www.hindawi.org/books/52759097/6/"
} |
قُبيل ظهور الإسلام أخذت بعض الأحداث في جزيرة العرب تنبئ بهذا الظهور، بل تكشف عمَّا كان يتمخَّض عنه وجدان العرب. ولم تكن محاولات الإصلاح حينذاك إلَّا بشائر برسالة العرب. وها نحن نُقدِّم بعض هذه المحاولات: اجتمعت قريش يومًا في عيد لهم … فخلص منهم أربعة نجباء، ثم قال بعضهم لبعض: تصادقوا ليكتم بعضكم على بعض. قالوا: أجل. وهم: ورقة بن نوفل، وعبد الله بن جحش، وعثمان بن الحويرث، وزيد بن عمرو. فقال بعض لبعض: تعلمون والله ما قومكم على شيء … فتفرَّقوا في البلدان يلتمسون الحقيقة؛ فأمَّا ورقة فاستحكم في النصرانية، وأمَّا عبد الله فأقام على ما هو عليه من الالتباس حتى أسلم، وأمَّا عثمان فتنصَّر، وأمَّا زيد فوقف فلم يدخل في يهودية ولا نصرانية، وفارق دين قومه، فاعتزل الأوثان والميتة والدم والذبائح التي تُذبح على الأوثان، وبادى قومه بعيب ما هم عليه، وكان يقول: اللهم لو أني أعلم أي الوجه أحب إليك عبدتك، ولكن لا أعلمه. ثم خرج يطلب الحقيقة ويسأل الرهبان والأحبار، حتى بلغ في تجواله المَوصل والجزيرة (سيرة ابن هشام). وهاك محاولة أخرى تكشف عمَّا كان يتمخَّض عنه وجدان العرب من حرص على العدالة: قال ابن هشام: حدَّثني زياد بن عبد الله عن محمد بن إسحق قال: تداعت قبائل قريش إلى حلف، فاجتمعوا له في دار عبد الله بن جدعان بن عمرو لشرفه وسنه، فكان حلفهم عنده بنو هاشم وبنو المطلب وأسد بن عبد العزى وزهرة بن كلاب وقيم بن مرة، فتعاقدوا وتعاهدوا على ألَّا يجدوا بمكة مظلومًا من أهلها وغيرهم ممن دخلها من سائر الناس إلَّا قاموا معه، وكانوا على من ظلمه حتى تُرد عليه مظلمته. فسمَّت قريش ذلك حلف الفضول. وقال رسول الله: لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفًا ما أحسب أن لي به حمر النعم، ولو دُعيَ به في الإسلام لأجبت. هذا الحلف يدل على ما كانت تشعر به النفوس الكريمة من قلق على مصير العدالة. وهل تختلف وقعة ذي قار بيننا وبين العجم بالمغزى عن الأحلاف والمؤتمرات التي كانت تُعقَد حينذاك؟ أوَليس السبب الرئيسي لهجرة الرسول من مكة إلى المدينة حاجة الأنصار إلى زعيم تجتمع عليه الكلمة؟ وإليك ما قاله أبو الهيثم ابن النبهان بهذا الصدد أثناء بيعة العقبة: يا رسول الله، إن بيننا وبين الرجال (اليهود) حبالًا، وإنَّا قاطعوها، فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ قال: فتبسَّم الرسول ثم قال: بل الدم الدم، والهدم الهدم، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم (سيرة ابن هشام). هكذا كان القلق الذي أخذه مأخذه من نفوس العرب، قلق من تدخُّل الأغيار في شئونهم، وقلق من طغيان اليهود على اقتصادهم، وقلق دسائس الفرس والروم في اليمن والعراق وسوريا، وما كان لهاتَين الدولتَين من نفوذ في الجزيرة العربية. وقلق على الحق والعدالة، وقلق من جرَّاء تخلُّف مظاهر الحياة عمَّا كانت تتمخَّض عنه نفوسهم من حقائق. يا له من وضع مماثل لما نُعانيه اليوم في نهضتنا الراهنة! وكما يدعونا القلق لشد أزر بعضنا بعضًا من أجل تشييد دولة عربية، نُوطِّد بها لنا جميعًا أسباب الحرية والأسباب التي تجعلنا نشترك في موكب الحضارة. كذلك كان القلق يُحفِّز بأجدادنا ليجعل منهم منارةً للإنسانية. والزعيم ذو التجرِبة الرحمانية المثالية من الجمهور كالأم من الطفلة التي تمارس الأمومة طيفًا بألعابها. إنه يهدي بهدايته إلى الأماني، إلى هذه الحقيقة يرجع حدس العرب في اشتقاقهم كلمتَي «أم» و«إمام» من مصدر «أم»، وإلى الحقيقة نفسا تُشير الآية: النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ . وإذا قال المثل: العنب يَسْوَد من رؤية بعضه بعضًا، فإن القول يعني أن النضج يأتي من الداخل، وإنما السبَّاقون هم المبشِّرون بقرب الموسم. والبشارة في الشئون الإنسانية ذات قوة إيحائية تُولِّد النفوس المتعثرة في استجلاء الحقيقة الإنسانية، وفي استجلاء معنى المرحلة التاريخية. إن مثَل المبشِّرين من الجماعة كمثَل الحواس من خلايا الجسد الأخرى، فكما أن كلًّا من خلايا الجسد تشترك في الاستعداد للإجابة على المنبِّهات، ولو تميَّزت خلايا الحواس بالإرهاف لما اختصَّت به مزاياه، فكذلك المبشِّرون يتستقطبون تيارات البيئة كأشعة رحمانية، فيُحوِّلونها من حدس إلى بصائر نيِّرة. وهكذا تتفتَّح النفوس على ضوء المعنى المشرق عليها كرسالة، تفتُّح الأزهار على تباشير الربيع سبب انتعاشها. ولمَّا كانت التجرِبة الرحمانية المثالية تُضفي على صاحبها رُواء رفعتها كهالة من القدسية، ولمَّا كانت هذه التجرِبة الرحمانية تنزع إلى العمل كرسالة؛ فقد استلزمت الاحترام لمن تجلَّت به، والعمل على أدائها تحت إمرته. إن القدوة في الشئون الإنسانية تقوم على أمرين؛ أمر استجلاء الحقيقة، وأمر الإقدام على تحقيقها، هذا فضلًا عن تقويم اعوجاج الواقع على هدايتها. هكذا يرجع الأمر والطاعة إلى ما هو مشترك من أمنية، وإلى تفاوت أعضاء المجتمع في تمثيلهم هذه الأمنية. والحديث: «كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته» يُشير إلى تلازم الناس بالمسئولية. وبناءً على ما تقدَّم فإن الطاعة والإمرة للحق وليس لسواه. وأمَّا من تتجسَّد فيه التجرِبة المثلى فيملك على الناس حق الولاية، والناس يُصبحون على شفق الحقيقة المتجلي في التجرِبة المثلى وكأنهم وُلدوا ولادةً جديدة. وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ، وكلمة وسط تعني في اللسان العربي القرب من الينبوع. من الحقيقة، ومن الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولًا من أنفسهم. قال أبو جهل في دار الندوة: «إن محمدًا يزعم أنكم إن تابعتموه على أمره كنتم ملوك العرب والعجم. قال محمد: نعم، أنا أقول ذلك.» ونحن نستخلص ممَّا تقدَّم أن الدولة تقوم على حدس مشترك بين أعضاء المجتمع في الكِيان الإنساني المشترك، ولو اختلف هؤلاء الأعضاء في استجلاء الحدس والعمل بمقتضاه. إن مثَل قيام الدولة على التجرِبة الرحمانية كمثَل قيام الانسجام بين كلمات القصيدة على تجرِبة الفنان المثلى. وكما أن لكلٍّ من كلمات القصيدة معنًى تعورف عليه بين الناس، ومعنًى آخر تُضفيه تجرِبة الفنان إضفاءً يُصبح فيه المتفرِّق من الكلام أنظومةً ذات انسجام واتساق. فإن الدولة أيضًا وضع مثالي تكشف عنه نفوس النوابغ انكشافًا يُصبح فيه ما هو مشترك بين الناس من ميول اجتماعية ذا حُلَّة أضفتها عليه التجرِبة الرحمانية، وذلك ما يجعل من الدولة أمنيةً يصبو إليها الجمهور، ومن مقامها الأعلى يتلقَّى الناس الأوامر. إنها دعامة للنفوس في صبوتها نحو الصورة التي تتفتَّح فيها الأمة حقيقة تاريخية، ولكن إذا عجزت الأمة عن إيجاد صورتها بالدولة، أو عن تقويم اعوجاجها في حال كونها مزوَّرة؛ استحوذ القلق على أبنائها من العجز أو الازورار؛ وإذن أصبح أبناؤها كمثل فنان خانته العبارة. وكلمة «تعاسة» تُعبِّر باشتقاقها من «تع، تعتع» عن حالة العجز هذه عن الإفصاح عمَّا يتمخَّض الجمهور عنه من حقائق. وأي أمة أشد ابتلاءً مِنَّا بالعجز عن الإفصاح عن أمانينا، بل عن تقويم ما فرضته علينا السياسة من اعوجاج؟ ومع ذلك فإن الأمر لم يبدُ كذلك لبعض أصحاب الرأي في هذا الشأن؛ لقد خُيِّل إليهم أن الدولة امتداد للأسرة، كلتاهما تُمارس السيادة بمعنى الحماية والإرشاد والقدرة، وكلتاهما تُحدِّد رغبات الأعضاء بغية خلق الانسجام بين المصالح والواجبات. أفلا ترفع الأسرة من رابطة الغريزة بين الرجل والمرأة بالزواج، فتجعل من هذه الرابطة وسيلةً لغرض أسمى؟ أوَلا تُعيِّن لكلٍّ من ركنَيها الأبوين الحدود الطبيعية الخاصة بهما، فتخلق بهذا التخصُّص من الأب قدوةً تتجسَّد فيها أماني الأبناء، ومن الأم مصدر فيض من المشاعر تنعم بها الأولاد؟ أوَلا تُجيب على طبع الرجل بالميل إلى السيادة، بما في ذلك من سلطان وحماية؟ إن الأسرة وإن كانت وسيلةً يتخطَّى بها الفرد دائرة الغرائز وأغراضها إلى إنسانية ذات آفاق متعالية، فهي مع ذلك بيئة قوامها المحبة، تبقى فيها مزايا الأفراد ومقوِّمات المجتمع مغمورةً طامسة. وكيف لا؟ أليست الأخوة وما تستلزم من شيوع في الحاجات هما من الأسس التي يقوم عليها كِيان الأسرة؟ إن الدولة ذات جذور في الملأ الأعلى، والقول المأثور: «السلطان ظل الله في الأرض»، إنما يعني النشأة السماوية للدولة. إن الدولة جملة تجارِب إنسانية تجلَّت فيها صورة الأمة المثلى تجليًا تدعو به من تمثَّلت فيهم إلى الإفصاح عنها مع ما تستلزم هذه الدعوة من عمل لرفع العثرات في سبيل هذا الإفصاح. إذن فيمَ يختلف زعيم الأمة عن رب الأسرة ما دام كل منهما قدوة؟ فالابن يقتدي بأبيه إذا تجسَّدت فيه أمانيه، والجمهور يرى زعيمه صورته المثلى، أفليس موقف إبراهيم الخليل من أبيه حين تعارضت بينهما الأماني من الأمور المعروفة؟ أليست القدوة في كلتا الحالتَين للحق المتجلي في الزعيم والأب؟ ومع ذلك فإن قوام الأسرة المحبة، وإن قوام الدولة الحق المنبلج في النفس، وإن كانت المحبة وسيلة ارتقاء الذهن من الطبيعة إلى الإنسانية، من الغريزة إلى العدالة. وإنما شأن الدولة هو استجلاء ما ذر قرنه من نظام إنساني في الأسرة؛ ففي الدولة يتعادل مبدأ الحق مع المصلحة تعادُلًا تتحوَّل به القدوة إلى شروع في استجلاء الحقيقة، وإلى إقدام على تقويم الواقع على ضوء المثَل الأعلى. | {
"chapter": "نشأة الدولة",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "الجمهورية المُثلى",
"url": "https://www.hindawi.org/books/37486931/4/"
} |
من عجيب الأمور أننا قد نحيَا حياة سعيدة نخالها طويلة في حلم قصير الأجل. وما تعتم أن تَطرُق اليقظةُ مُغلَقَ الأجفان، فينتقل النائم من عالم الأحلام المخدرة إلى دنيا حقائق شديدة الجفاء، وما يجد يده قابضة إلا على هواء. على هذا المثال مضى ذلك اليوم من حياته. كان يومًا أو بعض يوم، ولكن قلبه ذاق فيه سعادة وغبطة، وحلَّق في آفاق بعيدة من أحلام المنى، وخفق خفقة فرح سماوي جاز به عالم الزمان والمكان. ثم أدركته يقظة منكرة اغتصبته من عالمه الحنون السعيد، على نحو بالغ في القسوة والوحشية. كيف كان ذلك؟! كان اليوم السعيد يوم الخميس، وكان الأستاذ «بهاء الدين علما» عائدًا من سماع محاضرة علمية في الجمعية الجغرافية الملكية عن الغدد الصماء، وكان يسير في ميدان الإسماعيلية متفكرًا في تلك الأدوات الإنسانية العجيبة المسيطرة على الفرد أيما تسيطر، وكيف يزعم العلماء أنهم بالتحكم في إفرازاتها يستطيعون أن يحولوا الطيب إلى شرير، والشرير إلى طيب، والشاعر إلى رياضي، والرياضي إلى شاعر. وكيف يفسرون أخيلة جيته وأحلام شيلي بعصاراتها المتدفقة في الدم؟ .. وكان رأسه لا يكاد يخلو من أمثال هذه الأفكار، فهي مادة عمله ومادة حياته معًا. وفي الواقع يندر أن تجد بين الشباب المعيدين بكلية العلوم مَن يناظر الأستاذ بهاء الدين في حبه العلم وحرصه على تحصيله. وكأنما أرهقه القعود والسكون — في أثناء إلقاء المحاضرة — فأحس بارتياح إلى المشي واعتزم السير على قدمَيه إلى شارع فؤاد الأول، واتجه إلى شارع قصر النيل في خطًى وئيدة، يدخن لفافة من التبغ ويجتر أفكاره وتأملاته في لذة ويسر، وصادف بلوغه مدخل المكتبة الفرنسية بروز فتاة منها تندفع فيما يشبه العَدْو، فتوقَّف بحذر ووجل، وتراجع خطوة على عجل، وتوقفَت مثله وتراجعت، والتفتَ نحوها فرآها ترمقه بنظرة ارتباك واعتذار ثم مضَت في سبيلها، حتى إذا ما حاذَته عطفَت رأسها إليه بغتة، وقد بدَا على وجهها التساؤل والحيرة وكأنها تحاول تذكره ولا تدري كيف، ثم أدركت ما في نظرها إليه هكذا من الغرابة، فأدارت رأسها عنه وما رَوَت غُلَّة، وقصدت إلى سيارة تنتظر إلى جانب الطريق، فأدرك من أول وهلة أن صورته اشتبهَت عليها وعلَت لذلك فمَه ابتسامةٌ، وأراد أن يستوثق من رأيه فألقى بنظرة إلى السيارة — وكان جاوزها بأمتار — فرآها تُتابِعه بنظرتها تعلو وجهَها آيُ الحيرة والغرابة، فغمرَتْه موجةُ انفعال مضطرب لذيذ، وتعثَّر بأذيال الارتباك والحيرة. ثم تحركت السيارة مندفعة في الاتجاه الذي يسير فيه وما تزال صاحبتها ترنو إليه خلال زجاج النافذة بنظرة تحيَّر بماذا يصفها .. وديَّة حنون؟ .. حتى باعدَت بينهما المسافة .. وعجب الأستاذ أيما عجب، على أن عجبه كان شيئًا يسيرًا إلى ما أحس به ساعتئذٍ من ثورة الوجدان، وكانت الفتاة شابة حسناء مدمجة الخلق، مرتوية الساقين، فاتنة القسمات، يزين وجهَها عينان زرقاوان، لنظرتهما وقْعُ السحر في الحواس والقلب والأعصاب، فانبعث في قلبه خفقان واضطراب، وشعر بنشوة رائعة، ثم لسعَته حسرة أليمة، حسرة محروم طال عهده بالحرمان. وكانت حياته في الواقع خالية من الحب مثل كهف رطب لا تزوره الشمس؛ لأن تفانيه في طلب العلم لم يَدَع له وقتًا لشيء سواه، ولعيبَين طبيعيَّين كبرَا في وهمه واشتدَّا على نفسه؛ إذ كان يترامى إلى أُذنَيه أنه ثقيل الظل، وكان إلى هذا عيبٌ حصور لا يكاد يبين، فلم يكن في وسعه قط أن يُحسن خطاب فتاة فضلًا عن أن يُغازلَها. ودعاه هذا وذاك إلى النفور من الحسان وإلى ما يشبه الخوف منهن. وحزَّ لذلك الألم في نفسه، وسكب في قلبه امتعاضًا ومرارة، فتبدَّى عليه الجفاء والوحشة، واضطرب عهدًا طويلًا يائسًا بين الرغبة في الحب والخوف من المرأة، والتشوف إلى النساء والحقد عليهن، فكانت تلك النظرة الحلوة أول نسمة تهبُّ عليه من دنيا الوجدان فترتوي بها نفسه الظمآنة ويندَى بها قلبُه الجاف. ولكنه ارتواءٌ كالظمأ وندًى أشد حرقة من الجفاف، فتحيَّر وتعجل وتساءَل وهو يقلِّب كفَّيه .. تُرى ما خَطْب هذه الفتاة؟ .. وما معنى هذه النظرة الفاتنة التي أذابَت الوجد والهيام والحنو، المتجمدة في قرارة نفسه؟ .. إنه لا يعرفها على وجه اليقين، ولا يذكر أنه رآها من قبل، وهي بغير ريب لا تعرفه أيضًا؛ فلا هي قريبة ولا جارة ولا طالبة بكلية العلوم، ولعله التبس عليها شبهُه، ولكن كيف طال بها الشك تلك المدة السعيدة التي أدامت فيها النظر إليه؟! .. ومضى يتفكَّر تَنقُله الحيرةُ من فرض إلى فرض، وقد انشغل عن الغدد والكيمياء جميعًا، وكان في عزمه أول الأمر أن يعود إلى بيته فيستمع إلى المذياع ساعة ويطالع ساعة قبل النوم، ولكن عافَت نفسُه ذلك ومضى يضرب في الأرض على غير هدًى تاركًا محركَ خياله للخواطر السعيدة والأحلام اللذيذة والأوهام المخدرة، حتى أعياه التعب وتعناه المشي. وكان سُرِّيَ عنه بعض الشيء، وأخذ يفيق من أثر النظرة، فاتجه إلى قهوة روجينا، وجالَس بعضَ صحبه حتى شارفَت الساعة التاسعة، ثم خطر له أن يقضيَ سهرة المساء في سينما رويال، وكان قليلًا ما يجذبه مزاجُه إلى ذلك. فسار بلا تردد إلى السينما، وابتاع التذكرة، وكان يكره الانتظار جالسًا، فدلف إلى الصور المعلَّقة بالردهة الخارجية، وقلب فيها عينَيه، ثم أولاها ظهرَه ملالًا، وأرسل بناظرَيه إلى مدخل السينما يشاهد جمهور الداخلين، فرأى سيارة فخمة تقف أمام مدخل السينما، وفتح بابها ونزلت منها سيدة بدينة بادية النعمة والثراء، تبعَتها على الأثر فتاة حسناء انخلع لرؤيتها قلبُه في صدره وأحس بفرح عجيب تُمازحه دهشة، فلم تتحول عنها عيناه. وفاته في ذهوله أن يرى ضابط بوليس شابًّا يبرز من الباب الثاني للسيارة، ويدور حولها بسرعة ويلحق بالسيدة والفتاة. وانعطف رأسُ الفتاة إليه — وكانت فتاته دون سواها — كأنما جذبَتها قوةُ بصره المشوق فالتقت عيناهما، ولاح على محيَّاها الجميل الاهتمام والدهشة، ورقَّت نظرتها بالحنان الذي حيَّره وفتنه منذ حين، فتبعها في خطًى مضطربة ملبِّيًا نداء قوة عاتية. وصَعِدت الفتاة مع الصاعدين إلى الطابق الثاني فوقف في الردهة يتابعها بعينَيه، ورآها قبل أن يُغيبَها عن ناظرَيه منعطف السلَّم تُلقي عليه نظرة أخرى .. يا لَها من نظرة! .. فاستخفه طرب جنوني عذب لا يتأتى لغير الموسيقى وصفه. واندفع إلى الداخل لا يلوي على شيء، فلما اطمأن به مقعده مضى يصعد نظره في «الألواج والبناوير» باحثًا عن الوجه الحبيب ذي النظرة الفاتنة الحنون حتى وجد ضالته في «البنوار» رقم ٣، وكانت تتقدم السيدة بقامتها الهيفاء، والتقَت نظرتها بوجهه هذه المرة نحو السيدة البدينة، التي تدل الظواهر على أنها أمها، ورآها تهمس في أُذنها، ثم شاهد السيدة تنظر إلى أسفل باحثةً بعينَيها حتى استقرتَا عليه .. فارتبك وتعجب وتساءل: تُرى لماذا تدل أمها عليه؟ .. على أن عجبه ازداد إلى غير حدٍّ؛ لأنه رآها تعطف رأسها إلى الوراء وتُحادث شخصًا لا يُرى سوى أعلى طربوشه، ومال هذا الشخص إلى الأمام ونظر صوبه وكان ضابط البوليس، فلم يستطع أن يُديم النظر إلى أعلى، وأدار رأسه إلى الأمام، ولكنه تذكَّر هذا الضابط، وذكر أنه كان من زملاء فرقته في الخديوية، وأنه كان يُدعَى علي سالم، وأنه كان مبرزًا في الألعاب الرياضية، وظن أنه أخو الفتاة، ولكنه تحيَّر في فهم الدواعي التي بعثتها إلى توجيه الانتباه إليه بكل جسارة، وفيما عسى أن تكون حدَّثتهما به عنه .. وغلبه الشوق وحبُّ الاستطلاع، فرفع بصره إلى «البنوار» مرة أخرى، فرأى الوجوه الثلاثة محدِّقة فيه. وخُيِّل إليه أن زميله القديم يحييه، فلم يصدق بصره وظل جامدًا لا يتحرك، فأعاد الضابط تحيَّتَه برفع يده إلى رأسه، وردَّ عليه الأستاذ التحية مرتبكًا، وشاهده يدعوه أن يصعد إليه، فخفق قلبه خفقة عنيفة وقام واقفًا وقد لَفَّته الدهشة والارتباك، وغادر المكان في ذهول شديد، وصَعِد السلَّم والتقى بصاحبه عند مدخل «البنوار»، واستقبله هذا استقبالًا وديًّا، وشدَّ على يده بحرارة — ولعله فعل ذلك ليطرد عنه الدهشة والارتباك — ثم أوسع له وهو يقول هامسًا: «تعالَ أقدِّمْك إلى أهلي.» ووجد نفسه في البنوار أمام السيدة والفتاة الجميلة، وقال الضابط يقدمها له وهو يشير بيده: «حرم الأميرالاي محمد جبر بك. الآنسة زينب كريمتها وخطيبتي.» ثم التفت إليه وقدَّمه لهما مكتفيًا بذكر اسمه وزمالته القديمة؛ لأنه يجهل حاضره .. ودوَّت كلمة «خطيبتي» في أُذنيه دويًّا مزعجًا أطفأ نشوة الفرح في حواسه جميعًا، وسكب مكانها خيبة مُرَّة، فجلس كما طُلب إليه ذاهلًا مرتبكًا قانطًا عاجزًا العجز كله عن حصر انتباهه فيما حوله، وكانت السيدة ترحب به وتشارك الضابط في التودد إليه ومجاملته ولكنه لم يدرِ مما قالَا شيئًا، واكتفى بانتزاع ابتسامة مغتصبة من شفتَيه يردُّ بها عليهم ردًّا صامتًا كئيبًا. وكان يتخبط في حيرة. | {
"chapter": "حلم ساعة",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "فتوة العطوف",
"url": "https://www.hindawi.org/books/18686373/9/"
} |
نقطع الشجرة ونأكل الخروف ونقتل الضبع، وندَّعي بعد ذلك بأننا نملك الحق في الحياة، وفي ما تستكمل الحياة به شروط كِيانها، فمن أين أتى الاختلاف في ذلك بيننا، نحن البشر، وبين الأحياء الأخرى؟ وبالأحرى من أين لنا هذا الادِّعاء؟ أهو فطري يُلازم الصفات التي يتميَّز بها نوع البشر، أم هو وليد العرف والاصطلاح؟ وبتعبير آخر، أمفهوم الحق مفهوم قد اصطُلح عليه بين الناس، ثم أصبح بحكم العادة واجب الرعاية؟ كُنَّا نهتدي بهداية الحدس العربي في استجلاء المشاكل المماثلة، فهلَّا يهدينا هذا الحدس الآن إلى حل المسألة التي نحن في صددها؟ فلنبدأ ولو على سبيل المحاولة باستجلاء الحدس المنطوية عليه كلمة «حق» ذاتها. إن لكلمة «حق» في اللسان العربي صورةً حسيةً هي «الحق» بمعنى الجرن للعظم، فكأن واقع الأمر من حقيقته بمثابة العظم من جرنه. وكما يبعث خروج العظم من حقه اضطرابًا في الجسد يحدث الميل أيضًا، وهو الانحراف الواقع عن حقيقته، قلقًا في النفس، ولولا هذا القلق لما دأب الذهن لاستكمال شروط الحقيقة. وهل كان القلق يستحوذ على نفوسنا نحن العرب، لو لم يتخلَّف واقعنا عمَّا يجب أن يكون عليه حالنا؟ هكذا أدرك الذهن العربي العلاقة بين الواقع للمجتمع وبين ما يصبو إليه الناس من مثَل أعلى، على مثال العلاقة بين الأنشودة وإلهامها … إنها علاقة يُنشئ المصلح على ضوئها المجتمع، كما يُنشئ الفنان على ضوء إلهامه الأنغام في الأنشودة. وإذا وضع الذهن كلمات «عدم»، «حرية»، «كمال»، فقد أدرك العلاقة بين الحقيقة والعبارة البيانية على غرار العلاقة المتقدِّمة. إنه إذ هو ينظر إليها من حيث تقصير العبارة عن المعنى، يحصل لديه الحدس في العدم. وإذ هو ينظر إليها من حيث فيض المعنى على العبارة، يحصل لديه حدس الحرية. وأمَّا الكمال فهو غاية المرتقى، الغاية التي بها تستكمل العبارة شروط حقيقتها. ولمَّا اشتق الذهن العربي كلمتَي «الحقيقة» و«الحاق» من «حق»، فعنى بالأولى أصل الشيء ومنتهاه، وبالثانية الوسط والكمال في كلٍّ من الأشياء؛ فطن إلى منزلة الحق المثلى. ولمَّا اشتق هذا الذهن كلمة «الباطل» كضدٍّ للحق وعنى بها الشيطان الساحر، ثم اشتق من نفس المصدر «البطل» و«البطلان» بمعنى الكذب والترهات؛ دلَّ على أن الحق وحده قائم بذاته، في حين أن ضده البطل رمز الشطط؛ بطل: فسد، ذهب خسرانًا وضياعًا، بطل في الكلام هزل. وكلمة «شيطان» نفسها تلتقي باشتقاقها من «شط» مع ما تقدَّم في المعنى. وكذلك كلمتا «خطأ» و«خطيئة» المشتقتان من خط، تشيران إلى الانحراف؛ إذ إن الأولى تُشير إلى الانحراف عن الطريق المستقيم بالهمزة الملحقة بها، والثانية بالهمزة المندرجة في صلبها؛ الأولى تعبيرًا عن حالة «الخطأ في الاجتهاد»، والثانية تعبيرًا عن حالة مستقرَّة «الخطيئة في الأخلاق»، تتناول صميم الحياة فتندرج في السجية بصورة مستقرة. نحن نستخلص ممَّا تقدَّم أن الحق في الحدس العربي، ذو منزلة مثلى؛ فهو من فوق سلسلة الوقائع الخاضع ظهورها لمبدأ العلة في ظرفَي المكان والزمان، بحيث يتميَّز عن الحوادث الطبيعية. والذهن يستشف الحق متلألئًا في عليائه من خلال تجلياته التي هي الشئون الإنسانية. وتدلُّ عبارة إيثار الحق على الصداقة على تكوين الإنسان المزدوج هذا، على خضوع طبيعته لدائرة الميول وأغراضها، وعلى صبوة يتخطَّى بها هذه الدائرة متساميًا نحو المثل الأعلى. وليس الندم وما يُرافقه من شعور بالذعر والخسة إلَّا نتيجة إعراض النفس عن الحق وهبوطها. وإذا ضلَّ أعلام الحضارة الحديثة عن الطابع الخاص لعلاقة الشئون الإنسانية مع حكمة وجودها الآية، فأدركوا هذه العلاقة على مثال ما هو قائم بين الحوادث الطبيعية. وإذا ضلُّوا عن علاقة الصورة المستفاضة بالمعنى المستفيض بها، فأرجعوا التجليات إلى الشروط التي تكتنفها من علة متقدِّمة أو غاية متخلِّفة، كما هي الحالة في إيضاح الحوادث الطبيعية؛ فذلك لأن الذهن الحديث بدأ نهجه بدراسة الحوادث الطبيعية ذات الطابع النسبي، والقائم كِيانها على مبدأ الانتشار في المكان، فبدت له الشئون من خلال هذه الدراسة وكأنها ذات بعدَين فقط على مثال الحوادث، بينما هي — أي الشئون — إذا تمثَّلت في الذهن فاستمدَّت منها نسغ الوجود، أي إذا تحوَّلت عن رموز إلى معانٍ؛ هامت في صبوتها نحو المثل الأعلى حتى أصبحت وكأنها ذات أبعاد ثلاثة، مثَلها كمَثَل المعاني للكلمات في القصيدة من الإلهام، الذي هو معنى تجرِبة الفنان المثلى، وليس التعبير عن المعنى الذي هو البعد الثالث بلغة الظواهر، إلَّا عبارة مجازية لما ينطلق من الملأ الأعلى، أو لما يبدو كذلك من صبوة النفس نحو المثل الأعلى. أمَّا ما قيل من تصنيف الحقوق بين طبيعية ومكتسبة، بين ما يُلازم الفطرة البشرية وبين ما يرجع إلى عهد أقرَّته الهيئة الاجتماعية، فمردُّه إلى الحرية. إن الحرية هي الصفة التي يشترك فيها الإنسان مع الآلة، والتي عليها يقوم حدس الأسطورة القائلة بأن الله خلق الإنسان على صورته لا على سواها من الصفات. إنها وحدها مُنزَّهة عن كل تشخيص يستنزل الإله إلى خطيئة المشبهة، وذلك ما يجعل ما تُقره الإرادة من عهد يكتسب بهذا الإقرار القدسية «وعد الحر دين»، و«أنجز حر ما وعده». وإذا جاز أن تُردف صفة «الطبيعية» بالحقوق تمييزًا لها عمَّا ينتج عن العهد من حقوق مكتسبة، فذلك أن الحياة بناء غرضه البصيرة، أي رؤية الحق رؤيةً واضحة، رؤيةً تحمل معها شروط تحقُّقها خِلوًا من الأهواء والآراء الطارئة. ولمَّا كانت درجات هذا البناء تراثًا أصيلًا ينتقل من الأجداد إلى الأحفاد بالفطرة، فقد أصبحت شروط تحقُّق هذا التراث واجبة الرعاية على الذين يشتركون في الصبوة إلى المثل الأعلى. وإذا كانت الدرجات الموروثة هي قاعدة الحرية التي خُصَّ بها الإنسان، كخليفة الله في الأرض وتاج الخليقة، فإن الحقوق المكتسبة وليدة الحرية. فالحق في الحدس العربي ليس إذن من دائرة القوى في الطبيعة، ولا هو أمر يكتسبه الفرد من المجتمع، بل إنه من الواقع بمثابة النجم المتلألئ في عليائه من الغيوم المثقلة. وكيف لا؟ أليست الأشياء في الطبيعة تخضع لمبدأ تعادل القوى؟ أليس المصطلح نظرة يُلقيها الإنسان على دائرة القوى؟ إن كلًّا من الحق والحرية تُوجب على المرء استكمال الشروط التي بها يزداد الأول انبلاجًا في الوجدان والثانية وضوحًا، حتى إذا ما استشفَّ الذهن الشئون وبدرت من خلالها الآية؛ انجذبت النفس بسحر الرَّوعة، ولكنها إذا تخلَّفت عمَّا تُوجبه هذه الرفعة من جهد وتضحية؛ تملَّكت منها عندئذٍ الحسرة. ومن هنا تبدأ العلاقة بين الحق والواجب؛ حق الأمر، ثبت ووجب، بينما الواجب هو دعوة الحق، الدعوة التي تتمثَّل فيها مشيئة الله. ولمَّا كان المجتمع نظامًا ذا نزعة، أي عناية، وكان الناس يتفاوتون بالتجاوب الرحماني مع العناية، بحيث إن المعنى الحاصل من هذا التجاوب يختلف لديهم بالوضوح، وبتحوُّله إلى نية ذات عزيمة في العمل، فقد أصبح لكلٍّ من أعضاء الهيئة الاجتماعية قيمة مزدوجة مطلقة، من حيث إشراق الحق في النفس، وبدور هذا الإشراق كواجب. ونسبية تأتي من قدرة المرء على القيام بالأعباء العامة. وإذا كان الناس متساوين بالقيمة المطلقة التي يُصبحون بها ذوات لا أشياء، فإنهم يتفاوتون بالقيمة النسبية بحسب تفاوت مؤهِّلاتهم في الإفصاح عن كِيان الأمة، وفي القيام بما تدعو إليه المصلحة العامة. ترجع كلمة «عدالة» إلى فعل «عَدَل» بالاشتقاق، ويرجع فعل «عدل» إلى «عَدَّ» المتضمن حدس العدد والنظام. ولدى استعراض أسرة الكلمة ومشتقاتها الحسية والعقلية تظهر اتجاهات الحدس العربي الأساسية: عدَل، أنصف، وعادله، وازنه، والعِدل: النظير والمثيل. عدل الشعر، جعله موزونًا مستقيمًا. يُؤخذ ممَّا تقدَّم أن الحدس العربي في العدالة هو نظام قاعدته المساواة «أنصف»، وقوامه مراتب يتألَّف منها كِيان المجتمع. نظام يشعر به كلٌّ من أعضاء الهيئة الاجتماعية، كما يشعر العازف بإيقاع الأنغام ومواتاتها للتعبير عن الإلهام. وإذا كانت المساواة تُقابل كلًّا من القيم المطلقة التي تتمثَّل في إنسانية كلٍّ من الأعضاء، فإن المراتب تتعيَّن بحسب الوظائف المتعلِّقة بكِيان المجتمع، نموه في اتجاهَي العمق والفسحة معًا. وكلمة «ظلم» التي هي ضد العدل، تزيد من معنى وضوح العدالة. إنها قد حصلت من إلحاق حرف «م» بفعل ظل، والحرف الملحق يُعبِّر بحسب مخرجه عن معنى الانغلاق، الحرمان، العدم. فكان ظل الإنسان هو مجاله الحيوي، المجال الذي يتناسب بالمدى مع رفعة صاحبه، فمَثل الشخصية بذلك كمَثل الشجرة. وأمَّا الظلم فهو ما ينقض من المجال الحيوي للإنسان ممَّا يجعل الظل يأخذ بالتقلُّص. وكلمة «جور» تلتقي مع الظلم في المعنى باشتقاقها من «جار». إن الكلمات المشتقة من «ظلم» تدلُّ على الحدس العربي في الأمر؛ ظلمه حقه: انتقصه إياه، وكل ما عجله عن أوانه فقد ظلمه. والظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، والآية: كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ (تنتقص) مِنْهُ شَيْئًا ، تُكلِّل الحدس العربي المتفرِّع عنه اتجاهاته في الكلمات المتقدم ذكرها، ومن غريب الأمر أن يشتق الذهن العربي كلمتَي «ظلمة» و«ظلم» من ذات المصدر، فكأنه إذا زاغ واقع الأمر عن الحق، انكسف النور عن البصيرة. وأمَّا إذا صدقت الصورة واستكمل الواقع شروط الحقيقة؛ تأجَّج الذكاء (الضوء). مثَل انبعاث أشعة الذكاء من ثنايا الصورة الصادقة كمَثل النشوة التي تحصل من ملاءمة ظروف البيئة للحياة. هناك كلمة أخرى ذات علاقة بالعدل وهي الإنصاف؛ أنصف الخصمين: سوَّى بينهما وعاملهما بالعدل، أنصف أحد جزءي الشيئين إذا تساويا، المتناصف من الرجال: المتساوي المحاسن. هكذا يشف معنى العدالة من الكلمات المتقدِّمة. وكلمتا «إنصاف» و«عدالة» تدلان — بتضمُّن حدسهما مبدأ المساواة والعدل — على أنهما نشأتا داخل الأسرة حيث تسود روح الأخوة. إذ إنه ليس من تمايز بين الإخوة، اللهم إلَّا بالأصالة والأهلية لتمثيل التراث المرموق عند العشيرة. ونشأة العدالة والإنصاف هذه تكشف عن تأثير القرابة على توجيه النفس نحو الكمالات الأخلاقية، عن تأثير البنيان المشترك على توجيه الذهن نحو المثل الأعلى. ولم تزَل كلمة «إنصاف» تحمل معنى الحنان طابع نشأتها، ومن بقايا ذلك العهد كلمتا: تنصَّفناك بيننا؛ جعلناك بيننا المناصف: الخادم. ولدى التأمُّل في الحدس المنطوية عليه كلمات: عدل، إنصاف، ظلم، يتبيَّن أن لكل امرئ فلكه الذي يتناسب ظله مع مداره. وكلمة «حقيقة» هي التي تجلِّي الحق تُشير إلى هذا الفلك «حقيقة الإنسان»، فكان المجتمع في الحدس العربي على مثال السماء، منظومة من الأفلاك تتعيَّن فيه مراتب الأعضاء بنسبة مؤهلات العضو لتمثيلها، أكان ذلك بوضوح البصيرة أم بالإخلاص لتنفيذ الإرادة العامة؟ ولمَّا كانت العدالة تتضمَّن النظام؛ فقد أصبح من المفيد أن نطَّلِع على نشوء كلمة النظام نفسها، وأن تستقرئ معاني مشتقاتها؛ لعلنا نستزيد بذلك من وضوح مفهوم العدالة. فأمَّا نشأة الكلمة فهي صوت «نس» الطبيعي الذي يحدث عندما يحترق الحطب، ونس الخطب: أظهر الزبد على رأسه، ومن هذه الصورة وبتحويل حرف «س» إلى شقيقه بالمخرج «ز»، استحدث الذهن العربي «نز»، استحدث هذا الذهن «نظنظ»؛ وذلك بتحويل حرف «ز» إلى شقيقه بالمخرج «ظ»؛ نظنظت الأم صبيها: رقصته. وكلمة «نظم» قد حصلت من إلحاق حرف «م» إلى «نظم»، وأمَّا مشتقات «نظم» فقد تبلورت فيها اتجاهات الحدس المختلفة؛ فهي نظم الأمر: أقامه، والمنظوم من الكلام: الموزون، والنظام: الخيط الذي ينتظم فيه اللؤلؤ، والنظام أيضًا: الطريق والعادة، نظام الأمر: قوامه، الأنظام: خيط البيض المنظم في نظامَي السمكة. ولدى التأمُّل في كلمة «نظم» في أصلها اللغوي وفي مشتقاتها، يتبيَّن أن الحدس يقوم على الانبثاق وعلى ما يُرافق الانبثاق من عفْوية، والعفْوية تتحوَّل إلى نظام بتحديدها، بإدراكها من خلال المكان. وحرف «م» في «نظم» يفي بهذا الغرض. هذا، وإن العلاقة بين النظام وبين ما يُضمَر تحت الشعور، على مثال العلاقة بين الينبوع وبين ما يُتحلَّب من ماء في جوف الأرض. وكما أن الماء المتحلَّب في جوف الأرض يؤلِّف مجاري، والمجاري بتقاربها متحدة تُفجِّر سدها، فتطلع على الضوء ينبوعًا يبص بصًّا، كذلك الأوضاع ترتسم في الذهن، فتستجلي، بتقارب نزعاتها، الآية حكمة وجود الأوضاع نفسها. والصورة الحسية لمصور الآية هي أنظومتا بيض السمك، فإذا كان بيض السمك يظهر متفرِّقًا في المكان، فإنه من حيث الصميم يتحد في ينبوع الحياة. تلك هي الصورة الحسية لبدور الآية في الحدس العربي. إن النظام وإن كان يقوم على العلاقة بين أفراد متفرقين في المكان والزمان، فإنه من حيث صبوة عناصره الأعضاء ينتهي بالآية مصدر وجوده، وليس النظام إلَّا مصور الآية، وما يُدرك منها خلال المكان. ومن هنا القرابة بين العدالة في المجتمع والاعتدال في الجسد، ومن هنا طبيعة النظام المفصل في الجسد والمجتمع. وبناءً على ذلك فإن الشعور بالنظام يتقدَّم على القانون الموضوع من قِبَل الهيئة الاجتماعية، حتى إذا ما اختل النظام أنذر من عانى الخلل بالألم في الجسد، وبالقلق في المجتمع، وذلك ما يدعو الأفاضل إلى التعاون على القيام برفع الحيف بسبب الخلل. وإذن فشيمة النفوس الكريمة هي رفع الظلم، لا كما قال شاعرنا المتنبي: وليس البطل إلَّا ذاك الذي تجسَّدت فيه العدالة، النظام الأصيل المنطوية عليه حياة الجماعة أن الشعور بالإنصاف لهو من صميم الحياة، ولولا ذلك كيف كُنَّا نُفسِّر الظاهرة التالية: بينما كنت مارًّا في ساحة المدينة القديمة بطرطوس شهدت ديكَين بلديين يتقاتلان، وكان بالقرب منهما ديك رومي واقف موقف المتفرِّج منهما. وكم كنت مندهشًا عندما رأيت الديك الرومي يُهرول مسرعًا ثم يمر بينهما مفرِّقًا أحدهما عن الآخر! وبعد أن اجتازهما ببضع خطوات وقف والتفت إليهما. ولمَّا أقدم أحد الديكَين المتخاصمَين على استئناف القتال كرَّ عليه الديك الرومي وأوسعه نقرًا، فكأنه شيخ قرية يفصل بين المتخاصمين. ومثَل العدالة كمثَل الفنون الجميلة، كلها تحصل من المساومة بين الحدس والعبارة، بل كمثَل الحياة نفسها؛ فكما أن الاعتدال في الجسد أي نظام بنية الفرد يحصل من مساومةٍ بين الحياة والبيئة، فكذلك العدالة تحصل من مساومة بين تجرِبة الأمة المثلى وما ينجم عنها من نظام، وبين مُلائمة ذلك لمقتضيات ظروف البيئة. ولكن لمَّا كان المجتمع يمر في تطوُّره من مرحلتَين، يبدأ بعهد الناموس، العهد الذي ينشأ فيه عرفه وتقاليده مبهمًا، ثم ينتقل إلى عهد روح القدس، الذي يستجلي فيه النوابغ العرف والتقاليد استجلاءً تتحوَّل به من قواعد مألوفة إلى قوانين صريحة بيِّنة. وكان النابغ يتردَّد ذهنه أثناء الإنشاء بين الحقيقة والعبارة (العمل)، وتارةً يُصيب وتارةً يتوه، عن قصد أو غير قصد. لمَّا كان الأمر كذلك أصبحت القوانين تقتصر في غالب الأحيان على النظام الذي هو قوام العدالة. وإذا ما تمادى الشطط ضج الناس من المَيَل، وقد ينتهي السخط بالثورة على الأوضاع المنحرفة الشاذة. ومع ذلك فإن الإنسان لا يبقى عند الحد الذي تُعيِّنه الفطرة، وإذا هو اجتاز ذلك إلى مرتبة الحرية أضيف إلى عدالة الفطرة العدالة التي تنجم عن العهد، إلى الوفاء. حتى لقد خُيِّل لبعض الناس أن العدالة والعهد صنوان، والمجتمع يقوم بحسب هذا الرأي على الإرادة الصريحة، ولكن لو كان الأمر كذلك لالتبس الإصلاح بالجريمة. إن كليهما يُبطلان العدل القائم على القوانين المتعارف عليها عند الجماعة. وليس بأدل على أن الإصلاح يُحقِّق ما يتمخَّض عنه الجمهور ظهوره بمظهر الرسالة المحتمة على الإرادة، وظهوره بمظهر الأمنية معًا، والمصلح إذ يُؤدِّي رسالته يُحقِّق شخصيته. ولمَّا كان الإنسان ذا تكوين مزدوج، تلتبس لديه الفطرة بالحرية، فقد أصبح لوجهة نظره الأثر الأعظم في تعيين حدود العدالة (تطوُّر العدالة بتطوُّر أنظمة الحكم)، ومع ذلك فإن الترتيب المثالي للقيم يبقى أكثر ثبوتًا في وجه تقلُّبات الظروف من ترتيبه حسب الوظيفة. ولمَّا كانت الحاجات والقيم تُؤلِّف كلًّا تتلخَّص فيه دنيا الإنسان، فقد أصبح المجتمع الأقرب من كماله هو الذي تنسجم فيه الحاجات مع القيم، بحيث تقل المحرَّمات المفروضة على الإنسان. إن ما يلتزم الإنسان بأمر تعيينه هو تقدير الحاجات بالنسبة لصلاحها مستقلةً عن أي اعتبار آخر، وهو أيضًا تنظيم المجتمع تنظيمًا تتناسب قيمه مع مدى قدرتها على دعم النفوس في صبوتها نحو المثل الأعلى. إن الصورة الذهنية وإن كان تأليفها يحصل من الإحساسات التي ترد بطريق الحواس، فهي لدى مثولها في الوجدان تُصبح ذات نزعة مزدوجة الاتجاه، فتنزع من جهة إلى الشيء الذي اقتبست عنه، حتى لقد تنتهي المشابهة بينهما إلى المسائلة، ومن جهة أخرى تنزع إلى استدراج معنى بديء في الوجدان تتخطَّى به النفس دائرة الغرائز والحاجات نحو إنسانية متعالية الآفاق. فإن يبقَ الذهن في الحالة الأولى عند حدود الطبيعة منتقلًا من الصورة إلى المناسبات بين الصور، كانتقاله من صورتَي الحرارة والتمدُّد إلى قانون تمدُّد المعادن بالحرارة مثلًا، فإنه يُصبح في الحالة الثانية ذا صبوة يتميَّز بها عن العجمة ذات المنظومة المغلقة. لكن الصورة لا تستنقد المعنى، كما ليس للمعنى من عبارة غير الصورة، ممَّا يُلجئ الذهن إلى المجاز للإفصاح عمَّا تُقصِّر عنه الصورة؛ وذلك بالاستناد إلى المماثلة بالجوى (الصدى العاطفي) بين أداة البيان والمعنى المقصود استدراجه من الملأ الأعلى. ألَا تسلك الحياة نفس المسلك إذ تستدرج، بتقدُّم أداة بيانها الجسد في النمو، ما ضمر في عالم الغيب من مكنونات، من ميول وحواس؟! في التجرِبة الطبيعية حيث يشترك الحس والعقل معًا في صوغ المعرفة، يُحاول الذهن أن يجعل المعقول مطابقًا للواقع، أي إن يجعل ما يُبنى من بنيان ذهني مستوفيًا شروط كِيان الحوادث. وقد يتقدَّم الذهن في هذا الاتجاه حتى ينتهي بنظام مشترك بين «الأنا» و«الأنام»، بنظام اتخذته الفلسفة اليونانية الأوروبية موضوع محاولاتها، حتى كانت منذ ظهر كتاب «ما بعد الطبيعة»، حتى ظهر كتاب «نقد العقل المحض». لكن الذهن ينهج نهجًا آخر في فهم الشئون الإنسانية، فهو يتمثَّل كُلًّا من الكلمات لدى فهم القصيدة تمثُّلًا تنبعث عنه المعاني المتعارف عليها بين الناس، تمثُّلًا يستشف به هذه الصور البيانية حتى يدرك منها الإلهام معنى تجرِبة الفنان المثلى ومصدر الانسجام والنظام في التحفة الفنية. فالتجرِبة الإنسانية إذن هي اتصال من الصميم بين «الأنا» و«الأنام»، وتكشف عن ماهيتها كلمة «فقه» المتضمنة معنى تفتُّح النفس عن الحقيقة مستضيئة بنور ذاتها. «إنما تعني كلمة «فقه» معناها هذا لاشتقاقها من «فق، فقفق»، وهو صوت غليان الماء، الصوت الذي اشتقت منه مع أخواتها: فقأ الدملة، فقح الكلب عينَيه، فقس النقف من البيضة، فقر أي تجوَّف، فقع … إلخ، وهي كلمات تتضمَّن خيال الفقاقيع المتفتحة من داخلها». وها نحن نُقدِّم هنا بعضًا من الأمثلة التي تكشف عن تلوُّن التجرِبة الإنسانية ومداها؛ فمنظر البائس يبعث في قلب من عقد النية على التعاطف مع الآخرين بمشاعر البؤس ومشاعر الإحسان التي تدفع إلى رفع مثل هذا الحيف. ولقد اشتق الذهن العربي كلمة «فضيلة» من «الفيض» للتعبير عن تلك الحالة، أي حالة رفع الحيف عن الآخرين. وهل يقف الإنسان عند حدِّ التعاطف الرحماني الماثل للعيان، عند الحد الذي يشترك فيه مع جميع الأحياء؟ أو لا يفقه أيضًا نظام قيم المجتمع، فتُجيب نفسه إجابةً خاصةً على كلٍّ من مراتب هذا النظام المتحلية برواء رفعتها؟ ولولا ذلك لما حصل تنازع الواجبات في الوجدان. وعندما يعتري الخلل نظام القيم تضطرب النفس، ويُرافق هذا الاضطراب العزم على تقويم الاعوجاج، وعندما يزيغ نظام القيم في المجتمع؛ يستحوذ القلق على الناس جميعًا من جرَّاء هذا الزيغان؛ وحينئذٍ تظهر محاولات الإصلاح في كل مكان. لكن إذا كان أعضاء المجتمع لم يروا في نفوسهم الكفاءة لإنقاذ الموقف، فإنهم يرجون قدوم المخلِّص من الخارج. هذا ولو أن نبرة الإيقاع في النظام تتحوَّل بتحوُّل وجهة نظر الإنسان في الدنيا. فالتجرِبة الإنسانية إذن تتميَّز عن التجربة الطبيعية بنزعتها إلى رفع الحيف وتقويم الاعوجاج بالإصلاح، حتى إن لها من السحر ما يدعو صاحبها إلى هدر حياته في سبيلها. ألا تدل كلمة «واجب» باشتقاقها من «وجَّ» على أن الدعوة تنبعث من الصميم؟ إنها لدعوة ذات هُوية معيَّنة يهتدي المرء بها في الأعمال ذات الصبغة الإنسانية. وقد يمتد شفق التجرِبة الإنسانية إلى الطبيعة، فيقوم صاحب العقيدة عندئذٍ بتفسير الوجود على ضوء رؤياه الأصيلة، كما يحصل في الشرائع ذات الآماد البعيدة. إن التجرِبة الإنسانية تُماثل الحياة من حيث المبدأ والمعنى، كلتاهما تبدأ من فوق سلسلة الحوادث الطبيعية، وكلتاهما تنزع إلى الإبداع واصطفاء الأوفق من بين المبدعات. ولكن لمَّا كانت المبدعات تتجلَّى كاستجابة على دعوة تتلقاها كلٌّ من الحياة والإنسانية، أصبح قانون الملاءمة مع البيئة يشمل الأحياء والأمم. فهل للغرائز من معنًى إلَّا في علاقة الأحياء بالطبيعة؟ وهل للشرائع من معنًى إلَّا في علاقة الإنسان بمجتمع ما؟ وإذا كانت الصحة هي الحالة السليمة للوضع الأول فإن الأخلاق هي الحالة القويمة للوضع الآخر. إن الحياة منظومة يتم نموُّها بانكشافها من الداخل، ويقوم ازدهارها على الوئام بين صبوتها المثالية والملاءمة بينها وبين البيئة. إن الإنسان لم يقِف عند حد الوفاق بين الحياة والطبيعة، وإذا اشتق الذهن العربي كلمة «فرد» من «فرَّ»، فقد عبَّر عن نزعة المرء إلى التحليق في الأجواء العالية، وإلى تقرير مصيره على مسئوليته في هذه المرة. وإذا اختلفت نبرة الإيقاع في منظومة القوانين بين أمة وأمة، وبين مرحلة تاريخية وأخرى في نفس الأمة؛ فذلك لأن المشرِّع يتردَّد ذهنه أثناء استجلاء الحدس بين الأشياء والقيم؛ يميل تارةً نحو المحسوس المادي، ويصبو تارةً أخرى نحو المثل الأعلى. ولكن التشريع الأقرب من كماله هو الذي يُوفَّق في تقرير الخير العام، وخير الإنسان هو في استكماله شروط كِيانه، بحيث يرتقي إلى المستوى الذي يُصبح فيه حُرًّا في تقدير القيم والأشياء حق قدرها، في تقدير النتائج المادية ورفعة الواجبات الإنسانية تحت ضوء الحقيقة. الأصالة: ونحن نعني بها البنيان الرحماني المشترك بين المشرِّع والجماعة. ذلك البنيان الذي تشف فيه الصورة عن المعنى، بحيث يتلألأ الذكاء موضِّحًا الأوضاع العامة، وبحيث يشتد عزم الإرادة على إحقاق الحق في نفسه وفي العالم. إن الذكاء في تقدير القيم حق قدرها هو بمثابة صورته الحسية (ذكاء أي الشمس) في تعيين مواقع الأشياء، ونحن نعتقد بأن الصدى العاطفي لحدس الحقيقة في النفس يشد من عزم المصلح، ويُهوِّن عليه التضحية في سبيل للحقيقة على خلاف ما ذهب إليه أعلام الشعوب الهندية-الأوروبية؛ بأن المشرِّع الغريب عن الجماعة أصدق حدسًا من ذوي القربى، وأنزه موقفًا حيال المصالح العامة. نمو الجملة العصبية نموًّا تصل به الميول والنزعات إلى حد الاستقرار، وإلَّا فما دام الجسد في حالة التطوُّر والاستحالة يبقى صاحبه مستغرقًا في شئونه الخاصة. إن نمو الجملة العصبية حتى ما بعد استقرار الجسد هو قاعدة الحياة الاجتماعية. فلهذه الحكمة اشتُرط السن كشرط أساسي للقيام بالأعباء العامة، ولهذه الحكمة أيضًا استُثني الأحداث والمعتوهون والمجرمون من الاشتراك في سير الأمور العامة؛ ذلك لأن الأحداث تُلزمهم مقتضيات نحو الجسد أن ينصرفوا إلى الأكل والنوم، ولأن الشباب تتغلَّب عليهم الأحلام التي هي وسيلة يتلمَّسون بها سبل الحياة، أمَّا المعتوهون والمجرمون فإنهم يقصرون بالنمو عن إدراك قواعد الحياة العامة. الكلمات المنطوية على معانٍ منافية للعدالة تتضمَّن النظام باعتبار قوام الحياة الإنسانية؛ فكلمة «جزاء» مثلًا، تعني بحسب أرومتها «جز» هذا المعنى، وكلمة «قصاص» تُفيد باشتقاقها من «قص» ذات المعنى. فإذا تطاول أحد أعضاء المجتمع على النظام بالجور والاعتداء، جزَّ أو قصَّ فرد النظام بذلك إلى حالته الأولى. وكلمتا «ثواب» و«ذنب» تُشيران باشتقاقهما اللغوي إلى العلاقة بين العمل وبين من قام به؛ فالثواب يُشير بصورته الحسية «الثوب» إلى أن العمل يلبس صاحبه، والذنب يُشير بصورته الحسية «الذنب» إلى أن الإثم من مقترفه بمثابة الذنَب من الحيوان، يُلاحقه ويحط من قدره. وكلمتا «جريمة» و«عقاب» تتضمَّنان الدعوة إلى إحقاق الحق؛ فالجريمة تتضمَّن بحسب اشتقاقها من «جر» معنى ملاحقة الخلل شخص المخل بنظام المجتمع. والعقاب يتضمَّن منى التلازم بين الجريمة والقصاص كملازمة العقِب «الكعب» لصاحبه يتبعه حيثما سار. وكيف يحصل الحدس في العدل ويشترك الناس في هذا الحدس، إذا هو لم يكن من مقوِّمات النفس؟ ألَا يأخذ الناس بيَد المظلوم ضد المعتدي، في حين أن المصلحة تدعو إلى المساومة؟ إن الشعور بالعدالة يكمن في صميم الحياة، من فوق رابطة الأسباب علةً كانت أو غاية، وإلَّا فكيف يُفسَّر اقتصاص الإنسان من نفسه بالكفارة؟ حتى إذا ما يئس الناس من إنصاف بعضهم بعضًا في الدنيا لجئوا إلى السماء، حيث تستكمل العدالة شروط كِيانها. إنما يكشف الجزاء عن وحدة العلم والعمل، عن وحدانية عليا ليست المعرفة والأخلاق إلَّا وجهتَيها. أمَّا الخلل الحاصل من الظلم فيبعث في النفس القلق، ويدعو الظالم والمظلوم والشهود إلى رفع الظلم. وهل يقف الجزاء عند حد الكشف عن بنيان المجتمع بنيانًا رحمانيًّا وحسب، أم أنه يكشف أيضًا عن صبوة هذا البنيان صبوةً مثلى؟ ألَا تتضمَّن كلمة «ندم على ما فعل» معنى الأسف والحسرة؟ نجد في أسرة الكلمة «النديم» بمعنى «المنادم»، و«نده» بمعنى «نادى»، و«ندى» بمعنى «النادي»، فكأن الندامة نتيجة صدور الحكم بعد المداولة عن هيئة المحكمة، أي محكمة الوجدان. وكلمتا «الغفران» و«التوبة» تدلَّان على حكمة وجود الندم؛ وذلك أنه معنى «غفر الشيء: غطَّاه»، و«غفر له الذنب: غطَّاه وعفا عنه». أمَّا «تاب» من «تب» المعبِّرة عن معنى القطع، فكأن عذاب الوجدان الحاصل من الندامة يبعث بهمَّة تُرمِّم بها الحياة ما أحدثته الجريمة من عطب في بنيانها، حتى لكأن الغفران أشبه بعملية «التكليس» في رئتي المسلول، أو بعملية «الالتئام» بعد الجرح. وأمَّا التوبة فتُعيد إلى الذهن عملية إخماد قاعدة ذكرى الجريمة في الجملة العصبية. وهاتان الكلمتان «الغفران» و«التوبة» تلتقيان مع الآية: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ . إن المجتمع إذ يقتص من المجرم، يهدف إلى مدِّه بالمعونة بخلق جو يدعوه إلى الندامة. وتأتي الندامة معها بفيض من المشاعر، وتجرف به ما دنَّسته الجريمة. وتأتي معها بالمهمَّة التي تبعث بما غار في الدماغ من قاعدة آية العدالة. والآيتان التاليتان تلتقيان بالمعنى مع حدس كلمتَي «الغفران» و«التوبة»: غفر لها لأنها «أحبَّت كثيرًا» (الإنجيل)، و الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ (القرآن). هكذا نستدل بمفهوم الجزاء على تكوين المجتمع تكوينًا رحمانيًّا مثاليًّا. ومراتب المسئولية أيضًا تدل المتتبِّع على معرفة نظام المجتمع، وإن كان الدلالة في هذه المرة ذات طابع سلبي. إن المسئولية تتعيَّن حدودُها بعاملَين؛ أولهما مدى ما تُحدثه الجريمة من خلَل في نظام المجتمع، وثانيهما مدى ما يكون للإرادة من دَخْل في إحداث العمل المخل بهذا النظام، ولكن لمَّا كان العمل يتبع النية: «إنما الأعمال بالنيات»، وكانت النية منه بمثابة النواة من الشجرة «نوى، نية، ونواة»، فقد أصبحت الإرادة هي العامل الأساسي في تعيين حدود المسئولية. ولمَّا كانت الإرادة تقف بين الحاجات وحق الآخرين فيها، فقد أصبحت المسئولية تُقاس بمقدار استيفاء الحرية شروطها أثناء ارتكاب الجريمة، بحيث إن التهوُّر والمفاجأة يُخفِّفان من التبعة. ها نحن نستعين بحديثَين على إيضاح وجهة النظر هذه: «لا يكون السارق سارقًا حتى يأخذ من حرز»، و«من أخذ منها بفمه ولم يتخذ خبئه (في حضنه) فليس عليه شيء، ومن احتمل فعليه ثمنه مرتين وضرب نكال، وما أُخذ من أجرانه (البيادر) ففيه القطع إذا بلغ ما يأخذ من ذلك ثمن المجني، وما لم يبلغ ثمن المجني ففيه غرامة مثلَيه وجلدات نكال». وكلمة السرقة نفسها تُفيد هذا المعنى بتكوينها اللغوي من «سر» و«ق» الملحق بها، تعبيرًا عن معنى المقاومة، فكأن السرقة في الحدس العربي هي العمل الذي يقع في السر ويلقى عن حق الآخرين فيه المقاومة. تبقى الإرادة بين الإغراء والحق، فإن لم يترك لها الوقت لاستجلاء الحق استجلاءً تستعين به على تثبيت العزم لمقاومة الإغراء؛ خفَّت عنها التبعة. ولمَّا كانت العبودية تضعف من الأصالة والتربية اللتَين تدعمان الإرادة في صبوتها إلى الحق، بحيث يشتد عزمها حتى تُسيطر على المغريات، فقد ميَّز الإسلام بين العبد والحر في المسئولية: فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ، وإليك تفسير ابن تيميَّة للآية: «ولو كان القاذف عبدًا فعليه نصف حد الحر، وكذلك في جلد الزنى وشرب الخمر … إلخ.» وإذا قابلنا الكلمات: «لئيم»، «حليم»، «جاهل»، بعضها مع بعض نلتقي بالمعنى من وجهة النظر المتقدمة؛ فكلمة «لم» أدَّت إلى ظهور أسرتَي الكلمات «ألم اللؤم»؛ وذلك بإضافة حرف الهمزة المعبِّر عن معنى التقلُّص؛ ففي الأول تُعبِّر عن تقلُّص الحياة بتأثير عامل خارجي، وتُعبِّر في الثانية عن حالة انغلاق النفس عن كل اعتبار عدا موضوع الهوس، وفي هذه الحالة الأخيرة تلتم من الصميم بحيث تنحجب عن الحق. وموقع الهمزة في كلٍّ من الكلمتَين يدل على ذلك. وكلمة «لؤم» هي ضد كلمة «حلم»، فالثانية تعني إفساح المجال لظهور القيم لدى إقدام المرء على العمل، وعبارة خذني بحلمك «تُشير إلى دعوة القيم تلك». أمَّا كلمة «جهل» فتعني انطلاق النزوات، بحيث يفقد الإنسان الاتزان اللازم لتقدير القيم وتعيين الإجابة بمقتضاها؛ ولهذا فإذا كان الجهل يُخفِّف من المسئولية، فإن اللؤم يتطلَّب شدة الجزاء كيما تستطيع نفس اللئيم تعمير عطبها الحاصل من جرَّاء الجريمة. غير أن خطورة الجريمة بحسب تأثيرها على كِيان المجتمع، تتبع أحد أمرَين؛ علاقتها بالبيان الرحماني كالقتل أو بتر أحد أعضاء أبنائه مثلًا، وعلاقتها بجدول القيم المعبرة عن وجهة نظر الرأي العام في الحياة. فالأمر الأول أكثر بقاءً على الدهر من الآخر، ومع ذلك فإن كلا الأمرَين يكشف عن طابع المجتمع. وإذا كانت الجرائم المتعلِّقة بجدول القيم تبلغ منتهاها من الشدة في المجتمعات ذات الطابع المثالي، كما كانت الحالة في القرون الوسطى، فإن الأهمية تتحوَّل في هذه الحضارة ذات الطابع الحياتي إلى الأمور المتعلِّقة بكِيان الجسد. لكن إذا انحرفت الأعراف والقوانين عن حقيقتها، حتى التبس على الناس العدل بشعور الألم، بدا الإنصاف عندئذٍ في وجوب تعادل الألم، كما هي القاعدة في الشرائع القديمة: «العين بالعين، والسن بالسن»؛ فذلك لأن من العسير تمييز السبب عمَّا يُرافقه من أحوالٍ في المجتمعات الابتدائية، كما قد يلتبس في بعض الأحيان حس العدالة بما تُسبِّبه الجريمة من خسران، فيلجأ هذا الحسن عندئذٍ — خطأً — إلى الدية، أي إلى تعويض الخسارة بالمال. هكذا تُجيب الحياة بالعقاب كرد فعل طبيعي على الاعتداء، وهاك ما شاهدتُه يومًا بهذا الخصوص: كانت سيارة شحن تمر في الشارع، وإذا بدولابها يقصم ظهر القط، فما كان منه إلَّا أن نهض، ثم اندفع بما بقي فيه من حيل فغرس فيه أنيابه. وقد يعجز الإنسان عن ردِّ الإهانة أحيانًا فينتقم لنفسه من أهل بيته. وإنما تعني عبارة «فش خلقه» العامية، رد الفعل الطبيعي بصورة مستقلة عن حس العدالة. وكذلك المرأة التي تُبرِّد غلتها بكسر أواني المنزل. تلك هي حالات منحرفة لحس العدالة تنتج من إفراغ المشاعر الحاصلة من الضيم في غير محلِّها. إن الصورة تتضمَّن بحسب نشأتها اللغوية معنى الصيرورة في حدود معيَّنة، وعلى هذا فإنها تبلغ حدَّها من الوضوح في الإحياء، حيث تتمثَّل الصيرورة بالعمر (وكلمة عمر ذاتها تُفيد معنى العمران والإنشاء)، وحيث تتعيَّن الحدود بمحل تمايز خلايا الجسد بعضًا من بعض. وعلى هذا، إن ما يتمثَّله الذهن هو أيضًا صورة، ولكن بنسبة ما يقوم على الجملة العصبية المركزية، بحيث تكتسب الحالات الوجدانية قدرة، فتُصبح بهذا الاكتساب ذات صيرورة. أمَّا استعمال كلمة صورة في الرسم والنحت وغيرهما من الأمور الأخرى، فليس إلَّا على سبيل المجاز؛ إذ إنه ينقصها في هذه الحالة عنصر العمر، العنصر الذي يُساعد بتصالبه مع مبدأ التمايز في المكان على استجلاء المعنى، حكمة وجود الصورة. إن المعنى تتجلَّى رفعته بتمايز مكنونات روائه بالمكان، وما قصر عنه المكان بالزمن، بحيث تبدو العلاقة بين التنوُّع والعمق كعلاقة يشف فيها الحاضر عن الماضي، وينعكس المستقبل كأمنية. وإذا كانت الحياة تُنشئ الأحياء صورًا عناصرها مقتبسة من الطبيعة غذاءً، فإنها تُثبت بهذا الإنشاء كِيانها في وجه القدر الحاصل تياره من تفاعل الحوادث من جهة، وتستقطب رواء المعنى بصورة متناسبة مع مدى تفرُّع الصورة من جهة ثانية. إنها تزيد بالعمر من نمو فحواها ومن حريتها إذا كان العمر خلوًا من التكرار؛ وعندئذٍ يُصبح جوابها على المؤثرات ذا مغزًى يختلف عن تفاعل الحوادث في الطبيعة، وعن خضوع هذا التفاعل لمبدأ العينية. وإذا كانت معالم الصورة تثبت، رغم ما تنزع إليه عناصرها من تفاعل مع الطبيعة (الجاذبية الكونية)، بل من انتشار في المكان، فإن المعنى يشد أزرها بتأثير رحماني بينه وبينها، بحيث تتعدَّل تلك النزعة. أمَّا التكتُّل الذي يظهر في الأجسام المادية، فإنه يرجع إلى أسباب ميكانيكية خارجية. غير أنه إذا ظهرت الطبيعة بجملتها في مظهر الصورة؛ فذلك لأن الحياة تنطوي على الميل إلى إنشاء الأحياء والتحف الفنية وجميع الظواهر صورًا ذات معالم معيَّنة. هذا من جهة، ومن جهة ثانية، إن الطبيعة ذاتها وسط بين المادة والعناية، فمن حيث إنها تخضع لقانونَي الكتلة والمسافة وفق مبدأ الجاذبية، تمس المادة كإمكانية. ومن حيث إنها تنطوي على مراكز ذات نزعة تلتبس بالعناية، ممَّا يوحي بأن الصورة إنشاء؛ قاعدته الطبيعة وأوجه الملأ الأعلى. وهل ينطبق على المجتمع ما يُقال عن الصورة؟ أللمجتمع تاريخ مماثل لعمر الأحياء، فيصبح الزمن، والحالة هذه، من مقوِّمات الأمة كما هو من مقوِّمات كلٍّ من الأحياء؟ أم أننا نستعمل كلمة تاريخ بمعنى الزمن على سبيل المجاز؟ أليست الشئون الاجتماعية قائمةً بوعي الأفراد؟ أوَليست هي خارجةً عن هذا الوعي رمزًا محضًا، فيُصبح تاريخ الأمة عندئذٍ عبارةً عن عمر كلٍّ من الأجيال؟! لا شكَّ في أن المجتمع يتألَّف من وظائف متلازمة متتامة، ويظهر تلازمها في الأحوال الخاصة والعامة. ولْنأخذ اللغة — على سبيل المثال — كإحدى ظواهر الحياة العامة، نجد فيها تعضِّيًا على غرار التعضِّي في الأحياء، تتمثل الدخيل على طبيعتها وتدفع بما لا ينسجم معها، لا سيَّما إذا كانت كلغتنا؛ نموُّها من الصميم على غرار الأحياء الراقية، لا تقبل التطعيم أبدًا. حتى إذا ما دخلت عليها إحدى الكلمات الأعجمية خلسة؛ ظلت من منظومة كلامنا بمثابة الشوكة من الأنسجة في الجسد، مهما طال أمد استعمالها. فمن مِنَّا لم يُحاول جهده استبدال الكلمة الدخيلة بأخرى ذات أصول في إحدى أسر كلامنا؟ إن الميزة الخاصة بطبيعة لساننا هذه ترجع إلى تلازم بين اللفظَين والمعنى من جهة، وبينها وبين الخيال المرئي الذي هو خيال نشأة الكلمة من جهة ثانية. إنه لتلازم تُصبح فيه كلماتنا أشبه بالصور الحية؛ فقد تبطل إحداها من الاستعمال فتسقط بذلك من بين الأحياء، ولكن الزمان لا يُحوِّر معالمها. وها نحن نُقدِّم — على سبيل المثال — إحدى القصائد الجاهلية لقس بن ساعدة الإيادي، تبيانًا لطابع الخلود في لساننا: ولدى مقارنة هذه القصيدة مع إحدى القصائد المعاصرة، نجد أن اللغة العربية هي هي في الجاهلية وفي جميع مراحلها المتتالية، كأنها شجرة سحرية جذورها في الحدس وتجلياتها في الطبيعة. وهل خفي على أجدادنا أمر قيام الحياة على النظام؟! ألم يُعبِّروا بكلمتَي هجين ومقرف عن شعورهم بتردي الأجيال الحاصل تكوينها من التصالب بين أقوام متباعدة؟ أو لم يبدُ لهم التصالب بين العرقَين المتباعدَين على مثال التداخل بين موجتَين ضوئيتَين، تفور من جرَّائه القاعدة العصبية بمزايا العرق عند كل من الأبوين، بحيث تتعذَّر على الأحفاد الاستفادة ممَّا اكتسبه الأجداد من صفات خلقية خلال أجيال مترامية؟ إن التردي شر الهمجية، يبقى صاحبه في حالة الحسرة على ما فاته من مثل أعلى، حسرة تُحدث اضطرابًا وبلبلةً في سلوك المتردِّي. إن المجتمع ذو كيان عضوي مثالي، فهو منظومة ذات صبوة مشتركة، وإن كان لا يرتقي إلى الصورة المنطوية على الزمن كقوام لها، مثَله كمثَل القصيدة التي تكتسب كلًّا من كلماتها لدى تمثُّلها في الذهن، معنًى يشرئب في تطلُّعه إلى تجرِبة الفنان المثلي، التجربة التي تنم عنها الكلمات بجملتها. إن مثالية المجتمع ليست أمنيةً ملقاةً شبحًا في المستقبل كما هي الحالة عند الأفراد، بل هي تجرِبة رحمانية تنطوي عليها قرارة نفوس الأعضاء. هذه التجرِبة قد تتجلَّى في نفوس أعلام الأمة كرسالة، فيصبح من تجلَّت فيه بشيرًا وقدوة. إن الرأي المعبِّر عن الأوضاع العامة يُجمل ما هو مشترك بيننا من بنيان رحماني فيُحدِّد سلوكنا نحو الآخرين. تنجلي المعاني في النفوس منبعثةً عن الصميم نزَّاعةً إلى التحقُّق، فتحمل من تجلَّت فيهم على التضحية في سبيل تحقيقها. ولئن بدت المعاني مستقلةً عن سلسلة الأسباب التي انحصرت فيها حوادث الطبيعة؛ فقد تجلَّت كوحي موحًى من عالم الغيب في الفنون والأديان. «أمَّا تمثيل الفرد لما يتمخَّض عنه الجمهور، ويظهر في الأحوال المألوفة عندما يُقال: إنه سبقني إلى الفكرة، وكانت الفكرة تحت لساني. ويظهر أيضًا في انتشار الآراء وشيوع الأزياء كموجة في فترة معيَّنة من الزمن. ويبلغ مداه من الظهور في النبوة إذ تسبر أغوار الحياة، ويكشف عن الحقائق الخالدة فتحل على ضوئها المسائل المستعصية»، من «رسالة المدنية والثقافة» للمؤلف. | {
"chapter": "الإطار الأخلاقي للدولة",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "الجمهورية المُثلى",
"url": "https://www.hindawi.org/books/37486931/3/"
} |
كان سؤال «عثمان» مُحيِّرًا … فالمهمة الرئيسية التي تحرَّكوا لأجلها هي القبض على «هينو» وأعوانه … وها هم الآن يدخلون في مغامرة لم يحسبوا لها حسابًا … وبعيدة كل البعد عن هذه المهمة … فماذا سيقولون لرقم «صفر» تبريرًا لما فعلوه؟ قال «أحمد» ردًّا على هذا السؤال: أولًا نحن لسنا في حاجةٍ لتبرير ما قمنا به الآن … وإن سألتموني لماذا فسأجيبكم قائلًا: أولًا؛ لقد اعترضتنا هذه السفينة وعرَض علينا رُبَّانها عَقْد صفقة لشراء أسلحة، ونحن اتفقنا مع رقم «صفر» على أن هذا هو أسلوب «هينو» في الحصول على موارده، وعليه فإن طريقة دخولنا إلى «مستعمرة الأوغاد» ستكون عن طريق قراصنتهم. إلهام: تقصد بالاستسلام لهم أن نقابل «هينو»؟ وافقها «أحمد» قائلًا: نعم، هذا صحيح … إلى أن نقابل «هينو» ونعقد معه صفقةً تمكننا من الإيقاع به … وقد ظننت أن «مايكل» من رجال «هينو». وهنا قال له «عثمان» متسائلًا: وهل تأكدت أنه ليس من رجالنا؟ أحمد: ليس بعد … فمنطقة عمله قريبة من «مستعمرة الأوغاد» غير أن أسلوب عمله مختلف. إلهام: هذا يعني أننا ما زلنا داخل مُهمَّتنا ولم نعرف عنها. في هذه اللحظة اضطرب اليخت اضطرابًا مفاجئًا … وعلَت الأمواج إلى ارتفاعات تُنذر بالخطر … وكثُرت السحب بسرعة في سماء المنطقة … وغابت الشمس حتى تَعذَّرت الرؤيةُ تمامًا … وكما قال رجل من طاقم اليخت: نحن نسبح الآن في بحر الظلمات. انطلقت كشافات اليخت تحاول إضاءة مساره … وطفِقَت أجهزة الرصد تستطلع المكان أرضًا، وتمسح قاع البحر … وجوًّا. ولم تمضِ دقائق إلا والأمطار قد هطلَت بغزارة … وتغيَّرت درجة الحرارة تغيُّرًا سريعًا وانحدرت من بارد إلى أبرد … واضطرب الموج اضطرابًا مُنذِرًا بعواصفَ خطيرة … فغادر الشياطين سطح المركب … وهبطوا إلى الدَّور السفلي حيث الصالون الرحب الفخم … وطاقم الضيافة الملكي … وأكواب الشاي الساخن … والكعك الشرقي اللذيد … ودفع كلُّ هذا «عثمان» أن يقول: ألا نشكر المُناخ أن أتاح لنا هذه الفرصة لالتقاط الأنفاس والشاي والكعك؟ ازدادت العواصف وازداد ارتفاع الموج … ومعه ازداد تأرجُح اليخت … وأيضًا تأرجح الشاي في الأكواب … وتأرجحت الأكواب في أيدي الشياطين … وأصبح الشرب منها متعذرًا … وقال «أحمد» معلقًا: هل تشعرون أن هذه الرحلة ستمرُّ بسلام؟ ابتسمت «إلهام» مترقبة وقالت له: إن مشاعري غير ثابتة … فهي تتأرجح مثل هذا الشاي تمامًا. شقت السماءَ خطوطُ ضوء، فلا شيء مبشر … أخذت ترتعش لثوانٍ، ثم انطفأت، وما لبِثَت أن تكرَّرت … ولكن هذه المرَّة صاحبتها زمجرة الرعد … وازداد هطول الماء من السماء، وتحوَّل إلى سيول مغرقة. وطرَق بابَ الصالون أحدُ البحَّارة … وعندما سمح له «أحمد» بالدخول … وارب الباب وأطلَّ برأسه باحثًا عن «أحمد» … وعندما تقابلَت عيناهما، قال له: سيد «أحمد» … الماء يُغرِق سطح اليخت، ونريد تعليماتك. ترك «عثمان» كوب الشاي من يده … وهرولَ مغادرًا الصالون … فوجد الماء يتسرب إلى طرقات اليخت السفلية … فنادى البحَّارة والفنيين وعمال المطبخ وجميع الموجودين على ظهر هذا اليخت أن يتعاونوا في نزْح هذه المياه وإلا … فسيغرق اليخت. وبالفعل … أسرع الرجال كلٌّ ممسكٌ بما تيسَّر له من أداةٍ تُعينه على نَزْح الماء، وتحول اليخت إلى خليَّة نحلٍ مفرط النشاط. وتَمكَّن الرجال ومعهم «أحمد» و«إلهام» من تفريغ اليخت من مياه الأمطار … غيرَ أن ارتفاع الموج واضطرابه … مال باليخت ميلًا خطيرًا، فتحوَّل إلى وعاء كبير يغترف من ماء البحر ويعود مستويًا على سطحه. لقد أصبح الحال أسوأ من ذي قبل … وازداد الأمر خطورة … وأصبح على الرجال أن يبذلوا جهدًا أكبر للتخلص من الماء … رغم أنهم بذلوا جهدًا كبيرًا في التخلص من مياه الأمطار … وعلق «أحمد» وهو يصيح قائلًا: لقد استنفدنا جهدنا … ولم يَعُد لنا ما نواجه به أو نقاوم. ومن وسط الضوضاء التي يصنعها خليط أصوات الطبيعة بأصوات وقع أقدام الرجال على سطح المركب وهم يتحركون جَيْئةً وذهابًا مُحمَّلين بالأوعية مملوءة بالماء أو فارغة منه، من وسط كل هذا صاح «عثمان» يجيبه قائلًا: لن يكون حالهم أفضل من حالنا. وفي هذه اللحظة … هرولَ ضابطُ الاتصالات وسْط هذه الجَلَبة المُكثَّفة ينادي «أحمد» قائلًا: سيد «أحمد» … سيد «أحمد»! ومن وسط هذه الضوضاء صاح «أحمد» يجيبه قائلًا: ماذا لديك يا ضابط «أشرف»؟ ضم الضابط يدَيه حول فمه وصاح يقول له: هناك إشارة استغاثة. كان «أحمد» قد اقترب من الضابط «أشرف»، فأمسك بيده، وسار معه بصعوبة وسْط الماء، وقال له: ماذا تقول هذه الإشارة؟ كاد الضابط أن ينزلق لولا أن أمسكَ به «أحمد» بشدَّة … وأعانه على أن يستقيم واقفًا مرة أخرى وهو يُعيد عليه السؤال قائلًا: هل قلت إنها إشارة استغاثة؟ الضابط «أشرف»: نعم يا سيدي … إنها تقول أغيثونا، المركب في طريقها إلى الغرق. أحمد: هل يمكنك تحديد موقعها؟ الضابط: نعم. لقد حددته بالفعل … حتى نتمكن من الابتعاد عنها ولا نصطدم بها. أحمد: هل كانوا يستغيثون بنا أم يحذروننا؟! وفي قلق قال الضابط «أشرف»: لا أفهم يافندم … هل تعني أنك ستعمل على إنقاذهم؟ أحمد: بالتأكيد. وفي انزعاج شديد، صاح الضابط «أشرف» معترضًا: يا سيد «أحمد»، نحن لا نضمن أن ننجوَ الآن … فكيف سنُعين غيرَنا على النجاة؟ أحمد: يجب أن نكون مستعدين … حتى إذا حانت الفرصة ساعدناهم. وانتبه «أحمد» لخطورة بقاء الضابط «أشرف» بعيدًا عن غرفة الاتصالات، فقال له: عُدْ إلى غرفتك يا حضرة الضابط، ولا تخرج منها إلا لتبلغني عن إشارة أخرى. ارتفع صوتُ لهاث الرجال على ظهر اليخت، وانخفض منسوب الماء كثيرًا … وبدأت الأمواج تتلاشى وسطح الماء يستقر … مما أعانهم على نزح كل الماء من على سطح المركب … ومرة أخرى عاد الضابط «أشرف» يبحث عن «أحمد» حتى وجده يقف بجوار «عثمان» في كابينة القيادة … فقال له: سيد «أحمد» … هناك إشارة استغاثة أخرى. أحمد: هل هي السفينة صاحبة الاستغاثة الأولى؟ الضابط: نعم. أحمد: وماذا تقول؟ أشرف: تقول نحن نغرق … نصف الرجال في الماء … والنصف الآخر في طريقهم إليه. أحمد: ألم تحدد موقعهم؟ أشرف: نعم … إنهم قريبون منا جدًّا. أحمد: أعطِ إحداثيات الموقع للربَّان «عثمان»، وهو سيتجه إلى موقعهم. وبسرعة انطلقَت الأضواء المُبهرة من عشرات الكشافات المنتشرة على سطح اليخت … فشقَّت ظلام الليل … ولألأت سطح الماء حول اليخت. وما إنْ عاد الضابط «أشرف» إلى كابينة القيادة … حاملًا الخطوط البيانية المُوضَّح عليها إحداثيات التحرك … حتى انطلق «عثمان» يدور باليخت دورةً واسعةً ناقصة، ثم ينطلق للأمام بضعة أميال، قبل أن يرَوا البقية الباقية من السفينة المستغيثة وهي تطفو على سطح الماء لدقائق قبل أن تبتلعها تمامًا. كثير من الأسى شعَر به كلُّ الرجال على سطح اليخت … فلا يشعر بفداحة هذا الموقف أحد مثلما يشعر به البحارة. وبأمر من «أحمد» تحرَّكت الكشافات تمسح سطح البحر مسحًا … ولاحت من بعيد أذرع الرجال تستغيث … فانطلقت من اليخت أطواق النجاة في كل اتجاه. وأنزلَ بعض الرجال قاربًا للنجاة … وتحوَّل سطحُ البحر إلى خليَّة عمل … وبدأ توافُد بحارة السفينة الغارقة … وما إن تَطلَّع فيهم «أحمد» حتى صاح قائلًا: إنهم سماسرة البحر. تَملَّكت الحيرةُ «إلهام» وهي تسمع هذا التصريح من «أحمد» وتقاذفتها الأفكار … وشعَر بها «أحمد»، فقد كانت تقف إلى جواره … فقال لها: تسألين نفسك الآن عمَّا يجب أن نقوم به الآن مع هؤلاء الرجال … أليس كذلك؟ إلهام: نعم … فأنت تقول إنهم لصوص ويتاجرون في كل شيء … والآن نُنقذهم … وتنوي استضافتهم على سطح اليخت! أحمد: ألا يمكن أن يكونوا من رجال «هينو»؟ إلهام: نحن لن نُسلم أنفسَنا لهم لمجرد التخمين. أحمد: هل أتركهم يغرقون؟ نفَت «إلهام» بشدة ذلك قائلة: أنا لم أقصد ذلك … ولكن لا تستضيفهم عل سطح اليخت. تملَّكت «أحمد» الحيرة وقال: وأين أضعهم إذَن؟ برقَت عينا «إلهام» وكأنما اكتشفت الحل المثالي، فقالت له: نتركهم في قارب النجاة. أحمد: وهل بهذا سيرضى ضميرك؟ إلهام: إنهم لصوص وقتلة. أحمد: أعرف أنهم لصوص … ولكني لم أعرف أنهم قتلة. اندفعت «إلهام» تقول في حنَق: ألا يتاجرون في الأسلحة النووية؟ فكَّر «أحمد» قليلًا قبل أن يُجيبَها قائلًا: لا يمكن أن أحكم عليهم بالموت. إلهام: إذَن ستُقيِّدهم؟ أحمد: سأفكر في هذا. إلهام: ليس هناك وقت للتفكير. رأى «أحمد» أن «إلهام» مُحقَّة في كل ما طرحَته من تخوُّفات … فهؤلاء الرجال ضائعون، كانت تضمهم سفينة واحدة في طريق واحد … وهو طريق التجارة غير المشروعة … أي طريق الشر … والآن السفينة غرقت وهي وسيلتهم الوحيدة في هذه التجارة … وهم يحتاجون للبديل … وليس أمامهم الآن أجمل من هذا اليخت ولا أيسر من الحصول عليه … ولو كان هو مكانهم لَما تركَ اليخت يضيع من بين يديه … لذلك كله … اتخذ قرارَه الفوري باصطيادهم واحدًا تلو الآخر … وإيداعهم غرفةَ الماكينات حتى يقوموا بتسليمهم في أقرب ميناء … وقام بإبلاغ هذا القرار لأقرب البحَّارة إليه، وأمرَ بإبلاغه إلى جميع البحَّارة الملاصقين لسور اليخت. وبالفعل … قام البحَّارة بانتشال أول رجال السفينة الغارقة، وقاموا بربطه بالحبل المدلى من السطح، ثم قاموا بجذبه حتى تَنبَّه البحَّارة على السطح … فشرعوا في جذبه ورفقه إليهم … وهو مستسلم تمامًا … فقد كانوا يشعرون بثقله على أذرعتهم … غير أنه بدأ يتمالك نفسه … فشرَع يتسلق جسم اليخت وهو ممسك بالحبل … وقد عرَفوا ذلك عندما هان عليهم ثقله. وأخيرًا رأى الواقفون على اليخت رأس الرجل تُطلُّ عليهم. فأمسكوه من ذراعيه، وجذبوه إلى أن تَمكَّن من عبور سور اليخت … ثم اصطحبه أحدهم لإيصاله لغرفة الماكينات كما أمَر «أحمد». تعثَّر الرجل في سيره … وجلس على سطح المركب وقد ارتخت كلُّ أعضائه … ولم يَعُد قادرًا على إكمال السير مع البحَّار … فأمهَله البحار الفرصة حتى يتمالك نفسه … وعندما طال رقاده طلَب من أحد زملائه الجلوس مكانه حتى يرى ما يمكن عمله … فوافق الرجل … وانتفض وهو يجري إلى أن وصل إلى «أحمد» فقال له: سيد «أحمد» … أحد الرجال يرقد على سطح اليخت قريبًا من الموت. أحمد: وما أدراك أنه لا يخدعك؟ | {
"chapter": "أمواج وعواصف!",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "سماسرة البحار",
"url": "https://www.hindawi.org/books/40808596/5/"
} |
إلَّا أن سلطان الدولة وسيطرة الملك ليسا بالشيء الواحد؛ إذ إن الأول يشرق من علٍ فيُكلِّل من يُشرق عليه بهالة من القدسية: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ * رَسُولٌ مِّنَ اللهِ ، أي الحجة الواضحة التي هي هنا محمد بن عبد الله. وأمَّا سيطرة الملك فتقوم على ارتباط الناس بحاجاتهم، بما لهذه الحاجات من تأثير على مصيرهم. وكلمة ملك تدل على ذلك باشتقاقها من الملك، فمن تملَّك أسباب معيشة الناس أخضعهم عن طريق هذا التملُّك. المشيئة والصلة اللغوية بين حجة وحاجة دليل على سهولة الالتباس بين سلطان الحق القائم على الحجة، وسيطرة الملك التي تقوم على الحاجات، وعلى الاختلاف بالنشأة بين السلطان الحق وسيطرة الحاجات، يقوم اختلاف الناس في الموقف من كلٍّ من الرسول والملك والملك. وإليك موقف أجدادنا في كلٍّ من تلكما الحالتَين المتقدمتَين: كانوا يُحيُّون الملك بعبارة سلبية، وهي «أبيت اللعنة»، بمعنى وقاك الله ممَّا يُسبِّب المذمة. بينما هم كانوا يعتقدون بأن «النبي أولى بهم من أنفسهم»، ومن كان حول مكة من العرب لم يكن يعرف إمارة. كانت تأنف أن تُعطي بعضها بعضًا طاعة الإمارة، فلمَّا دانت لرسول الله بالطاعة لم تكن ترى ذلك لغير رسول الله، قال: فأمر أن يُطيعوا أولي الأمر الذين أمَّرهم رسول الله». إن الولاية هنا لله الحق. ومع الاختلاف في النشأة بين سلطان الحق وسيطرة المصلحة، فقد ينمو الوعي عند كلٍّ من الأمير والرعية حتى يصل الجميع إلى إدراك الخير في إمامة مجتمع مبدؤه الحرية وشعاره الأخوة؛ وعندئذٍ تعود السلطة إلى الأمة، وعندئذٍ تُصبح القوانين إرادة الجمهور الصريحة. وكلمة أمر تُفيد باشتقاقها من فعل «أم» هذا المعنى، الفعل الذي ترجع إليه كلمتا «أم» و«أمة». وفي الحالتَين المتقدمتَين، في حالة التجرِبة الرحمانية المثالية، وفي حالة الحرية تتخطَّى النفس حدود سلسلة الصور الذهنية متعاليةً نحو مصدر القدسية والسلطان، إنما يستمد قدسيته من تلك النشأة. إن التجرِبة الرحمانية المثالية من نظام الدولة بمثابة الإلهام من التحفة الفنية. إنها معنًى تُجيب به العناية إجابةً مثلى على ما ارتسم من أوضاع عامة في ذهن الإخوان أعضاء المجتمع. إنها معنًى مزدوج المظهر يبدو على مثال الجنين بين الانبثاق والتشخيص، ولو تفاوت الناس في استجلائه من حيث المعرفة والعمل. إنها معنًى تتوجَّس النفوس عيادته، فيمتلك منهم الشعور بالقلق، كما هي الحالة في كل ولادة. «عمَّ يتساءل النَّاس؟ عن النبأ العظيم»، عن أمر تختلج له النفوس، عن دولة عربية تتفتَّح في ظلها النفوس. فمن الداخل إذن تنبثق المؤسَّسات العامة، وبالتجرِبة الرحمانية يُكشف عنها. وإذا كان النوابغ في السياسة هم ذوي التجرِبة الرحمانية المتميِّزة بوضوح البصيرة وبقوة الشكيمة، فإن الجمهور من النوابغ هو أيضًا بمثابة المخيِّلة من الإلهام في التحفة الفنية، تُوافق الإرادة انسجامها. فعلى الإجماع في الرأي يُقاس صدق العبارة، وخير دليل على إصابة الرجل السياسي في اجتهاده هو الفرح المرافق لنمو الحياة عند الجماعة. إن حكمة وجود الدولة تظهر في تحقيق الانسجام بين مصالح الفرد وبين حقوق الآخرين، وعلى هذا تقوم الدولة على مبدأ؛ هو أن مصالح الناس تبدر كواجبات في نفوس الفرد. ومن هنا وظيفتا الدولة الإيجابية والسلبية؛ وتُقدَّم السلبية منهما على الإيجابية في الظهور إلى أسبقية الشعور بالواجب على تقدير المصلحة الشخصية. | {
"chapter": "سلطان الدولة",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "الجمهورية المُثلى",
"url": "https://www.hindawi.org/books/37486931/5/"
} |
قالت لهم «إلهام»: سأنزل إلى الماء وستحمون ظهري. صاح «عثمان» يُحذِّرها قائلًا: في هذا الماء وفي هذا الوقت من الليل … لن نعرفَ لكِ ظهرًا … وقد نقتلكِ دون أن نراكِ. أحمد: أو قد تُعطلينا عن إطلاق السهام خوفًا عليكِ. مرة أخرى قال «عثمان» ليُثنيَها عن قرارها: هذا قرارٌ غير صائب يا «إلهام» … ونحن نحتاجُكِ هنا … وفي إصرارٍ صاحَت «إلهام» قائلةً: أنا أرى أنني أستطيع أن أصنعَ شيئًا. – قالت هذا وهي في طريقها إلى سلَّمِ اليخت … فصاح فيها «أحمد» قائلًا: أنا أطلب منكِ هذا بالأمر المباشر. تسلَّقَت «إلهام» اليخت الحديدي … وانطلقَت تهبطه في إصرار، غيرَ عابئة بما يقوله لها «أحمد» و«عثمان». كان اللنش المُقِلُّ ﻟ «دايو» يدور في حلقات … والقرش المُطارِد له يدور حوله في إصرار قاتل على الحصول عليه … غير أن الحلقاتِ التي ارتسمَت حول اللنش، أفصحَت عن نبأٍ مزعج للغاية … فقد أصبح القرش المطارِد ﻟ «دايو» ثلاثةَ قروش … و«إلهام» لا تعرف ذلك … وكالصاعقة، سقط «عثمان» قفزًا من فوق سطح كابينة القيادة إلى سطح اليخت، ثم نزل على سُلَّمِه مسرعًا وهو ينادي على «إلهام» قائلًا: القروش المطارِدة ﻟ «دايو» أصبحَت ثلاثةَ قروش … لن تُجديَ المواجهة المباشرة … أنتِ تُعرِّضين نفسكِ للقتل. كانت «إلهام» تسمع «عثمان»، ولكنها كانت تسير كالمغيَّبة. وانطلق سهمٌ آخر على سطح كابينة القيادة … وكان هذه المرة صائبًا … فقد أطلق «أحمد» شعاعَ ليزر، حدَّد الهدف بدقَّة … إنه قرش أبيض … من أكثر أنواع القروش شراسة … وانطلقَت نافورة الدماء من جسم القرش تخترق سطحَ الماء، وتتناثر هنا وهناك، وامتلأ سطحُ الماء بالدم … ورائحة الدم تجذب المزيدَ من القروش. لقد أصبح موقف «دايو» صعبًا للغاية … فالقروش من حوله لن تدعَ له فرصةً للنجاة … وإذا نجا منها فلن ينجوَ من سماسرة البحار … لقد تكاثرَت القروش التي جذبَتها رائحةُ دم القرش القتيل … وأصبح قرارُ نزول «إلهام» المياه صعبًا للغاية … نعم، لقد تراجعت «إلهام»، وصَحِبها «عثمان» إلى سطح كابينة القيادة، حيث يقف «أحمد» يتابع ما يجري … وما إن رآهم حتى صاح في «إلهام» قائلًا: ما هذا الذي فعلتيه؟ وأجابَته «إلهام» بسؤال قائلة: وما هذا الذي فعلته أنت؟ وفي دهشة سألها «أحمد» قائلًا: ماذا تقصدين؟ إلهام: أقصد القرش الذي قتلتَه … لقد تسبَّبتَ في ازدحام المكان بالقروش. وفي هدوء شديد تلقَّى «أحمد» اتهامَها وقال مدافعًا عن نفسه: أنا لم أقتل القرش لأجذبَ برائحة دمائه المزيدَ من القروش … بل لأصرفَ القروش عن «دايو»، وأُلهيهم بالتهام القرش القتيل … ويمكنكم أن ترَوا النتيجة. نظروا جميعًا إلى حيث أشار «أحمد» … فرأوا اللنش يخترق دواماتِ الماء التي تصنعها القروش ويقترب في سرعة من اليخت. صاحَت «إلهام» في بهجة قائلة ﻟ «أحمد»: يا لكَ من قائد ماهر … لقد أنقذتَ «دايو» من براثن القروش وسماسرة البحار بطلقة واحدة. فصاح «عثمان» ضاحكًا: لا بطلقتين فقد طاشت الأولى. كان لنش «دايو» قد عاد إلى اليخت مرة أخرى … ومرة أخرى تسلَّق «دايو» السلَّمَ الحديديَّ … وعندما استقرَّ على سطح اليخت لم يجد أحدًا، فأخذ يصيح قائلًا: أين أنتم يا مَن أنقذتموني؟ هبطَت «إلهام» ومن خلفها «أحمد» و«عثمان»، و«دايو» يُهلِّل لرؤيتهم … وعندما استقروا على سطح اليخت، صاح «دايو» قائلًا: لقد تصورتُ أني هالك لا محالة … وعندما أُصيبَ القرش … قلت اقتربت النجاة … فالدور القادم على القرش الآخر … وعندما ازدحم المكان بالقروش … قلت يا لَكم من حمقى، لقد أهلكتموني … ولكني رأيتُهم ينصرفون عني إلى القرش القتيل … فوجدتها فرصة للهرب والوصول إلى أقرب ملجأ … قبل أن ينتهوا من صديقهم ويلتفتوا لي. في هذه اللحظة … ارتجَّ جسمُ اليخت … وكأن جبلًا قد ارتطم به أو أنه ارتطم بجبل … فبادر «عثمان» بسؤال «دايو» قائلًا: هل عَلِقت دماء بجسم اللنش؟ أجاب «دايو» دون أن يفكر قائلًا: بالطبع حدث هذا … علَّق «أحمد» قائلًا: ليس هذا فقط … فحركةُ اللنش قد حرَّكَت معها المياهَ الملوثة بالدماء وأتَت بها إلى هنا … نظرَت «إلهام» إليهم مبتسمةً، وقالت: تقصدون أن هذا الارتجاج سببه القروش؟ أحمد: نعم. عثمان: الغريب في الأمر أن «دايو» كان ذاهبًا إلى موته بنفسه، فحضرَت إليه القروش لتُنقذَه من الموت بإجباره على العودة. وفي شغفٍ قالت «إلهام» تسأل «دايو»: هل هاجمك القرش فأوقفك عن الحركة؟ دايو: لقد كان القرشُ مُثارًا … وقد انتزع شيئًا عالقًا باللنش والتهمَه. عثمان: قد تكون سمكة ميتة. دايو: لا يا صديقي … لا يوجد أسفل اللنش ما تعلق به السمكة … بل هناك مَن ربط شيئًا في دفَّة اللنش من الأسفل. أحمد: وماذا كان يقصد؟ دايو: كان يقصد ما حدث. صمت «دايو» للحظات قبل أن يقول: أو أنهم أرادوا أن يتخلصوا من شيء ما … أحمد: مثل ماذا؟ دايو: مثل جثةِ زميل لنا على المركب غائب من يومين. عثمان: ولماذا لم يُلقوه في البحر؟ دايو: ستطفو الجثة إن آجلًا أو عاجلًا … أم أنها قد ابتعدَت عن المكان … بل وأكلَتها القروش. أحمد: وهل يمكننا التأكد من ظنك هذا؟ دايو: نعم … بفحص قاع اللنش. ضحك «عثمان» وهو يقول: مَن يريد الفحص فليفحص. أحمد: لن يكون الآن بالطبع … بل بعد ما تبتعد القروش. وبالفعل بدأت القروش في الابتعاد … وعن بُعد بدَت أنوارُ سفينة المنظَّمة تقترب شيئًا فشيئًا إلى أن لاح جسمُ السفينة … وبدأ التوتر يسودُ كلَّ مَن باليخت. ولأول مرة منذ أن بدأَت هذه المهمَّة، يستقبل «أحمد» رسالة من «ريما»؛ فقد وخزَته ساعتُه في رسغه، وعندما نظر إلى شاشتها عرَف أنها «ريما»، فأسرع بقراءة الرسالة وانطلق في الضحك. وبالطبع كان هذا مثيرًا للدهشة … ولم ينتظر «أحمد» حتى يسألوه عن سبب ضحكه … فقال لهم: «ريما» ليست مختطَفة. إلهام: كيف؟ أحمد: سنعرف حالًا … وعبر القمر الصناعي الخاص بالمنظمة … قام قائد السفينة بالاتصال ﺑ «أحمد» و«إلهام» و«عثمان»، وترك لهم «مصباح» يحكي لهم قائلًا: لقد كانت خطةُ المنظَّمة هي استبدال اليخت بيخت آخر … ونقل «أحمد» و«عثمان» و«إلهام» إليه، ومعهم السيارة «الهامر» … ولكن نما إلى علمهم أن هناك أكثرَ من مراقب لكم، ولكل مسارات البحر … فكانت الخطَّة المحسَّنة أو المطوَّرة لهذه الخطة … هي أن يخرج اليخت من ميناء «الإسكندرية»، وتخرج السفينة من ميناء «دمياط»، على أن تُلقيَها في مسارٍ غيرِ آمِن أخبرنا به «دايو»، ويدور صراعٌ تمثيليٌّ، يتم فيه اختطافي أنا و«ريما» على ظهر السفينة، والمطلوب الآن يحدث مثلما حدث من قبل. أحمد: هل سيتم إطلاق نار؟ مصباح: نعم وبكثافة … أحمد: هل نبدأ؟ مصباح: لا … بل نحن مَن سيبدأ. وانطلقَت في الهواء دانةُ مدفع، لم تُصِب اليخت بالطبع، ولكنها أحدثَت دويًّا هائلًا … تردَّد صداه في سماء المنطقة. ومرة أخرى، انطلقَت قنبلة، فأصابَت اللنش الخاص ﺑ «دايو»، وانفجر وتبعثرَت أشلاؤه مشتعلة في أماكن متفرقة. وبالمثل قام «أحمد» بإطلاق دفعة رشاش … فردَّ عليهم مَن بالسفينة بقنبلة أخرى أطاحَت بقارب النجاة المثبت بجانب اليخت … وظهر بهذا فارق القوة … فرفع «أحمد» على سطح كابينة القيادة عصًا مثبَّتًا عليها قميص أبيض اللون. وانتقل بعض الرجال من السفينة إلى اليخت، فقاموا باصطحاب «أحمد» و«إلهام» و«عثمان»، ونقلوهم إلى السفينة … وكذلك «دايو» … أما السيارة «الهامر» … فقد تم تعليقها في خُطَّاف ونش السفينة … وتم نقلها إلى سطحها. وهكذا قامت المنظمة باغتصاب يختها … واختطاف مَن على ظهره ونقلهم إلى سفينتها، ثم أطلقوا سراح «دايو»، وأعطَوه قارب نجاة، وقال له قائدهم: الآن سيعرفون أنك عميل مخلص لهم … انطلق. وهكذا تحرك اليخت في اتجاه جزيرة «قبرص» … أما السفينة فقد سارَت في اتجاه «مستعمرة الأوغاد»، والشياطين على يقين من أن جماعة «هينو» قد ابتلعوا الطُّعم … وأنهم يظنونهم الآن ضحيَّةً مجرمين زملاء لهم … ولأول مرة منذ أن استقر «أحمد» في هذه المنطقة على ظهر يخت … يرى البالون يتحرك، وعندما أسرَّت له «ريما» بذلك، قال لها: هذا البالون لم يتحرك منذ أن وقف يختُنا إلى الآن. ريما: معنى هذا أنه يتابعكم. أحمد: نعم. ريما: كيف … هل هو مزود بمحركات؟ أحمد: لا … إنه مثبَّت ببرج سفينة تخصُّ جماعة «هينو». فجأةً اختفى البالون … وكما تكاثرَت القروش على «دايو» من قبل … تكاثرت السفن والقوارب السائرة في اتجاه سفينة المنظمة … فقال «أحمد»: نحن الآن سنقع فريسةً في أيدي جماعة «هينو». عثمان: لو حدث هذا فسينتقمون منَّا شرَّ انتقام. وهنا صاح «مصباح» قائلًا: يجب ألَّا نقعَ في أيديهم … لأن ذلك سيُبعدنا تمامًا عن جزيرة «الأوغاد» … فهم لا يصطحبون إليها الأغراب … أو الوجهاء. إلهام: تقصد أن تأشيرةَ دخولك إلى هذه المستعمرة … هي أن تكون مجرمًا. مصباح: نعم … عثمان: ولماذا لا نتحوَّل جميعًا إلى مجرمين؟ مصباح: إن السيناريو الذي دار حتى الآن يقول غير ذلك … فأنتم وجهاء وقعتم فريسةً في أيدي قراصنة. انطلقَت من عمق الظلام قنبلةٌ أطاحَت بإحدى قوارب النجاة المعلَّقة على جانبَي السفينة، فأطلق رُبَّانُها صاروخًا في نفس الاتجاه … ودوَّى في الأفق انفجارٌ هائل … تردَّد في جنبات الفضاء السحيق … واشتعلَت نيرانُه عن بُعد … أضاءت ما حولها … فرأى الشياطين سفينةً خشبية، وقد أمسكَت بها النيران من كل جانب … ومَن عليها من الرجال … يُلقون بأنفسهم في المياه هربًا … فيعلو صراخهم … فقالت «ريما» في تساؤل: لماذا يصرخون عندما يسقطون في الماء؟ عثمان: لأنهم وقعوا في وعاء شوربة ساخن. ضحك «أحمد» وقال لها: إنها منطقةٌ تزدحم بها أسماك القرش. صاحَت «ريما» قائلة: مساكين … فقال «أحمد» مضيفًا: نعم مساكين … ولكنهم هم الذين اختاروا هذا الطريق … طريق الجريمة؛ لذلك كان هذا مصيرهم. مرة أخرى انطلقَت قذيفة في اتجاه سفينة المنظمة … بل سقطت في البحر، فقالت «إلهام» معلِّقة: إنهم يحاولون إرهابنا. أحمد: نعم … حتى إذا ما هاجمونا استسلمنا لهم بلا مقاومة. عثمان: ولكننا ردَدنا عليهم بحرق إحدى سفنهم. أحمد: وهذا ما زادهم إصرارًا على مهاجمتنا. ريما: لماذا؟ أحمد: لقد تم السطو على اليخت … ونقل ما به إلى السفينة … كل هذا في منطقتهم، وهذا يهدِّد نفوذهم … ثم الآن ردَدنا على تدمير قارب النجاة … بإحراق إحدى سفنهم، وقد رأيتم مَن عليها والقروش تفترسهم. إلهام: وهل سنظل نُبادلهم نيرانًا بنيران هكذا؟ أحمد: هم لن يستمروا في هذا طويلًا … وبعد مشاورات قصيرة بين «أحمد» وقائد السفينة، انطلق صاروخ آخر … فأصاب إحدى السفن الخشبية الضخمة … وكانت تحمل أطنانًا من خشب أشجار السنط … فاشتعلَت فيه النيران … ولكنها لم تكن أي نيران … لقد كانت كالبركان … وبدلًا من التفاف السفن الأخرى حولها … انطلقت كلُّ السفن والمراكب بعيدة عنها … وابتلعها الظلام … | {
"chapter": "النيران والقروش!",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "مستعمرة الأوغاد",
"url": "https://www.hindawi.org/books/81318638/3/"
} |
كنت قد عبَّرت عن رأيي في التجرِبة عامة، فقلت إنها إمَّا طبيعية ومحل وقوعها المكان، وإمَّا رحمانية ومحل تجَلِّيها الوجدان. وهي تبدو مشاركةً وجدانيةً بين «أنا» و«الأنام»، تنبعث منها المشاعر التي تختلج بها نفوس الآخرين، وتنبعث منها أيضًا المعاني المتضمَّنة في رموز البيئة حية. وبينما تبقى العلاقة بين الشكل والوظيفة طارئةً في التجرِبة، فإن العلاقة المذكورة أصيلة في التجرِبة الرحمانية، كعلاقة العين بالرؤية، أو علاقة القصيدة بإلهامها، أو علاقة العمل بالنية. ولكن العلاقة بين الشكل والوظيفة في التجرِبة الرحمانية، وإن كانت أصيلةً على مثال علاقة الشعور ببوادره في الهيجان كالخجل مثلًا؛ فإن تدخُّل الإرادة تدخُّلًا حُرًّا في إنشاء العبارة يُؤدِّي إلى إحلال المصطلح محل الأصالة، كما يظهر الأمر جليًّا في اختلاف اللغات على الرغم من أن جذور الكلمات في عبارة الهيَجان الطبيعية، إلى تطوُّر العبارة هذا من صورة تبعث بمعناها إلى رمز ذي دلالة، تُرجع فهم معالم الإنسانية المتبلورة في البيئة، منوطًا بأمرين معًا؛ بتوافق بين الذهن وبين وجهة نظر الذين اصطلحوا عليها في وضع الرمز، وبفسحة الخيال محل تنسيق الرموز؛ أي إن مدى نفوذ الذهن إلى كُنه المجتمع يتناسب مع الأصالة والهمة. ينتج عن ذلك أن الأوضاع الاجتماعية التي ترتسم في أذهان الإخوان تحث من تمثَّلت لديهم على الاستجابة بدور معنًى مشترك، وإن هم تفاوتوا في وضوح هذا المعنى، وعندئذٍ تُصبح نفوس المجتمع الواحد إخوانًا في الروح، نفوسهم مثقلة بمعاني الأوضاع العامة، كلٌّ منهم يشعر بما تتمخَّض عنه الجماعة، وكلٌّ منهم يرجو ولادة معنى الحياة العامة. وإنما النوابغ من العوام أزهار سبَّاقة تُبشِّر بقرب الموسم. ومتى انبعث المعنى من النفس ألزمها بأمر الحقيقة قولًا وعملًا إلزام الطفل أمه بأمر القيام بأوده. هكذا تبدو الحياة الاجتماعية ذات بنيان رحماني-مثالي، تبدو معنًى منبعثًا من النفس، وتبدو معنًى ذا نزعة، ينزع إلى استكمال شروط ماهيَّته بإنشاء العبارة المحقِّقة له. والناس تُصبح بنعمة المعنى المنبعث منهم شركاء وأعضاء يلتزم بعضهم ببعض، ويلتزم الجميع بمقتضيات الوضع الأمثل. تلك هي التجرِبة الرحمانية المشتركة بين أعضاء الهيئة الاجتماعية، تنزع إلى التحقُّق فتحمل الذين تجلَّت فيهم على العمل إخوانًا في سبيل تحقيقها، وتلك هي أصول ثقافة الأمة، نظام قيمها ومصدر حياتها العامة. هذا ولمَّا كانت الحياة استعدادات ونظامًا في الاستعدادات، فقد أصبح الفرد مفتقرًا لمعونة الجماعة من أجل تحقيق الانسجام بين الحاجات وبين منظومة الحياة. والقبح والظلم وهما زيغ الواقع عن الحقيقة، يحثَّان الإرادة على العودة إلى الاعتدال في بنية الجسد وإلى العدالة في بنية المجتمع، يحثَّانها على ضوء المثل الأعلى. وهاك مثالَين نستمدُّهما من خبرتنا الخاصة، محاولين أن نستدلَّ بهما على الإفصاح من وجهة نظرنا. حينما كنت أذهب إلى دكَّان الحلَّاق وأنا طفل، كنت أنتظر دوري في غالب الأحيان. وأنا في انتظار دوري كنت أجلس على أول كرسي بجانب الشارع متأمِّلًا، وكلَّما كنت أرى فيهم خللًا كنت أُقوِّم الخلل بالخيال؛ كأن أُقوِّم ظهر الأحدب، وأُسوي بين الكتفَين إذا كان أحدهما منخفضًا عن الآخر … إلخ. وكنت أواصل تقويم المعوجِّ وإصلاح الخلل حتى كان التعب يأخذ مني كل مأخذ. فهل لهذا العمل المرهق من تفسير غير إصلاح الواقع المنحرف على ضوء الصيغة المثلى للبشر؟ حتى لكأن الأفراد نُسخ من مستنسخ تشف عنه المسطرة. ثانيًا: وحينما كنت طفلًا كنت أتردَّد على مكتب والدي، وكنت أستمع إلى الحديث الذي كان يدور بينه وبين موكِّليه. وما كنت أرتدع عن الثورة عليه إذا استشفيت من حديثه بأنه يُبالغ في تقدير الأمور من أجل الحصول على أجر أكبر، حتى لقد طلب والدي من والدتي بأن تحجزني في البيت؛ لكيلا أسيئ إلى أعماله في المحاماة. هكذا يطغى الشعور بالعدالة على المصلحة عند الناس حتى الأطفال منهم، بل هكذا تبدو حقوق الآخرين واجبات منبثقةً من علٍ في النفس، من فوق مستوى المصالح والحاجات. وإذا اشتق الذهن العربي كلمة «عدالة» من عدل، فمن عد «العدد»، فقد أدرك حدسًا علاقة العدالة بالنظم. وإذا اشتق هذا الذهن من ذات المصدر عِدلَي الفرس والاعتدال في الجسد، فقد دلَّ على حدسه في نظام الحقوق في المجتمع. وإن نظام وظائف الجسد إنما هو صورة مجازية لنظام المجتمع. ونحن نكشف عن مقوِّمات حياتنا الجسمانية والاجتماعية بما يعتري نظام هذه المقوِّمات من عطب أو من خلل. ولمَّا كانت أوضاع المجتمع ترتسم في الأذهان، وكانت الأوضاع المرتسمة تدعو معانيها إلى البدور في الوجدان، فقد أصبحت النفوس حوامل بما يتمخَّض عنه المجتمع، وقد أصبح السبَّاقون من أعضائه يُساعدون بطريق الإيحاء النفوس المتعثِّرة بالولادة، فيكشفون عمَّا تتمخَّض هذه من حالة. هكذا يُصبح بعضهم من الآخرين محط الآمال والأماني النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ . مَثَلُ الآيات في نزعتها إلى التحقُّق كمثَل الحياة نفسها في إنشائها الجسد. وكما أن الحياة تُرمِّم عطبها، فكذلك الذهن يقوم على شفق الآيات المنبلجة عن النفس الواقع المعوج، وهكذا يظهر الإصلاح العام كقدر محتوم على الأعضاء ظهور المخاض عند الولادة. وكلمتا «واقع» و«حق» تُشيران إلى العلاقة بين واقع المجتمع وبين حقيقته على مثال علاقة العظم من حقه. وإذا ما ارتسمت الأوضاع العامة متقاربةً في الذهن، بزغت حكمة وجود هذه الأوضاع الحقيقية في النفس كما تسطع الشمس في الظهيرة، وعندئذٍ تذبل الميول والغرائز أمام بهائها، فتبهت الحاجات والأغراض. إنها حقيقة، الأوضاع الاجتماعية منها صورة مستفاضة. إنها أمنية تدأب النفوس على تحقيقها بإنشائهم الهيئة الاجتماعية، أبلغ بتمثُّلها إياها فأبلغ. وعلى قدر ما يُطابق واقع الأمر الحقيقة، تنبعث من النفوس مشاعر النشوة والمسرَّة. ولكن الإنسان حرٌّ في تعيين موقفه بين حاجاته وبين الحق، هو بين إقباله عليها وبين إعراضه عنها؛ ففي الإقبال إحياء، وفي الإعراض كبت للفعَّالية، ولا سيَّما أن الخيال من الحدس في الشئون الإنسانية، من حيث استجلاؤه إياه، ومن حيث إزكاء نزعته للتحقُّق، على مثال الجسد في تأثيره على نمو الميول وتطوُّرها، أو على مثال بوادر الهيَجان في تأثيرها على انكشاف المشاعر. ومن هنا كان الاعتقاد بأن الإنسان على مثال باريه الإله يملك القدرة على الإبداع، إبداع خيال يشترك به مع العناية في تعيين مصيره. مثَل الإنسان في استجلائه الحدس بالخيال كمثَل العناية في إعدادها الشروط الطبيعية التي تُؤدِّي إلى تحويل الجنين من مصوَّر إلى حي ذي نفوذ في نسيج الكائنات. وهل يقف شأن الإنسان عند إبرائه الحدس، فاشتراكه مع العناية في إنشاء شخصيته ذاتًا؟ أوَلا يُنشئ من تجارِبه المحفوظة ذكريات، ومن أمانيه الممثَّلة في الحاضر مخطَّطًا يستقل به عن مقتضيات المكان والزمان، فيجعل بهذا الاستقلال البيئة الطبيعية وفق مشيئته؟ إنه إذ يُنشئ الخيال ويرسم المخطَّط يستند إلى صور جذورها في الجملة العصبية. ومن هنا كان ظهور شبَه آخر بين الإنسان والإله، ألا وهو إيجاد عادات ذات نزعات تنزع إلى حفظ المبدعات، كما تنزع الكائنات إلى البقاء. وهكذا يُصبح المرء مبدعًا وحافظًا لمبدعاته. ذلك هو نظام الحياة، يتأرجح بين الانبثاق والمساومة، بين انبثاق قيمه من صميم الحياة كما تتفتَّح هذه الحياة عن أشكال الأعضاء، وبين المساومة مع البيئة تبعًا لوجهة النظر التي اتجهت إليها الأحياء. ومن هنا كان تقسيم الدول بالمبدأ إلى نوعَين؛ دولة ذات بنيان رحماني مثالي (انبثاقي)، يغلب فيها الطابع الأخلاقي. ودولة يقوم كِيانها على الاقتصاد والسياسة. أفلم يظهر طابع الثقافة على الدولة التي وضع أسسها محمد بن عبد الله، تلك الدولة التي جاهد العرب من أجل نشر رسالتها في العالم؟ حتى إذ بذل أجدادنا دماءهم أثناء الفتوحات، فإنما كانوا يبغون إقامة عدل عربي بين البشر. وأمَّا أمر تطهير ديار العرب من النفوذ الفارسي البيزنطي، فقد نتج نتاجًا طبيعيًّا عن رسالة العروبة للعالم. جرت العادة بأن يُوزَّع سلطان الدولة على سلطات ثلاث؛ تشريعية وتنفيذية وقضائية. وكان ذلك منذ وضع أفلاطون كتابه الجمهورية. وأمَّا الحقيقة فإن كل امرئ تنطوي نفسه على بذور ثقافة أمته، وعلى نظام قيمها، وهو ينزع إلى إحقاق الحق في نفسه، وإلى أن يكون حكَمًا بين الآخرين. وإن مقوِّمات إنسانيته هذه ذات سلطان على الإرادة، تدعوها إلى العمل بمقتضاها. وتشير إلى الحقيقة المتقدِّمة الآية: لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ (الثقافة) وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ (الشريعة) لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ (القضاء) . وإن ما كانت تحمل نفس محمد بن عبد الله كانت ترتقبه نفس كل عربي، وإن تفاوت الناس فيما بينهم بوضوح البصيرة وفي القدرة على الإفصاح عنه قولًا وعملًا. ومؤتمر فقهاء مكة وحلف الفضول ووقعة ذي قار … كل ذلك كان يُنبئ بالأحداث المقبلة. ولكن إذا كان كل عضو في الهيئة الاجتماعية تنطوي تجرِبته الإنسانية على نزعتين؛ نزعة يستجلي بها معنى التجرِبة، وأخرى يعمل بموجبها، فإن النزعتين ليستا على نفس المستوى من الوضوح عند الجميع؛ فمنهم من يتغلَّب عليه الميل إلى الاستجلاء (الاستقطاب الذهني)، ومنهم من يتغلَّب عليه الميل إلى العمل (القيادة). وأمَّا الجمهور فهو الحكَم في الحد من شطط الخيال عند النوابغ في استجلائهم الحقائق، وفي الحد من شطط الإرادة واستسلامها إلى الأهواء عند القادة. اصطلح أجدادنا على كلمتَين يُعبِّرون بهما عمَّا نعني نحن المعاصرين بكلمة «قانون»، والكلمات المصطلح عليهما هما؛ الشريعة والسنة. ونحن نستجلي حدس أجدادنا في الأمر بتحليل الكلمتَين المذكورتَين من وجهة نظر اشتقاقهما اللغوي. نستدل على معنى الشريعة بصورتها الحسية «الشارع»، وهناك صورة حسية أخرى تزيد من وضوح الأولى، وهي المشرعة بمعنى مورد السابلة، أو الطريق المؤدي إلى المنهل. وإذن فالحدس المنطوي في شرع الذي هو مصدر اشتقاق الشريعة، والشارع والمشرعة يتضمَّن معنى العلاقات بين الناس، تلك العلاقات التي يُؤدِّي استقطابها متقاربةً بالذهن إلى الحقيقة الإنسانية متجليةً في النفس. وعندما نقرن كلمة «شريعة» مع كلمة «فقه»؛ ينكشف لنا مبدأ القواعد الاجتماعية. وها نحن نستعين هنا أيضًا بتحليل الكلمة على تبيان ما نعني بما تقدَّم. إن كملة «فقه» ترجع بالاشتقاق إلى صوت غليان الماء: فق، فقفق. وهي تتضمَّن خيال الفقاقيع التي تتفتَّح عن داخلها، وخيال الفقاقيع هذا تشترك فيه الأفعال التي ترجع إلى ذات الأرومة: فقأ الدملة، فقح الكلب عينَيه، فقص النقف … إلخ. وذلك ما يوحي بأن الحقيقة الإنسانية التي هي مبدأ الشريعة تتجلَّى للنفس تجليًّا، تنبثق من الصميم انبثاقًا، لا تدرك من الخارج، وبناءً على ذلك فإن الشريعة هي مجموعة من الحقائق الإنسانية صيغت للناس في قواعد يسلكونها في علاقاتهم بعضًا مع بعض. وإن المنهج في الشئون الإنسانية هو الفقه، لا التجرِبة التي تقوم على الحدس (الإحساسات). وتمييزًا للشئون الإنسانية من الأشياء نعود مرةً أخرى إلى الحديث في هذا الصدد، فنقول: إننا نفقه الشئون الإنسانية ونُدرك الأشياء. وكلمتا «فقه وإدراك» توحيان بمعناهما الخاص؛ توحي الأولى بمعنى الانبثاق: فقهت النفس الأمر تفتَّحت عن معناه، وتوحي الثانية بمعنى بلوغ الغرض. ومع هذا الاختلاف في المنهج بين الفقه والإدراك، فإن كلمة «شيء» وكلمة «شئون» ترجعان بالاشتقاق إلى نفس النشأة اللغوية، فتُشيران إلى علاقة الأشياء والشئون بمشيئتنا. فإذا كانت الشئون تجليات الحقيقة الإنسانية، فإن الأشياء صور ترتسم حدودها بالميول والغرائز. ولكن إذا كان اللسان العربي يدلُّ على أن الإنسان يرى الحقيقة كونيةً كانت أو أخلاقية، من خلال بنيته الخاصة، ملتبسةً بصورة مجازية، فإن الدلالة لا تعني أن الحقيقة ليست بذاتها. وهل لانتصار العلم من مغزًى غير استقلال الحقيقة عمَّا يلتبس بها من أوهام؟ أفلم تبدأ الحضارة الحديثة بإزالة الوهم الحاصل من التباس المعقول بالمحسوس (ظهور الشمس بمظهر الكوكب المتنقل يوميًّا من الشرق إلى الغرب، ناثرًا ضياءه في الفضاء من أجل إنارة سبيل الإنسان). وإذا كانت الوجهة الطبيعية للحضارة الحديثة قد بدأت باكتشاف المنظومة الشمسية، والأرض فيها جرم من بين الأجرام السماوية، فإن الوجهة الإنسانية لهذه الحضارة تتوقَّف معرفتها على النفوذ إلى معنى الشئون الإنسانية من خلال العبارة المجازية، التي استعان بها الفقيه للتعبير عن الحقائق المتجلية. وهكذا كان خلال الإنسان من التباس النهجَين؛ نهج الحوادث الطبيعية، ونهج الشئون الإنسانية، بقدر ما كان من الناس الحقيقة بالصور الدخيلة عليها من الوهم، هو أن الحقيقة الكونية قائمة بالمكان، وقوامها النسبية، «نسبة التمدُّد في المعادن للحرارة مثلًا». وأن الحقيقة الإنسانية مطلقة تبدر في النفس من فوق المكان. وعن الاختلاف في النشأة بين الحقيقة الإنسانية وبين الحقيقة الكونية نتجت أمور هامة؛ منها اتِّصاف الأولى بصفة القدسية، والثانية بالدنس. إلى اتصاف الحقيقة الكونية بالصفة القدسية يرجع أمر الالتباس بين الشريعة والديانة. «الشريعة الموسوية والشريعة المحمدية مترادفتان للديانة الموسوية وللديانة المحمدية والإسلامية»، وإليها يرجع التباس السحر والعلم أيضًا. ومن النتائج التي تترتَّب على الاختلاف بين الحقيقة الإنسانية والحقيقة الكونية؛ أن الأولى تتضمَّن الدعوة إلى الالتزام وليس الواجب، لا معرفةً لحقيقة الإنسانية في نزوعها إلى العمل، بينما الحقيقة الكونية تبقى دعوتها على حدود التأمُّل في الأسباب، ولو أدَّى التأمُّل إلى اكتشاف الطبيعة وإلى إقامة الصناعة على هذه القوانين. وأمَّا السُّنة فهي طريقة الأبطال، طريقة الذين يسبرون أغوار الوجدان مستجلين الحقائق المنطوية عليها نفس الإنسان. يُلخِّص المسيح منهج سبر أغوار الوجدان هذا إذ يقول: أنا الطريق، ومن ثَمَّ يُتمِّم القول إذ هو يُضيف إليه عبارة: أنا الحياة، أنا الحق. فكأن المسيح يعني بهذا القول أن من سلك سبيل البطل ارتقى إلى ينبوع الحياة، ومن بلغ هذا المستوى تجلَّى له الحق متلألأً. إنه لقول يدل على أن الإنسانية والحقيقة صنوان، وأن الحياة تبلغ حكمة وجودها بتفقُّه الحقيقة. والحقيقة أن الشريعة امتداد للحياة، فكما أن كلًّا من الأحياء يبدأ رشيمًا (من رشم بمعنى رسم)، ومن ثَمَّ يتبرعم من الرشيم أعضاء ذات وظائف معيَّنة (أجهزة الهضم والتنفس)، فكذلك تنبثق من النفوس أعضاء الهيئة الاجتماعية معاني هي قوام العلاقات بين الإخوان. وإذا تميَّزت المعاني المنبثقة عن الأعضاء بالقدسية، فإن القدسية ترجع إلى نشأة المعاني من فوق دائرة الميول، وحاجاتها دائرة مغلقة. تبدأ الشريعة بدايةً بسيطة، تبدأ بالعرف كما تبدأ الحساسية بحس اللمس عند الأحياء، ولكن إذا ما تيسَّر للهيئة الاجتماعية ظهور نوابغ فيها، تحوَّل العرف من حدس مبهم إلى بصيرة نيِّرة. وينتقل الحدس من عهد الناموس إلى عهد روح القدس؛ وعندئذٍ يُصبح النوابغ من العوام بمثابة العين من الخلايا الأخرى في الجسد. هكذا تقوم الهيئة الاجتماعية على تجرِبة رحمانية مشتركة بين الأعضاء، وليس العرف والقوانين إلا معاني هذه التجرِبة الإنسانية، منبثقة من نفس الإخوان. ومن هنا التباس الأخلاق والشريعة في المجتمعات ذات البنيان الرحماني. ألا تعني كلمة واجب في اللسان العربي معنى الانبثاق، «وجب» من «وج»، بإلحاق حرف «باء» إلى هذا المخرج. ومن هنا نزوع المجتمعات ذات الطابع الأخلاقي إلى الثبات. ولكن ثمة مبدأ آخر يستعين به موقف الإنسان من الأنام، وهو العقل أموره، فيستحضر من الماضي التجارب المحفوظة ذكريات، ومن المستقبل الأماني المشرقة في أفق الحياة، فينشأ من هذه وتلك مخطَّط يُجابه به الناس الأشياء. من نظر في العواقب سلم النوائب. وهكذا يُصبح العقل أداةً تُلائم الطبيعة، فيُعوض بالحرية على الحياة ما تبلور من إمكانياتها في الأعضاء، بحسب مقتضيات البيئة. وهناك مصدر آخر للتشريع، ألا وهو موقف الإنسان جملةً من الأشياء، الموقف الذي نُسمِّيه وجهة نظر المشرِّع في الحياة، أو فلسفته في الكائنات. وإذا اختلف التشريع المعاصر بين روسيا الشيوعية وألمانيا النازية وإنكلترة الديمقراطية، فذلك يرجع إلى الاختلاف في نبرة الإيقاع بين كلٍّ من الفلسفة المادية (الاقتصاد)، والفلسفة الحيوية (العرق)، والفلسفة الروحانية (الفرد). وتبعًا لطبيعة النشأة تختلف الشرائع في الاستعداد للتطوُّر؛ ففي الشريعة ذات الطابع الانبثاقي تلتبس الأحكام بالواجبات، فيبدو العرف أصل القانون ملتصقًا بالحياة، وإذن فيقل الاستعداد للمساومة، تكثر المقاومة لعاديات الزمن. إن هذا النوع من التشريع إن اتصف بالقدسية بطابع نشأته الانبثاقية، فإنه يجنح إلى المطلق، فإلى الاستبداد، مَثَلُه كمثَل الأخلاق، مستوحًى من المبدأ من الحدس المنطوي في نفوس الناس أعضاء الهيئة الاجتماعية. وفي الشريعة ذات الطابع العقلي تلتبس الأحكام بالوسائل في علاقتها بالغاية، وذلك ما يجعل شريعةً كهذه تقوم على مبدأ المساومة، وذلك ما يجعلها أيضًا ذات مرونة، تتقدَّم في تلاؤمها مع تطوُّر البيئة. وأمَّا الشريعة المستوحاة من العقيدة فهي على مثال القصيدة، تقوم على معنى تجرِبة المشرِّع المضفي رواءه على الأحكام الموضوعة، كما تقوم القصيدة على الإلهام المستفاض على كلمات متعارف على معانيها عند الجماعة. ولمَّا كانت العقيدة استجابة الذهن استجابةً مفسرةً لظروف البيئة، فقد أصبحت متانتها ككلٍّ في تماسكها وفي شمولها، سببًا من أسباب جمودها، سببًا من أسباب إعاقتها الحياة عن التكيُّف مع تحوُّل مجرى الحوادث. ومع أن الشريعة ترجع بالنشأة إلى أصول مختلفة، فهي في كل الأحوال تخضع لإرادة الإنسان الحرة، وذلك هو سبب الاختلاف بين القانون المدني وبين القانون الطبيعي. إن الحوادث الطبيعية يُؤثِّر بعضها في بعض تأثيرًا مباشرًا كتأثير الحرارة في المعدِن مثلًا، بينما يقوم القانون المدني على تصوُّرات متمثِّلة في الذهن، وكل ما يتمثَّل في الذهن يخضع للإرادة، يزكو إذا أقبلت عليه فتبنَّته، ويضمر إذا هي أعرضت عنه، حتى إن القانون الاقتصادي ليس بمستثنًى عن القوانين الإنسانية. إن العلاقة بين الميول وبين حاجاتها، وإن كانت مستقلَّةً عن الشعور، فهي مع ذلك تخضع لتدخُّل الإرادة، ما دامت الحاجات نفسها ترجع إلى صور ماثلة في الذهن. هكذا تطوَّرت الشريعة من عرف ذي نشأة في مشيئة العناية، إلى قانون تُقرُّه الإرادة. من الذي يضع الشريعة وكيف يتم وضعها؟ وما الغاية التي ترمي إليها من وضعها؟ وأمَّا الإجابة على السؤال الأول فيستلزم عرضًا موجزًا لبعض المسلَّمات التي عليها يقوم التفكير الحديث في الشئون الإنسانية. وأولى هذه المسلَّمات هي أن النفس الإنسانية تنطوي على مقوِّماتها انطواء الجسد على الغرائز، وتنطوي على عقل مؤهِّل لمعرفة الحقيقة ولتميُّزها من الخطأ، وتنطوي على وجدان ذي صبوة إلى الفضيلة، والعلم خير دليل على أن ما يبني العقل بناءً سليمًا تُؤكِّده التجرِبة، والصناعة مصداق لوجهة النظر المتقدمة. كما أن نمو المجتمع وعمرانه هما دليلان على صلاح الوجدان، لتميُّز الخير من الشر، ولنزعة الإنسان إلى الفضائل التي بها تستكمل النفس شروط كِيانها. وهناك مسلَّمة أخرى تُلازم الأولى وهي الحرية، حرية تعيين الإنسان مصيره بإرادته مستقلًّا عن كل سلطة؛ وذلك يعني أن الإنسان هو الحكَم في الفصل بين خيره وشره، وهو المرجع في تقرير كل ما تستكمل به حياته شروط طبيعتها. وما دام الإنسان اجتماعيًّا بالطبع، وما دامت حاجاته حصيلة عمل جمعي، فكيف يستقل بالمصير عن الآخرين؟ هكذا تبدو مسلَّمة ثالثة ملازمة للمسلَّمتَين اللتين تقدَّمنا بعرضهما، والمسلمة الثالثة هي أن الشريعة تُمثِّل الإرادة العامة، ليس الناس متساوين في الأهلية لإدراك الحقيقة ولمعرفة الخير فحسب، إنهم متساوون أيضًا في الاشتراك في تعيين مصير الجماعة. وإذا تفاوت الناس، فليس التفاوت في مقوِّمات الحياة، بل في وضوح البصيرة، وفي قوة الشكيمة لدعم الحقيقة. وهكذا أصبحت المسلَّمة «الجمهور مصدر السلطة» أساسًا من الأسس التي تقوم عليها المجتمعات الحديثة. ونحن نُضيف إلى المسلَّمات المتعارف عليها في الحضارة المعاصرة تأمُّلاتنا وتجارِبنا الخاصة. يتميَّز الإنسان عن الأحياء الأخرى بأنه يتخطَّى الدائرة المغلقة بين الغرائز والحاجات إلى صعيد الحق والحرية. ويفقه الإنسان في صعوده البنيان الرحماني المشترك بينه وبين الأنام، في ما وراء التجارب الحسية (الملأ الأعلى)؛ وعندئذٍ يزدان الوجدان بالآيات التي هي معانٍ يتجلَّى بها البنيان الرحماني، كما تزدان السماء بالنجوم؛ وعندئذٍ يُصبح هو عضوًا في هيئة عليا وحكمًا في العلاقات بينه وبين الآخرين، وهكذا تبدو حقوق الآخرين منبعثةً من نفسه واجبات تدعوه إلى إحقاق الحق في نفسه وفي العالم. إن استحالة الإنسان من حي بين الأحياء إلى ذات تتم على المراحل الآتية؛ ينجم في نفسه البنيان الرحماني المشترك حدسًا ذا نظام، ومن ثَمَّ يتشخَّص الحدس في صورة تنزع إلى استكمال شروط ماهيتها، وأخيرًا تدعو الصورة الإرادة إلى الإفصاح عنها وإلى تعديل الواقع القائم، ثُمَّ بما تقتضيه طبيعتها. وبناءً على ما تقدَّم فإن طبعة البنيان الرحماني وتحويل حقائقه المستحيلة إلى قواعد (شريعة) يملك عليها الناس في علاقاتهم، هي مقوِّمات الطبيعة الإنسانية. وصفوة القول إن المواطنين كلهم جميعًا يُساهمون في صنع الشريعة، ينبثق العرف عن نفوسهم سليقة، ويُوضِّح النوابغ منهم ما تجلَّى عفو الخاطر، فيجعلونه قواعد حقوقيةً واضحةً بيِّنة. والتفاوت فيما بينهم في القدرة الذهنية على إنشاء الخيال الذي به يتم إيضاح الحدس في النظام. وأمَّا الحدس نفسه فهو مشترك بينهم، بحيث يُصبح الجمهور مرجعًا في تميُّز الصواب من الشطط في خيال النابهين. وهل للتجرِبة السياسية من معنًى غير معنى المساهمة في إنشاء الشريعة التي سيخضع بها المرء في حياته الخاصة؟ وإذا ما تخلَّى عن حريته لمشيئة غيره، حتى أمسى أداة الأغيار؛ هبطت منزلته دون البهيمة. ينتج عمَّا تقدَّم أن الإخوان المواطنين ملزمون بالتعاون بعضهم مع بعض على إبلاغ كلٍّ منهم مستوى الحرية، المستوى الذي يُؤهِّله للمساهمة عن وعي في تقرير المصير العام، وذلك يستلزم مراعاة مبادئ تكافئ الفرص والعدالة الاجتماعية. وكيف يتم الاصطفاء بين الإخوان للمهام العامة ذات النظام الرتيب (الترتيب) بين الإخوان، إذا لم تتساوَ الناشئة في شروط المعيشة؟ وهل يرتفع إلى مستوى فهم الشئون العامة، ويتفرَّغ لها من لم يضمن مقوِّمات حياته الاقتصادية؟ وهل يشترك الدخيل المقيم بين ظهراني الجماعة في وضع الشريعة؟ فإذا كانت الدولة جملة معانٍ تبدر في النفوس نتيجةً للتجاوب الرحماني بين الإخوان وبينهم وبين البيئة الإنسانية، فإن الدخيل عليهم أقل استعدادًا للمساهمة في إنشاء المؤسَّسات العامة: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ . وأمَّا ما زعم أعلام الأقوام الهندية الأوربية أن الدخيل يتصف بالنزاهة، فإنه زعم يدل على أن المحبة (التعاطف الرحماني) هي السبيل إلى كل معرفة إنسانية، وأن البنيان المشترك بين ذوي القربى هو المدخل إلى المحبة. مَثَلُ الأعيان (من العين) من الجمهور كمثَل الأم من ولدها؛ فقد تنفصل الأم عمَّا يُحيط بها حتى تنقطع حواسها — أثناء النوم — عن العالم، ولكن قلبها يظل متَّصِلًا بمهجة كبدها، وكذلك يبقى وُجَهاء القوم (من الوجه) محل التقاء نزعات الجمهور. شتان بين الولد الذي تتمخَّض عنه الأحشاء، وبين الولد المتبنَّى الذي يُداعب مشاعر الأمومة! وإذا كان الأخلاط يُعوِّضون عن المبادئ المنبعثة عن نفوسهم في إنشاء الشريعة بجملة قوانين يشترك العقل مع وجهة النظر في الحياة، فإن النجاح يبقى على حدود العلاقات الاقتصادية، غير أن الأمة الأصيلة القائمة مؤسَّساتها على الحدس في البنيان الرحماني، تبقى بمقدار عمق جذورها، مغلقةً على الأغيار. وأمة كهذه جديرة بإنجاب نوابغ متَّصفين بالنزاهة والبصيرة والعزيمة. أمة كهذه جديرة بإنجاب نوابغ تنكشف بصائرهم عن مقوِّمات الحياة العامة، بحيث تنهل النفوس الظمآنة للحقيقة. مَثَلُ الشريعة كمثَلِ الحياة نفسها، يتراوح انكشافها بين آفاق متفاوتة بالرفعة، وبين السطح والأغوار، بين أنماط تُسيطر عليها المادة (التفكير بالمادة، توارد الخواطر بالاقتران) وبين تنفق عنها العبارة والعمق مقياس للأصالة. ومع ما تقدَّم فإن الحياة المشتركة بين المواطنين والدخلاء تُجيب في الأزمات الحادة بتفتُّح النفوس عن الحدس الذي يُصبح فيما بعدُ قاعدةً مستحبة، اللهم إذا عقد الدخيل النية على التعاطف مع أماني الجماعة. وأمَّا السؤال الثاني فنجيب عليه بما يلي: يستجلي الذهن الحدس بالخيال، والخيال من الحدس بمثابة الجسد في نموه من الكشف عن الاستعدادات. والذهن يهتدي على شفق الذكاء (من ذكاء بمعنى الشمس) في اختياره عناصر الخيال، اهتداء الجسد بالنشوة في اختياره الغذاء. وهكذا يتضح الحدس بصدق العبارة، بصدق التجاوب بين مصدره وبين مراحل تطوُّر العبارة، وذلك يستلزم قسطًا كافيًا من الأصالة ومن القدرة الذهنية في متابعة إنشاء العبارة التي بها تتحوَّل من معنًى مبهم إلى البصيرة نيِّرة. وينتج عن ذلك أن الشباب (من شب) واللؤم (من لم) والعته، كل ذلك يُعيق عن المساهمة في إنشاء الشريعة. وكيف لا؟ ما دام الشباب يتلمَّس طريق الأماني، وما دامت سرعة نموِّه تجعله عُرضةً للهيجان والأهواء. إن الشباب يبقى خاضعًا لقدر جسده عاجزًا عن استجلاء الحقائق الاجتماعية السياسية، بقدر ما يبقى نموُّه سريع التطوُّر. ومَثَلُ الأهواء في حجبها الحق عن النفس كمَثَلِ غيم الربيع في حجبها الشمس عن الرؤية، ما خلا في فترات عابرة. هذا وإن الجملة العصبية تُؤهِّل نموَّها فيما بعد استقرار الجسد حوالي اﻟ «٢٤» سنةً من العمر. أليست الخلايا المتفرِّعة في هذه الفترة الطويلة من العمر عند الإنسان إعدادًا لقواعد حياة اجتماعية سياسية؟ وهكذا ما قد بدا مبهمًا في الشباب يُصبح واضح المعالم في الكهولة، والكهولة من الكاهل بمعنى المساهمة في أعباء المجتمع. وأمَّا اللئيم فقد ضمرت فيه قواعد الحياة الإنسانية، فيجنح إلى الاستبداد وإلى اتخاذ إخوانه، من فقدان القدرة على التعاطف معهم رحمانيًّا، أداة على مثال الأشياء، بحيث يُصبح سلوكه الشاذ مصدرًا للجرائم، وذلك ما يجعله مقصِّرًا عن القيام بالأعباء العامة. وأمَّا المعتوه فيفتقر ذهنه إلى القدرة التي بها يُنشئ العبارة إنشاءً يُوضِّح به قواعد الحياة الإنسانية. هناك آفتان تتعثَّر بهما الإرادة في دعمها الحق، أولاهما: الفاقة والترف. قيل لزرقاء اليمامة: من أعظم الناس في عينَيك؟ قالت: من كانت بي إليه حاجة! إن تملك بعض المواطنين بمرافق حياة الآخرين يُعيق هؤلاء في اختيارهم الأكثر الأهلية من يُمثِّلهم في الندوة القومية، وذلك ما يُسبِّب الخلل في سير أعمال الدولة. وهناك آية تُشير إلى سبب الخلل في الجانب الآخر من الحياة العامة: وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ . إن الترف آفة كل نظام، وخير وسيلة لبقاء رؤية الآراء واضحة الاعتدال، وفي تلألئ الآراء تثبت الإرادة على الحق، ويرتدع صاحبها عن الاسترسال لطغيان المصالح (الإغراء والإرغام). وعلى قدر ما تظهر إرادة الجمهور مستقلَّةً عن أهواء ممثلي الأمة، تأتي الشريعة صادقةً في تعبيرها عمَّا يتمخَّض نفوس الجماعة من حقائق. ومع ذلك فقد تتوه الإرادة عن الحق عن قصد أو غير قصد، بحيث تدعو الحيطة الجمهور لانتخاب ممثليه على مبادئ واضحة بينة، وذلك يستلزم سلب الجمهور ثقته من ممثليه إذا هم قصَّروا عمَّا اتُّفق عليه بينهما. هناك تدابير أخرى يتقي بها الجمهور خطر تقصير ممثليه عن أمانيه، وهي أن يحق لكل مواطن اقتراح القانون على مجلس الأمة، وأن يحق له الاعتراض على قانون أقرَّه مجلس الأمة، شريطة أن يشترك فريق من المواطنين في الاقتراح أو في الاعتراض، بطريق الاستفتاء العام؛ كأن تُعرض الأمور على الجمهور ويُدعى كل مواطن لإبداء الرأي في دائرة من دوائر البلدية. وهكذا تعود السلطة التشريعية إلى الجمهور، فيُصبح كل مواطن حُرًّا في تقرير مصيره حسبما شاء. وهكذا تُصبح الشريعة صورةً صادقةً لأماني المواطنين. تقوى الدولة بقوة أعضائها المواطنين، وهؤلاء يقوَون ببلوغ كلٍّ منهم الازدهار والحرية. ولمَّا كانت حاجات كلٍّ من المواطنين يتطلَّب إعدادها جهودًا مشتركة، فقد أصبح من المترتَّب على الدولة أن تُيسِّر لأعضائها الحصول على الحاجات في الحدود التي تضمن لهم الصحة والكرامة. هذا ولمَّا كانت الدولة هي الصورة المثلى لما تتمخَّض عنه نفس الجمهور من أمانٍ مشتركة، فقد أصبح من واجب الدولة وقاية أعضائها من كل إغراء وإكراه يُضلِّل إرادتهم في اختيار عناصر الصورة الممثِّلة للأماني المشتركة، وذلك ما يجعل السياسة إيجاد الانسجام بين مستلزمات حقيقة الأمة، وبين مقتضيات طبيعة المواطنين، بين مثَل أعلى تتلخَّص فيه الأماني، وبين واقع ذي ميول ونزعات تتحقَّق في ظروف طبيعية تاريخية معيَّنة، وهكذا تُصبح وظيفة الدولة الأولى والأساسية هي أن تُبقي المواطنين على حدود الاعتدال والعدالة، على حدود مقوِّمات الفطرة الإنسانية، فتقيهم من أن يكونوا عبيد نزواتهم أو عبيد الآخرين. لم تكن مهمَّة الدولة تبقى عند تدريب الجمهورية على الحرية وإعداد الأسباب المؤدية إليها وإبقاء المواطنين على مستواها، بل إنها تهدف أول ما تهدف إليه السؤددَ والعزة القومية. لا تكفي شكيمة المواطنين لحماية مجالهم الحيوي، يجب عليهم إعداد العدة أيضًا. إن الغلبة للمتفوِّقين في العتاد، والتفوُّق يتناسب مع تقدُّم العلم والصناعة. تظهر جدارة المسئولين عن مصير الأمة بإبلاغهم كفاءات المواطنين حد كمالها، وباستثمارهم خيرات الوطن في حدود إمكانيات الحضارة المعاصرة. يقف رجال الدولة من الظروف الطبيعية السياسية موقف البارع في فن الشطرنج من لعبته، يُسيطر عليها بمقدار ما هو حر في التصرُّف فيها. ولمَّا كانت الحياة معنًى مبدعًا وموجِّهًا لمبدعاته، بُغية استجلاء ذاته أوضح فأوضح، فقد أصبحت مهمَّة الدولة العليا توجيه مظاهر الحياة العامة والمؤسَّسات الاجتماعية في الوجهة التي تسبر بها أغوار الوجود أعمق فأعمق. وليست الأمة إلَّا نزوع المعنى المستجلى إلى التحقيق، تحقُّقًا تنطبع بطابعه الشئون الإنسانية. إن شأن الدولة نقل المواطنين أعضاءً في المجتمع، ينساقون بالسليقة إلى ذوات يتصرَّف كلٌّ منهم في مصيره وفي المصير العام بملء حريته. كما أن شأنها أن تنقل المفاهيم الإنسانية المتبلورة فيها الحياة عفو الخاطر إلى آيات بيِّنة متلألئة. ولكن مهمَّة الدولة في هذا الشأن تبقى في حدود الإعداد، دون التدخُّل في الصميم الذي هو محراب العناية. في الجمهورية المستكملة شروط كِيانها تبقى السعادة والفضيلة مقترنتَين، والواجبات مع المصالح منسجمتَين. في دولة كهذه، المواطنون إخوان متساوون في المقوِّمات الإنسانية، كلٌّ منهم يرى مصلحته في تحقيق المصلحة العامة. وإن تفاوتت المراتب بينهم، فإن الولاية لدى الحساسية المثالية، لمن سبق الآخرين في استجلاء حقيقة الأمة، وفي رفع أثقال الجمهور. إن الشريعة في إنشاء الحياة من الحقوق والواجبات. إنها فن يشترك فيه جميع المواطنين، كلٌّ منهم بحسب مؤهِّلاته، والهداية لمن تتجسَّد فيهم أماني المجموع. والعدالة في نظام الكفاءات بحيث تتناسب الرفاهية مع الحاجة لممارسة المواهب في خدمة الجماعة. هكذا ترفع الدولة بالمواطنين من الغريزة إلى صعيد الحرية، فتمد كلًّا منهم بالأساليب التي تجعله يُنشئ على ضوء المثل الأعلى شخصية، ويشترك في إنشاء شخصية الأمة. مَثَلُ الجميع للجمهورية كمَثَلِ الأنشودة، تعكس أعضاؤه رواء المجموع، كلٌّ بحسب مؤهِّلاته ومن مستوى مواهبه. كلمتا «شر» و«شرارة» مشتقَّتان من نفس المصدر، وذلك يعني أن حدس الشر يتضمَّن معنى العدوى: الفتنة. وهاك ما ورد في الحديث بصدد العدوى. «إن الخطيئة إذا أخفيت لم تضر إلَّا صاحبها، ولكن إذا ظهرت فلم تُنكر ضرت العامة.» أوَلا يتحوَّل الشر إلى فتنة يتعدَّى أذاها حدود المعتدي والمعتدى عليه إلى الجماعة؟ فمهمَّة القضاء هي إذن من الشر بمثابة الماء من الشرارة، أي إطفاء غليل الحقد عند الناس. وكلمة «ظلم» تُفيد الانتقاص من الحق، بالنظر إلى تكوين الكلمة اللغوي من إلحاق حرف «م» ﺑ «ظل»، الحرف الذي يُعبِّر بحسب حدوثه عن التحديد والانتقاص، وذلك بانغلاق الشفتين. فكان المجتمع في الحدس العربي مماثل بالتكوين للسماء، لكلٍّ من أعضائه فلكه (ظله)، كما لكلٍّ من الكواكب مدارها. وإذا ما اعتدى على أحد المواطنين؛ سبَّب الاعتداء بما يُحدثه من خلل في نظام الحقوق قلقًا في جميع النفوس، والقلق المنبعث يحملهم على إحقاق الحق وإرجاعه إلى نصابه، ولكن إذا تقاعس المظلوم عن حماية حقيقته؛ انتابه الشعور بالحقد والحقارة. والكلمتان «حق» و«حقارة» مشتقَّتان من الحق بإلحاق حرفَي «دال» و«راء»؛ أمَّا الأولى فتعني توقُّف الفرد عن العمل على استرداد حقه، وأمَّا الثانية فتعني استسلامه لمشيئة من استهان به، وذلك تبعًا لما يُوحي حدوث كلٍّ من الحرفَين المتقدمَين «دال» و«راء». وكلمتا «قصاص» و«جزاء» تتضمَّنان معنى إرجاع الحق إلى نصابه ممن اعتدى أو تطاول على غيره، فانتقص من قدره الذي هو ظله في المجتمع، وذلك باشتقاقهما من قصَّ ومن جزَّ. وكلمة «حق» هي وكلمة «حق» مشتقَّتان من نفس المصدر، وهذه الأخيرة هي الصورة الحسية لمفهوم الحق والتعريف بالإشارة له. وبناءً على هذه النشأة اللغوية للكلمة، فإن الحق من الإنسان بمثابة الحق من العظم، أي جرنه، وكما أن خروج العظم من حقه يبعث القلق في النفس، فكذلك تقصير الواقع عن الحقيقة، يبعث القلق في النفس. وكلمة واقع نفسها تُفيد باشتقاقها من وقع معنى الهبوط والتقصير. ومع ما تضمَّنته كلمة «حق» من نزعة مثالية في الحدس العربي، فإن الحقيقة وهي تجلِّي الحق أو استفاضته، كانت تعني بالنسبة لأجدادنا المجال الحيوي، حدود انكشاف الشخصية. هكذا يتناسب حق الإنسان مع قدره، ويتبع قدره قدرته في الإفصاح عن أماني الأمة أو في خدمة الجماعة. ولمَّا كان الإنسان ذا بنيان رحماني، وكان حق الآخر ينبثق من نفسه واجبًا؛ فقد أصبح الاعتداء على الحق يُثير الحمية، فيتضمَّن الدعوة إلى رفع الحيف عن المظلوم، والقضاء هو الهيئة المكلَّفة نيابةً عن الجمهور بأمر الحراسة على نظام الحقوق، وبأمر التنكيل بمن تُسوِّل نفسه له إحداث الخلل في النظام. وهناك كلمة مرادفة للعدالة، ألا وهي الإنصاف. ومن غريب الأمر أن كلتا الكلمتَين «الإنصاف» و«العدالة» تتضمَّنان حدس العدد، النصف وعد. وإلَّا أن الإنصاف يقوم على التساوي فيُمثِّل المجتمع في حالته الابتدائية، قبل ظهور الوظائف المتفاوتة في القيمة لخدمة الجماعة. وإلى هذه النشأة في الأسرة يرجع معنى الحنان والرأفة في الكلمة. ومن هنا نستدل على أن العدالة في الحدس العربي هي نظام في الحقوق، في العلاقة بين أعضاء المجتمع. ومن هنا يبدو الشبه في التكوين بين المجتمع والأنشودة؛ هذه تقوم على الإلهام وعلى نظام يتجلَّى به الإلهام، وذاك يقوم على حقيقة مُثلى تتجلَّى بنظام من القيم. وأمَّا القبح والظلم فهما شعور بالخلل في النظام. هكذا يدعو القصاص النفس اللئيمة إلى التأمُّل على ضوء الحق في الجريمة، تأمُّلًا تبعث به القاعدة التي غارت في الجملة العصبية من جرَّاء الجريمة. شأن الحياة هنا كشأنها في ترميم كل عطب يعتريها. ألم يُعبِّر الذهن العربي عن حدسه في ملاحقة الجريمة، صاحبها باشتقاقه كلمة «جريمة» نفسها من «جر». وهناك كلمات أخرى تُشير باشتقاقها إلى نفس الحقيقة، مثل كلمة «عقاب من العقب»، وكلمة «ذنب من ذنب». وتعبيرًا عن نفس الحقيقة اشتُّقت كلمة «ثواب» هي و«الثوب» من نفس المصدر. وبناءً على ذلك فإن أمر تعيين وزن الجريمة يعود إلى عاملَين؛ عامل مقدار الخلل الذي أُحدث في نظام الحياة، وآخر مدى وعي المجرم أثناء اقترافه الجريمة (النية والمقاومة التي تلقَّاها، النية من مقاومته على الجريمة أثناء تنفيذها). وكلمة «سرقة» تُشير إلى ذلك بتركيبها من «سر» بمعنى العمل، وحرف «قاف» المعبِّر عن المقاومة، مقاومة حق الآخرين لعمل الجريمة. وإليك الطريقة التي اختارها أجدادنا في إحقاق الحق بصورة عفْوية. فإن المتخاصمَين يلجئان بملء إرادتهما إلى حُكَّام معروفين بالبصيرة والنزاهة، وكان الحكَم يستنير بالعرف على توضيح حدسه في عدالة القضية المختلف عليها، وكان الحكَم مستقلًّا عن كل سلطة غير سلطة العرف وقرار الوجدان. ونحن الذين نعيش في ظل دولة تتجسَّد فيها نزعتنا إلى إحقاق الحق، يجب أن نقتدي بخُطى أجدادنا في هذا الشأن، على أن يقوم القانون مقام العرف. وأمَّا القضاة فيجب أن يخضعوا لانتخاب المواطنين أسوةً بأعضاء الهيئة المشرِّعة، أي النوَّاب، شريطة أن تتوفَّر في المرشَّح للقضاء الأمور التالية: إجازة في الحقوق، وشهادة ممارسة المحاماة خلال مدة يُحدِّدها القانون، وتزكية في حُسن السلوك المهني من قِبَل نقابة المحامين، وتزكية أخرى من القضاة الذين رافع أمامهم في القضايا العامة. ولئلا يشط القاضي عن مبدأ الدستور والقوانين التي أُقيمت على الدستور، يجب أن يخضع لإشراف مدَّعٍ عام يُمثِّل المجلس التشريعي في مراقبة تحقُّق العدالة في الأحوال العامة والخاصة. ولمَّا كان القانون محصلة عوامل منها مقوِّمات الإنسان الأخلاقية، ومنها البنيان الرحماني للمجتمع، ومنها وجهة نظر المجتمع في الحياة، ومنها ما تُقيم الإرادة الحرة من عهد … إلخ. لمَّا كان الأمر كذلك، فقد أصبحت القوانين عُرضةً للتطوُّر، فابتعاد مضمونها عن نظام الحقوق القائم الحي في نفوس الجماعة، ممَّا يدعو القاضي إلى الاستنارة بهيئة من المحلَّفين الممثِّلين للوجدان في تطوُّره مع تبدُّل الأزمان. ونظام المحلَّفين هنا كان يستعين به قُضاتنا في أحكامهم في بابل، وعندئذٍ تستكمل الأحكام شروط العدالة. التجرِبة الإنسانية معرفة وعمل، والعمل فيها واجب مملًى على الإرادة. ولمَّا كانت التجربة الإنسانية مشاركةً وجدانيةً بين الذين اختبروها، فقد أصبحت معرفتها رأيًا مشتركًا بينهم، وعملها نزعة يتسابقون إلى تحقيقها. وهكذا يقوم المجتمع على مبدأ الأخوة، ويقوم الأكثر رشدًا من بينهم بالهداية والقدوة، بل هكذا يُصبح كل الناس ملوكًا يجمع كلٌّ منهم في شخصه السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية، إلَّا أن الأكثر أهليةً من بينهم ينوب عنهم في ممارسة السلطة ممارسةً فعلية. وإذا بدأ السلطان يحمل هالةً من القدسية، فإن الهالة ليست بغير روعة الواجب ذي النشأة السماوية (من فوق سلسلة الحوادث الطبيعية)، الممثلة فيه أمنية الهيئة الاجتماعية. ولمَّا كان السلطان هو الحق في نزعته إلى تحقيق ذاته، فقد أصبح كلُّ من تجسَّد فيه الانحراف مثار السخط عند الناس. أفلم يشتق الرأي العامة كلمة «شيطان» من الشطط؟ أوَلم يشتق هذا الرأي كلمة «طاغوت» من الطغيان؟ إن أسطورتَي فرعون ونمرود لم تزالا ماثلتَين للأذهان. وقد ميَّز الإسلام بين الحالتَين بكلمتَي «نبي ومسيطر»، الأولى تُجسِّد الواجب فيُصبح صاحبها النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ . وقد قال المسيح في هذا الصدد: «يقول الحق، ولا ينظر إلى وجوه المتخاصمين.» والثانية تُمثِّل انطلاق شهوة الحكم بلا رادع أخلاقي يردعها. المسيطر من سطر، أي أملى أهواءه على الآخرين. إذن فالرئاسة تنعقد على من يتمتَّع بالميزتَين هاتَين؛ الشعور بقدره الأخلاقي، والمقدرة على النفوذ في مصير الجماعة. وهكذا يُصبح المسئولون عن الأمور ممثِّلين لأماني الأمة ودائبي السعي لتحقيقها. وكلمة «رئيس» تدل بصورتها الحسية «الرأس» على أن رجل الدولة في الحدس العربي، محل آمال الجماعة، مَثَلُه بذلك كمَثَلِ الرأس ملتقى العقل والإرادة. والمثلان الآتيان يكشفان عن الحدس العربي في الأمر: من علت همته طال همه. وسيد القوم أشقاهم. وإليك ما ورد على لسان أحد شعرائنا الأفوه الأودي في خصوص إدارة الشئون العامة: وإليك قولًا آخر في لزوم الإمارة: إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمِّروا أحدهم (النبي محمد). وهاك بعضًا من خبرة أجدادنا في الصفات التي يجب أن يتحلَّى بها المسئولون عن الشئون العامة: وقد قال الرسول في الكفاءة للعمل ما يُؤيِّد ذلك: «من ولي أمر المسلمين شيئًا فولَّى رجلًا ويجد من أصلح للمسلمين منه؛ فقد خان الله ورسوله.» وقد فسَّرت الآية التالية بذات المعنى: إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ، أي اجعلوا الوظائف لمن لها بأكْفاء؟ وقد أفصح الرسول أيَّما إفصاح في الحديث التالي عن الصفات الأساسية لرجل الدولة: «إن الله يُحب البصر النافذ عند ورود الشبهات، ويُحب العقل عند حلول الشهوات.» ونحن نستخلص من تجارِب أجدادنا في الحكم ما يلي؛ أوَّلًا: إنه يجب أن يُناط بأمره إلى هيئة عريقة في تمثيل أماني الجماعة. وثانيًا: أن يتم انتخاب الهيئة انتخابًا حُرًّا من قِبَل الجماعة، على اعتبار أن الجمهور مصدر كل سلطان، وأن السلطة التشريعية الممثِّلة للجمهور أصل، والسلطة التنفيذية امتداد لها ومسئولة عن تصرفاتها أمامها. وأمَّا الوسيلة المؤدية إلى الغرض فهي أن يقوم المجلس النيابي بانتخاب مجلس الوزراء المكلَّف بإدارة الشئون العامة للدولة، وأن ينتخب كلٌّ من المحافظات هيئة المديرين المكلَّفين بإدارة الشئون الخاصة بالمحافظة. ومن أجل تنسيق العمل بين مجلس الأمة وبين كلٍّ من مجالس المحافظات من جهة، من أجل مراقبة سلوك ممثِّلي السلطة الموكول إليهم أمر تنفيذ القانون. من جهة ثانية يترتَّب على المجلس النيابي أمر انتخاب نائب ينوب عن الجمهور بالقيام بالمهمة. وأمَّا الشرط الأساسي لاختيار الموظفين فهو أن يكونوا أكْفاء للمهام. وللكفاءة معنيان؛ معنًى فني وآخر أخلاقي. ولكن لمَّا كان الإنسان كما وصفه أحد شعرائنا بما يلي: وكما وصفته الآية: إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي . لمَّا كان الأمر كذلك، فقد وجب على الجمهور صاحب السلطان الاشتراك مع الهيئة، الهيئة الممثلة في مراقبة المسئولين عن إدارة الشئون العامة. وهل من وسيلة للمراقبة خير من تبادل الناس فيما بينهم الخبرة في جو من الحرية؟ | {
"chapter": "سلطات الدولة",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "الجمهورية المُثلى",
"url": "https://www.hindawi.org/books/37486931/9/"
} |
وافق الجميع على فكرة إسقاط البالون، واقتحام سفينة المراقبة، والقبض على مَن فيها … واعتبروها عملية مستقلة … ولم يتبقَّ غير كيفية تنفيذها. وقال «أحمد» لهم مقترحًا: ما الذي يرفع هذا البالون … هل هو غازٌ أخفُّ من الهواء أم هواء ساخن؟ إلهام: أنا أرجِّح أنه غاز الهيليوم. أحمد: أهو غازٌ أخفُّ من الهواء؟ إلهام: نعم … أحمد: إذن نفجِّر هذا الخزَّان الذي يحوي غاز الهيليوم. عثمان: إنها عملية خطيرة للغاية يا «أحمد». أحمد: وما الذي فعلناه ليس خطيرًا؟ عثمان: ولكن ليس إلى حدِّ تفجيرِ خزَّان هيليوم فوق رءوسنا. اندهش «أحمد» لما يقوله «عثمان» وقال له: كيف سنفجِّره فوق رءوسنا؟ عثمان: ألَا تراه يتبع السفينة أينما ذهبت؟ أحمد: لا أعتقد أنه سيتمادى في هذا. ضحك «عثمان» وهو يقول له: أواثقٌ أنت من أخلاقه؟ ابتسم «أحمد» وقال له: بل واثق من قدراتي … المهم أن نستعدَّ لاستقبال سفينة المراقبة … فأنا أتوقع أنها تحمل لنا مفاجآت. وهنا تدخَّل «مصباح» مقترحًا بقوله: ما رأيكم لو فجَّرناها فوق رءوسهم. أحمد: كيف وقد غادرتهم ولن تعود إليهم؟ مصباح: إن لديَّ فكرة تستحق العرض عليكم. أحمد: كلُّنا أُذُنٌ صاغية. مصباح: ألَا ترون معي أن هذا البالون يبتعد عنَّا كلما اقتربنا منه؟ ريما: نعم … مصباح: وإلى أين يتحرك؟ … إنه يتحرك دائمًا في الاتجاه المؤدِّي إلى السفينة … أليس كذلك؟ أحمد: من فضلك أكمل … مصباح: لماذا لا نسير خلفه حتى نرى نهاية سيره … فقد يقودنا إلى السفينة. عثمان: وإن كان يقودنا إلى فخ؟ مصباح: فجَّرنا خزَّان الغاز الخاص به. رأَت «إلهام» أنه من الأجدى إنهاء هذا النقاش بالموافقة على مطاردة البالون … فليس أمامهم غير ذلك … فوافق الجميع على اقتراحها … وبدأت السفينة في التحرُّك خلف البالون … وفجأة وبعد عدَّة كيلومترات … ارتفع البالون إلى أعلى وظل يرتفع حتى غاب عن عيونهم … نعم … لقد اختفى، وأثار الكثير من علامات الاستفهام لديهم … وكان يجب اتخاذ قرار سريع، إما باستكمال التحرك، أو بالعودة مرة أخرى … وقال «أحمد» في حيرة: لكي أتخذَ قرارًا الآن، يجب أن أعرف لماذا يُقدِم البالون على هذا السلوك؟ كاتو: أنا لا أرى غيرَ أنهم يُربكوننا، حتى يستجمعوا قواهم ثم ينقضُّون علينا. أحمد: وما الحل؟ كاتو: علينا ألَّا نتوقفَ عن الحركة في أيِّ اتجاه. أحمد: إذن نستكمل مسيرتنا إلى موقع السفينة. كاتو: سأعتبره أمرًا بالتحرك. قال هذا ثم أصدر القرار لرجاله … فواصلت السفينة التحرك … وبعد مسيرة عدَّة كيلومترات … قال «أحمد»: إن لم نعثر على السفينة، سنستكمل سيرَنا إلى «جزيرة الأوغاد» … وفي هذه اللحظات ظهرَت السفينة، وعلى سطحها أكثرُ من مدفع آلي … ومن فتحات بجسمها تخرج مواسير النابالم … إن لها برجًا يُتيح لمَن على ظهرها رؤيةَ ميدان معركة كامل … واصطياد مَن يريد اصطيادَه … فمَن على ظهر هذه السفينة؟ عثمان: ولكن الصوت صادر من السفينة. أحمد: نعم … فالسفينة بها جهازُ استقبال، يستقبل الصوتَ الصادر من البالون، ويُعيد بثَّه كما يفعل الراديو تمامًا! عثمان: إذن نفجِّر البالون. أحمد: ليس هذا هو الحل؛ فنحن نريد أن نعرف موقع هذا الرجل، الذي يُدير البحر، من خلال أجهزة متقدمة للمراقبة والتنصُّت … ويستطيع التخفِّي بهذه المهارة. عثمان: ومَن إذن بالسفينة؟ أحمد: لا أحد … السفينة فارغة من البشر، وكلُّ ما عليها حصيلةُ سرقاته وتجارته غير المشروعة، من أموال ومعادن نفيسة. عثمان: أَيُعرِّض ثرواته للسرقة أو الغرق؟ أحمد: إنه رجل داهية، ويعرف كيف يحمي أمواله، ألم ترَ كيف وضع البالون فوقنا؟ عثمان: ليفجرَنا وقتما يشعر بالخطر. أحمد: لذلك عندي خطة على نفس مستوى دهائه، ولنحارب الدهاء بالدهاء. عثمان: وما هي؟ أحمد: علينا أن ننتقل جميعًا إلى سفينته … عثمان: لن يتركَنا نفعل ذلك … سيفجِّر سفينتَنا بمجرد انتقال أحدنا إلى سفينته. أحمد: لن يرانا … عثمان: كيف؟ أحمد: سنركب كلُّنا السيارة «الهامر»، ما عدا «كاتو»، الذي سيبقى على السفينة … وسيقوم بنقلنا باستخدام الونش. صاح «عثمان» في صوت خافت قائلًا: فكرة مذهلة، وعلينا أن نشرحَها للجميع. أحمد: يكفي أن يعرفَها الآن «كاتو» فقط … انتحى «أحمد» ﺑ «كاتو» جانبًا، وشرح له الخطة، في الوقت الذي أخبر «عثمان» كلَّ مَن على ظهر السفينة بالتسلل إلى السيارة «الهامر»، دون أن يشعر أحد. ولم يمضِ وقتٌ طويل، وكان الجميع قد تسلَّلوا إلى السيارة «الهامر» … وصاح الصوت الصادر من السفينة يقول: أين أنتم؟ ماذا يجري عندكم؟ أحذِّركم من خداعي، فأنا أرى كلَّ ما يدور … أدار «كاتو» الونش نصف دورة، فوصل إلى سفينة المراقبة حاملًا السيارة «الهامر»، وما إن حطَّت السيارة على ظهر السفينة … حتى تسلَّل راكباها الواحدُ تلوَ الآخر، إلى غُرَفِها المختلفة … واكتشفوا في قاعها بابًا يُفتح عند الخطر، فيُغرق كلَّ الصناديق التي تحمل الأموال وسبائك الذهب … ثم يقوم بتفجير السفينة، فلا يعرف أحدٌ عن ذلك شيئًا، ويَصِل هو بعد ذلك بسهولة إلى تلك الأموال، فينتشلها بمعاونة رجاله … قام «أحمد» بتعطيل هذه الأبواب … فتردَّد الصوت في جنبات السفينة يصيح قائلًا: ماذا فعلتم أيها الحمقى؟ لن أدعَكم تفرون بفعلتكم هذه. كان «كاتو» قد انتقل هو الآخر إلى السفينة، تاركًا سفينتَه فارغة … فخرج «أحمد» إلى سطح سفينة «هينو» … فرأى البالون ما زال طائرًا فوق سفينتهم، فأطلق على خزَّان الهيليوم به رصاصة واحدة … ودوَّى في سماء المكان صوتُ انفجار مروِّع، جعل الماء يعلو ويهبط في أمواج عالية متلاحقة … وانقطع بعدها الصوت … صوت هذا الرجل الذي يظنُّ الجميع أنه «هينو»، فقدْ فقدَ القدرةَ على بثِّ صوته إلى السفينة، بعد تدمير البالون … وفقدَ القدرة على المراقبة … وفقدَ أمواله … وهي مصدر تمويل كلِّ ما يجري على الجزيرة وحولها، وعلى طول مسار البحر الأبيض. بهذا، وضع الشياطين نهايةً تامة لتاريخ طويل من الشر، نشأ ونما واستفحل على أرض «مستعمرة الأوغاد»، دون أن يطئوها. | {
"chapter": "الانفجار الرهيب والنهاية!",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "مستعمرة الأوغاد",
"url": "https://www.hindawi.org/books/81318638/6/"
} |
المجتمع مماثل بالتكوين للجسد، يتألَّف من أفراد هم أعضاؤه، وهم وإن كانوا يشتركون في ذات الثقافة فإن بعضهم يتميَّز عن بعضٍ في مدى استقطابه معاني هذه الثقافة، فتحويلها إلى بصائر نيرة. مثَل هؤلاء النوابغ ذوي البصيرة من إخوانهم العوام، من حيث التوجيه والإرشاد، كمثَل الحواس من شقائقها الخلايا الأخرى في الجسد. وكلمتا «نابغ» و«عوام» تدلَّان على التفاوت في وضوح البصيرة؛ فالأولى وهي مشتقة من «نبغ»، فمن «نب» تعني بحسب مخرج حروفها ونظام هذه الحروب في الكلمة معنى الظهور فالتعالي، والثانية تتضمَّن معنى العجز عن التمييز، أي معنى العمه والعمى. وها نحن نُقدِّم هنا ملخَّص رأينا فيما يتعلَّق بالبنيان الرحماني المثالي هذا للمجتمع: وفي صورة الكائن الحي أو في صورة الرمز تتعيَّن وجهة النظام في الإحساسات بمبدأ هو روحها أو معناها. وهاك بعض الأمثلة نزيد بها من وضوح وجهة النظر المتقدمة: صورة عن الطاولة وأخرى عن التفاحة، وثالثة عن رفيقة الحياة المرأة، ورابعة عن مهجة الفؤاد الولد، وخامسة عن القصيدة، وسادسة عن المجتمع. فأمَّا المعنى في الطاولة فهو ملحق بها بحكم الاقتران، وهو وظيفتها من نظر الإنسان، والإنسان يتصرَّف فيها كأداة. وما قيل عن الطاولة ينطبق على جميع الأشياء في الطبيعة. والتفاحة وإن كان مبتدأ تكوينها بذاتها «الحياة»، وإن كانت تُثير — بعد التجرِبة — الشهية في نفس المحتاج إليها، إلَّا أنها تبقى مستقلةً عنَّا، يمكن التعويض عنها بغيرها من الفواكه، كما يستعصي علينا التجاوب الرحماني بيننا وبين صميم معناها. وأمَّا المرأة فتبعث بأعمق ما في حياة الرجل من ميول من مكمنها، كما تبعث الإبرة بالأنشودة المسجَّلة في أسطوانة «الفونوغراف» لدى ملامستها الأخاديد المحفورة فيها، حتى لكأنما الرجل والمرأة شقيقان من «شق»، يستكمل أحدهما بالآخر كِيانه كوحدة عُليا، بل كأن أحدهما الصورة المجسِّدة لروح الآخر. ومتى ما انعقدت الحياة على الرشيم فبدر الجنين من الأحشاء، بدور البرعم من الشجرة، استمد من أمه النسغ والقوام. ولو أنه ينفصم عنها بالولادة فيبقى بالنسبة إليها كعبارة شفافة تشف منها المشاعر: «إن من القلب إلى القلب سبيلًا.» عندما اشتق الذهن العربي كلمتَي «رحم ورحمان» من نفس المصدر، دلَّ على الشبه في العلاقة بين الصورة الممتثلة في الذهن، ومعناها المنبعث من نفس المتفرِّج، وبين علاقة الجنين بأمه. في الحالتَين تبقى العلاقة بين الصورة المستفاضة ومعناها علاقة انبثاق من صميم الكائن الذي هو هنا الأم وهناك النفس. تنبثق معاني المؤسَّسات العامة من صميم داخلنا ووسيلة الكشف عن هذه المعاني هي التجرِبة الرحمانية. وإذا كان النوابغ في الشئون العامة هم ذوي التجارِب الرحمانية المتميِّزة بوضوح البصيرة وبقوة الشكيمة، وبتعبير آخر بالنبوة والرسالة؛ فإن الجمهور من الإصلاح هو الإلهام في التحفة الفنية، محل توافق الآراء وانسجامها. إنه بإجماع الرأي تُقاس صدق العبارة. تلك هي التجرِبة الرحمانية؛ انكشاف معنى البيئة الإنسانية منبعثًا من النفس انبعاث مشاعر الأمومة عند الولادة، انبعاثًا يجعل حقوق البعض تبدو واجبات في نفوس الآخرين. ومن هنا تقدَّم الحق على المصلحة الشخصية. هذه، غرض نُدركه بالحواس فنميل إليه بغريزة البقاء، وذاك واجب مملًى من علٍ على الإرادة، فيحمل معه هالة رفعته هالةً مقدسة. وهل يعني «المثالي» شيئًا آخر غير تجلي الآيات من الملأ الأعلى على الوجه الأكمل. وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ . | {
"chapter": "ملحق",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "الجمهورية المُثلى",
"url": "https://www.hindawi.org/books/37486931/6/"
} |
عاد البحار جريًا ومعه بعض زملائه إلى حيث ترك الرجل في حراسة زميله، فلم يجد لا الرجل ولا زميله، فأين ذهب؟ المفروض أنه كان سيصطحبه إلى غرفة الماكينات … وهذا يعني أنه يجب عليه البحث هناك أولًا … فاصطحب مَن معه مِن الزملاء، وذهَب إلى هناك … وفي حذَرٍ شديد فتَح الباب، فلم يرَ إلا ظلامًا حالكًا … فأضاء كشافًا يدويًّا، ودار به بين الماكينات، فسمع صوت أنين مكتوم، فجرى يبحث عن صاحبه، فاصطدم بقدم مُمدَّدة في الطريق … فاختل توازنه ووقع على الأرض، وعندما حاول أن يقف … ضربته هذه القدم ضربةً أطاحت به ليصطدم بالماكينة المنتصبة خلفه … ويسقط على الأرض جالسًا … ثم يستلقي في سكون. دارت الكشافات من بقية الزملاء تمسح المكان بين الماكينات حتى عثروا على الرجل مُمدَّدًا … فلم ينخدعوا لدهائه، وأمسكوا به وأشبعوه ضربًا، ثم قيَّدوه بسلاسل حديدية وربطوها بأحد أعمدة تثبيت الماكينات. عادوا إلى «أحمد» وحكَوا له ما دار … فرفع يده آمرًا البحَّارة بعدم الصعود بالغارقين وجمعهم في قارب النجاة إلى أن يُصدر أمرًا آخر. وانتظر حتى اجتمعوا كلهم في القارب … ثم صاح مناديًا: «مايكل»، الذي لم يجبه إلا بعد أن كرَّر نداءه كثيرًا … فقال له: أنا هنا يا سيد «أحمد» … وشكرًا للموقف الذي نقفه الآن. ثار «أحمد» لهذا الاتهام بالتقصير، وقال له: لقد فعلتُ كل ما يمكن أن يفعله أحد في موقعي … ولكن أحد رجالك ضرب الرجل الذي أنقذه … وحبسه في غرفة الماكينات … وهذا ينمُّ عن سوء نية. مايكل: هل تقصد أننا جميعًا ننوي الاستيلاء على اليخت؟! أحمد: هذا هو التفكير المعقول … وفي دهاء شديد … أكسبَ صوته الصدق وهو يقول: هل بعد أن أنقذتنا نفعل بك ذلك؟! لم ينخدع «أحمد» لأسلوبه، وقال له: لقد ضاعت منك السفينة والرأس النووي والعملات الأثرية … ومعك رجال سيفتكون بك إذا لم تعطهم حقهم. مايكل: وهل ستتركنا كلنا في قارب النجاة نصارع الموت وحدنا … أم ستجر القارب أم ستطلق علينا النار؟ أحمد: سأترككم في قارب النجاة … واليخت سيجر القارب. مايكل: إلى أين؟ وليس معنا أوراق … فكل أوراقنا ضاعت وغرقت بغرق السفينة. أحمد: سأُبلغ السلطات بكل هذا. مايكل: وهل ستسلمنا للسلطات؟ أحمد: وهل لديك حل آخر؟ مايكل: أنزلنا عند جزيرة الأحلام. ضحك «أحمد» ساخرًا، وقال له: تقصد «مستعمرة الأوغاد»؟ مايكل: لا أعرف مكانًا بهذا الاسم. رأى «أحمد» أنها فرصته لدخول الجزيرة … غير أن «إلهام» اعترضت قائلة: إنهم جميعًا الآن يمتلئون بالغيظ منك … وإذا ذهبنا إلى هناك فلن يتركونا أحياء. فقال لها «أحمد»: سأترك القارب على بعد ميل بحري من الجزيرة … وبعد ذلك نرحل … ونخبئ اليخت في مكانٍ آمن … ونترك به بعض البحَّارة … ثم نعود سباحةً إلى الجزيرة لنبحث عن «هينو». إلهام: وما أدراك أن هذا الرجل ليس هو بعينه «هينو»؟ أحمد: أتقصدين «مايكل»؟ قالت «إلهام» في إصرار: نعم … «مايكل» هو «هينو». في هذه اللحظة، تدخَّل «عثمان» قائلًا: ولماذا لا نقبض عليه الآن … ولنعتبر أنفسنا في صميم العملية؟ أحمد: تقصد أن نُنهيَ العمليةَ من هنا؟ عثمان: نعم … فالهدف من العملية هو القبض على «هينو». أحمد: ولكن أذياله في الجزيرة ما زالوا موجودين. عثمان: إنها عملية أخرى لتنظيف «مستعمرة الأوغاد» … أما هذه العملية فيكفيها أنها للقبض على سماسرة البحر. كان بعض رجال «مايكل» يختبئون تحت اليخت واختبَئوا في أكثر من مكان. وكان «أحمد» قد أُعجب باقتراح «عثمان» بالقبض على «مايكل»؛ لذلك قال له: ما رأيك يا «مايكل» لو أنك تصعد إلى هنا لنتفاوض؟ وفي حذَرٍ قال «مايكل»: نتفاوض في ماذا؟! أحمد: في شراء السلاح النووي الذي عرضت رسوماته. وفي حنَق قال «مايكل»: ألم ترَ أنه غرِق؟! أجاب «أحمد» في دهاء: أنت لم تتركه يغرق … وهذه الحقيبة التي يحملها رجالك بها هذا السلاح، وأنا سأشتري منك، ولكن بشروط جديدة … وهذه الشروط أنا الذي سيُملِيها … فأنا في موقفٍ يسمح لي بذلك. رغم أن «أحمد» كان يلاعب «مايكل» … ويدفعه دفعًا لتسليم نفسه إليه ليقبض عليه إلا أن «مايكل» صدَّقه، ورأى أنها فرصته للنجاة من الغرق، وتحقيق مكاسبه التي خطَّط لها … هذا إن لم يحقق أكثر بالاستيلاء على اليخت وإلقاء مَن عليه في البحر، فقال له: أنا أوافق يا سيد «أحمد» على هذا الاتفاق … أرجو إيجاد وسيلة لصعودي إلى سطح اليخت، ولا تنسَ أن تكون وسيلة مريحة. ابتسم «أحمد» وقال له: أرجو ألا تَحضُر وحدك. اندهش «مايكل» وسأله مستفهمًا: مَن سأحضر معي؟! أحمد: الرأس النووي. صرخ «مايكل» رافضًا وقال في حزم: لا … سيظل الرأس مع رجالي إن وافقتم … وإن لم توافقوا … فلا داعيَ لشَغْل أنفسكم بنا … ومثله صرَخ «أحمد» يُحذِّره قائلًا: وهل تأمن ألَّا يطمع فيه رجالك؟ مايكل: هذا قراري الأخير … إن حضرت فسأَحضُر وحدي بدون الرأس النووي … كل هذا وكان اليخت يبحر جارًّا القارب، فقال «مايكل»: إلى أين تأخذنا؟ أحمد: إلى جزيرتك يا سيد «هينو». انزعج الرجل كثيرًا عندما سمِع هذا الاسم … وقال له: مَن «هينو» هذا؟ ورأى «أحمد» أن يطرق على الحديد وهو ساخن، فقال له: ألست أنت «هينو» الهارب من السجن … والمتزعم حركة الشر على الجزيرة الملعونة؟! تسمَّر الرجل في مكانه لدقائق قبل أن ينطق مُهدِّدًا ومتوعدًا، وأخرج من ملابسه سكينًا … ثم شرَع في قطع الحبل الواصل بين قارب النجاة واليخت … وحاول «أحمد» أن يَثنيَه عن ذلك بقوله: لا يهم مَن تكون … المهم أن بيننا صفقة أريد إتمامها معك. هينو: أية صفقة؟! ليس بيني وبينك صفقات. أحمد: لا تكن عنيدًا … واسمع ما أقوله لك لمصلحتك. كان «هينو» منهمكًا في قطع الحبل رغم تحذيرات «أحمد» له … وما إن انتهى من الإجهاز عليه … رأى خيالات بعض رجاله تجري في حذَرٍ خلف بحَّارة اليخت … دون أن يكتشفهم أحد … فشعر أنه ضيَّع نفسه … وضيَّع فرصته في الاستفادة مما سيفعله رجاله الآن من السيطرة على اليخت … فصاح مناديًا «أحمد» طالبًا منه أن يُلقيَ إليه بالحبل مرَّة أخرى، فهو نادم على قراره … ويرى أن مصلحته فيما سيتم بينهم من اتفاق. وكان «أحمد» قد لاحظ ما يدور على سطح المركب … فأصدر أوامره سرًّا بمتابعته للتعامل معه … وألقى هو بالحبل ﻟ «هينو» … وعندما أمسكَ به ثبَّته على ونش اليخت ثم أداره … وانجذب الحبل بشدة … فتطوَّح «هينو» في الهواء … واصطدم أكثر من مرة بجسم اليخت. وعلا صراخه وهو يقول: ماذا تفعل أيها الشيطان؟ ضحِك «أحمد» وهو يُعلِّق قائلًا: كيف عرفتَني؟ صرخ «مايكل» قائلًا له في لهجةٍ آمرة: أوقِف هذا العبث. أراد «أحمد» أن يُثيرَ أعصاب المتلصصين على المركب، فصاح ثائرًا في «هينو»: أخفض صوتك أيها الحقير … أنا فقط من يُصدِر الأوامر هنا. وكما توقَّع التقطت أذناه أصوات تكَّات أزرار أمان عدَّة مسدسات، فعرَف أن رجال «هينو» يقفون خلفه، فقال لهم: هل تريدونه بينكم؟ فصرخَ أحدهم متوعدًا بقوله: تعامل مع الزعيم باحترام! أحمد: هل ألقي به في الماء؟ في هذه اللحظة جرى أحدهم إلى سور اليخت … فأمسك بالحبل المُعلَّق به «هينو» … وكانت فرصة ﻟ «أحمد» … فقد أمسكه مِن رقبته … واحتمى به … مصدِّرًا إياه لزملائه من رجال العصابة … وصرخ فيهم قائلًا: ألقوا أسلحتكم على الأرض. لم يتخذ أحدهم المبادرة … ولم يستسلم أحدهم للأمر … فأعاد «أحمد» تهديده قائلًا: إن لم تلقوا أسلحتكم قتلته! ما كاد يُتم جملته حتى انطلقت رَصاصةٌ أصابت الرجل من ظهره … فخارت قواه … وارتخت قدماه … وشعَر «أحمد» أنه تحول إلى عبء … فأخرج مُسدَّسه في خفَّة ومهارة وسرعة جنونية … ثم ألقى الرجل في وجوههم، ومن خلفه أطلقَ مجموعةً من الطلقات أصابتهم في مقتل. وفي هذه الأثناء، كان «هينو» معلقًا في الحبل يتابع ما يدور … فترك الحبل ليسقط في الماء … ومن خلفه صدر الأمر بملاحقته وإحضاره حيًّا … وقفزت مجموعة من البحَّارة خلفه … فوجدوه مغشيًّا عليه إثر اصطدام رأسه بمؤخرة قارب النجاة. وبالاتصال برقم «صفر» حلَّقت أربع طائرات هليكوبتر في سماء المنطقة، والتقطت كلُّ واحدةٍ منها مجموعةً من الرجال … وهم غير مصدقين! أما الطائرة الأخيرة فقد أقلَّت «أحمد» و«إلهام» و«عثمان»، وأنزلت بدلًا منهم طاقمًا كاملًا من المنظمة للعودة باليخت وإعداده للعملية القادمة في «مستعمرة الأوغاد». | {
"chapter": "الصفقة!",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "سماسرة البحار",
"url": "https://www.hindawi.org/books/40808596/6/"
} |
كان القبض على سماسرة البحار هو أغربُ انتصار يُحقِّقه الشياطين، منذ بدءوا عملَهم مع المنظمة … فقد كانوا في طريقهم إلى «مستعمرة الأوغاد» للقبض على «هينو» و«مارلو»، فوقع في أيديهم سماسرةُ البحار … ورغم أنهم لم يكن لديهم معلوماتٌ سابقة عنهم … ولم يكن في نيَّتِهم الدخول في صراعات، ورغم أنهم تمكَّنوا من إنهاء هذه المهمة الطارئة بنجاح، تلقَّوا عليه تهنئةَ قيادات المنظمة، عن طريق اتصالٍ أجراه بهم رقم «صفر». ولم يقتصر الاتصال على التهنئة فقط … بل تمَّ عقْدُ اجتماعٍ سريع لإعادة ترتيب الأوراق … فقد كان لديهم شكٌّ في أن مَن تمَّ القبض عليهم ليسوا هم كل السماسرة … بل هناك غيُرهم يطوفون البحر الأبيض، بعيدًا عن المياه الإقليمية لأيِّ دولة … وبعيدًا عن أعين رجال الأمن في هذه الدول … وقد كان لهذا الشكِّ مبررٌ، طرحَه رقم «صفر» على الشياطين قائلًا: أنتم معي في أنها سوقٌ مبتكرة … وأنها مخاطرة كبيرة تحتاج لجرأة متناهية … ولن يتوافرَ هذا إلَّا بوقوفِ قوًى دولية منظمة خلف هؤلاء السماسرة … قوًى توفِّر لهم الدَّعم التسليحي والأمني، الذي يُمكِّنُهم من الحركة بحريَّة في هذا البحر. أحمد: تقصد مافيا؟ رقم «صفر»: نعم … أحمد: ولماذا لا يكونون هم مافيا جديدة؟ رقم «صفر»: لن أختلفَ معك … فهذا أيضًا يعني أنهم ليسوا وحدَهم … وأنَّ هناك غيرَهم في مكان ما على سطح البحر الأبيض، يمارسون نفس النشاط. أحمد: وهل سنمسح البحر بحثًا عنهم؟ رقم «صفر»: لا … إنَّ لنا مهمَّة محدَّدة في جزيرةِ الشرِّ … وعلينا إنهاؤها … أحمد: تقصد «مستعمرة الأوغاد»؟ رقم «صفر»: نعم، فهي في ظني بؤرةُ كلِّ هذه الأنشطة الإجرامية في المنطقة. أحمد: ألَا تظنُّ أنَّ لهذه المافيا عيونًا … وأنهم قد عَلِموا بأمرِ القبضِ على زملائِهم وغرَقِ سفينتِهم. وقد تكون لهم عيونٌ تُراقبنا الآن. وهنا قال رقم «صفر» مصدِّقًا على كلام «أحمد»: بالفعل هناك عيونٌ ترصدكم، من خلال مركبِ صيدٍ، يعمل عليه مجموعةٌ من البحَّارة والصيادين … وهم أيضًا أعضاءُ هذه المافيا. إلهام: وهل تراقبونهم أيضا بنفس الأسلوب؟ رقم «صفر»: لا … فنحن لدينا عميلٌ داهية يعمل ضمن طاقمِ البحارة … وهو أكثرهم دراية بأحوال البحر الأبيض وجُزُره ومساراته … لذلك هو من أفضل رجالهم، ويُدعَى «دايو». أحمد: وهل ينقل لكم «دايو» كلَّ ما يدور على المركب … وكل ما يكلفونه به؟ رقم «صفر»: للأسف هم لا يكلفونه بمهمَّة خارج مهام الصيد … ولا يُطلعونه على أسرارهم، فهم يتخوفون منه … ويتعاملون معه بحذرٍ خفيٍّ. أحمد: إذن؛ فهم يشكُّون فيه؟ رقم «صفر»: لو كانوا يشكُّون فيه لعرَفْنا. إلهام: وكيف عرف «دايو» إذن بخبرِ مراقبتِهم لنا؟ رقم «صفر»: إنَّ له أساليبَه الخاصة في التقفِّي والتتبُّع والاستنتاج. أحمد: لو كان لهذا المركب علاقة ﺑ «مستعمرة الأوغاد» … فهذا يعني أنَّ الأمر خطير … وأنَّ لرجال «هينو» نفوذًا واسعًا. رقم «صفر»: هذا حقيقي … ولهذا كانت أهمية التسلل إلى الجزيرة، وإنهاء أسطورة «هينو» ومَن حوله. أحمد: نحن مستعدون للتحرك الآن. رقم «صفر»: لن يُجديَ التحرك الآن بنفس اليخت ونفس مجموعة العمل. أحمد: هل سنعود إلى المقر لتغيير كلِّ ذلك؟ إلهام: لا؛ بل نعود نحن في الوقت الذي يخرج فيه يختٌ آخر، وعليه مجموعةٌ من زملائنا. رقم «صفر»: لا هذا ولا ذاك، بل ما سيحدث أنَّ سفينةَ كلِّ منظمة سوف تقابلكم في عرض البحر، في نقطة سوف نتفق عليها … وسيكون على ظهرها كلٌّ من «ريما» و«مصباح»، وسينتقل إليه منكم «أحمد» وأنتم و«عثمان» … شريطةَ ألَّا يُلاحظَ أحدٌ ما يحدث. أحمد: فلْيجرِ هذا في جُنح الظلام. رقم «صفر»: هذا احتياطٌ أمني من عدة احتياطات يجب أخذها في الاعتبار … وأنتم تعرفونها جيدًا … وفَّقكم الله! انتهت المكالمة الجماعية التي تلقَّاها كلُّ الشياطين على سطح اليخت سويًّا … وعقد معهم رقم «صفر» من خلالها اجتماعَه المهمَّ … وأبلغهم قرارَه وقرارَ قادة المنظمة. وبدأ الشياطين ومعهم بعضُ العاملين على ظهر اليخت في إعداد قوارب النجاة التي سينتقلون بها إلى سفينة المنظمة … وفي رأس «عثمان» تحرَّك سؤالٌ حيوي … ورأى أنه من المهمِّ أن يجدَ له إجابة، فقال ﻟ «أحمد»: وماذا عن هذا اليخت؟ وكان هذا السؤال قد راود «أحمد» … فقد أجابه فورَ سماعه قائلًا: أعتقد أنه سيرسو على أحد الموانئ الأفريقية. عثمان: تقصد غير المصرية؟ أحمد: نعم … عثمان: ولماذا لا يرسو على ميناء مصري؟ أحمد: لإخفاء مصدر الخطر عليهم … وهذا يُعطينا المرونة في الحركة. صفيرٌ حادٌّ متقطع انطلق في هذه اللحظة من وحدة الاتصالات الخاصة باليخت … فهرول إليها «عثمان»، وغاب لعدَّة دقائق، ثم عاد متجهِّمًا، وقال في جديَّة شديدة: سفينة المنظمة تعرَّضَت للاختطاف … أحمد: مَن الذي اتصل بك؟ عثمان: ضابط الاتصال. إلهام: وكيف تركه المختطِفون يُجري هذا الاتصال؟ عثمان: إنها رسالة شفرية، وقد وعد بإرسال غيرها بمجرد تمكنه من ذلك. إلهام: وما العمل الآن؟ انطلقَت النبضاتُ من ساعة «أحمد» تخزُّ رسغَه … فضغط زرًّا أسفل الشاشة … فعرف أنها رسالة من رقم «صفر» … وبضغط الزر مرة أخرى … انطلقَت الحروف تتوالى لتزدحم بها الشاشة … وقرأ عليهم بصوتٍ مسموعٍ قائلًا: هوجمت سفينة المنظمة التي كانت في طريقها إليكم … وستمرُّ بكم بعد ساعات فلا تعترضوها ولا تتدخَّلوا إلَّا بعد الرجوع إلينا … رقم «صفر». بمجرد انتهاء «أحمد» من قراءة الرسالة علَّقَت «إلهام» قائلة: معنى ذلك أن هناك احتمالًا كبيرًا لتدخُّلِنا. أحمد: يبدو هذا … عثمان: ولكن كيف هوجمت هذه السفينة؟ أحمد: لقد خرجَت هذه السفينة في مهمة محددة … وهي الوصول إلينا … ومعنى هذا، أن مَن على ظهرها غير مسموح لهم بالدخول في صراعات مهما كانت أسبابها. عثمان: حتى ولو للدفاع عن السفينة؟ أحمد: أنا أرى أن قادتَنا لهم رؤية بعيدة في هذا. إلهام: وعلى هذا يكون الهجوم على اليخت له هدفٌ واحد. أحمد: السرقة … ابتلع «عثمان» ريقَه قبل أن يسألَه قائلًا: سرقة ماذا … السفينة؟! أحمد: نعم … وما عليها … إلهام: ومَن عليها ماذا سيكون مصيرهم؟ أحمد: هذا ما يُقلقني. وفي حماس قال «عثمان»: أتظنُّ أن رقم «صفر» لم يحسب حسابَ كلِّ هذا؟ أحمد: بالطبع … حسبَ حسابَ كلِّ شيء. وعن بُعد شقَّ ظلامَ الليل ضوءٌ خافت … لفت نظرَ «إلهام»، والتي صاحَت قائلة: هناك مَن يراقبنا. نظر «أحمد» إلى حيث تُشير، ثم علَّق قائلًا: قد تكون سفينة عابرة. علَّق «عثمان» معترضًا بقوله: وهل يكون ضوء السفينة خافتًا هكذا؟ أحمد: إنها بعيدة. عثمان: ولكنه كشَّاف واحد. أحمد: قد يكون هو الأقوى؛ لذلك وصلَنا ضوءُه هو فقط … إلهام: هل تعتقد أنها سفينتُنا؟ أحمد: لا أعرف … وقد أمرَنا رقم «صفر» بعدم التدخل إلَّا بناءً على أوامر مباشرة منه … عثمان: حتى لو هاجمونا. أحمد: لو كانت هناك خطورة على حياتنا، سندافع عن أنفسنا بالطبع. اقترب الضوءُ منهم بعضَ الشيء، وقد كان يهتزُّ كثيرًا، مما دفع «عثمان» للتعليق قائلًا: إنها ليست سفينة … فلو كان هذا الضوء لكشاف سفينة، لكان أكثرَ استقرارًا من ذلك … أحمد: قد تكون مركب صيد. عثمان: أو أحد مراقبينا. إلهام: معنى ذلك أنه لن يقترب أكثر من ذلك. عثمان: ولكني أراه يقترب، وأسمع عن بُعد ضجيجًا يُشبه ضجيج موتور لنش. أحمد: هذا يرجِّح رأيك يا «عثمان»، أنه أحدُ مراقبينا. إلهام: وما الذي أتى به الآن؟ أحمد: لقد سرَّب إليهم «دايو» نبأَ اقتراب سفينتنا المختطفة … إلهام: هل تُخمِّن ذلك؟ أحمد: نعم. عثمان: لا أظن ذلك … فليس هناك سببٌ معقول لفعل ذلك. أحمد: أشعر أن هناك أسبابًا قوية، لا سببًا واحدًا. إلهام: وبمَ يتعلق هذا السبب؟ نظر «أحمد» إلى السماء بعيدًا حيث تزدحم النجوم … وقال متأملًا: سنرى. وإلى حيث ينظر «أحمد» … نظرت «إلهام» ونظر «عثمان»، وغابَا … لقد شعروا ثلاثتُهم أنهم سافروا في الزمان إلى ما وراء الأكوان … ولكنَّ شيئًا ما لفت نظرَهم من بعيد … هذا الشيء هو الذي علَّق أبصارَهم بالسماء؛ حيث ينظر «أحمد» … لقد كان جسمًا كبيرًا يتحرك صعودًا وهبوطًا مع الريح … إنه … إنه بالون ضخم. هكذا صاحَت «إلهام» قائلة، وهي تُشير بإصبعها إلى حيث ينظر «أحمد» و«عثمان»، الذي علَّق قائلًا: هذا البالون لا يتحرك إلَّا صعودًا وهبوطًا، لكنه لا يسير ذهابًا وعودة. أحمد: ماذا تقصد؟ عثمان: إنه مثبَّت في مكان ما … إلهام: لا تنسَ أننا في وسط البحر الأبيض. عثمان: قد يكون مثبتًا في صاري مركب ضخم. وافق «أحمد» على فكرة «عثمان» مع تعديل جوهري، فقال له: لا يمكن لمركب شراعي أن تأتيَ إلى هنا … وهذا لا يعني أنني أرفض فكرتَك كلَّها، لا … فقد يكون البالون مربوطًا في برج سفينة. إلهام: ولماذا اتفقتم على نفس الفكرة؟ أحمد: لأن البالون يتحرك صعودًا وهبوطًا مع حركة السفينة على الماء … ولا يتحرك ذهابًا وإيابًا؛ لأن السفينة المربوط بها البالون واقفة. إلهام: هل هي سفينة أبحاث؟ عثمان: حتى الآن لا نعرف. نظر أحمد مرة ثانية إلى الماء، فرأى الضوء أيضًا يتحرك صعودًا وهبوطًا، ولا يقترب أو يبتعد، فقال لهما: ألَا يكون البالون مربوطًا في السفينة التي ينبعث منها هذا الضوء؟ نظر «عثمان» إلى الضوء، فرآه يقترب، فصاح قائلًا: أقسم أن هذا الضوء لكشَّاف مثبت بمقدِّمة لنش. إلهام: معك حق؛ فقد اقترب صوتُ مُحرِّكِه. أحمد: إذن فالذي يراقبنا ليس راكبَ هذا اللنش. عثمان: مَن إذن؟ أحمد: إنه صاحب هذا البالون! | {
"chapter": "اختطاف سفينة المنظمة!",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "مستعمرة الأوغاد",
"url": "https://www.hindawi.org/books/81318638/1/"
} |
استجاب رقم «صفر» لرغبة الشياطين في الإجابة عن كل الأسئلة التي تدور بذهنهم، وأخبرهم أن الكلب خرج في مهمة رسمية … وهنا فجَّر «أحمد» سؤاله القنبلة حيث قال له: لماذا شنقتموه يا زعيم؟! انزعج رقم «صفر» وسأله قائلًا: هل وجدتم أحدًا مشنوقًا؟ أحمد: إنها دُمية وجدناها مُعلقة في السقف وبها قنبلة. رقم «صفر»: ليس هذا أسلوبنا إنها حيلة من حيلهم. أحمد: معنى هذا أنهم يعلمون أننا في «ألمانيا»؟ رقم «صفر»: ويظنون أن هذا مقركم … وتركوا لكم هذه الدُّمية لإخباركم بذلك … ولجئوا إلى هذا الأسلوب لإظهار مدى دمويتهم وقدرتهم على القتل والتدمير. أحمد: أي يقصدون إرهابنا؟ رقم «صفر»: نعم. أحمد: إنه أسلوب صبياني! رقم «صفر»: حقًّا … ولكن متى ستأتون إلى المقر؟! كان لدى «أحمد» سؤال آخَر، لذا وبدلًا من الإجابة على سؤال رقم «صفر» … طرح هو سؤاله قائلًا: لماذا لم يستجب جهاز فتح الباب لبطاقتي الأمنية؟ رقم «صفر»: لأنه لا يفتح ببطاقات مغناطيسية. ضحك «أحمد» ساخرًا من نفسه … ثم قال لرقم «صفر»: هل نتحرك الآن؟ رقم «صفر»: نعم … وسأغادر أنا … إلى اللقاء. دقائق مَضَت قبل أن يتحرك الزميلان لمغادرة سطح المقر الهيكلي … وقبل أن يبلغا سلم النزول … رأيا سيارة دفع رباعي «مرسيدس» سوداء تخرج من باب المقر فعرفا أنه رقم «صفر» فتابعت عيونهما سيارته إلى أن اختفت في الظلام فانتبها إلى صوت محرك هليكوبتر يقترب منهما … وشعاع كشَّافَين ينطلق من أسفلها … فيبدِّد ظلمة المكان حولهما … فانبطح كلٌّ منهما في مكان بعيد عن الآخَر لكيلا يكتشفهما مَن بالطائرة … فدارت أضواء الكشَّافَين تمسح سطح المقر بحثًا عنهما … وهما يتقلبان ذات اليمين وذات اليسار لتفاديها … وصاح «عثمان» يقول ﻟ «أحمد»: إنهما يبحثان عنا. فقال له: وهو يحاول الاختباء خلف درج الكشَّاف دون أن يروه: وكيف عرفوا أننا هنا؟! تلوَّى «عثمان» كالدودة حتى وصل إلى برج الاتصال فاختبأ خلفه، وصاح يقول ﻟ «أحمد»: هناك مَن يراقبنا من حديقة المقر. زادت ضوضاء محرك الهليكوبتر … فأخفت صوت الطلقة التي خرجت من ماسورة بندقية تطل من نافذتها … فأصابت الكشاف القابع مظلمًا أعلى البرج … فتهشم زجاجه … وسقط شظايا على رأس «أحمد» الذي رفع يدَيه ليتحاشاه … في نفس اللحظة أرسل «عثمان» أول طلقة من سلاحه الآلي فأصابت أحد كشَّافَي الطائرة غير أنها لم تكُن إصابة بالِغة … فقد ظلَّ الكشاف مضيئًا. وبالطبع كانت هذه طلقة استكشاف أعقبها دفعة من عدة طلقات في نفس الاتجاه مع تعديل بسيط في زاوية الانحراف … تسببت في تهشيم أحد الكشَّافَين ودارت الطائرة دورة مجنونة حول نفسها … ثم خرجت من مسارها لتدور حول سطح المقر الهيكلي … ولم يكُن الشيطانان أقل منهم ذكاءً … فقد دارا حول البرجَين اللذين يحتميان بهما … وتواجهوا للمرة الثانية «أحمد» و«عثمان» والطائرة … مع اختلاف بسيط … فهذه المرة كان «أحمد» قد التقط بندقيته وصوبها إلى زجاج الطائرة الأمامي. وكأنهم رأوه … فقد دارت الطائرة مرة أخرى حول نفسها … وقبل أن تستقر مُحلِّقة في مكانها … كانت ترسل دفعة رشاش … أصابت عنق الكشاف … فسقط مُحلقًا في الهواء … وقبل أن يصطدم برأس «أحمد» كان «أحمد» قد خرج من مكمنه خلف البرج. كان هذا ما يريده الجبناء … فقد انهالت عليه من أركان الطائرة الأربع طلقات يعلو صوتها على صوت هدير محرك الطائرة. وسقط «أحمد» يتخبط من هول الصدمة، وكان سقوطه سبب نجاته فقد مرت الرصاصات تدوي من فوقه وتصطدم ببرج الكشاف فتطن في أصوات متتابعة تتابع الطلقات وحسمت المعركة … دفعة الطلقات الثانية التي أطلقها «عثمان» على كشاف الطائرة الآخَر … فأظلمه للأبد … وسقط زجاجه شظايا في الهواء. جُن جنون مَن بالطائرة … لم يرتضوا بهذه النتيجة … وعلى ضوء كشَّاف يدوي قفز منها أربعة رجال بالمظلات … في حماية وابل من الرصاص يفرش سطح المقر كله … كانت «ريما» و«إلهام» تتابعان ما يجري من مكمن فوق سطح المقر الرئيسي … وكان حماس «ريما» للاشتراك في التصدي لهؤلاء الهابطين من السماء في المظلات سببًا في إثارة أعصاب «إلهام» التي قالت لها: احذري يا «ريما» فقد يكتشفون وجودنا. ريما: وهل نترك «أحمد» و«عثمان» لمواجهة أربعة رجال يحميهم مثلهم في الطائرة؟! إلهام: تعرفين أن بإمكانهما مواجهتهم، وقد نتدخل ولكن ليس الآن. وفي انفعال قالت «ريما»: متى إذَن يا «إلهام»؟! إلهام: عندما يكون هناك خطر على حياة زميلَينا. ريما: ولكنهما في خطر! وهنا قالت «إلهام» في نفاد صبر: المقر هو المُعرَّض الآن للخطر بسبب ما تفعلينه. لم تُعلِّق «ريما» على ما قالته «إلهام» التي توقفت فجأة عن الكلام … وكان السبب هو انتقال الطائرة الهليكوبتر من موقعها فوق المقر الهيكلي إلى أجواء المقر الرئيسي … وأخذت تدور حول نفسها لدقائق قبل أن تهبط على أكثر المساحات اتساعًا على سطحه … وقبل أن يهبط من بها كانت «ريما» ومعها «إلهام» قد هبطتا إلى قبو المقر فحصلتا على أسلحة آلية … وعادتا واتخذتا موقعًا بأعلى السلم الداخلي … يكشف سطح المقر … ومنه اكتشفتا أن مَن بالطائرة هبطوا بها في هذا الموقع ليشتركوا في الصراع الدائر بين رجالهم وكلٍّ من «أحمد» و«عثمان»، وأنهم جميعًا يقفون خلف السور الأمامي المواجه لسطح مبنى المقر الهيكلي. تبادلت الشيطانتان نظرات تفاهُم واتفاق وأخيرًا، إشارة بدء التنفيذ … لقد اتفقتا على اختطاف الطائرة القابعة في الظلام … خالية من ركابها … دائرة المحرك … تنتظر مَن يُحلق بها … لقد اتفقتا على أن تُحلقا بها وتحسما المعركة من السماء وما إن أشارت «إلهام» برأسها … حتى انطلقت «ريما» تقفز كالفهد درجات السلم المتبقية لبلوغ السطح شاهرة بندقيتها … ومن خلفها «إلهام» تقبض هي الأخرى على مدفع رشاش لتحمي ظهرها. لم يشعر أحد بهما … فصوت هدير مروحة الهليكوبتر كان عاليًا. لم يشعر أحد بهما إلا عندما زادت سرعة المروحة وزادت ضوضاء هدير المحرك فاستدارت فوهة بندقية في يد أحد الرجال إليهما … فأسقطتها «ريما» بطلقة أصابت ذراع الرجل … في الوقت الذي كانت «إلهام» تحرِّك عصا توجيه الطائرة إلى تجاه الصعود … لقد صعدت الطائرة … وانطلقت الرصاصات من حولها مجنونة. لقد جُن جنون الرجال على سطح المقر … وعلى سطح المقر الهيكلي. وقد ضحك «عثمان» طربًا لما آلَ إليه رجال العصابة … الذين آثروا أن ينهوا المعركة لصالحهم بهذا العدد الكبير من الرجال … وهذه الأسلحة الحديثة التي يستخدمونها … فسخر منهم ذكاء الشياطين. وحوَّلَهم إلى فئران مذعورة تجري هنا وهناك. لقد انطلقت رصاصات «ريما» و«إلهام» تفرش سطح المقر … وتعربد بين أقدام الرجال فتعلو صرخاتهم … ومن وسط هذا الضجيج صاحت «إلهام» تقول ﻟ «ريما»: حاولي أن تمنعيهم من الاقتراب من سلم النزول حتى لا يدخلوا المقر. فقالت «ريما» بصوت عالٍ ليمكنها سماعها وسط هدير المحرك: أنا أريدهم أن يدخلوا المقر. إلهام: لماذا؟! ريما: إن لنا رجالًا في المقر الآن. إلهام: تقصدين أن يقبضوا عليهم؟! ريما: نعم. إلهام: أنا لا أراها فكرة صائبة. ريما: لماذا؟! إلهام: لأنهم سيعرفون شيئًا عن المقر … وقد يجرهم هذا الشيء لأشياء كثيرة وخطيرة. ريما: إذَن نقضي عليهم! إلهام: لا قتل إلا في الضرورة. وفجأة صرخت «ريما» … فقد أمسكت بساقها يدٌ بشرية … فرفعت ساقها وجذبتها محاولة التخلُّص من هذه القبضة فلم تتمكن … بل وجدت نفسها في الطريق للسقوط من الطائرة … فالقبضة قد جذبت ساقها إلى خارجها، إنها قبضة قوية لرجل قوي وصرخت تستنجد ﺑ «إلهام» قائلة: سأسقط يا «إلهام». جزعت «إلهام» … واتخذت قرارها سريعًا بالهبوط بالطائرة … وصرخت «ريما» تمنعها قائلة لها: لا يا «إلهام» إن هبوطنا سيقضي علينا. ودوت رصاصة بجوار الطائرة جعلت الرجل يصرخ قائلًا: لا تطلقي النار ستُصيبينني. غير أن الطلقات لم تنقطع … وارتطمت إحداها بريشة المروحة، فقفزت عائدة لتُصيب الرجل في قدمه … فعاد يصرخ فيها قائلًا: لا تطلقي النار … سأموت! رأت «إلهام» أنها فرصتها للتخلص من هذا الرجل … فدارت بالطائرة وجعلته في مواجهتهما. فصاحت «ريما» تقول: لا يا «إلهام» فقد يصيبونني. فقالت «إلهام» في ثقة: لا تخشي شيئًا … سأنهي هذا الموقف. وفي حركة مفاجئة. انطلقت بالطائرة فوق البرج الذي كان يحمل الكشاف … وجعلت الرجل يحتك به بقوة … فلم يتمالك نفسه … وتخاذلت قبضتاه … فسقط يصرخ … حتى ارتطم بالأرض! كان الفزع قد تمَلَّك من كلِّ رجال العصابة … على سطح المقر الهيكلي وعلى سطح المقر الرئيسي … وبالطبع كانت فرصة جيدة ﻟ «أحمد» و«عثمان» ليحسما المعركة مع رجال المظلات الذين هبطوا عليهما من الطائرة … وكانت الخطوة التالية بالطبع هي معاونة «إلهام» و«ريما» في القبض على بقية رجال العصابة … فهبطا الدرج سريعًا إلى حديقة المقر الهيكلي ومنه انتقلا بمهارة إلى المقر الرئيسي … وقبل أن يتجاوزا حديقته … شاهدا جثثًا تطير في الهواء … وتستقر على أرض المقر. بالطبع كان هذا وضعًا خطيرًا … فالأجهزة الأمنية الآن في طريقها إليهم بعد كل ما أحدثوا من ضوضاء … فقام «أحمد» باختراق كل المحاذير الأمنية … والاتصال برقم «صفر» فحكى له سريعًا ما جرى … وطلب منه التصرف. ولم تمضِ غير بضع دقائق عندما أحاطت بمبنى المقر الهيكلي … سيارات الإسعاف والشرطة والمطافئ … وكان الشياطين قد نقلوا كلَّ الجثث لحديقة هذا المقر … أما الطائرة فقد طارت بها «إلهام» بعيدًا … إلى منطقة غابات على أطراف «هايدلبرج» وعادت إلى المقر هي و«ريما» في سيارة أجرة. كانت المعركة شرسة، وكانت النتيجة المطلوبة هي القبض على «زائيفي» … غير أنهم لم يجدوا «زائيفي» وسط مَن قتلوهم، وللأسف لم يقبضوا على أحد حي … ليستخدموه في الإرشاد عن رجالهم في «هايدلبرج» … أو الإدلاء بمعلومات قد تفيدهم في استكمال العملية حتى يقبضوا على «زائيفي». و«زائيفي» لم يكُن بين هؤلاء المرتزقة لأنه رجل لا يحارب بيدَيه … إنه يخطِّط ويدير من مكمنه وكما قالت «ريما» لهم: إنه لواء سابق … ورجل علوم عسكرية … ومثله قليل … أما هؤلاء المساكين فهم يُقتلون ويموتون مقابل المال! ومن على أحد المقاعد الوثيرة قال لها «عثمان» يداعبها: أرى أنكِ تُعجبين به! ريما: بمَن؟! عثمان: باللواء متقاعد «زائيفي». وهنا صاح «أحمد» قائلًا: هناك مَن هرب من رجالهم إلى داخل المقر. | {
"chapter": "اختطاف الهليكوبتر!",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "المعركة الأخيرة (حرب الأقمار ٢)",
"url": "https://www.hindawi.org/books/39529571/4/"
} |
دائرة النار الأولى ما زالت مشتعلة … ولا تستطيع السفينةُ اختراقَها، فماذا سيكون الحلُّ إذا اشتعلَت دائرةٌ أخرى حول هذه الدائرة، وتم تغذيتُها بالوقود … وهذا بالفعل ما حدث؛ فما كادت «إلهام» تنتهي من جملتها قائلة: إنها ستكون الكارثة … حتى اضطرمَت النيران في دائرة واسعة … ولكنها هذه المرة كانت أكثر اشتعالًا … وألسنة اللهب فيها كانت أعلى. وصاحَت «ريما» في جَزَع قائلة: هل ضاع «أحمد» و«عثمان»؟ وردَّ عليها «كاتو» قائلًا: لا أظن هذا … ولو كنت أستطيع التصرف ما تأخرت، لكني لا أعرف ما الحل. إلهام: أليس لديهما وسيلة اتصال؟ مصباح: معهما ساعتاهما. ريما: إنهما على اتصال بالقمر الصناعي الخاص بالمنظَّمة. إلهام: إذن سأُرسل لهما رسالة. وبالفعل قامت «إلهام» بكتابة رسالة من كلمتين، أرسلَتها ﻟ «أحمد»، تقول له فيها: أين أنت؟ وكان لديها أملٌ في أن تتلقَّى ردًّا سريعًا … غير أن هذا لم يحدث … ومرَّ الوقت وازدادَت النيران اشتعالًا … غير أنَّ حادثًا لم يكن يدور إلَّا في الخيال. جرى أمام أعينهم … فقد رأوا النيران تنطفئ من أولها … نعم إن الدائرة تنقص … فكيف يحدث هذا … صاحَت «ريما» قائلة: هل احترق كلُّ الوقود؟ ردَّ «مصباح» منفعلًا بقوله: لو أن هذا حقيقي، لانطفأَت النيران من أكثر من مكان في وقت واحد … لكنها تنطفئ بانتظام. وفجأةً صاحَت «إلهام» قائلة: إنه خزانُ ثاني أكسيد الكربون … لقد عاد «أحمد» و«عثمان»، ومن وسط دهشته قال «مصباح»: كيف تمكنَا من السيطرة على الخزان وتسييره حسبما شاءَا؟! تصايح كلُّ مَن على ظهر السفينة إعجابًا بالعرض الذي يقدِّمه «أحمد» و«عثمان» … فقد تمكنَا من السيطرة على الخزان والقارب، والدوران بهما في دائرة النار الكبرى حتى انتهيَا منها تمامًا، ثم انتقلَا إلى دائرة النار الصغيرة، وما كادَا ينتهيَا من نصفها حتى فرغ الخزان، ولم يَعُد به إلَّا بعضُ الهواء … استفاد «أحمد» من خروجه، ليحصلَ على قوةِ دفعٍ وصلَت به إلى السفينة. كان صعودُ سُلَّمِ السفينة الحديدي شاقًّا، بعد هذا الجهد الخارق الذي بذلوه، غير أنهما رفضَا معاونةَ أحدٍ لهما على الصعود … وما إن استقرَّا على سطحها، حتى وجدَا «إلهام» و«ريما» تحملان لهما زجاجاتِ عصير الفاكهة. وما إن انتهيَا منها، حتى رأى «كاتو» يرفع إصبعَيه علامةَ الانتصار ويقول لهما: لا أعرف ماذا أقول … شجاعة أم عبقرية … أم مهارة … أم حسن تدريب. نظر له «أحمد» مبتسمًا، وقبل أن ينطقَ سبقَه «عثمان» قائلًا: كل هذا بالطبع. علَّق «كاتو» قائلًا في ابتسامة واسعة: أنا أوافق أنكم تتمتعون بكل هذا. وهنا تدخَّل «أحمد» قائلًا: يتبقَّى شيء واحد. كاتو: ما هو؟ أحمد: أن نتحرك سريعًا للخروج من هنا والوصول إلى «مستعمرة الأوغاد». كاتو: هل سيمكنكم التحرك هناك؟ أحمد: لمَ لا … فهم لم يرفضونا هناك؛ لأنهم يظنون أننا نعمل ضد القانون مثلهم … وما يدور الآن هو محاولة لإثبات السطوة. ما كاد «أحمد» يُتمُّ جملتَه حتى صاح «كاتو» قائلًا: فلنتحرك الآن. وحدَّد لهم درجةَ الميل وزاويةَ الانحراف اللازمة … وانطلقَت السفينة، وانطلق الشياطين معها، يحدِّدون تفاصيلَ المهمة التي اقتربَت منهم كثيرًا. لقد كان «مصباح» يرى أن نهاية هذه المستعمرة، تبدأ من هنا، من البحر … فكلُّ مواردها تحصل عليها من التجارة المشروعة على سطح البحر … وقطع الموارد عنها يهدِّد بقاءَها. أحمد: هل لديك خطة محددة؟ مصباح: نعم القضاء على سفينة المراقبة، وبالونها الشهير هذا. أحمد: هذا غيرُ كافٍ؛ فالبحر يعجُّ بالكثير غيرها. مصباح: أنا أشعر أنها سفينة القيادة. أحمد: لا يكفي أن تشعر … مصباح: وماذا سيضرُّنا لو تمكنَّا من التخلص منها … حتى لو كان نوع من الثأر، لما فعلوه معكما أنت و«عثمان». أحمد: أنا فقط لا أريد الدخول في صراعات جانبية، وأنا في طريقي إلى المستعمرة. مصباح: إن طريقك إلى المستعمرة يبدأ من هنا … من السفينة. أحمد: هذا إذا قبضت عليهم. مصباح: أو دمرتها لهم … في الحالتين، سيخرج لك كلُّ الكامنين في الظلام. أحمد: هل لديك خطة للتدمير؟ مصباح: سنُعدُّها سويًّا. في هذه اللحظة، تدخَّل «عثمان» قائلًا: بالطبع لن يجوز الضرب المباشر لها بصاروخ من هنا، مثلًا. أحمد: لماذا؟ عثمان: لأننا لا نعرف لها مكانًا. أحمد: ألَا ترى هذا البالون المثبت في برجها؟ عثمان: تقصد أنها تحت هذا البالون مباشرة؟ أحمد: نعم … عثمان: وكيف سنُوجِّه الصاروخ؟ أحمد: إلى نفس اتجاه البالون على أن يكون الارتفاع فوق سطح الماء مباشرة … قال هذا، ثم التفت ﻟ «كاتو» صائحًا بقوله: ما رأيك يا «كاتو»؟ غادر «كاتو» مقعده وحضر إليهم وهو يقول: رأيي في ماذا؟ أحمد: سنضرب السفينة بصاروخ، يكون اتجاهه هذا البالون، وارتفاعه فوق سطح البحر. كاتو: هل نستعد للضرب؟ أحمد: هل أنت موافق؟ كاتو: نعم … التفت «أحمد» إلى «مصباح»، وسأله قائلًا: ما رأيك يا «مصباح»؟ مصباح: فلنجرِّب … أحمد: إذن، أعطِ أوامرك بالضرب. حدَّد «أحمد» إحداثياتِ اتجاه الصاروخ، وسلَّمها ﻟ «كاتو»، الذي سلَّمها لرجاله، وأعطى لهم الأمر بالضرب … وخلال دقائق، انطلقَت فرقعةُ انطلاق الصاروخ … غير أنهم لم يسمعوا بعدها غير صوت اصطدامه بسطح الماء، وابتلاع الماء له، فنظروا جميعًا لبعض في دهشة … غير أن «مصباح» كان أكثرَهم واقعية، فلم يتوقف عند ما حدث كثيرًا، وقال لهم: فلنجرِّب غيره مع دراسة أسباب الخطأ. أومأ «أحمد» برأسه وقال له: معك حق فلنجرِّب غيره. وقام بإدخالِ بعضِ التعديلات على إحداثيات الحركة … ثم سلَّمها ﻟ «كاتو» الذي سلَّمها لرجاله قائلًا: محاولة أخرى … نفِّذ. وجلسوا جميعًا مترقِّبين … ينتظرون ما ستُسفر عنه نتائجُ الإطلاق الثاني، وكان «أحمد» أكثرَهم توترًا … فهو المسئول الأول عن نجاح وفشل هذه المحاولة، أولًا لأنه مقترحها، وثانيًا لأنه هو الذي حدَّد المسار. ومرة أخرى، علَت فرقعةُ انطلاق الصاروخ … غير أن هذه المرَّة دوَّى صوتُ تحطُّمِه … فهل أصاب الهدف؟ لا أحدَ يعرف … غير أن ظاهرة مثيرة أعقبَت دويَّ تحطُّمِ الصاروخ … فقد انطلق البالون صاعدًا إلى أعلى … ليس هذا فقط … بل تحرَّك تاركًا مكانَه، وأخذ يقترب منهم … وصاحَت «ريما» قائلة: ألَا يمكننا اصطيادُه؟ ردَّ «عثمان» وكأنما دارَت نفسُ الفكرة برأسه، فقال: نعم يمكننا اصطياده، إذا وافق الجميع على ذلك. أحمد: نحن لا نعرف حتى الآن ماذا يحمل هذا البالون … ولماذا تحرَّك مقتربًا منَّا … هل عند أحدكم إجابة؟ لم يُجِب أحدٌ منهم، غير أن «مصباح» كان له رأيٌ آخر، فقال له: لماذا لا نربطه في برج السفينة، كما كان من قبل مع السفينة الأخرى … ونجرُّه معنا إلى حيث نذهب … وقد يظنون أننا عملاؤهم. عثمان: فكرة سيئة لأنهم يعرفون سُفُنَهم. مصباح: إذن لم تتبقَّ غيرُ فكرتك في اصطياده. أحمد: إنه لم يقترب منَّا بعد. إلهام: ولن يقترب، علينا نحن الذهاب إليه. رفع «كاتو» يدَه قائلًا: أنا مع الآنسة … فلنذهب إليه. نظر «أحمد» إليهم جميعًا … فرآهم يرفعون يدَهم بالموافقة … فأشار ﻟ «كاتو» كي يتحرك، فأصدر «كاتو» أوامرَه بالتحرك … وما إن تحرَّكَت السفينة، حتى تحرك البالون. فصاحوا جميعًا في دهشة، مستنكرين ما يفعله هذا البالون … وقد عبَّرَت عن هذا الاستنكار «إلهام» بقولها: إنه يستدرجنا. انتبه «أحمد» لما تقوله، وقال لها: تقصدين أن هناك مَن يحرِّكه؟ إلهام: نعم … صاح «عثمان» غيرَ مصدِّق، وقال: كيف هذا، وقد حرَّرناه من أَسر السفينة التي أغرقناها. مصباح: أنا أرى أن السفينة هي التي كانت في أَسره لا هو الذي كان في أسرها. أحمد: ولماذا تحرَّك بعدما أغرقنا السفينة؟ مصباح: لأن مهمَّتَه انتهَت مع غرقها … والدليل على ذلك أنه انطلق يبحث عن مهمَّة أخرى. أحمد: إنه لا يبحث … إنه موجَّه. مصباح: مَن إذن الذي يوجِّهه. أحمد: هذا سؤال إجابتُه سهلة … فجماعة «هينو» هي التي تُوجِّهه، أما السؤال الحقيقي الصعب، فهو كيف توجِّهه؟ تحرَّكت السفينة مرَّة أخرى، فتحرَّك البالون يسبقها، فأومأ «أحمد» ﻟ «كاتو» … فأمر الأخير رجاله بالتوقف … فتوقَّفَت السفينة، وبالتالي توقَّف البالون، وسط دهشة الجميع … وهنا اعتصر «أحمد» رأسَه، ثم قال لهم: أنا أشك أن الصاروخ قد أصاب السفينة. عثمان: تقصد أنهم هم الذين يوجِّهون البالون؟ أحمد: نعم … عثمان: وكيف سنكتشف ذلك؟ أحمد: لقد أبعدَت النارُ القروش تمامًا … ويمكنني الآن التحرك في أمان إلى حيث تقف السفينة. عثمان: أنا لا أوافقك على هذا الرأي. أحمد: ليس لدينا حلٌّ غيره. عثمان: ما رأيك لو أسقطنا البالون؟ أحمد: ماذا تقصد؟ عثمان: إن سقوطه سيُثيرهم، ويجعلهم يأتون مسرعين … ولكن هذه المرة تكون عيونهم قد عميَت بسقوط البالون. | {
"chapter": "الخدعة الكبرى!",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "مستعمرة الأوغاد",
"url": "https://www.hindawi.org/books/81318638/5/"
} |
ما دار بعد ذلك على سطح البحر، كان أخطرَ ما لاقاه الشياطين … لقد انزلقَت الأخشاب المشتعلة إلى مياه المتوسط … وطفَت على سطحه، وسبحَت في كلِّ مكان … إنها تُهدِّد سفينة المنظَّمة … لو أنها طالَت الوقود … أو طار بعضُها بفعل الريح، فحطَّ على العتاد أو على قوارب النجاة. وسَمِع أحدُ البحَّارة صوتَ محركٍ للنش يأتي من الظلام، وكأنه يدور دورةً واسعة حول سفينتهم … لم يفهم «أحمد» ما يقصده البحَّار … فقال له: ولماذا سيفعل اللنش ذلك؟ البحَّار: هناك نار مشتعلة … وإذا سكب أحد رجالهم وقودًا على سطح الماء سيتحول البحر إلى جحيم. نظر له «أحمد» مليًّا … ثم أمر باصطياد هذا الرجل قبل أن يتمَّ رسم دائرته بالوقود. ومن ركنٍ مظلم على سطح السفينة … انطلق صاروخ صغير … غير أنه خارقٌ للمعتاد؛ فقد كان الزمن الفاصل بين فرقةِ انطلاقه ودويِّ اصطدامه باللنش … لا يتعدَّى ثانيتَين. وانطلقَت في الأفق نيرانٌ أقوى ألف مرة من نيران البركان التي انطلقَت من سفينة الأخشاب … وامتدَّت النيران في دائرة تحيط بالسفينة، إنها دائرة الجحيم. تصايح كلُّ مَن على ظهر السفينة … وقال «عثمان» معلِّقًا: يا لَهم من شياطين … يعرفون جيدًا كيف يستفيدون من الظروف … ماذا سنفعل الآن؟ أحمد: يجب أن نخترق الدائرة! لم يقتنع قائد السفينة بما قال «أحمد» … وصاح قائلًا: كيف أفعل هذا وأُعرِّض السفينة للانفجار … فلديَّ خزانات وقود بالقاع. أحمد: أنا لا أقصد أن نسيرَ على النار … ريما: لا يوجد مكانٌ خالٍ من النيران. أحمد: لقد أصبنا اللنش قبل أن يُكملَ دائرته. إلهام: إذن يجب أن نبحثَ عن هذه الثغرة وإلَّا مُتْنا محترقين. انطلق الجميع يُطلُّون من كل مكان بسور السفينة، بحثًا عن المسافة التي لم يتمكن قائد اللنش من إغراقها بالوقود … إلى أن صاح «عثمان» قائلًا: ها هي … أنا أراها. وهرول الجميع إليه يستطلعون معه ما رآه … غير أن «إلهام» علَّقت قائلة في خيبة أمل: إن الأخشاب المشتعلة تسبح بها. صاح «أحمد» قائلًا: إنها ليست أخشابًا. فعلَّق «عثمان» موافقًا على كلام «أحمد» بقوله: معك حق … فكيف تظل الأخشاب مشتعلة كلَّ هذا الوقت، دون أن تُطفئَها المياه؟ أحمد: هناك أمرٌ آخر. عثمان: وما هو؟ أحمد: أنها تنصهر إذا ما لامسَت الوقود … وتتفاعل معه وتزيده اشتعالًا. عثمان: تقصد أنه وقود جاف. أحمد: نعم، خاص بنوع متقدم من الصواريخ. إلهام: إذن هؤلاء السماسرة عملاء لتُجَّار دوليِّين. أحمد: قد يكونون عملاءَ لوزراء، وقادة دول. إلهام: إذن فالحرب معهم لن تكونَ هيِّنة. أحمد: هل ترَين ما نحن فيه الآن هيِّنًا؟ ريما: وكيف سنخرج الآن من هذه الدائرة الجهنميَّة؟ أحمد: سأجرِّب شيئًا ما. ولم تمرَّ الدقائق إلَّا وقد ظهر «أحمد» ومعه «مصباح»، يرتديان بذلتَي غوص … ويُمسك كلٌّ منهما بعصًا حديدية … وما إن رآها قائد السفينة حتى صاح قائلًا: ماذا تفعلون عندكم؟ أحمد: سنصنع الثغرة بأيدينا. قال القائد في تساؤل: هل هذه العصيُّ ستُبعد ألسنةَ اللهب؟ أحمد: لا … بل سنُبعد بها هذه السيقان المشتعلة. القائد: لن يكفيَ هذا المكانُ لمرورنا. أحمد: وما الحل إذن؟ قائد السفينة: لدينا خزانٌ لمادة رغوية مانعة لمرور الأكسجين. ابتهج «أحمد» وقال له: إنها هدية غالية منك … ولكن كيف ستُطلقه … هل لديك خراطيم خاصة … قائد السفينة: … لا … هذه هي المشكلة … فنحن نُعبِّئ منها أنابيب الحريق الصغيرة. عثمان: عندي فكرة عبقرية لكم … رفع «أحمد» يدَيه في الهواء وقال: قُلْها يا «عثمان» … عثمان: نُلقي بهذا الخزان في الماء ثم نُدمِّره بطلقة من مدفع. نظر له «أحمد» مفكرًا، وقال: هذا إذا كان خزانًا كبيرًا. وأتاهم في هذه اللحظة صوتُ قائد السفينة يقول: إنه كبير بما يكفي. وفي حماس قال «أحمد»: إذن فليُحضره بحَّارتُك يا قائد … ما اسمك؟ القائد: اسمي «كاتو». أحمد: ألست عربيًّا يا «كاتو»؟ القائد: لا … أحمد: إذن فليُحضر رجالُك خزانَ ثاني أكسيد الكربون. صاح «كاتو» موافقًا على كلام «أحمد» بقوله: إنه كذلك يا سيد «أحمد». أحمد: وأنا في انتظاره! صاح «كاتو» في رجاله كي يُحضِروا الخزان … في نفس الوقت شاهدَت «ريما» بالونًا يرتفع في السماء ويتوقَّف مكانَه … فصاحَت تُنادي «أحمد»، وقد كان منشغلًا مع رجال «كاتو» في إحضار الخزان، فقال لها: ألَا يمكنكِ أن تأتيَ أنتِ يا «ريما»؟ ريما: لقد كنت أريد أن أُريَك شيئًا مهمًّا. أحمد: ما هو؟ ريما: أني أرى بالونًا يرتفع في السماء … وقف «أحمد» عن الحركة، ونظر إلى حيث تقف «ريما»، ثم لَحِق بها … وقال لها: أين هو؟ أشارَت «ريما» بيدها … فوضع «أحمد» على عينَيه النظارة المكبرة، ثم قال يُحادث نفسه: إنه نفس البالون. لَحِق به «كاتو» وهو يسأله قائلًا: ماذا لديك يا «أحمد»؟ أحمد: هناك مَن يُراقبنا من خلال هذا البالون. كاتو: وماذا يضيرنا نحن من ذلك؟ أحمد: أنا لا أعرف كلَّ إمكانيات هذا البالون. كاتو: ماذا تقصد؟ أحمد: ألَا تكون به منصَّة إطلاق صواريخ مثلًا … كاتو: الصواريخ لا تُطلَق إلَّا من مكان ثابت، وإلَّا أخطأت الهدف. نظر له «أحمد» مليًّا، وقال له: معك حق … ولكن مرتاب منها! كاتو: دَعْك منها الآن … حتى ننتهيَ من إطفاء هذه النيران التي تقترب منَّا. عاد «أحمد» وطلب من رجال «كاتو» وضْعَ الخزان على ظهرِ أحدِ قوارب النجاة … ثم جلس بجواره ومعه «عثمان»، فسأله «كاتو» قائلًا: لماذا لم تَدَعْهم ينزلونه وحده؟ أحمد: حتى لا يفهمَ مَن يراقبوننا … ما نفعله فيحبطوه لنا. قام ونشُ السفينة بإنزالِ قاربِ النجاة بما ومَن عليه، وما إن استقر على سطح الماء، حتى انطلق شعاعُ ليزر حاد من البالون … فأصاب خزانَ ثاني أكسيد الكربون … فانطلق محتواه مندفعًا في قوة … دفعَت القارب للانطلاق في الاتجاه المعاكس، وسط ذهولِ «أحمد» و«عثمان» وكلِّ مَن على ظهر السفينة. لقد اندفع قارب النجاة كالصاروخ متجاوزًا دائرةَ النيران، مبتعدًا عن السفينة … موغلًا في الظلام … فلم يَعُد مَن عليه يرَون شيئًا … ولم يَعُد مَن على ظهر السفينة يرونهم. لقد أصبح مصيرُهم جميعًا مجهولًا … فقد ضاع «أحمد» و«عثمان»، وضاع أملُ مَن على ظهر السفينة في إيجاد مخرج لهم … والأدهى من ذلك … أنهم سَمِعوا صوتَ موتور لنش يدور عن بُعد. فلمَن يكون هذا اللنش … وما الذي أنزله إلى الماء في هذا الوقت … وفي هذا المكان؟ وصاحَت «ريما» قائلة: من المؤكد أنه يتبعُ أعوانَ «هينو». إلهام: وماذا سيريد أعوانُ «هينو» من مكانٍ تشتعل فيه النيران؟ وهنا تدخَّل «مصباح» قائلًا: إنهم لم ينتهوا مِنَّا بعدُ … فهم يريدون السفينة وما عليها … أما مَن عليها … فمن المؤكد أنهم سيتخلصون منهم … أليس كذلك يا «إلهام»؟ أشاحَت «إلهام» بوجهها بعيدًا إلى حيث غاب «أحمد» و«عثمان»، وقالت: أشعر أن النجاة ستأتينا من هنا. مصباح: نحن دائمًا ننتظر من المجهول أشياءَ خارقةً للعادة. إلهام: هل تظنُّ أن «أحمد» قد ضاع ومعه «عثمان»؟ مصباح: أنا لا أظن هذا … أنا أخشاه فقط … ولكن إذا عاد «أحمد» و«عثمان» … فلن يستطيعَا تغييرَ الأمور؛ لأنهما لن يتمكَّنا من تقديم العون … بل سيحتاجان إلى العون … ارتفع صوتُ محرك اللنش، وهو يدور في دائرة مماسُّها بعيدًا عن دائرة النار المشتعلة … فماذا ينوي مَن باللنش … هل ينوون إطفاءَ النار … بالطبع لا … هل ينوون إشعالَ نارٍ أخرى في دائرة أخرى تُحيط بالدائرة الأولى؟ صاحَت «إلهام» قائلة: إنها ستكون كارثة! | {
"chapter": "دائرة الجحيم!",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "مستعمرة الأوغاد",
"url": "https://www.hindawi.org/books/81318638/4/"
} |
في كافيتريا فندق «الأمباسادور» … جلس الأصدقاء «أحمد» و«إلهام» و«عثمان» و«ريما» يتناولون عشاءهم … بعيدًا عن برودة الجو خارج الفندق … وبعيدًا أيضًا عن عيون «سوبتك» … وما زالت عملية «حرب الأقمار» تشغل بالهم وتستحوذ على جل تفكيرهم، وضحك «عثمان» وهو يقول لهم: لقد قمنا بعملية كاملة … لكي نصل إلى أرض العملية الأصلية. وعلَّقَت «ريما» ضاحكة بقولها: نحمد الله أن هذا لم يحدث مع رحلتنا من «جينيف» إلى «زيورخ». كان «أحمد» شاردًا بعيدًا … عندما سألته «إلهام» عن رأيه في قرار الحضور إلى «زيورخ»: أليست العملية الأصلية في «أنماس»؟! هكذا قالت «إلهام» له … وعندما لم يُجب لجأت إلى حيلة شقية كي تخرجه من شروده، فاتصلت به على ساعة يده … وعندما شعر بالوخز ونظر إلى شاشة الساعة … الْتفتَ إليها باسمًا … فبادرته قائلة: أين كنت؟ فقال لها متسائلًا: هل لديكِ تفسير لمغادرتنا «جينيف» وحضورنا إلى «زيورخ»؟ اندهشت «إلهام» وقالت له: لقد كنت أسألك نفس السؤال … ولكن ألم يكُن هذا قرارك؟! أحمد: لا بل قرار رقم «صفر». هنا … وهنا فقط … تدخَّل «عثمان» قائلًا: قد يكون الطريق إلى قرية «أنماس» مغلقًا في «جينيف» … وسنذهب إليها عن طريق «زيورخ»! أثار هذا التفسير حنَق «ريما» فاندفعت تقول له: أتذهب إلى قرية على الحدود الفرنسية من مدينة على الحدود الألمانية يا «عثمان»؟! ابتسم «أحمد» وقال لها: ليست هذه المرة الأولى التي يأتي فيها «عثمان» إلى «زيورخ» يا «ريما» ويسافر منها إلى «ألمانيا» إنه يقول هذا ليثيرك. تدخَّلَت «إلهام» تُبرِّر ما قالته «ريما» قائلة: إنها متوترة يا «أحمد» … فالغموض حتى الآن يحيط بكل ما نقابله من أحداث وما نتلقاه من أوامر. وكان هذا ضوءًا أخضر لتطرح «ريما» كلَّ ما يدور في ذهنها … فقالت: هل يمكنكم تفسير ما حدث للطائرة التي أقلتنا إلى «جينيف» … وكيف عرف هذا اللواء المدعو «زائيفي» بأننا فيها؟! وهل يمكنكم تفسير طلب رقم «صفر» منا أن نذهب إلى «زيورخ» رغم أن الهدف المطلوب التصدي له موجود في «أنماس»؟! وقبل أن تشرع في طرح بقية أسئلتها … لحقها «أحمد» قائلًا: أولًا «زائيفي» الآن عضو في جماعة «سوبتك» … وتعرفون أن لها مصالح كثيرةً في المنطقة العربية. وتدخَّلَت «إلهام» تكمل قائلة: ولسابق خبرتها معنا … فهي لا يمكنها التحرك في المنطقة بحرية ما دُمنا موجودين فيها. فقال «أحمد»: ولا تنسوا أن لهم عندنا أكثر من ثأر … ولكل ذلك فقد اتخذوا القرار بالتخلص منا وتعريض المنطقة لأخطار التسرب الإشعاعي … وهم يعلمون أن هذا سيثيرنا وسيدفعنا للذهاب إليهم ومواجهتهم … وهذا يعني أن لهم أكثر من خطة لنا. وكانت أول خطة هي إسقاط الطائرة. ريما: والثانية مواجهتنا في «سويسرا». إلهام: والثالثة شغلنا بأكثر من عملية هنا ليتحركوا هم بحرية هناك. ران الصمت على الجميع … وأطالوا النظر ﻟ «إلهام» للحظات، قطعه «أحمد» قائلًا: لا تنسوا أن لنا هناك زملاء لا يقلون عنا مهارة وجسارة … وستكون فرصة لهم لمواجهتهم هناك. مرَّة أخرى اتصل رقم «صفر» وكانت فرصة لهم لسؤاله عن سبب حضورهم إلى «زيورخ» فقال لهم: أولًا: أنتم في حاجة للراحة بعد ما لاقيتموه في الطائرة … حتى تستعيدوا لياقتكم البدنية والنفسية والعقلية … وهم كانوا ينوون اصطيادكم وأنتم منهكون. الأمر الآخَر … هو أنكم كنتم صيدًا سهلًا لأنهم يرونكم وأنتم لا ترونهم … فهم يعرفون ميعاد الطائرة، ويعرفون أنكم فيها وسيمكنهم مراقبتكم بيُسر والإيقاع بكم مبكرًا … لذلك كان قرار سفركم إلى «زيورخ» في ظروف غامضة وبوسائل مضلِّلة هو الحل الأمثل. ابتسم الشياطين إعجابًا بزعيمهم … وكانوا أكثر شغفًا وإنصاتًا له عندما أكمل قائلًا: الآن أنتم بعيدون عن أعينهم … وهم في حيرة من أمرهم … يتخبَّطون في تحركاتهم … يتضاربون في قراراتهم … وسيظلون هكذا لأنهم لا يعرفون أين أنتم … وعليهم أن يبحثوا في كل «سويسرا» وعلينا اصطيادهم. ولأن ما قاله رقم «صفر» يعني أن عليهم السكون لفترة … فقد آثَرَت «إلهام» أن يقوموا بزيارة ﻟ «ألمانيا» وعندما سألها رقم «صفر» عن السبب قالت له: تعرف يا زعيم أننا كائنات متحركة يقتلها السكون. ضحك رقم «صفر» لهذا التعبير البليغ، وقال لها: لكم ما شئتم على أن تعودوا خلال ثمانٍ وأربعين ساعة. أحمد: ولماذا ثمانٍ وأربعون ساعة يا زعيم؟! رقم «صفر»: لأنكم بعدها ستعودون إلى «أنماس» … سأنتظر اتصالكم من «ألمانيا» … رحلة سعيدة! كانت الرحلة إلى «ألمانيا» عبر «زيورخ» كعادتها رائعة … وكان الهدف هو ولاية «بادن» لأنها الأقرب لهم الآن … فهي تقع على الحدود السويسرية … وأيضًا لأن لهم فيها مقرًّا محبوبًا في «هايدلبرج» … تلك الفيلَّا الساحرة التي تطل على نهر «النيكر» … تحيطها الأشجار كثيفة الخضرة من كل جانب. وقد آثروا النزول من السيارة قبل أن يَصِلوا إليها بمسافة كافية؛ لأن هذا السائق الألماني لا يعرف موقعها … فهم لا يعرفونه؛ لأنه ليس من أعوان المنظمة … بل هو سائق لسيارة استأجروها للوصول إلى المقر … وقد استمتعوا بالسير فوق المرتفع المطل على نهر «النيكر» الذي يقطع ولاية «بادن» وتطل عليه «هايدلبرج» تلك المدينة التاريخية التي تقع بها قلعة الصناعة الألمانية «شتوتجارت» التي تنتج مصانعها — «دايملر، بتر، بوش، بورش» — أعرق السيارات وأفخمها وقبل أن يَصِلوا إلى بوابة فيلَّا المقر بخطوات … عَبَرَت بجوارهم السيارة التي غادروها منذ دقائق ومن نافذتها رأوا السائق يرفع يده يحييهم. أثار هذا الموقف دهشتهم … فأين كان هذا السائق كل هذا الوقت … هل كان يسير خلفهم ويراقبهم عن بُعد؟! لم يشغلهم الموقف كثيرًا … فقد آثروا أن يستثمروا الساعات القليلة التي منحها المبنى الرئيسي لهم … وقبل أن يضع «أحمد» بطاقته الأمنية في فتحة التحكم انفتح الباب … ومن خلفه رأوا كلبًا ضخمًا يُزمجر ولم يروا غير ذلك … فهل يعمل هذا الكلب في المنظمة وهل يعرفهم؟ وهل سيسمح لهم بالدخول؟ وهل هو وحده في الفيلَّا … أم هناك موظفون؟ قالت «إلهام» في دهشة: المفروض أن المقر به الكثير من الموظفين … نعم هناك مَن يغادره بعد انتهاء فترة العمل … ولكن هناك مَن يبيتون به. فعلَّقَت «ريما» قائلة: لم يحدث يومًا أن وجدنا المقر بلا موظفين. غير أن «عثمان» لم يرتح لِمَا يدور، وقال لهم: يا سادة اتخذوا قرارًا الآن … هل نجري من هذا الكلب … أم ندخل وأكون أنا آخِرُكم. ورغم زمجرة الكلب المخيفة … ضحكت «ريما» وابتسم «أحمد» وهو يقول متسائلًا: كيف فتح هذا الكلب الباب؟! ومن جهاز معلَّق بجوار الباب سمعوا من يقول لهم: لماذا لم تدخلوا حتى الآن. تبادل الشياطين نظرات متسائلة قبل أن يقرروا الدخول رغم بقاء هذا الكلب مكانه دون حركة. وكانت «إلهام» في مقدمة الداخلين ومن خلفها «ريما» وتبعهم «عثمان» في ثقة بالغة ليس لأنه يثق في الكلب … بل لأن «أحمد» كان مصوبًا مسدسه إلى رأس الكلب … وقد دخلوا جميعًا في حمايته. وبعدما استقروا جميعًا في مقاعدهم … طاف عليهم هذا الكلب يحييهم واحدًا بعد الآخر ويستمتع بربت أصابعهم على رأسه … وتسللها بحنان بين ثنايا شعره لتدغدغ حواسه. ولم تُعجب «أحمد» طريقة الاستقبال … فرفع صوته يقول لمَن يسمعه: ليست هذه هي الطريقة الجيدة لاستقبال الشياطين … فأنا لا أرى سببًا لمداعبتنا على هذا النحو. فرد عليه مَن يسمعه قائلًا: ولكني أرى سببًا لهذا! تصايح الشياطين في سعادة فقد عرفوا صاحب الصوت … إنه رقم «صفر» … وبالطبع هي مفاجأة سارة لهم للغاية وبالذات ﻟ «ريما» التي صاحت تقول في بهجة: الزعيم هنا … أليس كذلك … أقسمُ إنه الزعيم! وفي وقار ضحك رقم «صفر» وقال: نعم … هو أنا يا «ريما»: هل أنت سعيدة حقًّا؟! فأسرعت «ريما» تؤكد ذلك قائلة في حماس: نعم بالطبع يا زعيم … ولست وحدي بل كلنا. رقم «صفر»: رغم علمكم بأن مجيئي يعني بدء العملية الجديدة وقطع ساعات الراحة والمتعة؟ واندفع «أحمد» يقول له: إذَن نعود الليلة إلى «سويسرا». رقم «صفر»: ليس هذا هو الحل، فكل الطرق الآن مراقبة … نحن فقط سوف ننقلكم إلى مقر آخَر … وهذا لا يعني إطالة فترة السكون … لا بل سنبدأ العمل من هناك … عنوان المقر الآخَر مُسجَّل على ذاكرة كمبيوتر السيارة التي ستقلكم إلى هناك، السيارة موجودة في جراج المقر … ما عليكم إلا ركوبها وهي ستكمل الباقي … سألقاكم قريبًا … وستجدونني في كل مكان لنا فيه عمل … وفقكم الله! كانت هذه إشارة لأن يبدءوا التحرك فورًا … وكانت «ريما» أول المغادرين للمقر وتبعها بقية الشياطين ومن خلفهم وقف الكلب المضيف بالباب … لا هو خرج وراءهم ولا سمح لهم بإغلاق الباب خلفهم … وعندما هَمَّ «أحمد» بدفعه إلى الداخل لإغلاق الباب … سمع صوتًا يقول له: دعه يا «أحمد» … فهو يعرف ما يفعله! عاد «أحمد» إلى زملائه وكانوا ينتظرونه في السيارة فنظر لهم وفي عينَيه تعبير أثار ضحكهم، وجلس خلف عجلة القيادة وهو يقول بأسًى مصطنع: كان يودعني! ضحك الأصدقاء … وعاد «أحمد» يُعلِّق على هذا الموقف الطريف قائلًا: هل نظرتم في عينيه؟ هل رأيتم تأثره؟ ضحكت «ريما» ومن خلال ضحكاتها قالت له: هل هو عضو جديد بالمنظمة؟! | {
"chapter": "لماذا زيورخ؟",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "المعركة الأخيرة (حرب الأقمار ٢)",
"url": "https://www.hindawi.org/books/39529571/1/"
} |
إنهم ١٣ فتًى وفتاةً في مثل عمرك، كلٌّ منهم يُمثِّل بلدًا عربيًّا. إنهم يقفون في وجه المؤامرات الموجَّهة إلى الوطن العربي … تمرَّنوا في منطقة الكهف السِّري التي لا يعرفها أحد … أجادوا فنون القتال … استخدام المسدسات … الخناجر … الكاراتيه … وهم جميعًا يُجيدون عدة لغات. وفي كل مغامرةٍ يشترك خمسة أو ستة من الشياطين معًا … تحت قيادة زعيمهم الغامض رقم «صفر» الذي لم يرَه أحد، ولا يعرف حقيقته أحد. وأحداث مغامراتهم تدور في كل البلاد العربية … وستجد نفسك معهم مهما كان بلدك في الوطن العربي الكبير. | {
"chapter": "من هم الشياطين اﻟ «١٣»؟",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "مستعمرة الأوغاد",
"url": "https://www.hindawi.org/books/81318638/0.1/"
} |
لقد سبق لنا أن بيَّنَّا في مناسبات مختلفة أن اللسان العربي اشتقاقي البنيان، وأن الرابطة الاشتقاقية فيه غير ما هي عليه في اللغات الأخرى؛ فهي تتناول صلة اللفظة بالمعنى على مثال صلة الشعور بالبوادر في الهيجان. وهذه الصلة لا تقف على حدود المشتقات الحسية والعقلية ذات المصدر المشترك وحسب، بل تتناول جميع الكلمات التي ترجع إلى نفس الأرومة؛ أي إلى الصورة الصوتية البدائية. وبناءً على هذا فإن الذهن العربي إذا اشتق كلمتَي شئون وحوادث، الأولى من «شأن» المشتركة بالأرومة مع «شاء»، والثانية من حدث ذات أرومة «حد» التي تحمل الطابع المكاني، فقد عبَّر بالشئون عن الأحوال المتعلِّقة بمشيئتنا، وعنى بالحوادث ما يقع في الطبيعة. والصور الحسية في أسرة كلمة «شاء» تكشف عن الشئون كتجليات للحقيقة، وهي منها بمثابة الظواهر من الميل والغريزة؛ وعلى هذا فإن الشئون الاجتماعية في الحدس العربي ليست بذاتها، بل بوعينا إياها، تزكو إذا أقبلنا عليها وتضمر إذا أعرضنا عنها. إنها تجليات للحقيقة وحسب. وتمييزًا للشئون الإنسانية عن الحوادث الطبيعية نضرب هذا المثل: يحفر الماء مجراه في كل مكان وزمان، سواء أكُنَّا من المتفرِّجين أم لا، وعملية الحفر هذه تبقى مستقلةً عن إرادتنا وتقديراتنا، في حين أن الشئون الإنسانية يفتقر تحقيقها لإرادتنا، ولولا هذا الافتقار لما لجأ الأولياء إلى التربية في نقل التراث عبر الأجيال. حتى إن أمر ظهور السحر في التاريخ الإنساني ليرجع إلى العجز عن التمييز بين الشئون الإنسانية والحوادث الطبيعية، بين ما يتعلَّق تحقيقه بمشيئتنا وما يخضع للضرورة الحتمية. وإذا بدت بعض الشئون الإنسانية مجاريةً للحوادث الطبيعية من حيث الخضوع للضرورة الحتمية؛ فذلك لأن الحياة ليست على مستوًى واحد من الوعي في جميع أحوالها؛ فقد تنحدر بالعادة حتى تُوشك أن تلتبس بالطبيعة، وقد تلتزم بالحاجات فتمس بهذا الالتزام الضرورة، ولا سيَّما إذا كان كِيان الأحياء يقوم على الحاجات، كمثل الغذاء المقتبسة عناصره من الطبيعة، ممَّا يجعل الأمور الاقتصادية بين الشئون والحوادث الطبيعية، مستقلةً عن أهوائنا بمقياس استقلال غرائزنا عن أغراضنا الحاجات. إنه لفي حدود هذه العلاقة تبقى قواعد الاقتصاد على مثال قوانين الطبيعة ذات الاتساق. هناك سبب للالتباس بين الشئون الإنسانية والحوادث الطبيعية، وهو أن الذهن يُنشئ المفاهيم العامة كصيغ يُلخِّص بها الحوادث والشئون، فهو إذ يُوفِّر لصاحبه بهذا التلخيص الجهد والوقت، فإنه يُهدر المظهر النظري في سبيل الناحية العملية، بحيث تتعثَّر النفس في سيرها نحو الحقيقة، كونيةً أم إنسانية. وإلى هذا الالتباس بين الشئون الإنسانية ذات المعنى الانبثاقي، وبين الحوادث الطبيعية ذات المعنى النسبي، ترجع ضلالة حي بن يقظان بطل قصة ابن طُفيل؛ حين كان يرفع الصخور من مجرى النهر تخفيفًا — على اعتقاده — من حدة غضب الماء المتعثِّر في سيره؛ فذلك لأنه أدرك الحوادث الطبيعية من خلال الحالات الوجدانية. ولكن ألم تطمس على الفكر الحديث الفوارق بين الشئون الإنسانية ذات المعنى المطلق، وبين الحوادث الطبيعية ذات الاتجاه النسبي، فينتهي به الأمر إلى اعتبار الأخلاق والعادات سواء بسواء، وإلى تفسير الإبداع بتآلف الصور وإلى اتخاذ العمل معيارًا للحقيقة. بيد أن لكل من الشئون والحوادث صفاته الخاصة، تتميَّز بها الواحدة عن الأخرى؛ فالحوادث تندرج في الظرف (المكان والزمان)، فيخضع ظهورها لمبدأ السببية؛ أي إنه يقوم بقيام حوادث أخرى، بحيث يُصبح طابعها نسبيًّا كنسبة الحوادث وتلازمها في الطبيعة (كتلازم التمدُّد والحرارة في المعادن مثلًا. ولئن خضعت الحوادث الطبيعية لمبدأ السببية؛ فقد أصبح نظام نيوتن القائم على الكتلة والمسافة قاعدتها. ولقد نتج عمَّا تقدَّم الاختلاف على القانون بمعنييه الطبيعي والإنساني؛ فالقانون الطبيعي هو علاقة تتكرَّر حدودها حينما تستوفي شروط كِيانها، كعلاقة حدَّي التمدُّد والحرارة في المعادن مثلًا، فهي علاقة يُكرِّرها مقياس تعميمها مستقلًّا عن المكان والزمان. أمَّا القانون الاجتماعي فيقوم بوحدانية الحدس، بوحدانية الحقيقة، وإذا بدت الحقيقة الإنسانية تتكرَّر بطريق التقليد على مثال تكرُّر الحوادث الطبيعية؛ فإن نفوس المقلِّدين تبقى في حالة الصبوة إليها، وأمَّا هي ذاتها فتتلألأ من فوق المكان والزمان وحدانيةً مطلقة، حيث يقوم الخيال مقام البيئة الطبيعية في نشوء الأحياء. وذلك ما جعل موقف الإنسان من كلٍّ من الطبيعة والملأ الأعلى، قطبَي الحياة، موقفًا مختلفًا. ويظهر هذا الاختلاف فيما بين الأحكام الثبوتية والأحكام الوجوبية، بين أحكام تأمُّلية هدفها بناء الحقيقة بناءً يلتقي فيه المعقول بالمحسوس، وبين أحكام ذات نزعة إلى العمل، إلى تقويم الخطأ ورفع الحيف حسبما تقتضي طبيعة الحقيقة الإنسانية، بحيث إن الإرادة تتردَّد أثناء الإقدام على العمل بين المبدأ والعواقب تردُّدًا تنتهي به إمَّا إلى أداء الواجب، وإمَّا إلى التخلُّف عنه، فالتردي عن مستوى الحياة الإنسانية. هاك بعض الأمثلة التي يظهر فيها جليًّا الاختلاف بين موقف الإنسان من الأشياء الطبيعية، وبين موقفه من الأمور الاجتماعية. إن الحركة عندما ترتسم كصورة في الذهن تدفع بالمتفرِّج في اتجاه انطلاقها، ممَّا يجعل الناس يعزون إلى الأعماق السحيقة قوةً من السحر تجتذب الناظر إليها، وممَّا جعل الوهم يلتبس عليهم بالواقع في تحريك الطاولة المستديرة. وكذلك الوضع الاجتماعي يدعو إلى مسايرته لدى ارتسامه في ذهن المتأمِّل مسايرةً يُعبِّر عنها الرأي العام بمثَل مألوف، وهو أن العنب يَسْوَدُّ لرؤية بعضه بعضًا. ولكن الإنسان لا يقف من المجتمع موقف المساير فحسب، بل إن بعض النفوس تُجيب بالمقاومة على العادات الشائعة والتقاليد الموروثة والآراء الخاطئة، وإلَّا فكيف كان يُفسَّر التطوُّر في تاريخ الإنسانية؟ وكيف كانت تُفسَّر الانقلابات ومحاولات الإصلاح؟ إن الذهن يقف من الصورة المرتسمة فيه عن الوضع الإنساني أحد موقفين؛ موقف المسايرة للواقع، وهذه هي حالة النفوس الخائرة المستضعفة، أو موقف من يُقدِّر هذا الوضع على ضوء الآية المثلى، إمَّا بالمقاومة وإمَّا بالمسايرة، حسبما تُقر ذلك الإرادة. وهاك موقفًا آخر للإرادة يظهر فيه الفرق بين الطبيعة والإنسانية بوضوح أجلى؛ لنفرض أننا على ضفة النهر، نُشاهد سقوط حجر في الماء، أو سقوط أحد المارة، فقد يدعو سقوط الحجر إلى التأمُّل في أسبابه، وفي القوانين التي يجري بموجبها كما حصل ﻟ «غاليلي ونيوتن». أمَّا أحد المارة فيبعث سقوطه في نفوس المتفرِّجين الهلع، ويرافق هذا الهلع صوت صادر من أعماق الوجدان يهيب بكل امرئ إلى إنقاذ الغريق، ولو تضمَّنت هذه الدعوة بعض الخطر. كذلك تدعو الأشياء إلى التأمُّل وإلى التصرُّف فيها حسبما تقتضي المصلحة. وكذلك تدعو الشئون الإنسانية إلى العمل بموجب الوضع السوي لتقويم الاعوجاج وإصلاح الفاسد، وإن كانت هذه الدعوة تترك لنا حرية تعيين الموقف، حتى إننا لنقف هذا الموقف عند الاختلاف على الحياة بيننا وبين الآخرين، مهما ألحَّت علينا الحاجة وانطلقت القوى الكامنة في الرغبة. إننا نُقدِّر الأمور أبدًا على ضوء الحق بقطع النظر عمَّا يتضمَّن هذا التقدير من عواقب. | {
"chapter": "ميزات الحياة الإنسانية",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "الجمهورية المُثلى",
"url": "https://www.hindawi.org/books/37486931/2/"
} |
سفينة تتوقَّف في عرض البحر الأبيض المتوسط … عليها طاقمُ بحَّارة، وطاقمُ فنيِّين، وطاقم خدمة مطبخ، وخدمة غُرف، وغيرهم الكثير … ألَا تحتاج هذه السفينة إلى مُؤَن بأحجام كبيرة؟ كان هذا سؤال «عثمان» … وقد أكمله قائلًا: من أين تأتي هذه السفينة بهذه المؤن؟ ورأى «أحمد» أن يُجيبَه ليستكملَ تصوُّراتِه … فقال له: قد يكون لديها مخزونٌ كبير من هذه المؤن. عثمان: مخزون كبير … أي ثلاجات ضخمة، أي تيار كهربائي متوفِّر، أي مولِّدات متطوِّرة … أي وقود مُستهلك بكميات كبيرة … أي أن هذه السفينة ليست ملكَ شخص عادي. نظرَت له «إلهام» مليًّا تفكِّر فيما قال، ثم قالت له: استنتاج معقول … وعاد «عثمان» يعدِّد قدراتهم، فقال: وهذا البالون الضخم، الذي يحمل أجهزةَ التصوير عن بُعد، والتتبُّع الراداري وغيره، لن يكون مملوكًا لشخص عادي. عادَت «إلهام» تقول له: معك حقٌّ. وعاد «عثمان» يقول: ولماذا يُراقبنا صاحبُ كلِّ هذا … أليس لأننا تسبَّبنا في القبض على سماسرة البحار؟ هذا يعني أنَّ هناك علاقةً ما بينهم … وأنَّ القبض عليهم أحدث تأثيرًا لديهم قويًّا؛ حتى إنهم وضعوا كلَّ هذه الإمكانيات لمراقبتنا. وقد تكون مراقبتُهم لنا، أيضًا؛ لأنهم لا يزالون يمارسون أنشطتَهم المختلفة على سطح البحر … ويخافون من أن نتسبب في القبض على المزيد منهم. إلهام: ولماذا لا يتخلصون منَّا؟ عثمان: إنهم لا يعرفون حتى الآن حدودَ قوَّتنا … لذلك لم يقتحموا قلعتنا، وأقصد اليخت بالطبع. وقطع «عثمان» كلامه عندما رأى الكشاف المتحرك، وقد اقترب كثيرًا من اليخت، وأمامه خيالٌ لرأسِ إنسان يتحرك يمينًا ويسارًا، وكأنه في محاولة لتحرِّي الطريق … وفي حركة مفاجئة، رفع «عثمان» ذراعَه لأعلى ملوِّحًا بيده … ولدهشة الجميع رفع الرجلُ يدَه يُحيِّيهم. أخذتهم المفاجأة … فلم يأتِ أحد منهم بأيِّ ردِّ فعل … إلَّا «أحمد» … فقد أمسك بمنظاره ووضعه على عينَيه … وعندما نظر فيه قال لهم: هذا الرجل من المنظَّمة … خرج «عثمان» من صمتِه وسأله في شكٍّ: كيف عرفت؟ أحمد: إنه يرفع ثلاثة أصابع من يده اليمنى. إلهام: قد تكون مصادفة. أحمد: لا … لقد أجاب الاختبار. عثمان: اختبار ماذا؟ أحمد: اختبار الأعداد التي رفعَت له إصبعًا … فرفع إصبعَين. إلهام: أي أكمل العددَ ثلاثة؟ أحمد: نعم … إنه عميل المنظَّمة … ولأنه يأتي من الاتجاه الذي يؤدي إلى السفينة، فقد يكون «دايو». وفي هذه اللحظة، سمعوا صوت الرجل وهو يتسلَّق سلَّمَ اليخت ويقول لهم: نعم … أنا «دايو» … ابتسمَت «إلهام» وقالت له: سآتيك بكوب شاي ساخن حالًا. ابتسم «دايو» وهو يستقر على سطح اليخت، وعلَّق قائلًا: هذه هي الأنثى … أمٌّ بالغريزة … إنها دائمًا أمٌّ لكل المخلوقات، ولا يهمُّ مَن تكون أنت بالنسبة لها. قاطعه «عثمان» يعلِّق على ما يقوله … بقوله: كل هذا لأنها ستأتيك بكوب شاي … ماذا ستقول إذا أحضرَت لك ساندويتشات؟ ضحكَت «إلهام» وهي تقول له: هل أنت جوعان؟ فلم يترك «عثمان» القفشةَ تمرُّ، وقال لها: لا، أنا «عثمان». ضحكَت «إلهام» وهي في طريقها إلى طاقم المطبخ تطلب منهم إعدادَ العشاء لهم جميعًا … وعندما عادت … لم تكن وحدها … بل كان معها مضيفتان تحملان صواني الشاي والساندويتشات. وأثناء تناولهم الطعام، سأل «أحمد» «دايو» بقوله: هل عندك معلومات عن هذه السفينة المتوقفة على بُعد عدَّة مترات منَّا؟ ارتسمَت على وجه «دايو» علاماتُ الدهشة، ونظر ﻟ «أحمد» متأملًا، وقال له: كيف عرفتَ بأمر هذه السفينة؟ لم يلتفت «أحمد» لسؤال «دايو» … بل سأله سؤالًا آخر قائلًا: هل سفينة أبحاث؟ مرة أخرى تتملَّك «دايو» الدهشة، ويجيب سؤال «أحمد» بسؤال قائلًا: كيف عرفت بكل هذا؟ لم يَجِد «أحمد» مفرًّا من أن يُخبرَه بأمر البالون المعلَّق في السماء … غير أن «دايو» ظل على دهشته، وعندما سألَته «إلهام» عن السبب أجاب قائلًا: قد يلفت نظرَ الآخرين هذا البالون وسباحته في السماء … لكن أن يستنتج أحدٌ كلَّ هذه النتائج من طريقة حركته … فهذا هو المدهش. لم يلتفت «أحمد» كثيرًا لهذا الإطراء، وسأله قائلًا: هل لك علاقة بهذه السفينة؟ دايو: لا … ولكني سمعتُ عنها بعضَ الأخبار. أحمد: ممن يعملون عليها؟ دايو: لا، بل من بعض مَن يعملون معي … أحمد: هل يمكنك تقديرُ قُدراتهم التسليحية؟ دايو: ما أعرفه، أنهم مسلَّحون … لكني لا أعرف قُدراتهم. وطرأ استفهامٌ مهمٌّ على ذهن «عثمان»، فقال يسأل «دايو»: ألن ترصدَك سفينةُ المراقبة هذه وأنت قادم إلى هنا؟ نظر له «دايو» مليًّا، ولم يُجبْه … فتدخَّل «أحمد» قائلًا: هناك رسالة ما، أتيتَ بها يا «دايو» إلينا … أليس كذلك؟ دايو: نعم … أحمد: من فضلك أبلغنا بها … دايو: سفينتكم المختطفة على بُعد دقائق منكم، كونوا مستعدين. عثمان: ولماذا لم تتصل بنا؟ دايو: ليس لديَّ وسيلة اتصال بكم … سأترككم الآن. ومن حيث أتى عاد مرة أخرى إلى سُلَّم اليخت … وأثناء هبوطه قال ﻟ «عثمان»: هل تظن أنهم رأوني؟ جرى «عثمان» إلى حيث السور الخارجي لسطح اليخت، فرآه ينقل قدمه بحذرٍ إلى اللنش المربوط فيه … فقال له: لا تَعُد إليهم إن كنت تشعر بالخطر. كان «دايو» قد استقر خلف عجلة قيادة اللنش … فقال له قبل أن يُديرَ محركَه: دائمًا أنا أشعر بالخطر … هذه طبيعة عملي. وهنا صاح «أحمد» يقول له: نعم هي طبيعة عملنا … ولكن إذا كانت كلُّ الحسابات تُشير إلى صواب قرار الانسحاب يجب أن تنسحب. أمسك «دايو» بمفتاح إدارة المحرك وهو يصيح قائلًا: سأفكر في الأمر. قال هذا ثم أدار مفتاح الإشعال وسحب عصا السرعة … فانطلق اللنش طائرًا فوق الماء … وصاحَت «ريما» معترضة بقولها: كان يجب أن ينصرف من هنا بهدوء حتى لا يُثيرَهم. وفي أسًى قال «عثمان»: لقد رأوه بالفعل يا «إلهام» ولن يتركوه حيًّا. احتدَّت «إلهام» وهي تلومهم بقولها: ولماذا تركتموه يعود؟ قال «أحمد» بهدوء: هذا ليس من سلطتنا وقد يكون هو على حقٍّ وسيتمكن من علاج الأمر … وفي إصرار قالت «إلهام»: لقد رأيتموه أثناء انصرافه من هنا … وكان يبدو عليه القلق. كان «عثمان» يتابعه أثناء ابتعاده عن اليخت فقال لهما: يمكنني حتى الآن استدعاؤه. صاحَت «إلهام» تحثُّه في حماس قائلة: استدعِه يا «عثمان» … فأنا أشعر أنه سيموت. نظر «عثمان» ﻟ «أحمد» … فلم يعترض … فقام بإطلاق سارينة صوتُها كأنين الحوت … فلم يستجب «دايو»، ولم يلتفت إلى مصدر الصوت … فصاحَت «إلهام» تستحثُّ «عثمان» على إعادة المحاولة وتكرارها إلى أن يستجيبَ «دايو». وبالفعل قام «عثمان» بإطلاق السارينة أكثر من مرة، حتى رأى اللنش يستدير دورةً واسعة … وكانت «إلهام» تتابعه … فصاحَت بصوتٍ خفيض قائلة: لقد سمع صوت السارينة. وفي قلقٍ قال «عثمان»: لا أظن. لم تفهم «إلهام» ما يقصده، فقالت له: ماذا ترى يا «عثمان»؟ لم يُجِبها «عثمان» بل جلس على سور اليخت يتابع ما يدور … مما أثار أعصاب «إلهام»، فصاحَت تسأله في حنَق قائلة: ماذا يجري يا «عثمان»؟ نظر لها «عثمان» مليًّا، ثم قال في جديَّة شديدة: أنا أرى أنَّه مُطارَد … إلهام: ممَّن؟ عثمان: من أعضاء العصابة … إلهام: لماذا؟ عثمان: لقد افتضح أمرُه عندما صَعِد إلى يختِنا. وهنا فقط تحدَّث «أحمد» قائلًا: «دايو» مُطارَدٌ حقًّا … ولكن ليس من أعضاء العصابة. وفي لهفةٍ قالت «إلهام» تسأله: ممن يا «أحمد» … مَن الذي يطارده؟ أحمد: هناك سمكة ضخمة، لا أعرف، كأنها تدور حول لنشه، فتصنع حوله دواماتٍ تُعرقل المحرك عن دفع اللنش. صاح «عثمان» في دهشة قائلًا: يا لكِ من سمكة ماكرة. انطلق «أحمد» يجري إلى كابينتِه ثم خرج منها ومعه بندقيتُه يخرج منها رمحًا … ثم أشار ﻟ «عثمان»، وأكمل جرْيَه إلى سطح كابينة القيادة. كان المنظار المكبِّر معلَّقًا برقبته … فاستطلع الأمر، ثم صاح يُسمع «إلهام» قائلًا: إنه قرش كبير. وما إن سمعَت «إلهام» هذا، حتى صاحَت تُخبره باقتراحها قائلة: أنا أرى أن نلفتَ نظره … لم تكَدْ تُكمل جملتَها … حتى رأَت سهمًا ينطلق في اتجاه اللنش … فصاحَت تسأل «أحمد» قائلة: هل أصبته؟ أحمد: ليس بعد … أين نظارتك يا «إلهام»؟ كانت سخونةُ الأحداث قد أنسَت «إلهام» الاستعانةَ بمعدَّاتها … فانطلقَت إلى كابينتِها، وعادَت ترتدي ملابس الغوص، وتحمل على ظهرها بندقيةً ومجموعةً من السهام، وما إن رآها «أحمد» حتى صاح فيها قائلًا: ماذا تنوينَ فعْلَه الآن يا «إلهام»؟! | {
"chapter": "سفينة المراقبة!",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "مستعمرة الأوغاد",
"url": "https://www.hindawi.org/books/81318638/2/"
} |
رغم أن «أحمد» لم يُصدِّق ما قاله «مايكل» … إلا أنه انزعج كثيرًا عندما سمعه، فكيف يتأكد أنه جادٌّ في كلامه. غير أنه ولتعرضه لكثير من هذه المواقف … استطاع أن يخفيَ مشاعره … ونظر ﻟ «مايكل» نظرة حادَّة صارمة متسائلة … ثم قال له: سيد «مايكل» … ليس لدي وقت للعبث. ازدادت ملامح «مايكل» جِدِّية، وأخرجَ من حنجرته صوتًا كحشرجة الموت، وقال له: أنا لا أعرف المُزَاح. شعر «أحمد» أنه خرج من المهمة الرئيسية التي يتصدَّى لها … وانحرف إلى مواجهةٍ لم يحسب لها حسابًا … فها هو بائع روبابيكيا دولي يتاجر في كل شيء محرَّم بيعُه دوليًّا … ما بين آثار مهربة … ومرجانيات وأسماك نادرة، انتهاء بأسلحة نووية … ولأنه لم يُصدِّق الرجل … عاد يسأله من جديد قائلًا: وما السلاح الذي ستبيعني إياه؟ قال له «مايكل» في حزم: وهل ستشتري؟ ابتسم «أحمد» وهو ينظر إليه … لكي يشعر بالثقة ويتخلى عن غضبه؛ حتى لا يصطدم به مبكرًا … وقال له: سأشتري منك عندما يكون سلاحك جاهزًا للاستخدام … لكي يكون قابلًا للبيع … ولا تكون الصفقة خاسرةً بالنسبة لي. انفرجت أسارير «مايكل»، وبدا عليه الرضا، رغم أنه حاول أن يُخفيَ ذلك، وفتح حقيبةً صغيرة في يده وأخرج منها رسومات وصورًا للرأس النووي الذي بحوزته … وبعض التقارير المفصلة عنه … وألقاها على المائدة المواجهة ﻟ «أحمد»، وقال له: ها هو السلاح النووي بين يديك … والكرة الآن في ملعبك. أحمد: ماذا تقصد؟ مايكل: إن كان لديك العشرة ملايين فلنُنهِ الاتفاق … ضحِك «أحمد» ساخرًا، وقال له: هل أدفع عشرة ملايين في بضع صور؟ انزعج «مايكل» وبدا عليه الضيق … وقال يسأله في نفاد صبر: هل تريد رؤية الرأس النووي؟ أحمد: بالطبع. نظر إليه «مايكل» نظرة قصيرة، ثم نهضَ واقفًا واختلى ببعض رجاله لدقائق، ثم عاد إليه مادًّا يده بالتحية … فظن «أحمد» أنه وافقَ ومدَّ يده يبادله التحية، فشدَّ الرجل على يده، وقال له: ستعود إلى يختك إلى أن نرى ما يمكن عملُه. بدا على «أحمد» الأسف لهذه النتيجة … وقال يسأله: هل الرأس النووي ليس في حوزتك؟ هزَّ «مايكل» رأسه دون أن يعطيَ أيَّ انطباع ﻟ «أحمد»، وقال له: سيكون كل شيء على ما يُرام. لم يفهم «أحمد» المقصود من الكلام، وقال له: هل أنت سمسار وتبيعها لصالح غيرك؟ التزم «مايكل» الصمت، وعاد للشد على يد «أحمد»، وقال له في إصرار شديد: ستعود إلى يختك وسنلتقي مرة ثانية … على أن يكون المبلغ في حوزتك … ومرة أخرى عاد «أحمد» إلى زملائه … وما إن أصبح بينهم حتى قال لهم: لا داعيَ لهذه النظرات الفاحصة، وسأخبركم بكل شيء دون ضغط. ضحِكَت «إلهام» وقالت تسأله: هل هم من «الأوغاد»؟! مسح «أحمد» جبينه بيده، وقال مفكرًا: إن لم يكونوا من «الأوغاد» فإنهم أخطر منهم. ترك «عثمان» القيادة لمعاونه، وجلس ينظر له في شغف وهو يقول: كيف عرفت؟ أحمد: إنهم لصوص وسماسرة وتجار آثار وأسلحة و… قاطعه «عثمان» يسأله قائلًا: كيف عرفت كل ذلك؟ أحمد: لقد عرضوا عليَّ شراء كل شيء نهبوه من بلدي … وأخيرًا عرضوا عليَّ أن أشتريَ سلاحًا نوويًّا. صاح «عثمان» في انبهار قائلًا: إنها فكرة جبَّارة … سوق مُحرَّمة في عمق البحر … بعيدًا عن أي مياه دولية … أي لا يمكن لأية جهة أمنية ملاحقتهم … وبهذا تتم صفقاتهم دون خوف من ملاحقة أو تدخُّل. أحمد: لذلك أضمن أنهم ليسوا من «الأوغاد» … لأنهم لم يحاولوا السطو على «اليخت» … أو على الأقل تجريدنا مما نملك. إلهام: وهل كنا سنتركهم يفعلون ذلك بنا؟ أحمد: نعم لندخل المستعمرة في حمايتهم. أمَّا هؤلاء فهُمْ تجار … وبضاعتهم أكثرُ من خطيرة، وأرباحها ملايين كثيرة يدفع ثمنها البسطاء. إلهام: هل تقصد أنهم عرضوا عليك صفقة نفايات ذرية؟ أحمد: لا يا «إلهام»، بل سلاحًا نوويًّا، وقد رأيت كتيبًا يحوي صورًا ورسومات هندسية لهذا السلاح، تشرح أجزاءه ومُكوِّناته. عثمان: تقصد أنهم يبيعون أسرار تركيب القنبلة النووية؟ أحمد: هم لا يمكنهم الحصول على هذه الأسرار … وإن حدَث وحصلوا عليها فلن يبيعوها بأقل من مائة مليون دولار. إلهام: وكم طلبوا منك ثمنًا لهذا الرأس النووي؟ أحمد: عشرة ملايين دولار. وهنا سألته «إلهام» في لهفة وقلق قائلة: وهل ستعطيهم العشرة ملايين دولار؟ قال «أحمد» في جِديَّة شديدة: لو أملكها لأعطيتها لهم. وفي دهشة سأله «عثمان» قائلًا: ولو أعطيتها لك؟ قال «أحمد» مبتسمًا: سأحتفظ بها وأبدأ بها حياتي. قال هذا وشرَد بعيدًا … ففي رأسه ألف سؤال وسؤال … واحترم زملاؤه صمته وتركوه يفكر ويفكر … ففي ماذا كان يفكر؟ وما الذي يشغل باله غير صِدْق هذا الرجل من عدمه؟ فهل حقًّا لديه سلاح نووي، أم أنه نصَّاب كبير؟ وهل يعمل وحده مع معاونيه الموجودين معه على ظهر السفينة، أم أن له ظهيرًا من كبار رجال الحكم في بلادٍ عدَّة، وقيادات لعصابات شتى على رأسهم «المافيا» و«سوبتك»؟ إن القضية أصبحت خطيرةً، والعملية ازدادت اتساعًا باحتكاكهم بهؤلاء الرجال … وهنا … هنا فقط صرَّح بما يدور في رأسه لزملائه، وقال لهم يسألهم: هل سيمرُّ هذا الأمر بسلام، أم أن «مايكل» لن يتركنا نسير ومعنا ما نعرفه عنه من أسرارٍ ومعلومات خطيرة؟ وهل هي حقًّا معلومات خطيرة أم أنها هراءات من صُنعه يحاول بها النصبَ علينا والحصول على أكبر قدْرٍ من النقود؟ وكان ﻟ «إلهام» رأي في هذا، فقالت: لو كان لصًّا لاستعان بمن معه في السطو على اليخت وتجريدنا مما نملك. وكان ﻟ «عثمان» رأي آخر فعرضه قائلًا: لقد قال «أحمد» إنه نصاب وليس قرصانًا … فهو يدفعك لإعطائه ما معك على المركب وفي البنوك، وهو ينوي أن يكرر هذا دون مساءلة قانونية؛ ذاك أنها صفقات مشبوهة ولا يمكن أن يستعين أحد طرفيها برجال الأمن إذا ما اكتشف أنه خداع. أحمد: وقد يكون سمسارًا نوويًّا حقًّا … وفي هذه الحالة لن يتركنا نفرُّ بما لدينا من معلومات. إلهام: وإن لم يَكُن لدينا نقود لنشتري … فلماذا نتحمل نتيجة إفصاحه عمَّا لديه؟ أحمد: إنه ثمن المخاطرة. عثمان: مخاطرة مَن؟! أنت لم تخاطر. أحمد: ولكنه خاطَر بعرض ما لديه من معلومات علينا … لذلك سيدفع الثمن بأن يتحول إلى قاتل في حالة عدم إتمام هذه الصفقة. إلهام: والحل الآن؟ أحمد: الحل هو أن أجاريَهم إلى النهاية. إلهام: وعند النهاية يتم القبض عليهم؟ أحمد: أو علينا. عثمان: تقصد من قادتهم؟ أحمد: هذا إن كان لهم قادة. إلهام: وماذا ستفعل الآن؟ أحمد: سأدعوه إلى يختنا الفخم لنُنهيَ معه الصفقة. عثمان: لن يحضر … فهو لا يشعر بسطوته إلا وهو بين رجاله وعلى مركبه. أحمد: سيرضخ إن رآني مصرًّا. إلهام: قد يظن أنك تلغم اليخت. أحمد: تقصدين زرعه بكاميرات خفية وناقلات صوت؟ إلهام: نعم. أحمد: وهذا ما سنفعله الآن. عثمان: إن لم يأتِ؟ أحمد: سيأتي. قالها في تحدٍّ وكأنه واثق من تأثيره على الرجل أو … تأثير النقود … لقد قرأ في عينيه أشياء كثيرة تجعله مطمئنًّا إلى أنه سيأتي … لذلك شرَع في تجهيز الأدوات والأجهزة التي سينفذ بها خُطته … وحثَّ من معه من الرجال على معاونته على الانتهاء سريعًا من هذه المهمة … أمَّا «عثمان» و«إلهام» فقد كان لهما مهمة أخرى … وهي الحصول على إحداثيات من القمر الصناعي … الخاص بالمنظمة … تُيسِّر لهم إيصال الصورة والصوت إلى مقار المنظمة المختلفة في نفس وقت نقلها. إنها فكرة جهنمية. هكذا قال «عثمان» وقال أيضًا: ستكون فضيحة دولية. أحمد: نحن لن نعرضها لأحد غير رجال المنظمة والجهات الأمنية المختصة، وذلك لدواعٍ أمنية كثيرة. وفي قلق مشروع، قالت «إلهام»: ألن يكتشفوا كل ذلك؟! أجابها «أحمد» في ثقة بالغة قائلًا: هذا في حالة واحدة فقط. نظر لها كلاهما في ترقُّب دون تعليق … فاستطرد قائلًا: إذا أخبرناهم نحن. جرى العمل على قدمٍ وساق في فتح الأجربة الجلدية التي تحوي الشرائح التي تعمل ككاميرات والتي تعمل كناقلات صوت … وتم تجهيزها بإيصالها بهوائيات خاصة متطورة … وخلايا شمسية دقيقة حساسة. وقام الفنيون العاملون على اليخت بزرعها في مواقعَ بعيدة عن الأنظار حتى يستحيل كشفها من «مايكل» أو رجاله. وكان ﻟ «عثمان» رأي مهم وحيوي … وهو إعداد التجهيزات الدفاعية للعمل … ونصب جميع الأسلحة في مواقعها تحسبًا لأي عمل هجومي من رجال «مايكل»، وهم كثيرون كما رأى «أحمد». وقد تفهَّم «أحمد» رأيه ووافقه عليه … رغم أنه واثق أن «مايكل» لن يُقدِم على عملٍ أخرق … ويخسر الصفقة التي يعقدها معهم … وقد علَّق «عثمان» قائلًا بسخرية: هذا إن كان هناك صفقة. أحمد: يجب أن تُصدِّق أننا جادُّون في عَقْد هذه الصفقة مع «مايكل»، وإلا … فلن ننجح في الإيقاع بهم. وعندما نقل عينيه إلى «إلهام» … لم تدعه حتى ينبهها هي الأخرى … بل قالت له: أنا سأجعله يعطينا الرأس النووي مقابل كلمة شرف. ضحك «أحمد» وقال: هذا لن يحدث بالطبع … ولكن أتمنى أن أنقُل تفاصيل هذا اللقاء وأترك الباقي للمنظمة. إلهام: إنها ستكون أغرب عملية قمنا بها. وكعادته فجَّر «عثمان» قنبلته المدوية قائلًا: وما أخبار «مستعمرة الأوغاد»؟ | {
"chapter": "سماسرة البحار!",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "سماسرة البحار",
"url": "https://www.hindawi.org/books/40808596/4/"
} |
Subsets and Splits
No community queries yet
The top public SQL queries from the community will appear here once available.